إسلام ويب

وذروا ظاهر الإثم وباطنهللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أمر الله سبحانه وتعالى المؤمنين بترك الإثم الظاهر منه والباطن، لأن في تركه النجاة والخلاص في الدارين، والإثم الظاهر هو الإثم الذي يظهر للناس ويجاهر به، ويعاقب المجتمع كله به، ففي الحديث: كل أمتي معافى إلا المجاهرين، والمجاهرة قد تكون لمعاصٍ شخصية يجاهر بها أصحابها في المجتمع، وقد تكون أيضاً بالسكوت عن معاصٍ معلنة متفشية في المجتمع يحرسها القائمون على أموره كمعصية الربا ومؤسساته المنتشرة في كل بلاد المسلمين.

    1.   

    مكانة المسجد في الإسلام

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

    السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

    وحييتم في هذه الروضة من رياض الجنة تتبوءونها بمجلسكم هذا، فإنه {ما مشى عبد إلى مسجد من مساجد الله عز وجل لأداء فريضة من فرائض الله؛ إلا كانت خطواته إحداهما ترفعه درجة، والأخرى تحط عنه خطيئة، ولا تزال الملائكة تدعو له وتستغفر له ما دام في مصلاه ذلك ما لم يؤذ فيه}.

    فهذا خيرٌ عظيم، وهو إعادة للدور والمكانة التي كان يتبوؤها المسجد في عهود الإسلام الأولى حين كان المسجد هو حلقة الدرس والجامعة التي تخرج الأجيال، وكان المسجد هو ميدان التدريب على الرماية وفنون القتال، وكان المسجد هو مجلس الشورى الذي يتدبر فيه المسلمون أمورهم، يتشاورون فيما بينهم، ويتباحثون فيما يعرض لهم، ثم مرت بالمسلمين أحقاب وأزمنة عمروا فيها المساجد وشيدوها، ورفعوا فيها المنائر، وفخموا فيها الأبنية، واعتنوا بذلك أتم عناية، ولكنهم أهملوا الحقيقة التي من أجلها وجد المسجد فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [النور:36].

    إن رفعها ليس ببنائها فحسب، ولا بتشييدها فقط، إنما رفعها الحق هو بإقامة ذكر الله تعالى فيها، وجعلها مجلساً للدرس، والبحث، والتعلم، والجدال بالتي هي أحسن، وبإعادة مهمتها، ومكانتها التي أوجدت لها، فالحمد لله تعالى حمداً كثيراً مباركاً فيه أن عادت المساجد اليوم في رقاع العالم الإسلامي إلى ما كانت عليه أول الأمر، فأصبحت المساجد اليوم منطلقاً للدعوة، ومكاناً للدروس وحلق العلم والمحاضرات، وميداناً لنشر الكتاب والشريط، وموضعاً لإعلان الفتاوى العلمية التي يصدرها أهل العلم في بلاد الإسلام، وعلى رأسهم سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، وفضيلة الشيخ محمد بن عثيمين وغيرهما من أهل العلم وأئمته.

    فالحمد لله على ذلك كثيراً، والحمد لله أن رأينا بأعيننا كيف عمرت المساجد بحلق تحفيظ القرآن الكريم، وحلق تحفيظ السنة النبوية، ودروس العلم، ومحاضراته، وغير ذلك مما هو نافع مفيد، ثم شكراً لله تعالى شكراً، وحمداً له حمداً، أن وفق مكاتب الدعوة في سائر البلاد -في هذا البلد وفي غيره- إلى المساهمة في هذا الإحياء الإسلامي المنشود لدور المسجد ورسالته، وهذا يجعلنا حريصين أشد الحرص على دعم مكاتب الدعوة بقدر المستطاع، والوقوف إلى جانبها، ومساعدتها في أداء مهمتها ورسالتها بكل غالٍ ونفيس.

    ومن ذلك دعمها الدعم المادي، فإن مكاتب الدعوة على رغم الدور العظيم التي تقوم به في هذه البلاد، إلا أنها تفتقر إلى الدعم المادي الذي يمكنها من أداء رسالتها، وهي لا تستطيع أن تقوم بهذه المهمة إلا بأن تمدوا -أنتم أيها الإخوة الحاضرون، وأيها الإخوة المستمعون- أن تمدوا أيديكم إليها بالعون والمساعدة المادية والمعنوية.

    وإنني أقول لإخوتي الأحبة الكرام: حقٌ علينا جميعاً أن نقف صفاً واحداً، وكلمةً واحدة، ويداً واحدة في سبيل نصرة الحق والدين يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ [الصف:14].

    فـ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ [الصف:14] انصروا الله تعالى في أنفسكم، وفي أموالكم، وفي بيوتكم، وفي مساجدكم، وفي مسئولياتكم، وفيما ولاكم الله -تعالى- واسترعاكم عليه، يخلف لكم الله تعالى بذلك أجراً وذخراً، وهو المطلع على ذلك: وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ [سبأ:39].

    1.   

    سياق الآيات السابقة لقوله تعالى (وذروا ظاهر الإثم وباطنه)

    عنوان هذه المحاضرة أيها الأحبة: هو جزء من آية من كتاب الله جل وعز: وَذَرُوا ظَاهِرَ الْأِثْمِ وَبَاطِنَهُ [الأنعام:120] وهي تنعقد في هذه الليلة، ليلة السبت السابع عشر من ذي القعدة من سنة ألف وأربعمائة وثلاث عشرة للهجرة، في مدينة المذنب، في مسجد الجمل.

    وَذَرُوا ظَاهِرَ الْأِثْمِ وَبَاطِنَهُ [الأنعام:120] إنه منتزع من تلك الآية الكريمة الآية مائة وعشرين من سورة الأنعام، قال الله عز وجل: وَذَرُوا ظَاهِرَ الْأِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْأِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ [الأنعام:120] وقد جاءت هذه الآية الكريمة بعد تطواف طويل في السورة، في عدد من أصحاب الجرائم والكفر والمعصية لله تعالى، تحدثت الآيات قبلها عن الذين أنكروا الوحي والنبوات، وأجلبوا في وجه الرسل عليهم الصلاة والسلام وقالوا إِذْ قَالُوا مَا أَنـزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنـزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً [الأنعام:91].

    فأبدوا قراطيس، وأخفوا حقائقها ومعانيها وجواهرها؛ لأنهم أظهروا ما لا بد من إظهاره، وكتموا الحق الذي اؤتمنوا عليه، فكانوا كما قال الله تعالى: كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً [الجمعة:5] وجاءت هذه الآيات بعد ما ذكر الذين يدعون نقيض ذلك، فيزعمون أن الله تعالى اختارهم واصطفاهم، وأنـزل الرسل عليهم بكرة أو عشياً، ويقولون: قد أنـزل علينا الوحي، فعاتبهم الله تعالى وجلَّى كذبهم وزيفهم، وقال سبحانه: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ [الأنعام:93] وهؤلاء ما ادعوا دعواهم العريضة تلك بتنـزل الرسل عليهم، ومجيء الوحي إليهم، إلا من استكبار في أنفسهم وإثم في قلوبهم، دعاهم إلى أن يدعوا ما ليس لهم بحق، وما زال ورثة هؤلاء الكذابين الأفاكين، قائمين إلى اليوم.

    وقبل أيام أعلن التليفزيون اليمني عن رجل يدعي النبوة، ويقول: إن ماءه الذي يوجد في بئره خيرٌ وأكثر بركة من ماء زمزم، لأن ماء زمزم مذكر، وماؤه هو مؤنث، وهو خير منه! وادعى أن الملائكة تنـزل عليه بوحي الله عز وجل، وأنه يبرئ الأكمه والأبرص، ويقدر على شيء من ذلك كثير، وأتيحت له وسائل الإعلام في الوقت الذي يحال بين دعاة الحق ودعاة الهدى وبين هذه الوسائل بشتى الأساليب، والطرائق، والحيل، والألاعيب.

    وجاءت هذه الآيات الكريمة بعد ما ذكر الله تعالى الذين أشركوا به آلهة أخرى، وأشركوا، واتخذوا من دونه أنداداً: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ [الأنعام:100].

    فهؤلاء الذين أشركوا بالله عز وجل ما أشركوا به إلا لمرض قلوبهم بالشهوة أو بالشبهة، وعبادتهم غير الله عز وجل، وتقصيرهم في معرفة ما يجب لله، وتعظيمهم لبعض المخلوقين تعظيماً أوصلهم إلى أن رفعوهم إلى مقام الألوهية، وجعلوا لهم شركة في العبادة، فأشركوا مع الله تعالى الجن أو غير الجن.

    وجاءت هذه الآية الكريمة بعد أولئك الذين ادعوا دعوة عريضة أنهم أهل للإيمان وأهل للتقوى، وأنه متى جاءتهم الحجج البينة والآيات الظاهرة آمنوا بالله عز وجل، قال الله تعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ * وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأنعام:108-109] فهم يدعون أن توقفهم في الإيمان هو من باب التثبت والتحري والبحث والصبر، وأن الذين أسرعوا في الإيمان هم من ضعاف العقول، وضعاف النفوس، السريعين إلى قبول كل قول، ولهذا أقسموا بالله جهد أيمانهم.

    فأنت تتصور بين عينيك إنساناً بطوله وعرضه وبلسانه الفصيح المبين، يقسم بالله أيماناً تُرَوب الماء، وليس اللبن، أنه لو جاءته حجة ظاهرة وآية بينة لآمن وأسلم، ولكن الله تعالى يقول: هم كاذبون، وإذا جاءتهم هذه الآيات لا يؤمنون، وإنما حال بينهم وبين الإيمان أنهم رأوا الحق فأعرضوا عنه، ولهذا حيل بينهم وبينه:وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأنعام:109].

    جاءت الفرصة فأعرضوا عنها، فعاقبهم الله عز وجل بأن حال بينهم وبينها، وجعل أفئدتهم وأبصارهم زائغة لا تستقر على حال: بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ [ق:5] أما أولئك الذين أسرعوا للإيمان فهم أهل التقوى والصدق وأهل النقاء والنظافة في قلوبهم، ما حال بينهم وبين الإيمان كبر ولا غطرسة ولا أنفة في قلوبهم ولا تعاظم في نفوسهم، وما قالوا: لَوْلا أُنـزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا [الفرقان:21] بل قالوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا [النساء:46] وأجابوا داعي الله عز وجل.

    وجاءت هذه الآية بعد ذكر الذين يتمردون على شريعة الله، ويعاندونها بالباطل، يجلبون في وجه الحق بشبهات من عندهم يزخرفونها بجميل القول وحسن العبارة، ويأتون بالقانون المعارض لشرع الله تعالى، ويأتون بالهوى المعارض للحق، ويلبسون به على الناس: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً [الأنعام:112].

