إسلام ويب

دعوة للإنفاقللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تحدث الشيخ في هذا الدرس عن نماذج مشرقة من صور الإنفاق في الإسلام في العصر القديم والحديث، ووضح عدة طرق في الكتاب والسنة للحث على الصدقة والإنفاق، ثم ذكر عقوبة عدم الإنفاق، ثم ذكر أوجهاً كثيرة للإنفاق في الخير. وعقب بذكر حجج بعض الناس في عدم الإنفاق والرد عليها.

    1.   

    سبب هذه الدعوة

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده وسوله، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    أما بعــد:

    فهذه دعوة للإنفاق.

    في الدرس الخامس والثمانين من سلسلة الدروس العلمية العامة المنعقدة في هذا البلد الطيب بريدة، في الجامع الكبير منها ليلة الإثنين العشرين من شهر شوال من سنة (1413هـ).

    دعوة للإنفاق!!

    أولاً: لماذا هذه الدعوة؟

    إنها دعوة أطلقها الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه حيث صعد المنبر في مسجده وجامعه الكبير في المدينة المنورة كما في حديث جرير بن عبد الله البجلي في صحيح مسلم: {أن قوماً من مضر أتوا الرسول صلى الله عليه وسلم مجتابي النمار، متقلدي العباء والسيوف، وكانوا فقراء، فتمَّعر وجه النبي صلى الله عليه وسلم لما رآهم، فقام، فأمر الناس بالصدقة، وقال: تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من صاع بره، من صاع تمره، حتى قال عليه الصلاة والسلام: ولو بشق تمرة}.

    إنها دعوة للإنفاق تبدأ من تلك الصيحة النبوية على أعواد منبره الشريف، وتصل إلى أذن كل مسلم يملك أن يساهم فيها، وإذا كانت تلك الدعوة التي أطلقها النبي صلى الله عليه وسلم خاصةً بقدوم قومٍ من مضر كانوا فقراء جياع عراة، فإن المسلمين اليوم كلهم أصبحوا كأولئك النفر من مضر، فقد ألهبت ظهورهم سياط الجلادين، وأصمت آذانهم صرخات المستغيثين والمستنجدين، وآذاهم ألم الحر والبرد والجوع والعري، ولعبت بهم ألوان الأمراض والعلل، وقصرت بهم النفقة، فما استطاعوا من قيام وما كانوا منتصرين.

    نعم! لقد أطلقها الرسول صلى الله عليه وسلم في الوقت الذي كان فيه ينهى أشد النهي عن السؤال من غير ما حاجة، حتى قال عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأرضاه: {من سأل الناس تكثراً، فإنما يسأل جمراً، فليستقل، أو ليستكثر}.

    وفي الصحيحين من حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: {سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاني، ثم سألته، فأعطاني، ثم سألته- كما في بعض الروايات- الثالثة، فأعطاني، ثم قال لي: يا حكيم، إن هذا المال خضرٌ حلوٌ، فمن أخذه بسخاوة نفسٍ، بورك له فيه، ومن أخذه بإسراف نفسٍ، لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع -وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث نفسه- واليد العليا خير من اليد السفلى -اليد العليا هي اليد المتصدقة المعطية الباذلة، والسفلى هي الآخذة الممتدة للسؤال والطلب، واليد العليا خير من اليد السفلى- قال حكيم: فقلت: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحداً بعدك شيئاً حتى أفارق الدنيا، فكان أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه يدعو حكيماً، فيعطيه العطاء الذي يستحقه، فيأبى حكيم أن يأخذه، ثم كان عمر رضي الله عنه وأرضاه يدعو حكيماً، فيعطيه العطاء، فيأبى حكيم أن يأخذه، فيقول أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه وأرضاه: يا معشر المسلمين! إني أشهدكم على حكيم بن حزام أني أعطيه العطاء له من فيء المسلمين، فيأبى أن يأخذه} فما رزأ أحداً شيئاً حتى لقي الله عز وجل، ولذلك قال حكيم -كما في رواية في الحديث نفسه رواها أحمد في مسنده- أنه قال: { فما زال الله عز وجل يرزقنا حتى ما أعلم في الأنصار أهل بيت أكثر أموالاً منا }.

    إن مسألة الإنسان لنفسه معيبة ومذمومة خاصة حين يسأل تكثراً وعنده ما يغنيه، أما حث الإنسان الناس على الصدقة والبذل للمسلمين، فهي لون آخر محمود مأثور.

    1.   

    أهمية هذه الدعوة

    ثانياً: إننا نؤكد ضرورة إطلاق هذا النداء في مثل هذا الوقت خاصةً أن حاجات المسلمين اليوم لا تجد من يسدها، أليس من المحزن أن تقوم مشاريع الجهاد -مثلاً- على التسول، أو الشحاذة كما يقال؟

    أو أن تقوم مشاريع الدعوة إلى الله على مثل ذلك؟

    أو مشاريع التعليم دون أن يكون هناك مصادر ثابتة تدر على مثل هذه الأعمال العظيمة الجليلة؟

    إن الكنيسة تملك دولاً وأساطيل بحرية وجوية، وشركات كبرى، وميزانية ضخمة ليس فقط لحماية النصارى، بل لدعوة المسلمين وتنصيرهم، وإخراجهم عن دينهم، على حين لا يملك المسلمون من المؤسسات المتخصصة إلا أعداداً محدودة لا تبلغ بالقياس إلى شدة الحاجة شيئاً يذكر، خاصة وإحصائيات الأمم المتحدة تثبت أن أكثر من (70%) من المشردين واللآجئين والفقراء والأيتام هم من المسلمين.

    إن ميزانية التنصير قبل عامين بلغت [181] مليار دولار -وليس ريالاً- فقط لا غير، كما بلغ دخل الكنائس أكثر من [9.5] بليون دولار، وهناك [163] بليون دولار لخدمة المشاريع النصرانية التي يسمونها مشاريع خيرية، وحققت الإرساليات النصرانية الأجنبية في أنحاء العالم دخلاً مقداره حوالي [9] بليون دولار.

    فهذه الأرقام الخيالية، الأرقام التي تسمى أرقاماً فلكية يملكها النصارى، لكن هل تعرفون كلكم إحصائية لعدد الأموال المخصصة للدعوة إلى الإسلام، أو لدعم الجهاد، أو لإطعام الجياع، أو لتعليم المسلمين دينهم؟

    إن من المؤسف أن مثل هذا الرقم غير موجود أصلاً؛ لأنه لا يوجد أيضاً جهة مسئولة عن قضايا المسلمين، لا حكومة، ولا دولة، ولا مؤسسة، ولا غير ذلك، بل المسلمون لا بواكي لهم، وإنما يقتاتون على بعض المساهمات الخيرية الفردية التي لم تصل إلى مستوى العمل الجماعي المنظم.

    1.   

    أهم الطرق التي وردت في الكتاب والسنة للحث على الإنفاق

    ثالثاً: وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا [الحديد:10] لقد جاءت الزكاة بمعناها الشرعي الخاص في أكثر من ثلاثين موضعاً في القرآن الكريم، وحث الله تعالى على الصدقة والإنفاق، وتنوعت في ذلك الطرائق، وأهم تلك الطرق التي رصدتها في القرآن والسنة في الحث على الإنفاق تقرب من عشرين طريقة، أسردها على عجالة كما يلي:

    الدعوة لسرعة الإنفاق

    أولاً: الدعوة إلى المسارعة إلى الإنفاق في زمن الحاجة والفقر والشدة، فهو خير من البذل زمن السعة والغنى.

    إن المسلمين اليوم جياع فقراء ضعفاء وهم غداً -بإذن الواحد الأحد- أقوياء أغنياء أعزاء غير محتاجين إلى أحدٍ من الناس، فالذين ينفقون زمن الفقر والحاجة قبل الفتح هم أعظم درجة، كما قال الله عز وجل: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [الحديد:10].

    إن الإسلام منصور، وراية الجهاد مرفوعة، فأدرك شرف المشاركة اليوم قبل أن يفوتك الفضل والنبل.

    ما نقص مال من صدقة

    ثانياً: النفقة مخلوفة عليك لا تضرك أبداً قطعاً ويقيناً، وعداً من عند من لا يخلف الميعاد: وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سبأ:39] وفي الصحيح: {يا بن آدم أنفق، يُنفق عليك}.

    وأيضاً: في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {ما نقص مال من صدقة}.

    لقد حدثني غير واحد من الأثرياء والتجار، وأصحاب رءوس الأموال يقولون: والله نراها عياناً بأعيننا ونحسها بأيدنا ما أخرجنا شيئاً لله تعالى إلا أعطانا الله تعالى عنه عوضاً عاجلاً غير آجل ندرك أنه مقابل ما أنفقنا وتصدقنا.

    إذاً: أيقن بذلك، وسوف يخلف الله عليك في الدنيا قبل الآخرة بشرط اليقين والثقة بالله تعالى وحسن النية في العطاء، لا تعط وتقل: أريد عاجلاً في الدنيا، فهنا يدخل النية ما يشوبها، وتأتي الآية الكريمة: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا [هود:15] أعط للآخرة وسوف تأتيك الدنيا تبعاً، والله تعالى لا يخلف الميعاد.

    عجباً لمن يعرف ذلك كله كيف يتراجع، أو يتردد في الإنفاق؟!

    ألا تريد أن تكون أنت صاحب الحديقة، {اسق حديقة فلان} -كما في صحيح مسلم- فقد جاءها مطر وسحاب مخصص وملك مبعوث لهذا الإنسان، فصاحب هذه حديقة ماذا كان يصنع؟

    يرد الثلث فيها ويأكل الثلث ويتصدق بالثلث.

    الثواب من الله على المتصدقين

    الصدقة دليل على البراءة من النفاق

    رابعاً: الصدقة دليل على البراءة من النفاق، وبرهان على الإيمان وصدق اليقين في القلب، قال الله تعالى عن المنافقين: وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً [النساء:39].

    وقال عن المنافقين: هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ [المنافقون:7].

    فهذا هو الحصار الاقتصادي الذي تواصى به المنافقون بالأمس في الضغط على المؤمنين، ومحاولة التضييق عليهم، وحرمانهم من الوظائف والأعمال والأموال والمرتبات، والتضييق عليهم في أرزاقهم وأموالهم حتى ينفضوا.

    لقد ظن هؤلاء أن اجتماع المؤمنين والمسلمين هو على المغنم، وعلى الدنيا، فاعتقدوا أن المال هو الذي يقدم ويؤخر، والله تعالى يقول: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ [الأنفال:63].

    فهم ما اجتمعوا على المال، ولا من أجله، ولذلك لن يفرقهم الجوع أبداً.

    لقد كان السجناء من المؤمنين والدعاة في بعض السجون يجوعون، ثم يعطى الواحد منهم قطعة من الشوكولاته تصله من بعض أقاربه بالتهريب وبطريقة سرية، فلا يأكلها، بل يعطيها إخوانه، ثم تدور على المجموعة حتى تصل إلى الأول الذي أخرجها طيبةً بها نفسه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم من حديث أبي مالك الأشعري: {والصدقة برهان} أي: دليل على صحة وصدق إيمان المتصدق.

    فائدة الصدقة إنما تكون لنفس المتصدق

    خامساً: أنت تتصدق على نفسك، وليس على غيرك، فأكثر إن شئت، أو أقلل، قال الله تعالى: وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ [البقرة:272] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {أيكم ماله أحب إليه من مال وارثه، قالوا: يا رسول الله، كلنا ماله أحب إليه من مال وارثه، قال: فإن ماله ما قدم، ومال وارثه ما أخَّر}.