    فهم يتعاونون فيما بينهم: (شياطين الإنس وشياطين الجن) يتعاونون على الزخرفة والتلبيس على الناس، قال الله تعالى: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ [الأنعام:112] ثم قال: وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ [الأنعام:113] فلا يصغي لهم أذنه، ولا يلين لهم قلبه، ولا يجعل لهم عقله ميداناً، إلا أولئك الذين لم يؤمنوا بالآخرة، ولم يجعلوها في حسابهم، فتلبست بهم الشبهات، واجتالتهم الشياطين، وأعرضوا عن الحق أيما إعراض، ورضوا بحكم الهوى عن حكم الله جل وعلا.

    بعد ذلك ذكر الله تعالى أيضاً الأكثرية من الناس التي رضيت بالباطل وقبلته، بل أصبحت من الدعاة إليه: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام:116].

    لأنهم إما مقلد أعمى يغتر بمعسول القول وحلو العبارة، وينخدع بما تروج له أجهزة الإعلام، فيقرأ في الصحف العناوين العريضة، ويشاهد في التلفاز البرامج المرئية المؤثرة الكثيرة، ويسمع في الإذاعة حسن القول ومعسوله، ويقرأ في الكتب القصص، والأشعار، والقصائد، والتحاليل، والأخبار، والدراسات التي توصف بأنها تاريخية وعلمية وموضوعية وغير ذلك من الألفاظ والألقاب الفضفاضة؛ فينخدع بذلك فيتحول من إنسان على فطرته إلى شخص منخدع بالباطل، ثم ينتقل بعد ذلك خطوة أخرى ليصبح داعية إلى الضلالة، من أطاعه أضله عن سبيل الله: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام:116].

    إن أكثر الناس إنما هم مقلدون، عقولهم وقلوبهم هي مسرح لآراء الآخرين، قد رضوا أن يفكر عنهم غيرهم، وأن ينظر في الأمر سواهم، ثم يملي عليهم ما وصل إليه، فيقبلون ذلك منه، ويرددونه بألسنتهم دون أن تعيه قلوبهم، ولو نظرت عبر التاريخ كله لوجدت أن الجاهلية التي واجهت الرسل عليهم الصلاة والسلام كان لها زعماء يغرون العامة، ويقولون لهم: لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً [نوح:23-24].

    بعد ذلك ذكر الله عز وجل في الآيات موضوع الأكل مما ذكر اسم الله عليه، وأن المؤمنين عليهم أن يأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وذبح بالذكاة الشرعية، قال الله تعالى: وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ [الأنعام:119].

    لقد قال المشركون لمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه: أنتم تأكلون ما ذكيتم، ولا تأكلون ما ذبح الله عز وجل، فتأكلون ما ذبحت أيديكم، ولا تأكلون ما ذبحه الله بسكين من ذهب؛ يعنون الميتة، لماذا تفرقون بين هذا وذاك؟

    هذا من وحي الشياطين، شياطين الجن والإنس الذي هو قانون وضعي يعارضون به شريعة الله تعالى، فشريعة الله تقول المذكى حلال، المذكى باسم الله على يد مسلم أو كتابي هذا حلال، أما شريعة الطاغوت فتقول: حتى الميتة حلال، والدم حلال، لماذا؟

    لأنها مما ذبحه الله عز وجل، فالحكم أنها حلال في شريعة الطاغوت، والتعليل أو الدليل أنها مما ذبح الله، وهذا من تلبيس الشيطان على بني آدم، فهو من وحي شياطين الجن تلقفه عنهم شياطين الإنس، ورموا به في وجوه المؤمنين بالتشبيه والتشكيك، ولذلك قال الله تعالى: وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ [الأنعام:121] أي: في تحليل الحرام أو تحريم الحلال واعتقاد ذلك إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ [الأنعام:121] فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ * وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ [الأنعام:118-119] والله تعالى قد أحله لكم، وفصل لكم ما حرم عليكم في الأحوال العادية في غير الضرورة، ثم قال تعالى: وَذَرُوا ظَاهِرَ الْأِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْأِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ [الأنعام:120].

    إذاً: من الإثم الظاهر أن تأكل الميتة لغير ضرورة، فهذا إثم ظاهر، قال الله تعالى: وَذَرُوا ظَاهِرَ الْأِثْمِ وَبَاطِنَهُ [الأنعام:120] وإن لبس في ذلك المشركون والملبسون، ومن الإثم الباطن أيضاً اعتقاد حلها بالقلب ولو لم يأكلها، وهذا من الشرك بالله عز وجل ومن طاعة المشركين، ولهذا قال الله عز وجل: وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ [الأنعام:121] قال بعض المفسرين: إن من الإثم الباطن الزنا، وإن من الإثم الظاهر نكاح المحارم كأن ينكح الإنسان ما نكح أبوه من النساء، أو ينكح المحرمات عليه منهن.

    ثم أعقب الله تعالى الآية بقوله: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ [الأنعام:121] نعم، إن الله تعالى يرشدنا حينئذ إلى أن نتجنب الحرام، ومن الحرام -مثلاً- الميتة، فإن الميتة يتجمد الدم ويتحجر في عروقها فتخبث وتفسد، فإذا أكلها الإنسان داخلت جسمه، فكان جسماً نبت على سحت ونجس وحرام، وذلك الدم هو دم نجس خالط اللحم كله فنجسه، وكان بذلك حراماً.

    ومن المعلوم أن الشريعة قد جاءت بالوضوء من لحوم الإبل، وما ذلك إلا لأن الإبل في لحمها شدة وشرة وحرارة، فإذا اختلطت بالبدن أثرت فيه، فكان الوضوء يخفف من أثره، ويقلل منه، ويزيل بعض ملابسته للبدن، مع أن المعروف أنه حتى مخالطة الإبل، وملابستها عن بعد عن طريق الرعي تؤثر في الإنسان، ولهذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم: {أن غلظ الأكباد وقسوة القلوب في الفدادين أصحاب الإبل} فهم أغلظ أكباداً، وأقسى قلوباً، وأبعد عن الهداية، وعلى كل حال فالهداية بيد الله تعالى.

    هذا هو سياق الآيات، وبها يظهر معنى ظاهر الإثم وباطنه، وللآية وجه آخر ذكره الإمام الطبري رحمه الله تعالى في تفسيره، حيث قال ما معناه: إن الله تعالى يخاطب المؤمنين، ويقول لهم: إن أردتم الزهد وطاعة الله عز وجل والتقرب إليه، فتقربوا إليه بترك الإثم ظاهراً وباطناً، لا بترك المباح الذي أحله الله تعالى لكم مما ذبح باسم الله عز وجل، فهو كقوله عز وجل: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ [البقرة:177] إلى غير ذلك من الآيات.

    وقد جاء في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه {أن رهطاً جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسألوا فلم يجدوه، فسألوا عن عبادته، فكأنهم تقالوها، فقال أحدهم: أما أنا فأقوم الليل ولا أنام، وقال الآخر: أما أنا فأصوم النهار ولا أفطر، وقال الثالث: أما أنا فلا أتزوج النساء، وقال آخر: لا آكل اللحم، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم قال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا. قالوا نعم يا رسول الله، قال: أما إني أعلمكم بالله عز وجل وأتقاكم له، وأعلمكم لما اتقى، وإنني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني}.

    إنه لا رهبانية في الإسلام، والإسلام جاء ليحل الطيبات. ويحرم الخبائث، كما قال الله عز وجل: وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ [الأعراف:157] وقال: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الأعراف:32] أي: ويشاركهم فيها غيرهم: خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الأعراف:32] لهم من دون الناس.

    1.   

    نظائر هذه الآية في القرآن الكريم

    لهذه الآية الكريمة نظائر في كتاب الله جل وعز، وهي في موضعين: أولهما: قوله تعالى في سورة الأنعام: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الأنعام:151].

    والآية الثانية هي في سورة الأعراف: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [الأعراف:33] والقرآن مثاني كما قال الله عز وجل يشهد بعضه لبعض، ويؤيد بعضه بعضاً، ويفسر بعضه بعضاً، فالإثم الظاهر والباطن هو الفواحش ما ظهر منها وما بطن المذكور في الآيتين.

    قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه العظيم مدارج السالكين قال ما خلاصته: إن العبد لا يستحق اسم التائب استحقاقاً كاملاً تاماً إلا إذا ترك جميع المحرمات التي نهى الله تعالى عنها في القرآن، ونهى الرسول صلى الله عليه وسلم عنها في السنة، والمحرمات اثنا عشر جنساً، ذكرها الله تعالى في كتابه، هي الكفر، والشرك، والنفاق، والفسوق، والعصيان، والإثم، والعدوان، والفحشاء، والمنكر، والبغي، والقول على الله تعالى بغير علم، واتباع غير سبيل المؤمنين.

    ثم قال رحمه الله: فهذه عليها مدار ما حرم الله عز وجل، وعامة الخلق يرجعون إليها ويقعون فيها إلا من عصم الله جل وعز من أتباع الرسل عليهم الصلاة والسلام، وقد يكون في الرجل أكثرها، أو أقلها، أو خصلة منها، وقد يعلم ذلك أو لا يعلمه، والمعصوم من عصمه الله تعالى.

    فينبغي أن تعلم هذه الأصول من المحرمات، وأن تعلم أن من أعظم ما جاءت به الرسل النهي عن هذه المحرمات، والتحذير منها بكافة الوسائل والطرق.

    1.   

    دلالة الآية

    ثالثاً: دلالة الآية: الآية أمرت بترك الإثم، وهو المعصية التي توجب الإثم، وإنما سميت المعصية إثماً لأنها سبب في الإثم الذي يلحق العبد، ولهذا سمى العرب الخمر إثماً، كما قال شاعرهم:

    سقوني الإثم ثم تكنفوني     عداة الله من كذب وزور

    أي: سقوني الخمر، وقال آخر في مجلس أبي العباس:

    نشرب الإثم بالصواع جهارا     وترى المسك بيننا مستعارا

    أي: يشربون الخمر، وقال شاعر جاهلي ثالث:

    شربت الإثم حتى ضل عقلي     كذاك الإثم تذهب بالعقول

    وإنما سميت الخمر إثماً لأنها سبب في الإثم، أو داعية إليه.

    ولهذا قال مجاهد في تفسير هذه الآية: المقصود بالإثم الظاهر والباطن معصية الله تعالى في السر والعلانية، وعبارة المفسرين كلهم تدور حول هذا المعنى؛ وهي أن الآية قسمت الإثم إلى قسمين:

    الأول: إثم ظاهر يراه الناس بعيونهم، أو يسمعونه بآذانهم ويعرفونه.

    والنوع الثاني: إثم باطن لا يعلمه إلا الله تعالى، أو لا يعلمه إلا القليل من الناس.

    ثم توعد الله تعالى الذين يكسبون الإثم أن يكون كسبهم للإثم خسارة عليهم يوم الحساب: سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ [الأنعام:120] أي: من الجرائم والآثام.. متى؟

    يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً [آل عمران:30].

    1.   

    تعريف ظاهر الإثم

    رابعاً: ظاهر الإثم: ما هو ظاهر الإثم؟

    ظاهر الإثم: علانيته، كما قال قتادة، والربيع بن أنس، وأبو العالية، ومجاهد، والزجاج وغيرهم من المفسرين، وذكر ذلك الطبري، وابن كثير، وابن الجوزي، وسواهم، وظاهر الإثم أو علانيته يشمل أموراً منها:

    أولاً: المجاهرة بالمعصية وإعلانها على الملأ، وقد جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {كل أمتي معافىً إلا المجاهرين} أي: المعلنين بالمعاصي الذين لا يستترون بها، والمجاهرة بالمعصية تضاعف إثمها، فإن العاصي إذا استسر بمعصيته ضر نفسه فقط، أما إذا جاهر فإنه يكون بذلك ضر المجتمع كله، وجرَّأ آخرين على الوقوع في الإثم، أو تقليده في ذلك ومحاكاته، وبذلك انتقلت لوثة المعصية إلى المجتمع كله، فتنفسها الناس في الهواء، وشربوها مع الماء، ورضعوها مع لبن الأم، وتعاطوها بكل حال؛ لأنها أصبحت جزءاً من أعراف المجتمع ورسومه، يفعلها الجميع علانية لا يستترون بها، ولا يدارون عنها.

    متى يجاهر الإنسان بالمعصية؟ إنه لا يجاهر بها إلا إذا كان في قلبه استخفاف بالذنب، وجراءة عليه، وتهاون بالمجتمع، ولا يجاهر بالمعصية أيضاً إلا إذا كان المجتمع مقصراً أو مفرطاً بشريعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والاحتساب على الخطاة والجناة والعصاة، فهو يسكت ويجامل ويستحي، يسكت عن هذا لقرابته، ويسكت عن هذا لمنـزلته، ويسكت عن هذا لإمارته أو سلطانه، ويسكت عن هذا لمنصبه، ويسكت عن هذا لتجارته.

    وبذلك يستمرئ الناس المعصية، فيعذب المجتمع كله بسببها، ولو كان الذي يفعلها قليلاً، فإن الناس إذا رأوا المعصية، ورأوا المنكر فلم يغيروه، أوشك أن يعمهم الله بعقاب، كما جاء ذلك في أحاديث صحاح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا لا يعني أبداً أن المجاهر بالمعصية يكفر بذلك، كلا! بل هو آثم فاسق، ولكنه لا يكفر ما دام معتقداً أن المعصية حرام، إنما يبقى الحديث على ظاهره: {كل أمتي معافى إلا المجاهرين}.

    يبقى ليكون أهيب في النفوس، وأوقع في القلوب، وأردع عن الوقوع فيما حرم الله تعالى، ولهذا مجرد المجاهرة ليست كفراً، ولكن ننطق بما نطق به الصادق المصدوق أن كل الأمة معافى إلا المجاهرين فهم غير معافين، وكيف يكونون في عافية وهم يجاهرون ويبارزون الله تعالى بالمعصية؟!

    ولهذا قال السدي، والضحاك وغيرهما في هذه الآية وَذَرُوا ظَاهِرَ الْأِثْمِ وَبَاطِنَهُ [الأنعام:120] قالوا: ظاهر الإثم أولات الرايات، وباطنه أولات الأخدان.

    ما معنى هذا الكلام؟

    معناه: أنه كان في الجاهلية نساء يعتبرن الزنا حرفة ومهنة يقمن بها، وهذا معلن، وتضع الواحدة منهن الراية على بيتها، حتى يعرفها الغريب فيأتي ويأوي إليها، إنها تعلن بجريمتها وإثمها، وتتظاهر بذلك، فهذا من ظاهر الإثم.

    أما باطن الإثم فهن أولات الأخدان؛ أن تجعل الواحدة لها صديقاً تخادنه، وترتكب معه المعصية، ولكنها لا تتعاطى ذلك مع الجميع، وهذا مشهود موجود حتى في مجتمعاتنا، فأنت تجد من المنحرفات وصاحبات النفوس المريضة اللاتي تغلبت عليهن الشهوة، تجد منهن من تركض مع كل من أخذ بيدها، عرفته أو لم تعرفه؛ لأنه داخلها من ذلك والعياذ بالله تعلق بالشهوة وتربص بها وركض وراءها، فهي لا تعف عن شيء، ولا تتردد في شيء.

    وفي بعض بلاد الإسلام -مع الأسف الشديد- مع أنها بلاد إن لم تكن أغلبيتها مسلمة، فكل سكانها يقولون إنهم مسلمون، ومع ذلك قد تجد في بعض تلك البلاد مواخير الزنا وبيوت الدعارة علانية، وبعض بلاد الخليج مع الأسف الشديد أصبحت مكاناً للمومسات يأتين إليها من أنحاء الأرض والعياذ بالله، ويلتقي بهن شباب الإسلام حتى تنسلخ أخلاقهم وقيمهم، وتضعف قلوبهم ونفوسهم، ويرتكبوا ما حرم الله عز وجل، وينقلوا أوبئة الأمم الأخرى، وأمراضها وعيوبها وآفاتها إلى بلادهم وأسرهم ومجتمعاتهم النقية النظيفة العفيفة، فإنا لله وإنا إليه راجعون!

    أقول يوجد في بعض النساء من تكون كذلك، قد انفتق قلبها على الشهوة، فأصبحت تركض وراءها وتبحث عنها، فهي كصاحبات الرايات التي تعلن بالمعصية، كل من اتصل عليها بالهاتف أو راسلها أو رمى لها برقم أو عنوان أو دعاها في سيارة ركبت معه لا تلوي على شيء، ولا تتردد في شيء، فهذا من ظاهر الإثم وعلانيته، أما باطن الإثم فقد مثل له هؤلاء الأئمة بأولات الأخدان التي تتخذ لها خدناً أو صديقاً أو حبيباً، وهذا كثير جداً حتى في بعض المجتمعات المحافظة، وحتى في بعض الأسر النظيفة النقية العفيفة، فتجد للبنت صديقاً تتصل به ويتصل بها، وتخلو به، بل وتركب معه، بل ترتكب معه ألواناً من الحرام دون الزنا، بل يصل الأمر إلى الزنا، وأول خطوة قد تكون يسيرة في نظرها، لكن الخطوة الأخيرة ولو كانت صعبة إلا أنها لم تستطع أن تمتنع عنها.. وكما قيل:

    وكأس شربت على لذة     وأخرى تداويت منها بها

    والله عز وجل يقول: لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ [النور:21].

    فالخطوة الأولى كانت نظرة، أو لمحة، أو كلمة، أو عبرة، أو ضحكة، أو مجاملة، والخطوة الأخيرة هي كسر الزجاجة، والوقوع في الفاحشة العظمى: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ [الأعراف:33] وقال: وَذَرُوا ظَاهِرَ الْأِثْمِ وَبَاطِنَهُ [الأنعام:120] لقد سماها الله تعالى فاحشة لأنها جمعت ألواناً من الإثم والزور والظلم والغبن الذي لا يحق ولا يحل، فما بالك حين يكون ذلك في شأن امرأة خانت زوجها، وغدرت بأطفالها وأولادها وبناتها، وألبستهم عاراً وشناراً لا يمحى، فخالفت زوجها إلى غيره؟!

    بل ربما في بيته وربما على فراشه أيضاً؟!

    المجاهرة بالمعاصي الشخصية

    هذا نموذجٌ فحسب لظاهر الإثم في المجاهرة بالمعصية.

    ومن ظاهر الإثم -أيضاً- المجاهرة بالمعاصي الشخصية المتعلقة بشخص الإنسان في ثوبه، أو كلامه، أو مأكله، أو مشربه، أو ملبسه، أو شعره، أو هيئته، أو ما أشبه ذلك: مما يراه الناس ويعرفونه، ويتكلمون عنه في مجالسهم، فإن هذا من ظاهر الإثم الذي نهى الله عز وجل عنه، ومن ذلك بل أخطر منه البوح ببعض الأشياء الخاصة، والتحدث بها في المجالس، والتمدح بها، واعتبار أنها علامة من علامات الكرم، والرجولة، والقوة، والفتوة، والشخصية.

    فأحدهم إذا كبر المجلس قام يفتخر بمغامراته، ويعرض بأفعاله، ويتحدث عما فعل، فعلت كذا، وفعلت كذا، رحلات وعبث ليس تحته طائل، ويخبر عن تلعب الشيطان به في اليقظة لا في المنام.

    ولو أنه استتر بستر الله عز وجل، واتقى الله، واستغفر الله تعالى، لكان في عافية، ولكنه جاهر، فدخل في قوله عليه السلام: {كل أمتي معافى إلا المجاهرين}.

    ومن ذلك أيضا التشبع بما لم يفعل من المعصية والزور، فبعض البنات في المدرسة إذا جلست في الفسحة مع زميلاتها فقالت إحداهن: صديقي فلان، وقالت الأخرى: أنا أتصل بشاب، وقالت الثالثة، وقالت الرابعة -وهي بنت نقية عفيفة لكنها استحت أن تنفرد من بينهن- قالت: وأنا لي صلة بابن عمي، وهو كذا وهو كذا، وهذا وإن كان قليلاً، لكنه ينبغي أن يحاصر من بدايته ويقاوم بقدر المستطاع، لتظل مجتمعاتنا نقية، فإن الثوب الأبيض يبين فيه الوسخ والعيب ولو كان قليلاً، بخلاف الثوب الأسود فإنه مهما وضع فيه الإنسان لا يبين ولا يظهر.

    يجب أن تكون أسرنا ومجتمعاتنا وأفرادنا أثواباً بيضاء، تأبى على ألوان الغش والخداع والتدليس.

    ومن ذلك أيضاً بل شر منه توثيق الإنسان جريمته ومعصيته بوثيقة يؤاخذ بها في الدنيا والآخرة، وأي عار أو شنار أعظم عند الله تعالى ثم عند الناس أن يتحلق الناس ليسمعوا ماذا؟!

    ليسمعوا شريط مغازلة بين ذكر وأنثى، يقول لها فاحش القول، وترد عليه بمثل ذلك، وربما تحدث الناس فقالوا: فلان، وقالوا: فلانة، وأي عار أو شنار من أن يتناقل الناس صوراً بأيديهم على الورق تتحدث عن جريمة وقع فيها زيد أو عبيد من الناس؟!

    وأي عار أو شنار أعظم من أن يتحلق الناس حول هذه الشاشة ليشاهدوا شريط فيديو يعرض جريمة وقع فيها فلان! وقد يكون شخصاً معروفاً مشهوراً يتحدث الناس باسمه، ويتكلمون عنه، ثم يتبعونه باللعنة على جريمته العظيمة التي غدر فيها ليس بامرأة، وإنما غدر فيها بمجتمع كامل، وغدر فيها بنفسه، وغدر فيها بأسرته، وعصى فيها الله عز وجل، هذه كلها ألوان من المجاهرات، لكنها يمكن أن توصف بأنها مجاهرات تتعلق بالجريمة الشخصية، أو الفردية، أو الفاحشة الخاصة بالإنسان.