    أنت حين تجمع المال وتضعه في الأرصدة، وقد بلغت الستين، أو الخمسين، أو السبعين، أو ما أشبه ذلك، هل تنتظر عمراً آخر تصرف فيه هذا المال؟، بل أنت حين تكون كبير السن عاجزاً وقليل الأكل، وقليل الشرب، قليل اللبس، وزاهداً في متاع الدنيا، ومع ذلك تمسك بهذه الأموال، فماذا تنتظر فيها؟

    شرف المتصدق

    سادساً: الله عليم بما أنفقت ومُطِّلع عليه، وحسبك بذلك شرفاً ورفعة، قال تعالى: وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ [البقرة:273] وقال:وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ [البقرة:270].

    الله غني عنكم والصدقة قربة منه تعالى

    سابعاً: الله غني عنك، وإنما ابتلاك ليعلم -وهو أعلم في كل حال- أتشكر أم تكفر: لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ [النمل:40] وقال الله تعالى: وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الحديد:10].

    إن الله تعالى لو شاء، لأجرى الجبال ذهباً وفضةً مع نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فلم يكن به حاجة عليه الصلاة والسلام أن يربط على بطنه حجرين من الجوع يوم الأحزاب، ولكن هكذا الدنيا، هكذا أرادها الله عز وجل، والله تعالى قادر على أن يعطي جنده وأولياءه والمجاهدين في سبيله من نعيم الدنيا الشيء الكثير، ولكنها دار الابتلاء.

    النفقة قربة إلى الله

    النفقة سبب في دعاء الصالحين لك

    تاسعاً: هي سببٌ في دعاء الصالحين لك بالخير، ولهذا قال الله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ [التوبة:103] فكان عليه الصلاة والسلام يأخذ الصدقة والزكاة، ثم يقول: {اللهم صلِّ على آل بني فلان، اللهم صلِّ على آل أبي أوفى} كما في الصحيح، وكذلك قال الله تعالى في الآية السابقة: وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ [التوبة:99] أي: دعواته لهم.

    إن المؤمنين جميعاً يدعون للمنفقين، بل وحتى الملائكة، فما من شمسٍ تطلع إلا وملكان يقولان: {اللهم أعط منفقاً خلفاً} وهكذا الصالحون من المؤمنين يدعون للمنفقين.

    وأقول أيها الأحبة:

    حق عليَّ وعليكم أن ندعو سراً وجهاراً حتى في صلاتنا وسجودنا للذين يساهمون في أعمال الخير، ويدعمون مشاريعها سواء عرفوا، أو لم يعرفوا، هذا بعض حقهم، وإذا كنت أنت عاجزاً عن الإنفاق، فادع لمن أنفقوا، فإنك لست عاجزاً عن الدعاء.

    فداء النفس من العذاب

    عاشراً: الصدقة فداء للنفس من عذاب الآخرة، فقد أخبر الله تعالى عن الكفار: أنه لو كانت لهم الدنيا ومثلها معها في الدار الآخرة، لافتدوا بها من سوء العذاب يوم القيامة، فلماذا لا يفتدي الإنسان نفسه باليسير؟

    قال الله عز وجل: قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ [إبراهيم:31] ليس في ذلك اليوم بيع، ولا شراء، ولا صداقة، ولا علاقة، وإنما هي الحسنات والسيئات.

    الصدقة من علامات التقوى

    النفقة طهارة للنفس

    عدم الإنفاق مهلكة

    الثالثة عشرة: ترك الإنفاق مهلكة في الدنيا والآخرة، فأنفقوا في سبيل الله، قال تعالى: وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة:195].

    المال مال الله

    الرابعة عشرة: المال مال الله، وأنت فيه خليفة مستخلف فيه، أو وكيل، قال تعالى: وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ [النور:33] وقال: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ [الحديد:7].

    الإنفاق سبب لرحمة الله

    الخامسة عشرة: هي طهارة للنفس وزكاء لها، كما قال سبحانه وتعالى: تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وقال تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى [الأعلى:14-15] وقال: وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى [الليل:17] يعني: النار، الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى [الليل:18].

    الإنفاق سبب للمغفرة

    عقوبة عدم الإنفاق

    السابعة عشرة: هي سبب للتكفير ومغفرة الذنوب، قال الله تعالى: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ [البقرة:271] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: {يا معشر النساء! تصدقن ولو من حليكن} والحديث جاء أصله في الصحيحين في قصة خطبة العيد، وجاء -أيضاً- عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود كما عند الترمذي وأبي داود، وهو حديث حسن، وله شواهد.

    حفظ مال المتصدق

    الثبات على الدين

    التاسعة عشرة: هي سبب في حفظ الأولاد والذرية من بعدك بعدما تكون رفاتاً رميماً موسداً في قبرك: وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي [الكهف:82] إنك تجد الكثيرين من التجار والأثرياء إذا ماتوا، اختلف أولادهم، وتصارموا فيما بينهم وتباعدوا وتقاطعوا وفرقوا وقسموا المال؛ بل ربما ترك المال، لأنهم اختلفوا عليه، وما ذلك -ربما والله أعلم- إلا بسبب التقصير في الإنفاق.

    العشرون: الصدقة من أسباب الثبات على الدين: وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ [البقرة:265].

    1.   

    آداب الإنفاق

    أولاً: لا منٌّ ولا أذى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى * قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذىً [البقرة:264-263].

    ثانياً: لا رياء ولا سمعة إن أظهرت الصدقة، وإنما تظهرها للقدوة الحسنة والسنة الحسنة، وإن أخفيتها، فالأصل هو الإخفاء، قال الله تعالى: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة:271].

    ثالثاً: أن تكون خالصة لوجه الله عز وجل، كما قال سبحانه وتعالى: وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ [البقرة:272].

    رابعاً: لا تتصدق إلا بالطيب: {فإن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً} كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ [البقرة:267].

    خامساً: لا تعد ما أخرجته -من الزكاة، أو الصدقة- مغرماً، بل هو مغنمٌ لك، قال الله تعالى: وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَماً [التوبة:98] قال ابن قتيبة: أي غُرماً وخسارة، وقال غيره: يعدونه من التزام ما ليس بلازم، يقول: لماذا أتعب في جمع المال، ثم أخرجه في غير مصلحة دنيوية مشاهدة؟ فهو لا يرجو لذلك ثواباً، ولا جزاءً عند الله تعالى.

    سادساً: أن يخرج المال طيبةً به نفسه، ليس كارهاً له، ولهذا وصف الله تعالى المنافقين، فقال: وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ [التوبة:54] وأثنى على المؤمنين أنهم إن وجدوا مالاً تصدقوا، وإن لم يجدوا تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون.

    سابعاً: أن تتصدق في وقت صحتك وعافيتك وشبابك وحاجتك وخوفك من الفقر، كما قال عليه الصلاة والسلام: {أن تتصدق وأنت صحيح شحيح تخاف الفقر وترجو الغنى} وهذا المعنى موجود في القرآن الكريم، قال الله تعالى: وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ [المنافقون:10].

    1.   

    عقوبات ترك الإنفاق

    إنها عقوبات كثيرة أهمها اثنتان:

    الأولى: الاستبدال، فإذا قصرتم، فعند الله تعالى خير منكم قال تعالى: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ [محمد:38].

    الثانية: يعاقب الله تعالى على ذلك، بهذا المال في الدنيا وفي الآخرة، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لانْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ [التوبة:34-35].

    وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه في حديث طويل: {أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن صاحب الذهب والفضة الذي لا يُؤَّدي منها حقها، إذا كان يوم القيامة صُفِّحت له صفائح من نار، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين الخلائق، فيرى سبيله إما إلى جنة، وإما إلى نار} ومثله -أيضاً- صاحب الإبل والبقر والغنم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر هؤلاء جميعاً.

    إذاً مالُك إن ادخرته ومنعت زكاته، ومنعت الصدقة، فإنك تعاقب به كما قال الله تعالى عن الكفار: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [التوبة:55] فيعذب الإنسان بماله، يعذب بالخوف على المال، ويعذب بالانكسار الاقتصادي، ويعذب بالصفقات التي تذهب سُداً، يعذب بالخوف على المال، يعذب بالقلق والتوتر، وقلَّ أن تجد إنساناً غنياً ثرياً لا يخاف الله، ولا يُؤدي حق المال فإنك لو نظرت إليه لوجدت معه ألواناً وألواناً من العلاجات، يأخذ هذا في الصباح، وهذا في الظهر، وهذا لينام، وهذا ليستيقظ، وهذا من أجل أن يواصل العمل، فأي خير في مال لم ينفع صاحبه إلا بمثل ذلك.

    1.   

    نماذج حية

    إن المتصدقين كثير، والمستجيبين لهذا النداء الرباني مِنْ فَجْرِ هذه الأمة، ومن فجر الإسلام إلى يومنا هذا هم جمعٌ غفيرٌ.

    فهذا أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه يقول له النبي صلى الله عليه وسلم عندما تصدق مرة: {يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك؟

    فقال أبقيت لهم الله ورسوله}.

    وهذا عثمان يجهز جيش العسرة فيخرج نوقاً بأحلاسها وأقتابها فيقول له صلى الله عليه وسلم: {ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم}.

    وهذا طلحة بن عبيد الله كان يُسمَّى طلحة الفياض، فهو أيضاً متصدق، وقد وصفه النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث فيها ضعفٌ بأنه طلحة الفياض، يوماً من الأيام نام طلحة رضي الله عنه وأرضاه عند زوجته وهي من نساء المؤمنين الفضليات، فتقلب على فراشه، فقالت له: [[يا طلحة ما بك؟

    هل أنت شاك في أهلك، أو رابك منهم شيء؟

    قال: كلا، فنعم حليلة الرجل المسلم أنتِ، قالت: فما بك؟

    قال: أموال جاءتني من الشام، وكانت تعد بمئات الألوف، فقالت: فأين أنت من فقراء المهاجرين والأنصار؟

    فأثنى عليها خيراً، ودعا لها، ثم جاء بالأواني، فملأها من الذهب والفضة وفرقها، فلم يصبح عنده شيء إلا أقل القليل، فلما أصبح، قالت له زوجته: لقد أعطيت الناس، فأين نحن من هذا المال؟

    قال: لماذا لم تذكريني؟

    فنظروا ما بقي، فإذا هو ألف دينار، فأعطاه زوجته]] وجاءه يوماً من الأيام رجل، فسأله برحم، فقال: [[والله إن هذه رحم ما سألني بها أحدٌ قبلك، هذه أرضٌ عندي قد سامها مني عثمان رضي الله عنه وأرضاه بثلاثمائة ألف دينار، فإن شئت أخذتها، وإن شئت أبيعها لك، ولك الثمن، فقال الأعرابي: لا، أريد الثمن، فباعها على عثمان، وأعطاه الثمن كاملاً غير منقوص]].

    وهذا فياض آخر هو نور الدين، وفي قصته عجبٌ أي عجب، فهو صاحب الشام، الملك العادل نور الدين أبو القاسم محمود بن الأتابك ليث الإسلام البطل الهمام، وقصصه كثيرة، وأمره عجيب، ولعلك أن تراجع سيرته، لكنني أطل على شيء يسير منها.