    المجاهرة بالمعاصي الجماعية

    لكن ثمة ألوان أخرى من المجاهرات أعظم من ذلك وأخطر، ألا وهي: المجاهرات الجماعية، والمنكرات العامة التي يعلن المجتمع كله معصية الله تعالى من خلالها ويصر عليها، بل ويقيم المجتمع المؤسسات والدور والأجهزة التي تحرسها وتحميها وتدعمها وتقيم بناءها، ويظل هذا المجتمع عليها يغذيها بعرقه، وجهد أبنائه وماله وسمعته، ويعمل المجتمع على تدعيمها وتعميق جذورها وترسيخها يوماً بعد يوم.

    تقول لي: مثل ماذا؟

    أقول لك: بيوت الربا التي تجاهر بحرب الله عز وجل صباح مساء، تعلن الحرب على الله جل وعز: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة:279] فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا [البقرة:279] أي: بترك الربا، فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة:279].

    بيوت الربا التي تدار فيها الفوائد المحرمة التي جاء في تحريمها أكثر من سبعة عشر حديثاً، فهي أحاديث متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك أقول بملء فمي: اقتصاد البلاد الإسلامية كلها وبدون استثناء يقوم على هذا الربا الحرام الذي هو حرب لله عز وجل، فكيف ترى وتظن في اقتصاد يقوم على محاربة الجبار؟!

    أليس مصيره إلى خسار وإلى إفلاس وإلى ضياع؟!

    ولذلك تجد أن أموال المسلمين تضيع في بنوك الغرب حيث تودع هناك فيستثمرها الغرب، ويأخذ المسلمون منها الفتات القليل الذي هو -أيضاً- حرام؛ لأنه جاء عن طريق فوائد ربوية، وليس عن طريق مضاربة أو ربح حلال.

    تضيع في النفقات والأعطيات والهبات السخية التي تنفق ذات اليمين وذات الشمال على أعداء الإسلام وأعداء المسلمين من اليهود، أو من النصارى أو من غيرهما، تضيع في مجاملات واستمالات لبعض الطوائف والأطراف، فيوماً هنا ويوماً هناك، ومع ذلك ما قربت منا بعيداً، ولا أزالت عداوة، ولا نفعت إلا بإيغار الصدور وتعميق العدواة وتحريك الضغائن في هؤلاء وأولئك، فأصبحوا كلما قلت عنهم النفقة أعلنوا العداوة، وصرحوا بها، وبدءوا يبتزون أمم الإسلام يوماً بعد يوم.

    وذلك كله من آثار تخلي الله عز وجل عن المسلمين في اقتصادهم حيث أقاموه على غير شريعة الإسلام، وعلى غير ما يرضي الله عز وجل، فبارزوا الله تعالى بهذه المعصية الكبيرة العظيمة، معصية الربا التي هي من أكبر الكبائر، ولم يرد فيما أعلم في شيء من المعاصي من النصوص في القرآن والحديث في التعظيم لها والتحذير منها وبيان خطورتها وفظاعتها مثل ما ورد في شأن الربا.

    ومن ذلك أيضاً، من المعاصي الظاهرة الجماعية التي يقوم المجتمع، أو تقوم المجتمعات الإسلامية على حمايتها وحراستها وحياطتها: دور الرذيلة والبغاء والدعارة الموجودة في بعض بلاد الإسلام، بل والمرخص لها رسمياً في بعض بلاد الإسلام، وتقوم بعض الجهات بالإشراف الطبي عليها، وتأخذ منها الضرائب، وتعتبر أن هذه الدور هي جزء من الدخل القومي، وجزء من تحقيق معنى الاقتصاد، وجزء من جذب السواح، وهذا موجود في دول مغاربية، ودول أفريقية إسلامية، وفي بلاد كثيرة من بلاد الإسلام، والله المستعان!

    والغريب أن الناس يستفظعون ذلك، ويستعظمونه، وهو لا شك فظيع عظيم، وكيف لا يستفظع المسلم الذي يستفظع مجرد سماع كلمة الفاحشة، كيف لا يستفظع أن يقع فيها إنسان؟!

    بل كيف لا يستفظع أن يعلن بها آخر؟!

    إذاً: كيف لا يستفظع أن توضع لوحة طويلة عريضة تنادي المارة إلى الإثم والفواحش؟!

    ولكنني أعجب -وحق لي أن أعجب- لماذا يستفظع المسلمون أن يرخص لبيوت الدعارة وبيوت الرذيلة، ولا يستفظعون أن يرخص للبنوك الربوية مع أن الربا أعظم من الزنا؟!

    وقد يسمون هذه البيوت بغير اسمها، {يشربون الخمر ويسمونها بغير اسمها}، فهي تسمى أحياناً النوادي الليلية أو الملاهي أو المراقص أو المسارح أو ما أشبه ذلك، وكل ذلك من باب تغيير الأسماء، والحقائق واحدة.

    ومن المنكرات الظاهرة الاجتماعية التي هي من ظاهر الإثم، والمجتمعات الإسلامية كلها تنفخ فيها وتؤيدها وتدعمها وتساعدها، وتنفخ فيها روح الحياة والقوة يوماً بعد يوم: أجهزة الإعلام في العالم الإسلامي التي تشحذ الغرائز، وتهيجها وتثيرها من جهة، فهي تخاطب الشباب والفتيات: هيت لك! هيت لك! صباح مساء؛ من خلال الأغنية، ومن خلال الرقص الخليع، ومن خلال المشهد، ومن خلال الصورة، ومن خلال العبارة، فهذه الكلمة هي التي يدندنون حولها صباح مساء، أو من خلال تشويه الحقائق الواقعية، وطمس الصورة التي يحتاج الناس إلى معرفتها، وشغل الأمة بالتوافه من الأمور، والاهتمامات الفارغة؛ فيوماً بالكرة والرياضة، ويوماً بصناعة الأبطال الوهميين، ويوماً بالفن الرخيص، ويوماً بالنفخ في صور القيادات المصطنعة التي لا قوام لها بذاتها، فهي لا تملك المواهب الذاتية التي تقدم نفسها للناس من خلالها، بل هي تتهاوى كلما هدأ التطبيل لها، ولذلك تحتاج إلى أن ينفخ فيها باستمرار، وأن تعظم أبداً، وأن يتحدث عنها، وأن يصفق لها، وأن يظل الناس في ضجيج وهتاف لها حتى تكون لماعة باستمرار، ويظل الناس منخدعين بها.

    وإلا فما معنى أن تقدم رموز الحداثة والأدب والشعر الحداثي في إعلام المسلمين، على أن هؤلاء هم الأدباء، وهم الشعراء، وهم رموز العلم، والفن، والفكر، والثقافة، والتقدم؟!

    ويحال بين الصوت الإسلامي والنموذج الإسلامي وبين أن يخاطب ولو قطاعاً من المسلمين، بل يوصم بكل نقيصة، فتلصق به تهم التطرف، والإرهاب، والتخلف، والرجعية، والانحطاط، والسوداوية، والرغبة في الرجوع إلى عصور الحريم وإلى العصور الوسطى، والعمل على القضاء على مكتسبات الدول، وعلى تدمير الاقتصاد، وعلى هدم المصالح القومية، وما أشبه ذلك من العبارات التي يلصقونها، ثم لا يسمحون للمتهم حتى بمجرد الدفاع عن نفسه، فضلاً عن أن يعرض بضاعته بضاعة السماء ويدعو الناس إليها.

    وما معنى التمكين لهؤلاء المنافقين، والهتافين، والمطبلين، الذين لا يجيدون إلا فن النفاق، والمداهنة، والتطبيل، والتزمير، والحيلولة بين رجال العلم، ورجال الدعوة، ورجال العمل، ورجال الصناعة، ورجال التقوية، ورجال الخبرة الذين ينفعون الأمة في دينها، أو ينفعون الأمة في دنياها؟!

    وما معنى تقديم صنائع الغرب وخدامه ومحاصرة رجال الإسلام المخلصين الذين هم خير مخلص لأمته ووطنه؟!

    إن من العجب أن تضيع الملايين من الشباب والفتيات في بلاد الإسلام بطولها وعرضها في لهاث مسعور وراء الإغراء، أو وراء الشهوة، أو وراء الفساد باسم الفن تارة، وباسم الرياضة تارة أخرى، وباسم الرقص، وباسم ألوان وألون من المغريات العصرية، أو يضيعون وراء الشهوة التي يبحثون عنها، أو يضيعون أيضاً وراء الشهرة عن طريق من هذه الطرق السابقة.

    فإذا من الله على واحدهم بالهداية، وتاب إلى الله تعالى وأناب، فإن كان شاباً أقلع عن ذلك كله وربَّى لحيته، وتردد على المساجد، وصلى لله عز وجل واستقام حاله، وإن كانت فتاة تحجبت، وسترت ما حرم الله، وابتعدت عن الحرام، وتركت كل ما لا يرضي الله عز وجل.

    وبالأمس يوم كانوا في طريق الغواية، كانت الطرق كلها أمامهم مفتوحة، والأبواب مشرعة، ووسائل الإعلام تدعوهم صباح مساء، والأموال تصب عليهم صباً، أما يوم اهتدوا فقد وجدوا المتسع ضيقاً، ووجدوا الميدان مزحوماً عنهم، فَمُنَّ عليهم وبخسوا حقهم، مُنّ عليهم حتى بكلمة يسيرة يدافعون فيها عن أنفسهم، أو يبينون حقيقة موقفهم، وقد رأيت كثيراً من الصحفيين وغيرهم يقولون عن أولئك الفتيات المتحجبات اللاتي كن بالأمس راقصات، أو فنانات، أو ممثلات، أو ما شابه ذلك، قال عنهن أرباب الصحافة الكثير، فقالوا: هؤلاء البنات قبضن مرتبات وأموالاً من الخارج مقابل الهداية، وقال آخرون: تحولن إلى متطرفات ومتزمتات، وقالت فئة ثالثة: إن هؤلاء كن يمارسن بالأمس باسم الفن أموراً غير حميدة، فلما كان الأمر كذلك تركن الفن، أما بقية الفنانات اللاتي ما زلن على طريق الفن فهن نظيفات تقيات عفيفات، فالله أكبر.. كيف تحولت الأمور وانقلبت الموازين؟!

    إذا وصف الطائي بالبخل مادر     وعير قساً بالفهاهة باقل

    وقال السها للشمس أنت ضئيلة     وقال الدجا يا صبح لونك حائل

    وطاولت الأرض السماء جهالة     وفاخرت الشهب الحصى والجنادل

    فيا موت زر إن الحياة ذميمة     ويا نفس جدي إن دهرك هازل

    كيف تعيّر التقية النقية التي ضحت بالشهرة، والمال، وتحملت في سبيل الله ألسنتكم الطويلة يا أرباب الإعلام، ويا أهيل الصحافة، وتحملت في سبيل ذلك أذى الأبعدين والأقربين، وتخلت عن أشياء كثيرة في سبيل الله عز وجل، وكان حق المجتمع أن يؤيدها ويناصرها ويدعمها، ويقدمها للأجيال على أنها النموذج الذي يجب أن يحتذى، لا أن يطعنها في خاصرتها أو في ظهرها، ويتهمها بمثل هذه التهم.

    وليس العجب أن يتسلط على الإعلام مثل أولئك الذين لا يمثلون إلا أنفسهم، لكن العجب أن تسكت الأمة عن هؤلاء، والعجب أن تشتري الأمة مطبوعاتهم وكتاباتهم وأشرطتهم وأفلامهم، وأن يكون مال المسلمين دعماً وتقوية لهؤلاء يثرون على حسابهم.

    ومن ظاهر الإثم أيضاً تولي أعداء الله عز وجل بالقول والفعل، وتمكينهم من بلاد المسلمين، ودعمهم، ومساعدتهم، وتسهيل السبل أمامهم في مقابل إيذاء أهل الخير، ومضايقتهم، واضطهادهم، والحيلولة بينهم وبين الدعوة إلى الله تعالى، أو عبادته، أو طاعته، أو الجهاد في سبيله، نعم إننا نعلم في بلاد الإسلام كلها أنه تقام الاحتفالات للنصارى علانية، وفي الشوارع العامة، وفي الساحات والميادين العلانية، ويحضرها أولاد المسلمين وبناتهم وكبارهم وصغارهم بصور مختلفة، ويرقصون على أنغام الموسيقى، ويقدم لهم رجال النصرانية على أنهم نماذج حية مثلما قدم لـبابا نويل أو غيره في عدد من الاحتفالات التي أقيمت في هذه البلاد وفي غيرها من البلاد.

    في حين أنهم يستكثرون على أهل الخير أن يجتمع منهم ولو كان العدد قليلاً، وقد يسمح لمجموعة من النصارى أن تجتمع منهم ألوف في ميدان أو فندق أو قصر أو مكان ليقيموا الاحتفالات، ويلقوا الكلمات، ويتبادلوا الأحاديث بأجواء مختلطة، رجالهم ونساؤهم مع أولاد البلاد الإسلامية ورجالتها أنفسهم، فهو جو يختلط فيه المسلمون بالكفار، والرجال بالنساء، وفي ظل شهوانية ظاهرة في كثير من الأحيان، وذلك كله تقتضيه رسوم العلاقات والدبلوماسيات والسياسات في نظر البعض.

    أما إذا كان الأمر يتعلق بقضية الدعوة إلى الله عز وجل، فهنا يكون الحصار واستخدام كافة الوسائل في المضايقة، فالفتاة التي تقرأ القرآن أو تدرسه في بيتها تحارب وتحاصر ويحقق معها وتكتب عنها التقارير، والرجل الذي ينشر العلم، أو يتحدث مع جماعته في المسجد، أو يقرأ عليهم ما يرى أنهم بحاجة إليه، أو يشرح لهم بعض مسائل العلم، أو ينبههم على المنكرات هو عرضة للأذى والمضايقة، وربما الاعتقال أحياناً بدون سبب، ودون أن يملك أحد حتى أن يسأل لماذا كان هذا؟

    إن ذلك كله -ومثله كثير- هو من ظاهر الإثم الذي يعتبر المجتمع كله مسئولاً عنه، فلست أعتقد قط أن المسئول عن مضايقة الدعاة أو الداعيات، أو حبس أصواتهم، أو منعهم من إلقاء الدروس والمحاضرات، أو منع أشرطتهم، أو إيذاؤهم، أو منع الفتيات من مثل هذه النشاطات، وبالمقابل الإذن للنصارى، واليهود، والهندوس، وسائر أعداء الملة بأن يوجدوا، وأن يعلنوا أنفسهم، وأن يتكاثروا، وأن يدعموا بني جنسهم في بلادهم، وأن نكون نحن عوناً لهم، ليس المسئول هو جهة معينة، أو وزارة معينة، أو شخصاً معيناً فحسب، ولكن المجتمع كله مسئول أيضاً، فالمجتمع الواعي المدرك الذي هو على مستوى المسئولية يرى أنه يجب أن يقوم بدوره في كل أمر، وأنه ليس هناك شيء لا يفكر فيه، أو لا يتكلم فيه، أو لا يشارك فيه؛ لأن الله تعالى جعلنا مسئولين عن هذا الدين جميعاً، كل بحسب ما يستطيع، قال الله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286].

    أي أن الله تعالى يكلف كل نفس بقدر وسعها وطاقتها وجهدها، فأنت مسئول عن نفسك، قال الله تعالى: لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:84] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: {كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته} والحديث في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه.

    إن من ظاهر الإثم أن تجد في بلاد الإسلام تحكيماً للقوانين الوضعية على رقاب الناس ودمائهم وأموالهم وأعراضهم وأبشارهم، واستبدالاً لشريعة الله عز وجل بأهواء البشر وسخافات عقولهم التي تضر ولا تنفع، وتهدم ولا تبني، وهي من أهم أسباب زعزعة الأمن وقلقه وتوتره، وأن تجد معاهد ومدارس ومؤسسات قامت على أساس الدعوة إلى القانون، أو تدريسه، أو تربية الناس عليه، أو إقناع الناس به بشكل أو بآخر، ثم ترى المجتمع المسلم يغذي ذلك كله من خلال قبوله بالتحاكم إلى غير شريعة الله، أو تأييده لذلك، أو قبوله بهذه المحاكم القانونية، أو تحاكمه إليها، أو إسراعه لدخولها وولوجها والمشاركة فيها، أو رغبة الناس أن يكون أبناؤهم من قضاتها أو العاملين فيها، أو كتابها، أو حجابها أو ما شابه ذلك.

    فهذا كله من ظاهر الإثم، وما ذكرت لا يعدو أن يكون أمثلة أتجاوزها إلى غيرها لضيق الوقت.

    1.   

    باطن الإثم

    خامساً: باطن الإثم، أما الباطن وهو السر والخفي فكثير، ولكن هاهنا سؤال: لماذا نص الله تعالى على باطن الإثم دون ظاهره؟

    فأقول لأسباب:

    أولها: إن من شأن الإنسان المؤمن أن يخفي إثمه، ويستتر به عن الناس لأنه يدري أنه عيب وعار ومذمة، ولهذا روى الإمام أحمد رحمه الله ومسلم رحمه الله في صحيحه عن { النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم، فقال: البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس} فالمؤمن يكره أن يطلع الناس على الإثم بفطرته وطبيعته، لأنه يعلم أن الناس يستعيبون ذلك ويسترذلونه ويذمونه، والمقصود بالناس: المؤمنون الأتقياء الذين يذمون الباطل وينكرونه، ويعرفون المعروف ويأمرون به.

    إذاً فالآية نهي عن الإثم من حيث هو إثم، عرفه الناس أو لم يعرفوا، فهو يترك الإثم لأنه إثم: إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [الملك:12] ولهذا قال ابن الأنباري رحمه الله: المعنى ذروا الإثم من جميع جهاته.

    السبب الثاني: أن من الناس من يترك المعصية علناً، لا يتركها خوفاً من الله عز وجل ولا خشيةً من عقابه، ولكن يتركها حفاظاً على مكانته الاجتماعية، وخشية انكسار جاهه عند الناس، وحياطة لمنـزلته، وذلك لأنه في مجتمع متدين، تقوم علاقاته على أساس ديني، فهو حريص على صورته الدينية لدى الجيران، ولدى الأقرباء، ولدى الزوجة، ولدى أهل الزوجة، ولدى زملاء العمل أو المهنة، ولذلك هو يستتر عن الناس جميعاً، ولكنه لا يستتر عن الله عز وجل لأنه لا يخافه، فهو يستخفي من الناس ولا يستخفي من الله، ولا يترك المعصية مراقبة لله تعالى.. هذا من جهة.

    أوقد يكون تظاهره بالطاعة وإخفاؤه للمعصية رعاية لمكانته الخاصة في المجتمع المبني على أساس ديني، كأن يكون إماماً، أو خطيباً، أو عالماً، أو داعياً، أو موجهاً، أو مرشداً، فيرى أن الناس ينظرون إليه على أنه رمز للدين والتدين والصلاح، ولذلك هو كسب المنـزلة بهذا السبب، ونال رضا الناس من هذا الوجه، حتى لو كان مجتمعه مقصراً، أو منحرفاً أو مفرطاً، فهو يحتاج حفاظاً على منـزلته الخاصة إلى المصانعة الظاهرة والتجمل والتعمل للناس دون أن يراعي الله عز وجل في الباطن، لأنه تقي الظاهر فاجر الباطن، والعياذ بالله!

    السبب الثالث: أن من الناس من يترك المعصية عجزاً، استفرغ وسعه في الحصول على المعصية والوصول إليها، فخطط ودرس ونظم وكاد وأبلغ، ولكنه فشل بعد ذلك، وعجز عن الوصول، فذهب وهو يفرك إحدى يديه بالأخرى تمنياً للمعصية ورغبة فيها، لكن حيل بينه وبين ما يشتهي، وهذا قد ثبت له إثم نيته، قال النبي صلى الله عليه وسلم: {إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى}.

    فهو قد استفرغ وسعه في تحصيل ذلك العمل، ولكن انقطعت به الأسباب، وأغلقت في وجهه الأبواب، إما بأن أمره انكشف للناس، أو أن تدبيره انفرط وبطل، أو فاته ما يتمنى وما يخطط له، ولهذا جاء في حديث أبي بكرة المتفق عليه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إذا التقى المسلمان بسيفهما، فالقاتل والمقتول في النار، قالوا: يا رسول الله، هذا القاتل -أي: قتل نفساً- فما بال المقتول؟!

    قال عليه الصلاة والسلام: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه}.

    لقد ثبت له إثم العزم والنية الجازمة والمحاولة وبذل الوسع في الوصول إلى المعصية، ثبت له ذلك كله، ولكن الله تعالى لا يظلم أحداً، فهذا يكتب له إثم ما سعى إليه وما بذل وحاول، أما المعصية فلا تكتب عليه معصية لم يفعلها، لا يكتب عليه أنه زنى وهو لم يزن، لكن زنت يده بالبطش، وزنت رجله بالمشي، وزنت عينه بالنظر، وزنت أذنه بالسمع، وزنى فمه بالقبلة أو بالكلمة، أما فرجه فلا يكتب عليه إثم زناً لم يفعله.