    كان بطلاً شجاعاً، وافر الهيبة، حسن الرمي، مليح الشكل، ذا تعبد وخوف وورع، وكان يتعرض للشهادة، -وهو ملك من ملوك المسلمين- ومرة سمعه كاتبه أبو اليسر يسأل الله أن يحشره من بطون السباع وحواصل الطيور.

    ماذا كان خبره؟

    يقول الموفق عبد اللطيف: كان نور الدين لم ينشف له لبد من الجهاد، وكان يأكل من عمل يده ينسخ تارة- هذا ملك يكتب بيده ليبيع الكتب- ويعمل أغلافاً -أغلفة للكتب- تارة أخرى، ويلبس الصوف، ويلازم السجادة والمصحف، وكان حنفياً يراعي مذهب الشافعي ومالك، وكان ابنه الصالح إسماعيل من أحسن أهل زمانه.

    قال ابن الأثير: كان لا يأكل ولا يلبس ولا يتصرف إلا من ملك له قد اشتراه من سهمه من الغنيمة، طلبت منه زوجته مالاً، فأعطاها ثلاثة دكاكين، فكأنها استقلتها -رأت أنها قليلة- فقال لها: ليس لي إلا هذا، وجميع ما بيدي من أموال المسلمين إنما أنا خازنه.

    وكان كثير التهجد، كثير العبادة، مخاطراً بنفسه في ذات الله تعالى، قال له قطب الدين النيسابوري يوماً من الأيام: بالله عليك يا أمير ألا تخاطر بنفسك، فإن أصبت في معركة، لا يبقى للمسلمين أحد إلا أخذه السيف، فقال: ومن أنا؟

    من هو محمود حتى يقال فيه مثل هذا الكلام؟

    حفظ الله البلاد قبلي فلا إله إلا هو.

    وكان ديناً تقياً، لا يرى بذل الأموال إلا في نفع، وما للشعراء عنده نفاق كما يقول الذهبي، وكان لهذا الرجل مجموعة من الأعمال خاصة في آخر عمره حيث أكثر من البر والأوقاف وعمارة المساجد، وأسقط كل ما فيه حرام، فما أبقى سوى الجزية على أهل الكتاب والخراج والعشر، وكتب في ذلك إلى جميع البلاد.

    وكان له رسم بنفقه خاصة في الشهر -من الجزية- يسيره.

    قال السبط ابن الجوزي: كانت له عجائب، وكان يخيط الكوافي ويعمل السكاكر، فيبعنها له سراً ويفطر وهو صائم على ثمنها، ويتصدق على الأرامل والأيتام والفقراء والمساكين.

    ومما يتعلق بذلك وهي فائدة ربما لا يكون لها علاقة بالموضوع، لكن للفائدة أن السبط ابن الجوزي ذكر أيضاً في تاريخ مرآة الزمان، قال: حكى لي نجم الدين بن سلار عن والده أن الفرنج لما نـزلوا على دمياط، ما زال نور الدين عشرين يوماً يصوم ولا يفطر إلا على الماء، فضعف، وكاد أن يتلف، وكان مهيباً ما يقدر أحد أن يخاطبه في ذلك، فقال إمامه يحيى، لبعض جلسائه: أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يقول له: يا يحيى بشِّر نور الدين برحيل الفرنج عن دمياط، فقال الإمام يحيى: يا رسول الله، ربما لا يصدقني؟

    فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: قل له بعلامة يوم حارم، وانتبه يحيى من نومه.

    فلما صلى نور الدين الصبح وشرع يدعو الله تعالى هابه الإمام أن يكلمه، فقال له نور الدين: يا يحيى تحدثني أنت، أو أحدثك أنا، فارتعد يحيى، وأعجم فلم يستطع الكلام، فقال له نور الدين: أنا أحدثك: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم هذه الليلة، وقال لك: كذا وكذا وكذا، قاليحيى: نعم.

    قال له يحيى: فبالله ما معنى قوله: بعلامة يوم حارم -ما هي هذه العلامة؟- قال نور الدين: لما التقينا العدو، خفت على الإسلام، فانفردت ونـزلت من فرسي، ومرغت وجهي على التراب، وقلت: يا سيدي من محمود الكلب؟!

    الدين دينك، والجند جندك، وهذا اليوم افعل ما يليق بكرمك- يخاطب رب العالمين- قال: فنصرنا الله تعالى عليهم، فهذا يوم حارم.

    فهذه نماذج سريعة من المتصدقين الكرماء الأجواد، ولا يعني ذلك أن الزمان قد انقضى عن أمثال هؤلاء، فهناك نماذج معاصرة كثيرة، وهناك رجال يتبرعون بعشرات الملايين، ويرى أحدهم أنه ما أخرج شيئاً في سبيل الله عز وجل، بل يدري أن ذلك بعض حق الله تعالى عليه في المال، أما الأغنياء، فكثير منهم على هذه الشاكلة يتصدقون وينفقون سراً وجهراً في سبيل الله عز وجل، ولا يتبعون ما أنفقوا مناً ولا أذى، فجزاهم الله خيراً، وأوسع الله لهم في أرزاقهم، وحتى الفقراء والمعوزون يتصدقون بالكثير، ولعلي ربما ذكرت لكم أمثلة كثيرة لا مانع أن أذكرها الآن للمناسبة.

    فهذه أرملة ذكرت خبرها جريدة الأنباء الكويتية تبرعت عن طريق جمعية إحياء التراث بقطعة ذهب صغيرة ربما لا تعادل خمسين ريالاً، فاشتراها أحد التجار بخمسة آلاف دينار كويتي، وتبرع بهذا المال لأعمال الخير.

    وصاحب الغترة -وما خبره عنكم ببعيد- لم يجد ما يتصدق به إلا غترته، فخلعها وتصدق بها فاشتريت بآلاف الريالات.

    وثالث تبرع بدمه في أحد المستشفيات، وأخذ هدية من المستشفى مقابل التبرع، فتبرع بها للبوسنة، وهو يقول: إذا لم نستطع أن نريق دماءنا في أرض المسلمين والإسلام هناك، فالأقل أن نتبرع بحقنة من دمنا لإخواننا المسلمين.

    وهذا طفل رابع يجمع التبرعات للمسلمين في الصومال والبوسنة، ولإطعام جائع، ولتفطير صائم، ولكسوة عاري، وقد سماه بعد الظرفاء شاحت للإسلام، وهذا الطفل قلَّ شهر أو أسبوع إلا ويأتيني بمبالغ قد تصل -أحياناً- إلى آلاف الريالات جمعها من قرش وريال وخمسة وعشرة.

    وهناك أخوات موفقات وإخوة موفقون من المدينة والرياض والخبر وجدة والقصيم وبعض دول الخليج قد تجمع المرأة من الأخوات الكريمات من راتبها وراتب زميلاتها في العمل مبلغاً طيباً، وتبعث به إلى مشروع هنا، أو مشروع هناك.

    ومن الطرائف المضحكة أن طفلاً صغيراً أعطى أحد الإخوة الشباب ريالين، وقال له: خذ هذه الريالين أحدهما للبوسنة والآخر للهرسك، وآخر نسي كلمة البوسنة والهرسك فلم يحفظها، فدفع عشرة ريالات، وقال: هذه للأوس والخزرج.

    1.   

    جهد المقل

    أورق بخيرٍ تؤمل للجزيل      فما ترجى الثمار إذا لم يورق العود

    إن الكريم ليخفي عنك عسرته      حتى تراه غنياً وهو مجهود

    بث النوال ولا تمنعك قلته      فكلما سد فقراً فهو محمود

    وللبخيل على أمواله عللٌ      زرق العيون عليها أوجهٌ سود

    وقال آخر:

    أضاحك ضيفي قبل إنـزال رحله      ويخصب عندي والمحل جديب

    وما الخصب للأضياف أن تكثر القرى      ولكنما وجه الكريم خصيب

    إن الكثيرين يستقلون ما لديهم من المال فيمنعونه، والقليل خيرٌ من العدم، وفي الحديث: {لا تحقرنَّ جارةٌ لجارتها ولو فرسن شاةٍ} وفي حديث آخر: {ولو بظلف محرق} وفي حديث ثالث: {ولو بشق تمرة} إنه جهد المقل، وقد {سبق درهمٌ ألف درهم} بل الحرقة منك وفي قلبك تكفينا إذا لم تجد غيرها.

    والله مدح المؤمنين -أو بعضهم- من الفقراء والمعدمين بقوله: وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ [التوبة:92] ولقد أثنى الله عليهم في القرآن بدموعهم التي أراقوها، لأنهم لم يجدوا ما ينفقون، فإن وجدت مالاً فتصدق، وإن لم تجد فتكفينا دموعك، فهي دموع صادقة إن شاء الله، وربما تدخل الجنة وسوف تجد هذه الدموع في ميزان حسناتك يوم القيامة.

    أيها الأخ الكريم:

    إنك تتعذر منا بأنه ليس عندك مال.

    لا خيل عندك تهديها ولا مال     فليسعد النطق إن لم تسعد الحال

    وأنا لي معك حديثٌ في الأسبوع القادم، حديث ذو شجون، وقد جعلت عنوانه: دلوني على سوق المدينة، سوف أتحدث وأدلك على طرق كثر أنت غافلٌ عنها، وأزيل عنك الغشاوة في أمور كثيرة.

    إنه لا يجوز أبداً أن يكون أهل الإسلام وأولياؤه ودعاته وشباب الصحوة كلهم فقراء محتاجين، لقد رأيتك أيها الأخ الكريم مراراً، وأنت قادمٌ علي، فأيقنت أنك قادمٌ بعطاء سخي لإخوانك هنا أو هناك، فإذا بك تحمل أوراقاً تطلب فيها مساعدةً في سداد دين، أو تفريج كرب ألم بك، وأنت معذورٌ ربما، ولكن نريد منك أن تسعى إلى تغيير حالك وحال غيرك بقدر المستطاع.

    1.   

    لمن نعطي؟

    أولاً: المتسولون الذين يطرقون الأبواب، ويمرون في الشوارع، ويقفون أمام المصلين يكثر فيهم الكذب، وقد كشفنا وكشف غيرنا الكثير من ذلك، سواء كانوا يطلبون العطاء لأنفسهم، أو لأولادهم، أو لديات، أو كانوا ربما أحياناً قد يطلب الواحد منهم لمشروع، وبعد التحقق يبدو أن هناك خطأً، أو مبالغةً في الأمر، وقد يكون الموضوع مزوراً في بعض الأحيان، حتى بعض الأوراق والوثائق قد تكون مزورة أو قديمة، أو قد يكون كتب لهم رجل أحسن بهم الظن، وحملهم على ظاهرهم.

    إنه ينبغي لنا ألاَّ نعطي إلا بعد التثبت من حال الإنسان، ولو كان في بلد ناءٍ، خاصةً إذا كان يجمع لمشروع خيري -مدرسة، أو مركز، أو مسجد، أو ما شابه ذلك- حتى لو كان هذا المشروع في الصين، أو في الهند، أو في أفريقيا.

    إن من السهل أن تُجمع عشرة مشاريع، ثم يسافر شاب إلى الهند، أو إلى الصين، أو إلى أفريقيا بتذكرة لا تكلف أكثر من ستة آلاف ريال، ويتأكد من هذه المشاريع بنفسه، ثم يرجع بخبر جهينة الخبر اليقين.