    وهكذا السارق تكتب له سرقة رجله بالمشي، وسرقة يده التي امتدت إلى الحرام، وسرقة المحاولة بالتسلق -مثلاً- أو الوصول والتسلل إلى ذلك المكان، لكن لا يكتب عليه إثم مال لم يقم بسرقته أو أخذه، وهكذا بقية المعاصي، ولذلك جاء في حديث ابن عباس -أيضاً- في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال -فيما يرويه عن ربه عز وجل: {إذا هم العبد بحسنة فعملها كتبت له عشر حسنات، إلى أضعاف كثيرة، فإذا هم بها فلم يعلمها كتبت له حسنة كاملة، فإن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإذا هم بسيئة فعملها كتبت عليه سيئة واحدة} قال الله تعالى في آخر الحديث: {فإنه إنما تركها من جرائي} أي: من أجلي وخشية، ومراقبة لله عز وجل.

    فلذلك كتبت له حسنة حينما ترك السيئة، تركها لوجه الله فكتبت له حسنة، لكن لو تركها عجزاً بعد ما حاول وبذل واستفرغ جهده، فإنه يكتب عليه وزر محاولته تلك كما دل عليه حديث أبي بكرة السابق.

    أما صور باطن الإثم: فهي صور كثيرة، ولأن هذا الموضوع موضوع خطير، وهو مرادي أصلاً من هذه المحاضرة، فإني أدع ذكر بقية الصور لضيق الوقت عنها لمحاضرة أخرى إن شاء الله تعالى، وأدع ما بقي من الوقت للإجابة على ما قد يكون هناك من أسئلة.

    1.   

    الأسئلة

    حسن الظن من حسن العمل

    السؤال يقول: قال الله تعالى: {أنا عند حسن ظن عبدي بي، فليظن عبدي بي ما شاء} فهل حسن الظن من حسن العمل؟

    الجواب: حسن الظن من حسن العمل، وحسن العمل من حسن الظن، أي أن حسن ظن الإنسان بربه يكون بسبب أعماله الصالحة، فإذا عمل صالحاً وفقه الله تعالىلحسن الظن، وكذلك حسن الظن بالله عز وجل هو من العمل الصالح الحسن الذي ينبغي للعبد أن يحرص عليه، أما أن يقول الإنسان: أنا أحسن الظن بالله وهو يبارزه بالمعصية صباح مساء، فهذا ليس بصحيح، بل هو من وضع الشيء في غير موضعه، لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل.

    الأحداث مع الشيعة في المنطقة الشرقية

    السؤال يقول: لقد أرهقنا وأزعجنا ما حصل للشيخ إبراهيم الدبيان وغيره من العلماء، فما هي أخباره؟

    وما هو عملنا نحو هذا المنكر؟

    هل صحيح ما حصل في الشرقية من تسلط أحد الشيعة على رجال الهيئة؟

    الجواب: نعم، كل ذلك صحيح، والخطب يطول، والذي نخشاه أن يكون العلمانيون قد رفعوا رءوسهم، ووجدوا الأرض الخصبة والجو المناسب، فأصبحت طرق الخير تضيق يوماً بعد يوم، وأصبح الدعاة يسحب منهم البساط خطوة بعد أخرى، وأصبح العلمانيون وأهل الشهوة يعلنون بباطلهم وفسادهم يوماً بعد يوم.

    فهذا الشيخ إبراهيم -حفظه الله وعجل فرجه- مضى عليه الآن عشرة أيام تقريباً، وهو رهين السجن، ولا أحد يعلم عنه شيئاً، مع أننا نعلم أنه لم يأتِ ما يدعو إلى ذلك، ونعلم أن أرباب الفساد والريب والشهوة والظلم الذين يقبضون بجرائم علنية، أنهم يخرجون بالكفالة، وهذا نظام معروف شائع.

    فلماذا يعامل الدعاة بمعاملة خاصة، وطلبة العلم؟!

    ولماذا لا يخرجون؟!

    ولماذا لا تحال قضايانا جميعاً إلى المحاكم الشرعية؟!

    لقد رضينا بشريعة الله تعالى حكماً في أمورنا كلها، دقيقها وجليلها، لا مثنوية في ذلك، فلماذا لا تحال هذه القضايا إلى المحاكم الشرعية يبت فيها أهل العلم والقضاة؟!

    وأعتقد أننا جميعاً نرضى بحكم الله عز وجل في أنفسنا ودمائنا وأهلينا وغير ذلك، ومن طلب الشريعة فإنما طلب حقاً، وينبغي أن يلبى، أما أن يرفض أو يعرض عن ذلك، فهذا هو الخطب الجلل: وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ [النور:48-50] إنها خياراتٌ لا مخلص من أحدها، وكلها خيارات عظيمة عظيمة..!

    إننا نعجب أن يفتح المجال للشيعة على مصراعيه، فيعقدون الاجتماعات العلنية، يحتفل مئات من الشباب منهم بزواجهم، يحضر عشرات الألوف هذه الاحتفالات، وتعلن في الجرائد، وتقدم في التلفاز، ويتحدث عنها، وبإذن رسمي، فإذا أراد أهل الخير أن يجتمع فيهم عدد قليل، قيل: لا، هذا فيه إثارة، وهذا فيه خطورة..!

    فإذا اجتمع النصارى.. اجتمعوا أين؟

    اجتمعوا في الميادين العامة في الظهران، في الأسواق والشوارع الرئيسية، رقص، وغناء، وموسيقى، التقى الرجال والنساء، السعوديون وغير السعوديين، المسلمون والكفار، ورأينا ذلك بأعيننا في وثائق لا تقبل الرد أو المناقشة، وترى فلذات الأكباد يعرضن أنفسهن أمام الرجال، وأمام الكفار بملابس النوم، الأرواب الشفافة التي تكشف ما وراءها.

    وترى الشاب السعودي يحمل العلم الأمريكي، وترى الرجل الأمريكي يحمل العلم السعودي، وترى بابا نويل المنصر المعروف، يأتي بتمثيلية تقوم بأداء دور من أدواره على مرأى ومسمع من الجميع، وترى الإذن لأكثر من ستمائة مهندس وخبير غربي مع زوجاتهم بالاحتفال على مدى ثلاثة شهور في فنادق رئيسية شهيرة، يختلط فيها آلاف الرجال والنساء من الأمريكان وغير الأمريكان، وكل ذلك تحت سمع المجتمع وبصره وموافقته.

    فإذا كانت القضية قضية المتدينين ضيقنا الخناق عليهم، فهذا خطيب يفصل، وهذا يبعد، وهذا يحاكم، وهذا يحقق معه، وهذا يطرد من البلد، وهذا يبعد عن عمله، وهناك عشرات الخطباء في المنطقة الشرقية بالذات قد أبعدوا منذ زمن بعيد، وحيل بينهم وبين المنبر، ثم تجد أن آخر ذلك مداهمة مقر حكومي رسمي، لماذا؟

    لأنه مقر هيئة بـالجبيل قبل يومين، ويأتي مريد الشرطة ومعه أعوانه، فيداهم ويفتش، ويصبح الآمر الناهي، ويأمر أفراده باحتجاز بعض العاملين في الهيئة، وعلى رأسهم رئيس الهيئة، ويسجن يوماً كاملاً.. لماذا؟!

    ما الجرم؟!

    ما الخطب؟!

    الجرم أن شيعياً قد اشتكاهم، وادعى أنهم آذوه، وأتى بتقرير من مستشفى هو أحد أفراده العاملين فيه، فهو يشهد لنفسه، أو يشهد له بعض أصحابه، ولنفرض أن ذلك حق، وأن الرجل ضرب، لننظر هل ضرب بباطل أم بغير باطل؟ ثم لنفرض أنه ضرب بغير باطل، وكل ذلك دون إثباته خرط القتاد!

    ولكن لنفرض أن الأمر وقع، ما الذي يدعو إلى هذه الأعمال الاستفزازية الموجهة إلى أهل السنة والجماعة بالذات؟ والموجهة لرجال الدعوة ورجال الصحوة على سبيل الخصوص، هل يراد أن يستثاروا بمثل هذه الأعمال؟

    هل يراد أن يخرجوا عن صبرهم وطورهم؟

    هل يظنون أنه ليس لهم من يحرسهم، ولا من يحميهم، ولا من يغضب لهم؟

    نعم يجب أن يعلموا إنه إذا كان للشيعة دولة تغضب لهم، وللنصارى دول تحامي دونهم، أن المسلمين وأهل السنة يغضب لهم الجبار من فوق سبع سماوات.

    يجب عليكم جميعاً أن تكونوا عمليين وفاعلين ومؤثرين، دعوا عنا النوم، ودعوا عنا الكلام، ودعوا عنا التمني، وانـزل للميدان، وشارك بقدر ما تستطيع، شارك بالمراسلة، بالاتصال الهاتفي، بالزيارة، بالحديث، بكتابة البرقيات، بكتابة الرسائل، بالخطب، بالدروس، بالمحاضرات، بالكلمات في المساجد، وبكل ما تستطيع.

    إعلان لجنة حقوق الإنسان بالسعودية

    السؤال يقول: أذيع في إذاعة لندن عصر هذا اليوم إنشاء جمعية لحقوق الإنسان في المملكة، برئاسة الشيخ عبد الله المسعري، وعضوية كل من الشيخ عبد الله بن جبرين وبعض المشايخ الذي على رأسهم عبد الله بن حمود التويجري وغيرهم، فما رأيكم في ذلك؟

    الجواب: على كل حال وصلني هذا الخبر، ووصلتني ورقة عن هذه اللجنة، التي مهمتها الدفاع، وأعتقد أن هذه اللجنة من أهم الضرورات التي نحتاج إليها الآن، خاصة في ظل التسلط على شباب الإسلام، وعلى دعاته وعلى أهل السنة والجماعة، ولعلكم تعرفون -أيضاً- أن بعض الشباب مسجونون في الجوف منذ عشرة أيام، لسبب وجريمة هي أن زوجاتهم يدرسن القرآن الكريم في البيوت، هذا هو الذنب الذي من أجله سجنوا وأوذوا، ولا يزالون رهن الاعتقال منذ تلك الأيام.

    فإلى متى يقع مثل هذا؟

    في الوقت الذي يمكن فيه للنساء بعرض الأزياء، ويمكن فيه بالاختلاط، ويمكن فيه بالفساد، ويمكن فيه بألوان المخالفات الشرعية، ويمكن فيه للشباب بالرياضة، ولعبة الكرة، وعقد النوادي والاجتماعات من أجل تنمية الروابط -كما يقولون- وتدعيمها في تلك المنطقة وفي غيرها من المناطق.

    الدعوة للتبرع لمكتب الدعوة

    السؤال يقول: تعلمون أن مكتب الدعوة محتاج إلى الدعم المادي، وأن هذا من التجارة الرابحة، فحثوا الحضور على ذلك، لأن المكتب له مبنى يحتاج إلى الدعم لكي يشتروه؟

    الجواب: سبق أن ذكرت في المقدمة حاجة مثل هذه المكاتب إلى الدعم، وأنا أدعوا الإخوة إلى المشاركة في سبل الخير وأبوابه، ودعمها مادياً ومعنوياً، وأرجو أن يقوم بعض الإخوة بعد الصلاة بجمع التبرعات لهذا المشروع.

    إطلاق الجاهلية على العالم الإسلامي

    السؤال: هل يعتبر وضع العالم الإسلامي بحربه على الدعوة وإطلاق التطرف على دعاته فيه جاهلية؟

    الجواب: لا ينبغي أن نطلق هذه الكلمة على عمومها، فهذه الأعمال كلها من أعمال أهل الجاهلية، لكن لا يمكن أن نصف الناس كلهم بأنهم في جاهلية، لأنهم يوجد فيهم أهل العلم، وأهل الخير، وأهل الفتوى، وأهل الدين، وأهل الصلاح، والذين هم على خير، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث المتواتر: {لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين}.

    مقاطعة المحطات التي فيها مخالفات

    السؤال يقول: هناك محطات هنا فيها عمال هندوس وفيها بيع مجلات فاسدة وما أشبه ذلك؟

    الجواب: ينبغي مقاطعتها بعد مناصحة القائمين عليها، فإن انتصحوا وأبعدوا هؤلاء العمال فالحمد لله، وإلا تقاطع هذه ويبتعد عنها.

    ضرورة إبعاد الهندوس عن جزيرة العرب

    السؤال يقول: بشرى نـزفها للجميع، وصلنا تعميم في إحدى الدوائر الحكومية ينص على ضرورة إبعاد العمالة الهندوسية من القطاعات المختلفة، بأقصى سرعة ممكنة؟

    الجواب: أتمنى أن يتحول هذا التعميم إلى برنامج عملي، لقد علمت أن وزارة الصحة استقدمت مئات العمال الهندوس خلال الشهور الثلاثة الماضية، وكان مندوبو الوزارة موجودين في الهند في الوقت الذي هدم فيه المسجد البابري، واعتدي على أعراض المسلمات، واستقدموا عدداً من الهندوس كان نصيب منطقة القصيم منهم بالعشرات، والله المستعان.

    أرجو أن يتحول هذا التعميم إلى واقع عملي، وأن يقوم كل إنسان في ميدانه وفي إدارته بتطبيق ذلك والسعي فيه.

    دور المرأة المسلمة في الدعوة

    السؤال: دور المسلمة في الدعوة إلى الله، سواء كانت معلمة أم ربة منـزل؟

    الجواب: دور المسلمة دور كبير وجليل وخطير، سواء في منـزلها مع زوجها ومع أطفالها، أم في مجتمعها مع بنات جنسها وجيرانها وزميلاتها وقريباتها، في المناسبات وفي الأفراح وفي الاجتماعات وفي الدروس العلمية وفي تحفيظ القرآن الكريم، وفي تحفيظ السنة النبوية، أم حتى في مدرستها بعقد حلق العلم ومجالس الذكر وتوزيع الكتب وتوزيع الأشرطة النافعة ونشر الخير بين البنات بقدر المستطاع.

    الفتوى الواجب إصدارها في شئون الصراعات

    السؤال: لماذا لم يصدر منكم توجيه حازم تجاه أعمال الجماعات الإسلامية المنسوبة من اغتيال وتفجير، من حيث الحلال والحرام في مصر؟

    الجواب: الواقع الآن ليست المسألة مسألة فتوى، الآن المسألة تتطلب أن تقال كلمة الحق في مجمل الواقع الذي حدا بهم، واضطر كثيراً منهم إلى ما وصلوا إليه، ونحن يصعب أن نحكم على ردة الفعل، ونتجاهل الفعل، نحن نقول: إن ما يحدث الآن في مصر، أو الجزائر، أو غيرها، هو أثر يسير لمخالفة هدي الله عز وجل والله تعالى، يقول: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر:14].

    وأنا أحلف بالله العظيم، الواحد، الأحد، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، أن كل مجتمع يعرض عن شريعة الله تعالى، ويعرض عن التحاكم إليها، ويحكم غير هذه الشريعة، ويحارب الله تعالى ويحارب رسله، أنه سوف يتعرض لأقسى وأشد وأغلظ وأعظم من تلك الزعازع والقلاقل والفتن التي تعيشها الشعوب الإسلامية، سوف يتعرض لأشد من ذلك كله إذا لم يراجع تصرفاته ويصححها، ويخاف الله عز وجل ويتقي الله، ويأتمر بأمر الله، وينتهي عن نهيه.

    فالقضية لا تتعلق بفتوى تصدر إلى هؤلاء، إنما القضية أوسع من ذلك، لا بد أن تصدر فتوى عن حكم التقنين والعمل بالقانون، ولا بد أن تصدر فتوى عن حكم موالاة الكفار والإلقاء إليهم بالمودة، ولا بد أن تصدر فتوى عن حكم تجنيد الإعلام لحرب الإسلام، ولا بد أن تصدر فتوى عن حكم استقدام الدعارة والفجور باسم السياحة، وباسم الفن، وباسم غير ذلك من الأشياء، ولا بد أن تصدر فتوى باسم تمكين اليهود، ومساعدتهم وتطبيع العلاقات معهم باسم السلام، ولا بد أن تصدر فتوى باسم التمكين للنصارى من الدعوة إلى دينهم، وإغراء المسلمين بالخروج عن الدين والدخول في النصرانية، وإيقاع البنات المسلمات في فكاك وشراك النصارى الذين ينظمون شبكات دعارة يورطون بنات المسلمين فيها، ويجرونهن إليها جراً، ولا بد أن تصدر فتوى بالظلم الواقع على المسلمين في كل مكان، ولا بد، ولا بد، ثم تصدر بعد ذلك فتوى في حكم ما يجري..!

    أما أن تكون الفتوى مجيرة إلى فئة خاصة هي الفئة التي تريد السلطات الرسمية أن تصدر عنها فتوى، فأنا أرى أن يربأ طالب العلم بنفسه عن ذلك.

    وقد تحدثت عن هذا الموضوع كثيراً، وكان آخر ذلك (السهام الأخيرة) التي هي ضمن الدروس العلمية، كما تحدثت عنه في محاضرة (حقيقة التطرف) وكانت في جدة، وفي محاضرة (نثار الأخبار)؟

    أيضاً ضمن الدروس العلمية.

    فتنة البث المباشر

    السؤال: إن بعضهم يقول: إن الخطب والمواعظ لن ترد فتنة الأقمار الصناعية؟

    الجواب: هذه صحيح، لن ترد، لأنه كما قال الشاعر:

    لقد أسمعت لو ناديت حياً      ولكن لا حياة لمن تنادي

    ولو ناراً نفخت بها أضاءت      ولكن أنت تنفخ في رماد

    فأنت تجد أن فتوى العلماء في تحريم الدشوش أصبحت تلاحق وتصادر، ويحقق مع من يوزعها، وإلى الله تعالى المشتكى وهو المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله..!

    ولكن علينا نحن أن نكون جميعاً وسائل إعلامية متنقلة، ينبغي أن نعلم أن همم الرجال تزيل الجبال، وأن قوة الشباب يمكن أن تفتت الصخور بإذن الحي القيوم، متى ما صدقوا وأخلصوا، كن أنت داعية إلى الخير بكل مكان، حيثما حللت تنشر كتاباً، أو شريطاً، أو كلمة حق، أو أمراً بمعروف، أو نهياً عن منكر، أو دعوة، أو دفاعاً عن خير، أو محاولة إيصال الخير بقدر ما تستطيع، وحينئذٍ سوف تكون هذه الوسائل ضعيفة الجدوى، بل ربما تحول بعض الوسائل الإعلامية إلى أساليب قد تستثمر في صالح الخير ولو في نطاق ضيق.

    مناظرة أهل الكتاب

    السؤال: إنه يحب الشيخ أحمد ديدات الذي يعمل مناظرات مع النصارى؟

    الجواب: هذا جيد، لا بأس به، كما قال الله تعالى: ولا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ [العنكبوت:46] وقال: وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125] فالمجادلة والمناظرة بالحق، متى ما كان عندك بذلك علم ومعرفة، وتستطيع أن ترد على شبهاتهم هو أمر طيب، وينبغي أن نسلط عليهم سهام الدعوة، منهم من يسلم، ومنهم من يضعف يقينه بدينه، ومنهم من يقل حماسه، ومنهم من قد يثير عنده علامة استفهام، وتكبر فيما بعد، وربما تكون سبباً في الإسلام.. إلى غير ذلك.

    حكم قراءة القرآن أثناء فترة الحيض للمرأة

    السؤال: أحاول ختم القرآن خلال شهر، ولكن لا يمكنني ذلك، دون قراءته خلال أيام الدورة، فهل يمكنني تلاوته وعلي القفازين؟

    الجواب: يجوز للمرأة -على القول الراجح- أن تقرأ القرآن، ولو كانت حائضاً أو نفساء، وهذا مذهب جماعة من أهل العلم كـمالك، وهو رواية في المذهب، واختاره طوائف من أهل العلم، ومنهم سماحة الوالد الشيخ عبد العزيز بن باز وأدلته كثيرة، فللمرأة أن تقرأ القرآن ولو كانت حائضاً أو نفساء، لكن لا يجوز لها أن تمس المصحف، بل عليها إن احتاجت إلى مسه أن تمسه من وراء حائل، أما الجنب فالراجح أنه لا يجوز له قراءة القرآن حتى يغتسل، وذلك لأن بين الجنب والحائض فرقاً، فأما الجنب فإنه يمكنه إزالة حدثه باغتسال، أما الحائض فحدثها ليس في يدها.

    إجراء عملية ضرورية للنساء من الرجل

    السؤال: لدي جرح قديم وله أثر واضح، وقرر فيه عملية تجميل، ولكني مترددة في ذلك؛ لأن الذين يقومون بها رجال، فبماذا تنصحونني؟

    الجواب: إن استطعت أن تجدي نساءً يقمن بها فعليك بذلك، أما إن لم تجدي إلا رجالاً، فإن كان هذا لا يؤثر فيك ولا يضر، فأرى أن تصبري وتحتسبي، أما إن كان يضرك فلا بأس أن يعملها رجال: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286] فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16] مع العلم أنه يوجد الآن مستشفيات نسائية في أكثر من مكان يمكن أن تساهم في ذلك.