    وقد يجمع في المساجد، أو في غير المساجد مبالغ طائلة قد قبض على بعض هؤلاء، ووجد معه مائة ألف ريال جمعها خلال أقل من أسبوع، وتبين أن مدعاه ليس بصحيح، ثم إن هذا لا يعني إهمال المشاريع الإسلامية بحجة عدم التثبت، فإن كلا طرفي قصد الأمور ذميم، فبعض الناس لا يُعطي بحجة الشك، وبعض الناس يُعطي بلا تثبت! لا، ولكن حينما تريد العطاء، فأعطه من تثق بهم أنهم يتثبتون ويطمئنون ويكونون وسطاء مأمونين يستطيعون أن يوصلوا هذه الأموال إلى مستحقيها.

    ثانياً: أصحاب العاهات، وبعض النساء، وبعض العاطلين مهمتهم الطواف والسؤال، ولا مانع أن تعطي هذا الإنسان مبلغاً يسيراً مجاملةً من مالك الخاص، أما أن تعطيه من حق الفقراء، ومن مال الله عز وجل، فلا وألف لا، لا تعطه من الزكاة، وأنت يغلب على ظنك أنه غير محتاج، وأنه يجمع أموالاً طائلة، وربما ملك ما لا تملكه أنت نفسك.

    ثالثاً: العوائد المألوفة، أنت معتاد أن تعطي بعض الجيران، وبعض الأقارب، وبعض المعارف كل سنة من الزكاة، وهم قد تغيَّرت أحوالهم، وسددت ديونهم، واستغنوا بغنى الله عز وجل، وتحسنت أوضاعهم، وتوظف أولادهم، فلا داعي لاستمرار هذا العطاء، بل يجب أن تقطعه إذا علمت أنهم استغنوا عنه، ولا يجوز لك أن تعطيهم مجاملة، وأنت تعلم أنهم غير محتاجين.

    1.   

    أوجه الإنفاق

    أما أوجه الإنفاق فهي كثيرة:

    الجهاد في سبيل الله

    أولها: الجهاد في سبيل الله، ومساعدة المجاهدين بالمال والسلاح وغير ذلك من الوسائل في كل مكان، وراية الجهاد اليوم مرفوعة في بلاد عديدة، ففي البوسنة مؤمنون يقاتلون عن دينهم وعن أرضهم وأعراضهم، وفي طاجاكستان أعداد من المؤمنين المجاهدين في الشعاب.

    وقد رأينا البارحة مندوباً منهم موثوقاً -إن شاء الله تعالى- يمثل الحزب الإسلامي الوحيد هناك، حزب النهضة، فيقول: عدد المجاهدين أكثر من مائة ألف مجاهد متحصنين في الجبال، وقد استطاعوا أن يردوا نصف تلك الدولة التي سقطت في أيدي الشيوعيين، بلد قتل فيها أكثر من مائتي ألف مسلم خلال ثلاثة أشهر، وفقد منها مائة ألف مسلم أيضاً، وشرِّد أكثر من مليوني مسلم حيث ذهب أكثرهم إلى الدول المجاورة ومنها أفغانستان المنهمكة والمنشغلة بهمومها الخاصة.

    شعب يقتل لماذا؟

    لأنه أقرب الشعوب لـآسيا الوسطى وإلى الإسلام، وأكثرها تديناً وصلاحاً، فلذلك رفعوا راية الجهاد، وهم أحوج ما يكونون إلى المال.

    وهناك في إرتيريا مؤمنون مجاهدون على الطريق الصحيح، ويحتاجون إلى الدعم بالمال، وهناك في الفلبين مسلمون يُقتلون، وقد هدمت قرى بأكملها، وقد اعتدى الجنود الحكوميون على أعراض المسلمات، فأصبحت المسلمات نهباً مباحاً، ففي الهند اعتدوا على المسلمات بالاغتصاب، وفي الفلبين، وفي البوسنة، وفي كشمير، والله تعالى وحده هو المستعان.

    وأقول: أيضاً في الجزائر عشرات الآلاف من الشباب الذين يدافعون عن دينهم، وعن أعراضهم، وعن تحكيم شريعة الله عز وجل، ويقاتلون أولياء العلمانية، وأولياء الاشتراكية، وأولياء الغرب، والجميع محتاجون إلى دعم إخوانهم المسلمين، ليس فقط لدعم الجهاد بنفسه، بل لحماية ظهور المجاهدين، ورعاية أسرهم، فإن أهل الفساد والريب يقولون: لا تنفقوا على هؤلاء، ويحاصرونهم، ويتابعون كل من يدخل إلى بيوتهم، أو يوصل إليهم خيراً، يريدونهم أن يموتوا فقراً وجوعاً وعرياً، وأن يحنوا رءوسهم بسبب الحاجة والفقر، فلابد من خلافتهم في أهلهم وأطفالهم وأولادهم بخير.

    إنني أعجب -أيها الإخوة- حين نسمع عن الشباب المجاهد في أفغانستان، وما يعانيه في بيشاور وغيرها، أولاً من الحصار الدولي التي تحكمه حامية راية الصليب أمريكا نسأل الله تعالى أن يُعجل بسقوطها وهلاكها وتمزقها. فهي تتصل الآن بقوة بـالباكستان وتضغط عليها وتتحالف في ذلك مع مصر، فهناك ثلاثي -أمريكا ومصرو باكستان- للتضييق على المجاهدين في بيشاور، والقبض على المجاهدين.

    وقد قبض هناك على عشرات من الشباب، وأودعوا السجون، وهناك تخطيط للقبض على البقية الباقية، وإرسالهم إلى دولهم لتتولى محاكمتهم وسجنهم وتعذيبهم.

    فماذا كانت ذنوبهم؟

    لقد كانوا بالأمس يُودَّعون من قبل دولهم بالحفاوة والتكريم، بل ويعطون تذاكر مخفضة، أما اليوم، فهم يؤتى بهم يقادون مكبلين بالأغلال والقيود ويودعون في السجون، ويعتبرون إرهابيين ومتطرفين، لقد كانت المهمة أن يقاتلوا الروس يوم كان الاتحاد السوفيتي عدواً لـأمريكا، فكانت بعض الدول العربية تتعامل معهم على هذا الأساس.

    أما اليوم وقد سقط الاتحاد السوفيتي، فقد أصبح هؤلاء هم الخطر، وبدأت الدول تتآمر ضدهم، ثم إنهم يعانون حالاً من الجوع والفقر، وقلة ذات اليد، ويحتاجون إلى دعم إخوانهم المسلمين.

    إن الأمة التي تريد أن تكون مجاهدة حقاً عليها أن تحفظ للمجاهدين سابقتهم وفضلهم، وأن تقوم بحقهم عليها.

    نعم! إن المال لو وُفِّر لانتصر الجهاد في أكثر من موطن.

    الدعوة إلى الله

    ثانياً: الدعوة إلى الله تعالى، وذلك بإقامة المراكز الإسلامية، أو طباعة الكتب، أو توزيع الأشرطة، أو كفالة الدعاة.

    إن كفالة داعيةٍ واحدٍ في الاتحاد السوفيتي لا يكلف شهرياً، أكثر من مائة ريال، إذاً تستطيع أن تكفل داعية سنة كاملة بألف ومائتي ريال فقط.

    إننا بذلك نستطيع أن نوفر آلاف الدعاة، ولا يكلفنا ذلك شيئاً كثيراً، وإنني أعجب أيها الإخوة، وحق لي أن أعجب أن يأتي تاجر محسن متصدق فيبني مسجداً، ويجعله فخماً ضخماً واسعاً مرتفع البناء ربما كلفه ثلاثة ملايين دولار مثلاً في البناء، ثم لا يوجد من يصلي في هذا المسجد، ولا من يؤم، ولا من يخطب، ولا من يعلم، وبناء المسجد شيء حسن، وسوف أذكره بعد قليل، ولكن لو كان هذا المال صرف كله، أو جله، أو بعضه لكفالة دعاة يقومون بتوعية الناس، وتصحيح عقائدهم، وإعادتهم إلى دينهم، وتعليمهم أحكام شريعة ربهم، لكان ذلك خيراً وأقوم.

    إن طباعة خمسين ألف نسخة من كتاب لا تكلف أكثر من عشرين ألف ريال، يستطيع خمسة أن يقوموا بمثل هذا العمل الجليل اليسير في نفس الوقت.

    الشعوب المنكوبة

    ثالثاً: الشعوب المنكوبة في العراق شعب يحاصر منذ أكثر من ثلاث سنوات لا يصل إليه من الطعام والشراب واللباس والكساء إلا أقل القليل، وأحلف بالله الذي لا يحلف إلا به لو كان شعب العراق نصرانياً، لتنادت أمم النصارى كلها لفك الحصار عنه، ولكن لأنه شعب في غالبيته أبيٌ مسلمٌ، فإن أمم الغرب كلها تتحالف على الحصار عليه، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في الصحيح: {دخلت امرأة النار في هرة حبستها لا هي أطعمتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض}.

    فكيف بإنسان؟!

    فكيف بمسلم؟!

    فكيف بشعب مسلم بأكمله يُحاصر حتى من قبل دول عربية إسلامية؟!

    إن هذه الصحيفة التي أدارتها الأمم المتحدة لحصار المسلمين في العراق هي صحيفة آثمة ظالمة، وواجب على المسلمين أن ينكروها ويرفضوها، وأن يتنادوا لنصرة إخوانهم ودعمهم بالمال والطعام والشراب والغذاء والكساء والدواء، وبالدعوة إلى الله تعالى، فإن إيصال الكتب ممكن، وإيصال الأشرطة وارد.

    بل إنني أقول لكم من معلومات مؤكدة -أيها الإخوة- إن عدداً من شباب الشيعة تحولوا إلى طريقة أهل السنة والجماعة وعلى الطريقة السلفية السليمة في مناطق الأهوار وفي غيرها، داخل العراق، بل وداخل إيران بواسطة جهود المخلصين والدعاة والكتب والأشرطة.

    فعلينا أن نكون عوناً للمسلمين وللدعوة في كل مكان.

    وفي مصر شعب بأكمله يُجّوَّع وذلك من أجل أن ينشغل بالبحث عن لقمة العيش، ويضيق عليه، ويُودع شبابه في غياهب السجون، فالمساجين يعدون بالآلاف، والقتلى يعدون بالمئات، ومع ذلك حصلت نكبات وزلازل وأزمات، فتجد أن هناك تبرعات كثيرة لا يصل الناس منها إلا أقل القليل، بل إن الجماعات الإسلامية التي كانت تدعم المسلمين في مصر قد حوربت، والذي ثبت عليه أنه يدعم ويوصل بعض الأموال قد سجن، وقد سجن أكثر من أربعين طبيباً، لأنهم ساعدوا المسلمين هناك.

    ولذلك أقول للإخوة: ادعموا إخوانكم المسلمين في كل مكان، ادعموا إخوانكم المسلمين في مصر، لكن حذار أن يكون الدعم عن الطرق الرسمية التي تصل إلى الحكومات، فإن الحكومات قد تتقوى بها على ضرب الإسلام، وعلى حصار المسلمين، وعلى قتل الأبرياء، وعلى إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، ولولا الحياء لذكرت لكم نماذج أحلف بالله لا تصدقون أنها تقع، لولا أنني قرأتها في صحف موثوقة مصرية مضبوطة عندي تدل على أن هناك خططاً مبيتةً لإشاعة الجريمة في الذين آمنوا، وقطع دابر العفاف في أوساط تلك الشعوب المؤمنة الأبية في مصر وفي غيرها.

    فعلينا أن ندعم المسلمين، ولكن بواسطة الطرق الخاصة التي تصل إليهم، ولهذا أقول للموظفين: إذا جاءك طلب المساعدة، فإياك إياك أن تبذل شيئاً تعين به على قتل مسلم، أو على التضييق عليه، أو على الترويج للسياحة، أو على إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، وإذا كنت تريد الدعم، فأنت تعرف سبله وطرقه وأبوابه التي تطمئن إلى أنها تصل إلى المحتاجين.

    وفي أفغانستان دولةٌ بأكملها عانت أربع عشرة سنة من ويلات الحرب، وهي الآن تعاني أيضاً من بقايا آثار الخلاف بين أصناف وطبقات المجاهدين، فهي محتاجةٌ إلى دعم الإخوة المؤمنين سواء عن طريق التعليم، أو عن طريق نشر الكتب، أو نشر الدعوة، أو عن طريق المساعدة، أو عن طريق مساعدة اللاجئين والمهاجرين، أو غير ذلك من الوسائل.

    وفي الجزائر أيضاً شعبٌ يموت جوعاً، خمسة عشر شخصاً يعيشون في غرفة واحدة، لا يجدون مأوى إلا غرفة واحدة حتى إنهم الآن بدءوا يسلكون أسلوب النوم بالتناوب إذ لا تتسع لهم، فينام خمسة الآن على حين يذهب الباقون يبحثون عن أي عمل آخر، ثم تأتي نوبة الآخرين ليقوم هؤلاء وينام الآخرون بدلاً عنهم.

    وفي طاجاكستان الأمر كما ذكرت، وفي البوسنة الأمر معروف، ودولة البوسنة والهرسك فيها مدن ومناطق محاصرة منذ ما يزيد على سنة، سراييفو، سربنيتشا، قورازدا، وغيرها مدن محاصرة على مدى أكثر من سنة لا يكاد يصل إليها إلا أقل القليل، فعلينا أن نهب لنصرتهم.

    وفي فلسطين شعب يجوع ويضيق عليه، ويمنع حتى من الأعمال التي يمارسها -وهي أعمال متواضعة- بين اليهود في داخل ما يسمى بدولة إسرائيل، فيحال بينه وبين العمل، ويبن رغيف الخبز، وبين العيشة التي يقوم بها أوده، فضلاً عن الذين أبعدوا من ديارهم بغير حقٍ إلا أن يقولوا: ربنا الله، فهم بأمس الحاجة إلى دعمكم وعونكم وتأييدكم، فأين أنتم من هذه الشعوب المنكوبة؟

    إنني أعجب من أخ يقارن مصيبة فرد مهما عظمت وجلت بمصيبة شعب بأكمله يعاني مثل هذه الآلام.

    أيها الإخوة: إنني أُحذركم مرة أخرى من الطرق الرسمية التي تتولاها حكومات تلك الدول، فإنه لا ينفعنا أن نكتشف بعد عشرة سنوات، أو عشرين سنة أن هؤلاء كانوا خونة، وأنهم يحاكمون كما وقع في الجزائر حيث حُوُكِمَ بعض رءوس الفساد، واتهموا وثبت أنهم كانوا يسرقون الأموال، فماذا ينفعنا أن نكتشف ذلك بعدما ضاعت أموالنا؟

    إعانة من أراد الزواج

    رابعاً: من طرق الإنفاق، الشباب الراغبون في الزواج، فإنهم يحتاجون إلى إعفاف فروجهم، وغض أبصارهم، وبناء الأسرة السليمة التي تعبد الله تعالى وتوحده، وحبذا أن يكون ذلك بالقرض الحسن لتربيتهم على الاستغناء عن الناس، وعلى البحث عن الرزق الحلال، وعلى الاعتماد على الله عز وجل، ثم على أنفسهم، وفي ذلك فائدة تربوية عظيمة.

    المشاريع الاستثمارية الخيرية

    خامساً: المشاريع الاستثمارية الخيرية، وهي مهمة جداً، ومثلها الأوقاف التي توقف لصالح أعمال الخير من الأحياء، أو من الأموات، والتعجيل بها في حال الحياة أحسن وأفضل منها بعد الموت.

    إن الكثيرين يوصون بالثلث بعد الموت، وهذا في الأصل إنما هو صدقة من الله عز وجل، وإلا فالإنسان بعد موته يكون ماله لورثته، لكنك تدري أن كثيراً من الأموات ضاعت أوقافهم ووصاياهم واختلف فيها الأولاد، وتركوها، ولم تجد من يقوم بها، أو استلمتها بعض الجهات الرسمية، ولم يكن فيها كبير نفع.

    لكن لو أنك أوقفت شيئاً في حال حياتك على أعمال الخير والدعوة، وجعلته استثماراً يدر ويفيد سواء أكان أرضاً، أو عمارةً، أو محطةً، أو مشروعاً تجارياً، أو ما أشبه ذلك وكتبته لأعمال الخير، فإنك تقوم به في حال حياتك، ويكون بعد وفاتك معروفاً محدداً لا يختلف عليه أحد، وهذا عمل عظيم، لأنه يترتب عليه وجود أعمال استثمارية ثابتة ريعها معروف، ودخلها ثابت يصرف منه في أعمال البر.

    التعليم

    سادساً: التعليم: كبناء المدارس، والمعاهد، وإرسال المعلمين، وكفالتهم، وطباعة الكتب، وبناء الأربطة والمساكن للطلاب وللمدرسين وغيرهم، وإعداد خلوات تحفيظ القرآن الكريم، ويوجد ذلك في مناطق أفريقيا لذلك سواء في السودان، أو في الصومال، أو في غيرها من المناطق الإفريقية.

    ومن ذلك أيضاً تفريغ بعض النابغين من الطلبة، وإعدادهم إعداداً جيداً بصورة صحيحة ليتفرغ لطلب العلم بعيداً عن الاشتغال بالرزق والبحث عنه؛ ليتفرغوا لهذا العمل الجليل.

    الجمعيات الخيرية

    سابعاً: الجمعيات الخيرية سواء كانت جمعيات خيرية تخدم البلد، أو المنطقة، أو كانت جمعيات إسلامية عالمية تعمل على خدمة المسلمين في كل مكان، ويجب أن يتولى إدارة هذه الجمعيات كلها -بنوعيها- الأمناء الأخيار: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ [القصص:26] وحبذا أن يكون لكل داعية، أو مهتم، أو غني، أو عالم أن يكون له جمعية، بل أن يكون له شبكة من الجمعيات عبر العالم، لئلا تكون أعماله وبضاعته هي الكلام فحسب.

    فعليه أن يكون عنده نشاط للأيتام والأرامل، وآخر للتعليم -تعلم الدين- وثالث مركز للدعوة، ورابع مكتب للإعلام وهكذا يستثمر هذا العالم، أو الداعية، أو المهتم، يستثمر فرصته وعلاقاته في دعم هذه الجمعيات والإشراف عليها، ومن الضروري أن يكون هناك تنسيق بين هذه الجمعيات وتعاون على البر والتقوى، وعدم تضارب في الجهود، كما يجب عدم التسرع في إطلاق التهم على الآخرين بدون بينة، أو روية، أو تثبت أن أموالهم لا تثبت، أو أنها تضيع سدى.

    المبرات الخيرية

    ثامناً: المبرات الخيرية للأسر المحتاجة داخل المدن، أو القرى، أو المناطق النائية، بحيث توفر هذه المبرات الأموال، فتنفق على الأسر في السكن، وفي الطعام، وفي الشراب، وفي اللباس، وفي الغذاء، وفيما يحتاجون إليه، وينبغي أن يقوم على هذه المبرات العلماء وطلبة العلم، بحيث تكون مأمونة، ولا تكون فرصة لضعاف النفوس الذين يصطادون في الماء العكر، ويثرون على حساب الأيتام والأرامل والفقراء.

    المستودعات الخيرية

    تاسعاً: المستودعات الخيرية: كالمستودع الخيري الموجود، الذي يقوم عليه الشيخ صالح الهنيان جزاه الله خيراً، والتي تستقبل الأواني المنـزلية والأثاث والطعام والأدوات الكهربائية وغيرها، وتصلح ما فسد منها، وتقوم عليها، ثم تعطيها المحتاجين.

    الفقراء والمساكين

    عاشراً: الفقراء والمساكين والأرامل والأيتام أينما كانوا، فإن لهم حقاً في أموال الأغنياء، قال الله تعالى:وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ [المعارج:24-25] وقال: وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ [الذاريات:19].

    أيها الأحبة: تردني أسئلة كثيرة من الناس رجالاً ونساءً: فلان حاله كذا، فهل نعطيه؟

    وفلانة حالها كذا، هل نعطيها؟

    ويتبين لي من تلك الأسئلة أن معظم الناس يعطون زكواتهم وصدقاتهم لأقوام ربما لا يستحقونها، أو هم في غنىً عنها، وأقل ما نقول: إن هناك من هو أحوج إليها منهم.

    بناء المساجـد

    حادي عشر: المساجد: {ومن بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاةٍ، بنى الله له بيتاً في الجنة} فالمساجد في المناطق التي يحتاج إليها سواء في هذا البلد، أو في أي بلد إسلامي لا تقل أهمية المسجد عن غيره، لكن يجب أن تعرف ماذا سيكون مصير المسجد بعد البناء، وأن تعتدل في نفقته.

    صناديق الأسـر

    ثاني عشر: صناديق الأسر: وهي مهمة جداً للتكافل الاجتماعي، والترابط الأسري، فإن بعض الأسر خاصة الأسر الكبيرة تجعل لها صندوقاً واشتراكاً شهرياً من جميع أفراد هذه الأسرة، ثم يكون هناك مجلس خاص يدير هذا الصندوق ويستثمره، فيعطي المحتاجين، والشباب الراغبين في الزواج، والفقراء، والأيتام، والأرامل، وأمثالهم، ومثل هذه الصناديق ظاهرة موجودة في هذه المنطقة بحمد الله عز وجل، وفي مناطق أخرى كثيرة، وينبغي السعي إلى تعميمها ونشرها، فإن فيها فوائد: فوائد دينية، وفوائد ترابط الأسرة، والغنى وعدم الحاجة، إضافة إلى مصالح أخرى كثيرة.

    1.   

    حجج ضعيفة

    الإنفاق علىمن لا نعرف حاله

    فقد تقول لي: كيف نطعم المسلمين الذين تحدثت عنهم كثيراً، وهم في غالبهم منحرفون مقصرون، بعضهم لا يصلي، وبعضهم لا يعرف دينه، وبعضهم مسرف على نفسه، وبعضهم واقع في المعاصي، وسوف أجيبك بأربع نقاط على عجالة:

    أولاً: هم في الجملة مسلمون، ولهم عليك حق الأخوة الإسلامية ولو كانوا مقصرين، فأنت لا تستطيع أن تخرجهم في جملتهم عن مسمى الإسلام.

    ثانياً: إن أكمل وأحسن طريقة للدعوة إلى الله أن تشبعه وتطعمه وتعالجه وتساعده وتكسوه، ثم تقدم له الهداية والدعوة بعد ذلك، وليس صحيحاً أن تقوم بدعوته وهو على هذا الحال من الفقر والجوع وتقول عنه ما تقول.

    ثالثاً: أنت في سباق مع النصارى الذين لا يكفيهم أن يكون هذا المسلم مقصراً، أو مفرطاً، بل ولا يكفيهم أن يكون هذا المسلم مبتدعاً، أو ضالاً، بل يريدونه أن يكون نصرانياً، بل يريدونه أن يكون قسيساً داعية إلى الكفر.