    النوم عن الصلاة

    السؤال: لي أخ مصلٍ، ولكن إذا نام يصعب إيقاظه، وأحياناً يرفض القيام، فبماذا تنصحوني؟

    الجواب: عليك أن تنصحيه بأن يستعد للقيام بالتبكير في النوم، ووضع المنبهات، والنوم على طهارة، وذكر الله عز وجل والنوم على الجنب الأيمن، وما أشبه ذلك مما يعينه على الاستيقاظ، ويدعو الله تعالى، وأن تكثري من تذكيره، فإنه لو عظمت الصلاة في عينه لاستيقظ وقت الصلاة، أو استيقظ إذا أوقظ، أما إن كان ذلك يرجع إلى مرض فيه كما يقع في البعض، أو أمر موروث بحيث أنه لا يستيقظ أبداً، فإن الأمر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لـصفوان: {إذا استيقظت فصلِّ}.

    خبر إيقاف الشيخ

    السؤال: ما هي حقيقة توقيفكم؟

    هل هذا صحيح؟

    الجواب: نعم صدر بذلك قرار، ولكن الشيخ عبد العزيز وعد شفهياً أنه سوف يلغي هذا القرار قبل أسبوع، وآخر ما وعد به غداً يوم السبت أنه سوف يصدر قراراً بإلغاء ما سبق، وأرجو من الله تعالى أن يتمكن من ذلك وألا يحال بينه وبينه، وعلى كل حال الأمر بيد الله، والمؤمن يعلم أن الخير فيما اختاره الله عز وجل.

    أخبار الانتخابات في اليمن

    السؤال: يسأل عن الانتخابات التي جرت في اليمن؟

    الجواب: نعم جرت في اليمن انتخابات كما تعلمون، وفاز ما يسمى بـحزب المؤتمر الشعبي في الشمال بأغلبية الأصوات؛ لأنه يؤيده الجيش، ويؤيده أجهزة الأمن، وبعض القبائل، وكذلك فاز حزب الإصلاح اليمني الذي يرأسه الشيخ الأحمر، والشيخ عبد المجيد الزنداني، فاز بحوالي سبعة وستين صوتاً أو قريباً من ذلك، وفاز الحزب الاشتراكي في الجنوب بحوالي ستة وخمسين صوتاً، وبعض الأحزاب العلمانية، والبعثية، والزيدية فازت بقليل من الأصوات.

    وعلى كل حال الأمر حصل ووقع وتم، ونسأل الله تعالى أن يوفق المسلمين هناك إلى التصرف المناسب، وإلى الحكم بالشريعة، وإلى اتخاذ التدابير اللازمة التي تضمن تحكيم شريعة الله عز وجل وإحياء شعيرة الجهاد في سبيله بالقول والفعل، وتسخير إمكانية ذلك البلد العظيم إعلامياً، واقتصادياً، وعسكرياً، وأمنياً، واجتماعياً لخدمة الإسلام.

    فإن هذا البلد عمق عظيم للإسلام، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: {الإيمان يمان، والحكمة يمانية} وأثنى صلى الله عليه وسلم عليهم برقة أفئدتهم وسلامة قلوبهم، وكان منهم الأشعريون أبو موسى وقومه الذين قال الله عز وجل فيهم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة:54].

    فهم حملة رسالة الإسلام إذا نكص الناس وتخلوا: فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ [الأنعام:89] وأدعو الإخوة هناك أيضاً إلى العمل على تسوية خلافاتهم فيما بينهم في المسائل الاجتهادية بالطرق الهادئة الأخوية التي ترضي الله عز وجل وتفوت الفرصة على خصوم الإسلام، وأن يبتعدوا عن الشجار، وارتفاع الأصوات فضلاً عن ارتفاع العصي والأيدي أو ما فوق ذلك.

    أسأل الله تعالى بمنه، وكرمه، وأسمائه، وصفاته أن ينصر الإسلام والمسلمين في اليمن إنه على كل شيء قدير، وأن ينصر إخواننا هناك، وأن يوفقهم للعلم النافع والعمل الصالح، وأن يجمع كلمتهم على الحق، وأن يصلح ذات بينهم، وأن يكفيهم شر أعدائهم، وأن يرينا في اليمن وفي سائر بلاد الإسلام من تحكيم شريعته وإحياء الجهاد ما تقر به عيوننا.. إنه على كل شيء قدير.

    نصيحة لرجال الأمن

    السؤال يقول: ما يروجه بعض المنافقين عن شباب الصحوة من صورة غير حقيقية، تعرضهم للنقل عن وظائفهم مثل ما حدث في هذه المنطقة من نقل بعض الشباب إلى مناطق أخرى، فهل هناك توجيه لمن ينقل مثل هذه الادعاءات؟

    الجواب: أنا أخاطب رجال الأمن في هذا الأمر؛ لأن لهم دوراً كبيراً عظيماً، وهذا التقارير الأمنية التي تكتب عن زيد وعبيد هي التي يبنى عليها في كثير من الأحيان قرارات بسجن أو مضايقة أو نقل أو إيقاف أو ما أشبه ذلك.

    فأنا أدعو الإخوة من رجال الأمن إلى أن يتقوا الله تعالى، وأن يعلموا أنهم هم جزء من أبناء هذه البلاد، وقد ولاهم الله تعالى مثل هذه المسئولية العظيمة الخطيرة، فليعلم الواحد منهم أن كل ما يخطه بقلمه، أو يقوله بلسانه، أو يسجله بجهازه أنه مسئول عنه بين يدي الله عز وجل: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89].

    وأن من تخاطبهم من رؤساء ومسئولين لن يغنوا عنك من الله شيئاً، وأنهم لن ينفعوك ولن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عز وجل لك أو عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف.

    فعليك أن تتحرى الحق، وأن تراقب الله تعالى، وأن تبتعد عن أن تكتب ما يضر مسلماً أو يسيء إليه، ولا تغتر بأنه عدو لك أو خصم، أو أن ذلك قد يرفعك في وظيفتك أو رتبتك، أو أنه قد يجعل مسئولك يرضى عنك، فإنه قد يرضى عنك، ولكن قد يسخط الله عليك من فوق سبع سماوات، وقد يكون سخط الله عز وجل عليك سبباً في كره زوجتك لك، أو عقوق أولادك، أو قلة أموالك، أو عدم توفيقك في أمورك، أو مرض في بدنك، أو ما أشبه ذلك مما لا توفق فيه.

    وكيف تسجد لله وتركع بين يديه، وتقول: سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي العظيم، سبحانك اللهم وبحمدك، إياك نعبد وإياك نستعين.. كيف تفعل ذلك وأنت تعلم أنك قد تكون يوماً من الأيام حاربت مسلماً أو ولياً من أولياء الله؟!

    لا يا أخي أنت حاربت الله، يقول الله عز وجل في الحديث القدسي: {من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب} أي أعلمته بأني محاربٌ له.

    فكيف يكون حالك وأنت ضعيف فقير، إذا كان ربك مؤذناً لك بالحرب؟!

    كيف تقول له: إياك نعبد وإياك نستعين، وأنت تعلم أنك تحاربه بتقارير تكتبها، أو أقوال تنقلها، أو شبهات، أو ظنون؟!

    أنت تقول: أظن الأمر كذا، لكن مسئولك يكتب الأمر على أنه حقيقة، والذي فوقه.. حتى يرفع على أنه تقرير على أعلى المستويات، وكانت بدايته تلك البداية الضعيفة التي لا تعدو أن تكون ظناً أو انتقاماً من شخص بينك وبينه خصومة، أو تحقيقاً لهوى في نفسك.

    فأنا أدعو الإخوة من رجال الأمن إلى أن يراقبوا الله عز وجل ويتقوه، ويبتعدوا عن الحرام، وأن يدركوا أن قرشاً يدخل جيوبهم من غير حلال يحبط كثيراً من أموالهم، ويكون سبباً في تلفها: {وكل جسد نبت من سحت فالنار أولى به}.

    وأنا أعلم أن من بينهم كثيراً ممن يراقبون الله عز وجل، ويخافونه، ويحبون الخير، ويصلون مع المسلمين، ولكنهم كمؤمن آل فرعون، مضطهد لا يستطيع أن يبطل باطلاً ولا أن يقول حقاً، لكن فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16].

    ووالله لا يجوز لأحد أن يضر مسلماً حتى ولو أبعد عن وظيفته، أو أقصي عن عمله، أو أخرت علاوته أو ترفيعه.

    إذا لم تقل الحق فعلى أقل تقدير لا تقل الباطل، واعلم أن دعوات المسلمين في آناء الليل وأطراف النهار وفي أدبار الصلوات، اعلم أن دعواتهم على من تسبب في أذى مسلم، أو آذى مسلماً، أن جزءاً منها ينصرف إليك إن كنت ممن آذى، أما إن كنت بعيداً عن ذلك بريئاً، يؤذيك أن يصاب مسلم، وتفرح لعز الدين فأنت -إن شاء الله- على خير فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16].

    على كل حال نترك بقية الأسئلة، لعل الله يتيح لها فرصة، وإلا فهي كلها أسئلة جيدة تدل حقيقة على مستوى جيد للإخوة الحضور، أسأل الله تعالى أن يجزيهم خيراً، وألا يخيب مسعاهم، وألا يقوموا من اجتماعهم هذا إلا وقد غفرت لهم ذنوبهم، وحطت عنهم خطاياهم، ورفعت درجاتهم.

    أسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى، وصفاته العليا أن يغفر لنا أجمعين، وأن يهب المسيئين منا للمحسنين، وأن يوفقنا لما يحب ويرضى.

    أسأل الله أن ينصر الإسلام والمسلمين في كل مكان، اللهم انصر الإسلام والمسلمين في كل مكان، اللهم من أراد الإسلام بسوء فأشغله بنفسه، اللهم من أراد الإسلام بسوء فأشغله بنفسه، اللهم فك أسر إخواننا المضطهدين المأسورين في كل مكان، اللهم فك أسر إخواننا في مصر، اللهم فك أسرهم في الجزائر، اللهم فك أسرهم في كل مكان، اللهم انصر إخواننا في البوسنة، اللهم انصر إخواننا في فلسطين، اللهم انصر إخواننا في مصر والجزائر يا رب العالمين، اللهم انصر إخواننا في طاجكستان.

    اللهم انصر إخواننا فوق كل أرض وتحت كل سماء، يا ناصر المستضعفين اللهم بيت أعداء الدين، اللهم خذهم أخذ عزيز مقتدر، اللهم أقر أعيننا بهلاكهم يا حي يا قيوم، اللهم صب عليهم البلاء صباً يا رب العالمين، اللهم فك أسر أخينا الشيخ إبراهيم الدبيان، اللهم فك أسره يا حي يا قيوم، اللهم فك أسره يا حي يا قيوم، اللهم فك أسر إخواننا المأسورين المسجونين في بلاد الجوف يا رب العالمين، اللهم من أرادهم بسوء فأشغله بنفسه، اللهم من آذاهم فسلط عليه العذاب، اللهم إن أردت هدايته فعجل له بالهداية، وإن سبق في علمك أنه لا يهتدي فعجل له بالعقاب والعذاب يا رب العالمين، حتى يكون عبرة لغيره، إنك على كل شيء قدير.

    اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.