    الأمر الرابع: إن المسئولية علينا جميعاً، فنحن مسئولون أيضاً كما نحن مسئولون عن فقرهم، نحن مسئولون عن جهلهم في الدين، وواجب علينا أن نحمل إليهم الدعوة إلى الله عز وجل، ونحرص على إيصالها إليهم بقدر المستطاع، ونحن كما صحنا بك إليك وصوتنا وطلبنا منك أن تبذل لهم الطعام والشراب والكساء، فنحن أيضاً قد دعوناك إلى بناء المسجد، وبناء المركز، وبناء المدرسة، وطباعة الكتاب، وطباعة الشريط.

    دعوى عدم وصول الأموال إلى مستحقيها

    وبعض الإخوة يتعذرون ويقولون: إن هذه الأموال قد لا تصل إلى مستحقيها.

    وأقول: عندي لك جوابان سريعان:

    فأما أولهم: فعلى لسان الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: {أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن رجلاً من بني إسرائيل خرج بصدقته ليلة فوضعها في يد إنسان، فأصبح الناس يتحدثون: تصدق الليلة على زانية، فقال: اللهم لك الحمد، على زانية! لأتصدقن الليلة، فخرج فوضعها في يد سارق، فأصبح الناس يتحدثون: تصدق الليلة على سارق، فقال: اللهم لك الحمد، على زانية وعلى سارق! لأتصدقن الليلة، فخرج بصدقته، فوضعها في يد غني، فأصبح الناس يتحدثون تصدق الليلة على غني، فقال: اللهم لك الحمد، على زانية وعلى سارق وعلى غني! فقيل له: إنه في الصدقة المتقبلة، أما الغني، فلعله أن يعتبر فينفق، وأما الزانية فلعلها أن تستعف عن زناها، وأما السارق فلعله أن يستغني فيستعف عن سرقته}.

    وأمرٌ آخر: أن هناك طرقاً موثوقة تستطيع أن تطمئن بها إلى وصول المال إلى مستحقيه.

    عدم الإنفاق خوفاً من المسئولية

    الحجة الثالثة: البعض يحجمون عن الإنفاق خوفاً من المسئولية، ومن أن يحاسبوا من بعض الجهات، ومن بعض الدوائر: لماذا دعمت هؤلاء؟

    ولماذا دعمت هؤلاء؟

    ولماذا أنفقت هنا؟

    ولماذا أنفقت هنا؟

    وأقول: هناك أيضاً جوابان:

    أولها: قال الله جل وعز: إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:175] فيجب أن تخاف الله تعالى أن يحاسبك لماذا لم تدعم أولئك المحتاجين؟

    ولماذا لم تساعد عبادي المجاهدين؟

    ولماذا لم تتبرع لمشاريع الخير والدعوة؟

    فيجب أن تخاف حساب الله قبل أن تخاف حساب المخلوقين.

    ثانياً: هناك طرقٌ مأمونة بحيث تستطيع أن توصل المال إلى وسيط تطمئن إليه وتثق به، دون أن يكون هناك أي وثيقة أو مستند رسمي.

    1.   

    طرق وأساليب

    أولاً: عليك بالاعتدال عن الإنفاق على نفسك وأهلك وأولادك، وتوفير جزء ولو يسير من الدخل لتستفيد منه في الإنفاق. إنني أعرف أن أكثر الآباء قد يُعطي الطفل عشرة ريالات، أو يشتري له لعبة بمائة ريال، فإذا انكسرت اللعبة، قال للطفل: لا يهم، البقية في حياتك، ثم يشتري له غيرها، وفي المقابل لو أتاه فقير، أو مسكين، أو مشروع خيري، فإنه يتردد في إعطائه ولو أقل مبلغ من المال، وهذا من كيد الشيطان، فإنه لا تأتي الحسابات والتساؤلات والشكوك والظنون إلا في المجال الخيري الذي ينفعك في الدار الآخرة.

    ثانياً: نحتاج إلى ترك بعض المظاهر والعادات الأسرية والمدنية والقبلية، كارتفاع المهور في الزواج، وتضخيم المناسبات والمبالغة فيها، كما نحتاج أيضاً إلى الاقتصاد في الملبوسات والمصاغات، والأحذية الموجودة بكميات كثيرة لدى الرجال والنساء، فانظر في زوجتك -مثلاً- وفي نفسك كم يوجد عندكم من الذهب، كم الذي تلبسه زوجتك؟

    وكم يوجد من الملابس لك ولها لا تلبسونها قط؟

    وكم يوجد من الأشياء التي لا تحتاجونها وربما يكون فات وقتها؟

    ولا مانع أن تشتري لنفسك ولولدك ولزوجك شيئاً جميلاً، والبس من غير إسراف، ولا مخيلة، ونوِّع، وتصدق أيضاً.

    كما أننا نحتاج إلى التبرع بالمواد العينية الفائضة عن حاجتك من غسالة، أو ثلاجة، أو فرش، أو ملابس، أو غيرها بشرط أن تكون نظيفة، أو صالحة للاستعمال، بل وحتى الأطعمة مطبوخة كانت، أو غير مطبوخة يجب إيصالها لمستحقيها، مع العناية بجودتها، وحسن مظهرها، وعدم وضع الأطعمة وتكويمها في الأماكن العامة والشوارع، بل ربما تكون أحياناً مختلطة مع القمامات والأوساخ .

    ثم هناك أمر ثالث: وهو اقتطاع جزءٍ ولو يسير من الراتب يكون على شكل اشتراك شهري للمعلم، أو المعلمة، أو الموظف، أو الموظفة، أو أي إنسان بحيث يخرجه شهرياً، وإنني أخاطب المرأة على وجه الخصوص، فأقول: المرأة غير مسئولة عن صرف شيء من المال في بيتها، بل ولا على نفسها، ولا على أولادها، حتى ملابسها، حتى حذائها، حتى طعامها على زوجها، أو أبيها فهو مطالب بتأمينه لها، فلماذا لا تدخر ذلك كله ليوم الحساب، أو تستثمره لأمر دنيوي، ويعلم الله تعالى من قلبها أنها تنوي أن تتصدق كلما رزقها الله تعالى؛ ليكون ذلك سبباً في سعة رزقها وحسن توفيقها في عاجل أمرها وآجله.

    رابعاً: إن وجود هذا الاشتراك الأسبوعي، أو الشهري، أو حتى السنوي في نشاط من النشاطات، أو عمل من الأعمال، أو جمعية، أمرٌ حسن؛ لأنه يعتاد الإنسان عليه، فلا يشق عليه إخراجه.

    وكذلك يعرف أن هناك دخلاً ثابتاً محسوباً يعتمد عليه ويحسب ضمن المبلغ الداخل، والقليل الدائم خير من الكثير المنقطع.

    1.   

    حملات تبــرع

    هناك حملات للتبرعات التي ينبغي أن نقوم بها في أي مكان، بين الزملاء، أو في المساجد، أو في الجوامع، أو في الجمع، أو في الأعياد، أو في رمضان، أو حتى في وقت استلام الراتب من كل الطلاب، أو الموظفين في أي دائرة، أو حتى في الأزمات التي تمر بالمسلمين، وليكن لك أنت شرف السبق إلى ذلك والمسارعة والمساهمة.

    مع أنه ينبغي علينا جميعاً حينما نبذل ونتبرع أن نراعي أهل الثقة والعدالة، وأن نتأكد من وصول الأمر إلى مستحقيه.

    ثم هناك نقطة إضافية وهي تخصيص جزء من عملك التجاري الاستثماري- كما أسلفت- فإذا كان عندك عشرة فروع لمتجرك فلماذا لا تخصص واحداً منها لمشاريع الخير؟

    وجرِّب وقس وسوف تجد أن مالك يتضاعف بذلك، وخاصة حينما تتولى إدارته بنفسك وتنميه لوجه الله عز وجل، ثم هناك المشاريع الاستثمارية التي يقوم عليها بعض الأخيار لصالح الدعوة، وهذا واجب على الدعاة أن يقوموا به، وواجب على الاقتصاديين أن يفكروا جيداً في هذا الأمر ويعملوا له.

    إن الكثيرين قد يتساءلون عن مثل ذلك، إنها أموال تصرف في أعمال الخير في تجارة، في أرض، في مزرعة، في أي عمل آخر، ويكون هناك مجموعة من الأمناء القائمين على هذا المشروع بحيث يطمئن إلى استمراره وألاّ يكون مرهوناً بحياة إنسان، أو موته، وألاّ يكون فيه مجال لضياع الأموال، أو استغلالها من قبل بعض ضعفاء النفوس، وإن كانت مثل هذه الأمور مما لا ينبغي أن يطال بتفصيلها.

    وهناك مشروع صناديق الدعوة، وقد يكون هذا الصندوق في المسجد، أو في غرفة الصرف في الدوائر الحكومية، أو حتى في البيت لتبذل فيه المرأة، أو يضع فيه الطفل ما تيسر له، وفي خلال شهر، أو شهور يكون قد اجتمع فيه مبلغ كبير، وينبغي أن تفتح هذه الصناديق أولاً بأول ليأخذ ما فيها، ويمكن أن تفهم صناديق الدعوة بطريقة أشمل من ذلك بحيث تكون على تلك مؤسسة صغيرة لها إدارة، لها دخل ثابت وإيرادات، ولها مصروفات، ولها نشاطات، ولها حسابات.

    وهناك الزكاة وهي من أعظم مصادر المال وأهميتها، وضرورتها واضحة جداً، فينبغي أن توضع في موضعها المناسب، ولو أن أغنياء المسلمين أخرجوا زكاة أموالهم، لاستغنى المسلمون جميعاً، سواء كانوا من المجاهدين، أو من الفقراء، أو من المحتاجين، أو من الراغبين في الزواج، أو سواه.

    إن هناك من المسلمين من يملكون أموالاً هائلةً طائلةً زكاتها تدفن فقر المسلمين جميعاً، فلماذا لا يحاسب المسلم نفسه محاسبة الشريك الشحيح؟

    بل وحتى يخرج احتياطاً لئلا يدخل شيء من مال الزكاة في ماله الخاص، بل إذا لزم الأمر، فلا مانع من تعجيل الزكاة إذا كان هناك مناسبة، فادع إلى تعجيلها، فقد روى الترمذي وأبو داود عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه: {أن العباس سأل الرسول صلى الله عليه وسلم تعجيل زكاته قبل أن يحول الحول مسارعة إلى الخير، فأذن له الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك} والحديث رواه أحمد أيضاً والدارقطني والحاكم، وفي سنده ضعف، ولكن له شواهد.

    1.   

    دعوة للمشاركة الفعلية

    إني أدعو الجميع إلى المشاركة الفعلية، وأن يكون دعم البرامج الدعوية هدفاً لكل مسلم ذكراً، أو أنثى، مدرساً، أو مدرسةً، موظفاً، أو موظفةً، أو تاجراً، أو عاملاً، أو مزارعاً، أو صانعاً، أو طالباً، أو كبيراً، أو صغيراً، فإن الدعوة هي قضية الأمة كلها، كما إني أدعو الجميع أيضاً إلى الورع عن أخذ المال الذي يشك فيه، أو يظن أنه ليس أهلاً له، أو ليس محتاجاً إليه.

    فقد روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: {أن الحسن رضي الله عنه وأرضاه أخذ تمرةً من تمر الصدقة وهو طفل صغير، فوضعها في فمه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: كخٍ كخ، ارم بها، أما علمت أنا لا نأكل الصدقة}.

    وكذلك روى البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه وأرضاه: {أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بتمرةٍ في الطريق، فقال: لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة، لأكلتها}.

    وثمت حديث آخر أختم به رواه أبو داود والنسائي عن عبيد الله بن عدي بن الخيار، قال: {أخبرني رجلان أنهما أتيا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو في حجة الوداع، وهو يقسم الصدقة، فسألاه منها، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم إليها النظر، وخفضه، فرآهما رجلين جلدين، فقال: إن شئتما أعطيتكما، ولا حظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب}.

    والحديث صحيح، وقد روى أيضاً أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمر وبلفظ آخر: {لا حظ فيها لغنيٍ، ولا لذي مرة} فإلى أولئك الذين يأخذون الأموال من الصدقات والزكوات وغيرها وهم أغنياء عليهم أن يتقوا الله عز وجل، ولا يأخذوا مالاً لا حق لهم فيه، وسوف أتحدث في حديث أكثر صراحة مع إخواني من شباب الصحوة سواء كانوا طلاباً، أو مدرسين، أو غير ذلك، سوف أتحدث إليهم كما أسلفت في الأسبوع القادم بحديث عنوانه: دلوني على سوق المدينة.

    1.   

    الأسئلة

    تعليق على منشور نشر في جريدة الوطن الكويتية

    وهذا عبارة عن منشور نشر في جريدة الوطن الكويتية بمناسبة زيارة الرئيس الأمريكي السابق إلى الكويت، ولا شك أن بعض الإخوة من الكويت يقولون: إننا بحاجة إلى كلمة تلقونها بهذه المناسبة حيث ترون في هذا المنشور ما يندى له الجبين:

    العنوان: بسم الله الرحمن الرحيم.

    أهلاً بك يا جورج بوش، يقول: من أعماق أهل الكويت نقول: مرحباً بك يا ضيف الكويت العظيم وصحبك الكريم!! إن شعبنا الوفي على انتظار لتعبير صادق عن عرفانه وامتنانه لك يا جورج بوش وللشعب الأمريكي القدير.

    فقد كنت يا ضيفنا الكبير رمز شعبك العظيم وبقية الحلفاء الأوفياء والنصير الأول للكويت في محنتها، والمدافع الباسل عن حقها في الحرية والاستقلال.

    وأنت الذي صنع التحرير، وأعاد البسمة والأمل إلى كل الكويتيين، سيظل اسمك محفوراً في وجداننا، وسيبقى أثرك بيننا مدى الدهر، واحتفاء بهذه المناسبة الكبيرة تدعو اللجنة التحضيرية لجمعيات النفع العام جموع المواطنين والمؤسسات إلى المشاركة والمساهمة في مهرجان الوفاء كل وفق إمكانياته؛ للتعبير عن التقدير.

    ثم يقول هناك: الإعلانات الترحيبية في وسائل الإعلام أسوة بالمناسبات الوطنية.

    ثانياً: تشييد وتنصيب الشعارات واللافتات في الشوارع الرئيسية ترحيباً بالضيف الكبير.

    ثالثاً: تزيين المباني والمنازل والمقار بالأعلام والصور والإضاءة - صور من؟

    صور جورج بوش فسوف يصبح وثناً تعلق صوره في الديوانيات والدوائر الحكومية.

    رابعاً: إعداد الشعارات والملصقات ورسوم الأطفال، واللوحات التعبيرية.

    خامساً: إرسال البرقيات والرسائل الترحيبية للضيف العظيم وفق ما سيعلن عنه لاحقاً.

    سادساً: التجمهر في الأماكن التي سيعلن عنها مع الأعلام والصور واللافتات والأطفال.

    فلنهب جميعاً صغاراً وكباراً شيباً وشباناً لنقدم عرفاننا لهذا الرجل العظيم، ولننشد: مرحباً بك يا جورج بوش على أرض الكويت الحرة.

    والتعليق على هذا المقال: أن مثل هذا التصرف، ومثل هذا الصنيع، دع عنك الجوانب الشرعية، ودع عنك الأثر العقائدي الذي سوف يحدثه ويحفره في عقول وقلوب الأطفال والصغار والسذج والبسطاء والجهلة، إن مثل هذه الشخصية الكافرة لم تتدخل في الكويت من أجل سواد عيوننا، ولا رغبة في تحريرنا، بل تدخلت من أجل أن يظل النفط يذهب إلى هناك، وتدخلت محافظة للمصالح الأمريكية، وهذا أمر معروف عند الجميع، فأي شيء فعلوه لنا عندما تدخلوا لمصالحهم الخاصة.

    إنهم ينظرون إلينا ونحن نعمل مثل هذه الأعمال -الصبيانية- ينظرون إلينا على أن هذه هي عقلية الرجل العربي البدوي المتخلف البسيط الساذج المغفل الذي يتصرف مع الأحداث وفق هذه النظرة البسيطة البعيدة عن الواقعية، والبعيدة عن الإدراك.

    ثم أي مصلحة سياسية لكم في مثل هذا العمل؟! إنكم تعرفون أن أمريكا أعلنت قبل عشرة أيام أن دول الخليج -السعودية والكويت- قد تنكرت للجميل الأمريكي الذي فعلته أمريكا حينما تدخلت في حرب الخليج، وأعلن ذلك من قبل جهات رسمية من قبل وزارة الخارجية في الولايات المتحدة.

    فهم يريدون منكم ليس أن تستقبلوا هذا الرجل، بل يريدون أن يظل نفطكم واقتصادكم، وأن تظل عملتكم وقفاً على الاقتصاد الأمريكي، يريدون منكم أن تدعموا أمريكا، وأن تحرروا اقتصادها، وأن تسارعوا إلى مد يد العون كلما دعتكم إلى ذلك أسوة بـاليابان، وأسوة بالدول الأخرى.

    فإذا قالت لكم أمريكا: ادعموا بوريس يلتسن في روسيا ضد القوميين المتشددين، قلتم: سمعنا وأطعنا.

    وإذا قالت لكم: ادعموا الشيوعيين الطاجيك ضد الديمقراطيين وضد الإسلاميين، قلتم: هانحن نسارع إلى ذلك، وإذا قالت لكم: ادعموا أي حزب سواء في فرنسا، أو في إسرائيل، أو في غيرها ضد حزب آخر، سارعتم إلى ذلك لتكونوا رهن إشارة المصالح الأمريكية ومراكز القرار في الكونجرس وفي مجلس الشيوخ، وفي غيرها.

    هذا هو ما يريدونه منكم، أما مثل هذه الصرخات، ومثل هذه التصرفات، ومثل هذه الحركات، فإنها لا تنم عن أكثر من عقلية ساذجة لا تقدم ولا تؤخر.

    تعليق على خبر نشر في جريدة تصدر في الأردن

    وهذا خبر نشر في جريدة تصدر في الأردن اسمها جريدة شيحان، يقول: هل ظهر المسيح في سماء الصومال؟

    وقد قال هذا الخبر: لقد ذهب الأمريكان إلى الصومال وبدأت الألاعيب والصرعات التي تحاول التعتيم على الوجود الأمريكي في الصومال، وبدلاً من إغاثة الصوماليين الجياع بأكياس الطحين وما تيسر من أغذية أخذ الأمريكان معهم صرعاتهم المستحدثة بالكمبيوتر والتكنولوجيا المتطورة.

    ففي الأول من شباط الماضي هبت عاصفة رملية فوق العاصمة مقديشو، لكن هذه العاصفة فوق العاصمة، لم تكن كأي عاصفة أخرى حيث شكلت رمالها في سماء المدينة صورة للسيد المسيح عليه السلام، وهي صورة مطابقة تماماً للصورة التي تتضمنها الكتب الدينية النصرانية.

    ويبدو أن الصورة التي يفترض في ظهورها إحياء الأمل قد صممت خصيصاً لخدمة عملية إعادة الأمل الأمريكية في الصومال حيث ركع الجنود الأمريكان على الأرض، وبدأ بعضهم بالصلاة والبكاء فور رؤيتهم للصورة.

    والكثيرون يقولون: إن هذه الصورة نوع من الوهم صنعتها العاصفة، لكن البابا يوحنا بولس الثاني يقول: إن ظهور وجه السيد المسيح- كما يعبر، وهو على كل حال سيد عليه الصلاة والسلام، لكن ليس كما يعتقدون هم، فإنهم يعتقدون أنه رب وإله- يقول: إنه مؤشر له دلالات كثيرة للبشر.

    وقال أحد العاملين في الفاتيكان: نحن لا ننظر إلى هذا الموضوع باستخفاف، بل نأخذه على محمل الجد تماماً.

    وكان جندي مارينـز أمريكي قد التقط صورة للوجه الذي ظهر في العاصفة ونُشرت الصورة في الصحف الغربية، وظهر واضحاً أن الصورة التي بلغ ارتفاعها حوالي 100 متر هي صورة مطابقاً لوجه السيد المسيح كما يعرفه أبناء النصارى في العالم.

    وبناءً على الأنباء الواردة من مقديشو، فقد أصدر البابا أمراً بتحري وتقصي الحقائق، وبعد ذلك بدأت الأخبار تتوالى عن معجزات كما يزعمون تحققت في الصومال بعد ظهور الصورة.

    ومنها على سبيل المثال: شفاء رجل من الروماتيزم، وشفاء رجل آخر من السرطان، أما أغلب الأخبار، فكانت عن رجل ميت استيقظ وعادت له الحياة أثناء الجنازة.

    ويقول مصدر في الفاتيكان: إن حوالي مائتي معجزة قد حدثت.

    هذا نموذج على ما يبدو لبداية حملة -ولا يزال الخبر للجريدة تنصيرية جديدة في الصومال، لكن هذه المرة مدعومة بأحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا.

    إن هذه الصورة لا تعدو أن تكون لعبة، فهم حينما وجدت هذه العاصفة عملوا على تسليط بعض الأضواء وبعض الأنوار وتوجيهها إليها، فظهرت معالم هذه الصورة لخداع البسطاء والسذج الذين لا يدرون ماذا وراء الأكمة، ثم بدءوا يروجون مثل تلك الأخبار وتلك الدعايات، ويعطون بعض المرضى أموالاً مقابل أن يعترفوا أنهم كانوا مرضى، ثم شفوا وعوفوا ببركة النصارى الذين ينتشرون هناك.

    وهذا يؤكد ما هي الأهداف التي يسعى النصارى إلى تحقيقها في الصومال، أو في الخليج، أو في أي مكان من الأرض، وبالتالي هذا يؤكد على أهمية الدور الإسلامي في تنوير عقول المسلمين وحمايتهم من الخداع والتضليل النصراني الذي يستغل جهلهم وبساطتهم، ويستغل فقرهم، ويستغل مرضهم بتحويلهم من مسلمين إلى نصارى.

    تعليق على تعميم وزع على مدارس المملكة

    تعميم: هذا أيضاً عبارة عن تعميم وزع على جميع المدارس الحكومية، بل على جميع المدرسين، وربما لأول مرة، وخلاصة التعميم يتحدث عن موضوع المناهج الدراسية، وينفي ما نقله مجموعة من طلبة العلم والمشايخ، وعلى رأسهم فضيلة الشيخ سفر بن عبد الرحمن الحوالي في أحد لقاءاته العلمية عن موضوع تعديل المناهج، ويقول: إن الحديث بتلك الطريقة قد أحدث بلبلة لدى من ينخدعون بالأحاديث المثيرة.

    وإذا أحسنَّا الظن بهذا المتحدث، فإنه على ما يبدو قد بنى معلوماته على مصادر غير موثوقة، وكان حرياً به أن يتصل بالمسئولين، ثم يقول:

    أولاً: المرحلة الابتدائية: لقد رأت الوزارة سيراً على سياستها أن في كتب المرحلة الابتدائية ما لا ينسجم مع مفردات المنهج، أو مع مدارك التلاميذ في هذه المرحلة، فقامت بتخفيض دروس بعض الكتب، أو بإعادة كتابتها بطريقة مختصرة خاصة الرياضيات والعلوم والجغرافيا والتاريخ وقواعد اللغة، وبذلك يتضح عدم صحة قول من قال بأن الرياضيات مثلاً قد ضخمت.

    والرياضيات لا شك أن الجميع يعلمون أنها ضخمة، وكلنا لنا أولاد في المدارس، فنعرف أن الطالب يحمل كتاب الرياضيات تعد صفحاته بالمئات على حين أن المقرر الديني يكون عبارة عن بضع صفحات.

    وقال في التقرير: لم يتم بعد تخفيض، أو تعديل شيء من كتب المواد الشرعية.

    وأنا سوف أقتصر في التعليق على هذه النقطة، فإن هذه الكلمة بالذات كلمة أمينة في التقرير، حيث يقول: لم يتم بعد تخفيض أو تعديل شيء من كتب المواد الشرعية، بل اقترح ذلك اقتراحاً، إن الكلام الذي تحدث به الشيخ سفر بن عبد الرحمن الحوالي كلامه هو عندي وعند الكثيرين ممن يطلعون على حقائق الأمور، ومن مصادر موثوقة أيضاً.

    لكن نحن جميعاً نعلم أنه فعلاً لم يتم هذا التعديل بعد، ولو تم التعديل لربما لم يكن للحديث كبير فائدة، وربما كان الحديث بعد فوات الأوان، ولذلك سارع الشيخ جزاه الله خيراً إلى سبق الأحداث بذلك الحديث حتى يحول بين هذا التعديل وبين أن يتحول إلى واقع وإلى كتب مطبوعة موزعة، فإن في تلك اللحظة سيصعب التراجع، وسيقال: هذه كتب طبعت، وطبعت بمئات الآلاف، ووزعت على المدارس واستلمها الطلاب، فتعديلها حينئذٍ صعب، وفيه أيضاً نوع من الإرباك، وقد يعطي الآخرين انطباعاً أن السياسة التعليمية غير منضبطة، وأنها مرتجلة إلى غير ذلك من الوسائل والحيل والعلل.

    إذاً كان هناك تعديل، وكان هناك تخطيط لأن يتم، بل لا أذيعكم سراً إذا قلت: إن الكتب التي جرى عليها التعديل بالقلم موجودة عندي وموجودة عند الشيخ سفر، وموجودة عند بعضكم، وقد تم التعديل عليها على أعلى المستويات في الوزارة، وحذف منها أشياء كثيرة وبعناية، وخفضت بشكل ملفت للأنظار، وحذف منها أشياء من الواضح أنها حذفت مسايرةً للسياسة لسياسة ما يسمى بالتطبيع والسلام مع العدو اليهودي في فلسطين-.

    بل وفي مقرر التاريخ والجغرافيا حذف أشياء حتى في الكتب المطبوعة التي تتعلق بالجهاد، أو تتعلق بـفلسطين، أو تتعلق باغتصاب هذه الدولة وهذه الأرض المباركة من المسلمين على يد اليهود، هذا كله موجود، نعم لم يتحول ذلك بالضرورة إلى كتب مطبوعة، لأن ذلك أمر كان، ما زال خطة يسعى إليها، والحمد لله يعجبني في هذا التقرير أن يقولوا: إنهم ليس لديهم نية للتغيير.

    فنحن والحمد لله إذاً حصلنا على وعد، وبغض النظر عن أي شيء آخر، فنحن نرجو أن نكون حصلنا على وعد صريح استلمه كل مدرس من الوزارة بأنه ليس هناك أي حذف للمواد الشرعية، فعلينا أن نتمسك بهذا الوعد، وأن نحرص عليه، وأن نتابع الأمور بدقة وعناية، وأن نحرص على محاسبة جهات تعديل المناهج أولاً بأول على وفق الوعد الذي قطعوه على أنفسهم وعمموه وشهدوا به حينما وزعوا مثل هذا التعهد على كل مدرس وكل عامل في الوزارة.

    هذا هو الذي يهمني، أما أعراضنا، أو أشخاصنا، فلا يضيرنا أن يقول فيها أحد ما قال باجتهاد أو بغير اجتهاد، ونقول: فداء لدين الله عز وجل وشريعته وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أنفسنا وأموالنا وأعراضنا وكل غالٍ ورخيصٍ مما نملك.

    العطية على شكل مكافأة

    السؤال: يقول: بعض التجار يُعطي عماله في العيد مبالغ على شكل مكافأة ويحسبها زكاة، فهل هذا جائز؟

    الجواب: أما إن كان هؤلاء العمال فقراء محتاجين، فيجوز لهم أن يعطيهم من الزكاة شريطة ألاَّ يكون عطاؤه من الزكاة حماية لراتبه، أو حماية لماله، أما إن كانوا أغنياء، فلا يجوز.

    ضرورة التحري عند إعطاء الصدقات والزكاة

    السؤال: يوجد كثير من هيئات الإغاثة بمسميات مختلفة أيها يمكن الثقة بهم لمساهمة الناس بذلك لإيصالها إلى المحتاجين المحسنين الحقيقيين؟

    الجواب: ينبغي للإنسان أن يتحرى أن يوصل ماله إلى الجهات والمؤسسات والهيئات الإغاثية، والأشخاص الذين يطمئن إليهم ويثق بهم، ويغلب على ظنه وصول المال عن طريقهم.

    كيفية تنظيم جمع التبرعات

    السؤال: يقول: تعلمون ما في الشباب من نشاط وحماس لا حدود له، وأحياناً أيضاً لا تنظيم له، فما هو دور الشباب الملتزم، وحتى غير الملتزم في تنظيم الإنفاق وجمعه من الأعيان؛ حتى يكون هذا العمل عملاً جماعياً لا حرياً -بمعنى الحرية-؟

    الجواب: هذا يمكن تنظيمه عن طريق أئمة المساجد والدعاة المعروفين والمحتسبين، بحيث أن يكون الإنسان إذا أراد جمع المال يجمعه عن طريق أحد الدعاة، أو أحد الخطباء، أو أحد المشايخ المعروفين حيث يكون هناك تفويض له:

    أولاً: حتى يكون له وجه أمام الناس.

    وثانياً: حتى يطمئن الناس إلى مثل هذا الإنسان، ويعطوه بعض المال.

    وساوس شيطانية

    السؤال: يقول: كنت أنفق مالي ولو كان قليلاً، ولكن يداخلني الشيطان بأني أرجو من وراء هذا الإنفاق جزاء الدنيا العاجل، فهل يثيبني الله عز وجل عليه في الدار الآخرة؟

    الجواب: عليك أن تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وألاَّ تتردد في الإنفاق، وحاول أن تصحح نيتك وتستعيذ بالله وتقول: {اللهم إني أعوذ بك من أن أشرك بك شيئاً وأنا أعلمه، وأستغفرك لما لا أعلمه}.

    حكم الإنفاق والصدقة لمن عليه دين

    السؤال: يقول: هل يجب على الذي عليه دين الإنفاق؟

    الجواب: عليه أن يسعى في سداد دينه أولاً، ثم ينفق مما آتاه الله.

    توجيه لدعوة صاحب محل لبيع الأغاني

    السؤال: يقول: تعلمون أن هناك إنساناً فتح محلاً لبيع الآلات الموسيقية والعود في هذا البلد، وقد خطب الشيخ محمد المحيسني عن هذا الموضوع، فأرجو حث الحضور على إنكار هذا المنكر؟

    الجواب: نعم، هذا مكان موجود في خلف العمارة المعروفة بعمارة البرج، وفيه بيع الأغاني والأشرطة المحرمة وبيع الآلات الموسيقية، فأنصح الإخوة أن يتصلوا بذلك الأخ الذي قام بهذا العمل، ويناصحوه في الله تعالى، ويصبروا عليه، ويوسعوا له الصدر بقدر المستطاع، ويكاثروه حتى يبلغوه النصيحة، فلعل الله تعالى أن يهديه وأن تكون سبباً في هدايته، أو أن يضيق ذرعاً، ثم يقوم ببيع هذا المحل والتخلص منه.

    الأفضل في إنفاق المال

    السؤال: أيهما أفضل: إنفاق المال في الدعوة، أو في إطعام الفقراء؟

    الجواب: كل ذلك خير، والأفضل هو الأحوج.

    حكم بعض العبارات التي يطلقها بعض الناس للتهرب من الإنفاق

    السؤال: ما رأيكم في بعض العبارات التي يطلقها بعض الناس وخاصة بعض من ينسبون إلى الخير عندما تدعوهم إلى الإنفاق، مثل: لا أرغب، أو هناك من هو أحق، أو هناك أولويات، أو التزامات كثيرة، أو المسألة كثرت، خاصة إذا أكثر الصلاة؟

    الجواب: هذا من الشيطان، فهذا الإنسان الذي يقول هناك أولويات ربما يكون لا يتصدق، أو الالتزامات كثيرة، هذا أيضاً ربما لم يقم ولا بشيء واحد منها، فنحن لا نفترض على الناس بالضرورة أن يتصدقوا عن طريقنا وبواسطتنا، لكننا ندعوهم عموماً إلى الإنفاق.

    حث للمسلمين على التبرع

    السؤال: ما رأيكم في التبرعات التي تجمع من قبل محطة تلفزيون mbc الشرق الأوسط لمسلمي البوسنة والهرسك؟

    الجواب: نعم، لقد قاموا بحملة بلغ مجموع ما جمعوا فيها سبعة عشر مليون دولار، يعني: حوالي خمسين مليون ريال سعودي، وذلك خلال أسبوع تقريباً، ويؤسفني أن أقول: إن المذيعين الذين كانوا يطلون على الشاشة، وينادون المسلمين ويتصايحون على أوضاعهم، كان كثيرٌ منهم رجالاً ونساءً هم من الموارنة من النصارى الذين يتباكون على المسلمين وإخوانهم هم الذين قتلوهم.

    وإنني أقول: إنه حقٌ علينا أن نكون أسرع إنفاقاً، وأكثر صدقة، فسبعة عشر مليون دولار جمعت في أسبوع، فلماذا لا يجمع الخطباء في المساجد أضعاف هذا المبلغ من المحسنين؟

    إنني أعجب من محسن يعطي بعض المؤسسات الرسمية مجاملة، ويعطي بعض المجالات، وبعض الجمعيات التي يعلم أنها غير موثوقة، أو بعض الأندية، ثم يتراجع عن أعمال الخير، فإذا جاء العمل في سبيل وجه الله، الذي فيه الأجر، وفيه الثواب، وفيه السعادة في الدنيا والآخرة، وفيه صحة البدن، وفيه صلاح الولد، وفيه الغنى، تراجع، أو لم يعط إلا أقل القليل.

    اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، اللهم يسرنا لليسرى وجنبنا العسرى، واغفر لنا في الآخرة والأولى، ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما.