إسلام ويب

طائفة من الحيل النفسيةللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الإنسان ضعيف، والنفس أمارة بالسوء، والدعوة جهاد وبلاء، وتربية الرجال أثقل من نقل مثاقيل الجبال، وتجاه ذلك تحاول النفس أن تتخلى عن مسئوليتها يساعدها في ذلك الشيطان، وفي هذا الدرس علاج لطائفة من الحيل التي تتذرع بها النفس.

    1.   

    الأمة الغائبة والحيل النفسية

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    نحمد الله تعالى أن جمعنا بعد هذا الانقطاع الذي طال بعض الشيء، فالحمد لله تعالى حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، ونشكره على آلائه التي لا تعد ولا تحصى، ونسأله تعالى أن يستعملنا وإياكم في طاعته إنه على كل شيء قدير أما بعد:

    فهذا الدرس هو الثاني والسبعون، في هذه الليلة ليلة الإثنين التاسع من شهر ربيع الأول، من سنة (1413هـ)، وعنوان هذا الدرس: (طائفةٌ من الحيل النفسية) وقد سبق أن تحدثت إليكم في هذا الموضع، عن (الأمة الغائبة) وكان خلاصة تلك المحاضرة أن الأمة الإسلامية تعيش حالة غياب.

    ولا أعني بالغياب -كما تبادر إلى ذهن بعض الأخوات المتسرعات- أننا نحكم على هذه الأمة بالكفر -مثلاً- معاذ الله من ذلك، فإننا نرجو أن نكون من أبعد الناس عن هذا، والأصل فيمن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيم الصلاة أنه مسلم، إلا إذا ارتكب ناقضاً من نواقض الإسلام التي تخرجه عن الملة بيقين لاشك فيه، وإلا فإننا نبقى على استصحاب الأصل في إسلامه، وإنما أردت بمحاضرة (الأمة الغائبة) بوضوحٍ تام، أن نقول: إن الأمة لا تقوم بدورها الواجب في نشر الإسلام، والدعوة إلى الله، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومقارعة الظلم الذي يقع عليها أو على غيرها، بل إن أغلب هذه الأمة يتذرعون بالحيل المختلفة، ويقعدون عن القيام بما أوجب الله عليهم، فليس مقصدنا بالغياب أنه لا يوجد في الأرض أمةٌ مسلمة.

    كيف ونحن نقرأ صباح مساء قول الرسول صلى الله عليه وسلم: {لا تزال طائفةٌ من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك} وهذا حديث متواتر.

    إذاً مقصدنا بوضوح أن الأمة لا تقوم بدورها كما يجب، وتقع الأحداث الكثيرة دون أن تؤدي الأمة واجبها، بل -أحياناً- دون أن تقوم الأمة بالتعبير عن رأيها ولو بالكلام فحسب، فالأمر كما قيل:

    ويقضى الأمر حين تغيب تيمٌ     ولا يستأمرون وهم شهودُ

    وكانت محاضرة (الأمة الغائبة) أشبه ما تكون بالمقدمة لموضوع الحيل النفسية، ثم وفق الله تعالى أن ألقيت محاضرة بمدينة الطائف، كان عنوانها (الحيل النفسية) وعرضت فيها للعديد من تلك الحيل، وسوف أستكملها في هذه الجلسة -إن شاء الله تعالى- بشيءٍ من الاختصار، لأننا بحاجة ماسة الآن إلى الوقت، وسأتحدث إليكم في هذه الكلمة عن أربع نقاط:

    1.   

    مقدمة عن دور الفرد في الدعوة

    أحبتي! إن مما يشغل البال كثيراً في هذا الزمان ويقلق الإنسان؛ أننا نجد أن هذا العدد الكبير من الأمة يعيش حالة انكماش وانقباض عن أداء الدور المنوط به شرعاً، والكثيرون يعتمدون على غيرهم، ويلقون باللآئمة على سواهم، فبعضهم يحتج بالزمان، وقد رد عليهم الشاعر، فقال:

    نعيب زماننا والعيب فينا      وما لزماننا عيبٌ سوانا

    ونهجو ذا الزمان بغير جرمٍ      ولو نطق الزمانُ بنا هجانا

    وليس الذئب يأكل لحم ذئبٍ      ويأكلُ بعضنا بعضاً عِيانا

    وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {قال الله تعالى يُؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار} وقال أيضاً: {لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر} أي: أن الدهر مخلوق لله تعالى وهو الذي يدبره ويصرفه كيف يشاء.

    التقاعس عن الدعوة وتعليقها بأفراد

    فالكثيرون يحتجون بالزمان والأوضاع، أو يحتجون بأن فلاناً وفلاناً قاموا بالواجب، ويتعللون بذلك عن القيام بواجبهم هم، ونحن على قناعةٍ تامة، أن أمر الدعوة إلى الله وأمر الدين إذا كان منوطاً بأشخاص يعدون على الأصابع، فإن معنى ذلك أنه عرضةُُ لخطرٍ شديد، فهؤلاء الأشخاص قد يموتون، وقد يعجزون ويهرمون، وقد يحال بينهم وبين ما يريدون القيام به من الكلام أو المحاضرة أو الدرس أو الدعوة، وقد يعرض لهم ما يعرض للبشر من الخطأ، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم {كل بني آدم خطَّاء، وخير الخطَّائين التوابون} فالعالم قد يخطئ، والداعية قد يخطئ أيضاً، والإنسان مهما بلغ من التحري والدقة يظل بشراً، وأبونا آدم عليه الصلاة والسلام ورثنا نحن منه جبلة البشرية، وطبيعة الإنسانية التي هي عرضةٌ للخطأ، قال تعالى: وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى [طه:121-122].

    تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي      درج الجنان بها وفوز العابد

    ونسيت أن الله أخرج آدماً      منها إلى الدنيا بذنبٍ واحدِ

    إذاً الإنسانُ يخطئ، فإذا نحن علقنا أمر الإسلام على فلان العالم، أو الداعية، أو المجاهد؛ فمعنى ذلك أننا جعلنا أمرنا مرهوناً بأشخاص يعرض لهم ما يعرض لغيرهم من البشر، وبدون شك فإن السهام إذا تكاثرت على موقع واحد، فإنها تؤثر فيه على المدى الطويل، فهذا سهمٌ يصيب، وهذا سهمٌ يوشك أن يصيب، وهذا سهمٌ يدمي، وهذا سهمٌ قد يصل إلى القلب وإلى السويداء، وبالتالي يتوقف العمل وتتوقف الدعوة إلى الله تعالى.

    الدعوة واجب الجميع

    إذاً يجب أن ندرك -أيها الإخوة- جميعاً أن أمر الدعوة إلى الله، وأمر الإسلام، والعلم الشرعي، والجهاد، وأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكل أمور الدين، أنها لا تستقر وتستقيم ويضمن لها بإذن الله تعالى الدوام والحفظ ومقارعة كيد الأعداء، إلاَّ إذا كانت هماً لأعداد غفيرة من الأمة، فإن أقوى القُوى وأعتاها وأشدها حينئذٍ تقف عاجزة.

    ونحن نجد أنه عبر التاريخ القريب لهذه الأمة، يوم كانت الدعوة هماً لأفراد قلائل، تمكن خصوم الإسلام من إيقافهم، أو مضايقتهم، أو إحراجهم، أو محاصرتهم، أو حتى من اغتيالهم، وبذلك توقفت وتراجعت مسيرة الدعوة الإسلامية سنين إلى الوراء، وربما عشرات السنين؛ لكن لما صار الإسلام هماً لشعبٍ كامل في الجزائر مثلاً، أو في السودان، أو في أفغانستان، أو في بعض البلاد؛ وجدنا أن قوى دولية ضخمة وهائلة، تقف عاجزةً أمامها، فقد وقفت الشيوعية عاجزة أمام أعدادٍ قليلة من المسلمين في أفغانستان لا يملكون -بعد الإيمان بالله تعالى- إلا أسلحةً متواضعة، ثم سقطت الشيوعية وظل الإسلام قائماً في أفغانستان.

    واليوم يقف رابع أقوى جيش في العالم في يوغسلافيا عاجزاً عن مزيدٍ من التقدم في بلاد البوسنة والهرسك مع أنهم لا يملكون إلا أسلحة متواضعة، لأن هذا الهم أصبح هماً شعبياً.

    إذاً القضية التي تشغل بالي وبال غيري وإخواني من الدعاة إلى الله تعالى، أننا نقول: إلى متى تظلون أو يظل بعض الإخوة متفرجين؟ يروون أن فلاناً قال كذا، وفلاناً فعل كذا، ويشكرون فلاناً، ويدعون لفلان، وينتقدون فلاناً، ثم يقف دورهم عند هذا الحد، لماذا لا ينـزل الجميع إلى الساحة ويشاركون الجميع بإمكانيتهم، كلٌ بحسب ما أعطاه الله تعالى؟! لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا [الطلاق:7].

    المساهمة بما يستطيع

    ولهذا تلاحظون دائماً أننا ندندن حول مسألة المشاركة، لأننا لا يعجبنا أن تكون المشاركة مجرد حضور محاضرات أو دروس، هؤلاء الحضور سرعان ما ينفضون أو ينشغلون بهمومهم، أو تتوقف المحاضرة لإجازةٍ أو لسببٍ آخر فينتهي هؤلاء، لا ثم لا! نحن نريد أن يكون هؤلاء دعاةً إلى الله تعالى كل بحسب إمكانياته، وبحسب ما أعطاه الله عز وجل بحيث لا يتوقفون أبداً.

    ولهذا ننادي بالمساهمة والمشاركة ونعرض لها، وندعو إليها، ولعل من آخر المحاضرات التي كنت ألقيتها هنا محاضرة: عنوانها: (تسع وخمسون طريقة لمقاومة التنصير) وقلتُ: إني أبقيت رقماً فارغاً حتى يشارك عدد من الإخوة في مثل هذا العمل، والحمد لله وجدت مشاركة طيبة تبشر بخير، فوجدت أن بعض الإخوة في التسجيلات في الرياض -وأقول: جزاهم الله خيراً- جعلوا هذه الخطط التسع والخمسين في ورقة باختصار، ووضعوا أمامها خانات ليسجل كل إنسان أمام الطريقة التي يستطيع أن يساهم فيها علامة معينة، ووجدتُ أن بعض الإخوة اختصروا هذه الطرق في أوراق مختصرة في نحو عشر صفحات، ونشروها وإن كنت لا أعلم بذلك، لكن وصلني هذا وسرني لأنه نوع من المشاركة.

    نموذج لمساهمة في الدعوة

    وأعرض أيضاً نموذجاً لمجموعة كبيرة من الرسائل والاتصالات وصلتني، وهذا النموذج من إحدى الأخوات في قطر، وقالت: إنني تعجبت أنك لم تذكر نشاط المنصرين في قطر، فهل هذا دليلُُ على أنه لا يوجد لهم نشاط أم هو نشاط سري؟

    وأقول: كلا! لهم نشاط، وهو نشاط علني أيضاً، لكن ربما لم يصلني عدد كبير من الوثائق، وربما ضاق الوقت عن ذكر شيء منها. وذكرت الأخت أنها لما استمعت إلى الأشرطة، قامت بالآتي:

    أولاً: استمعتُ إلى الأشرطة.

    ثانياً: تبنيتُ القضية مناقشةً مع الأخوات، أو توزيع الأشرطة، أو كتابة موضوع عن التنصير في بعض المجلات أو الجرائد.

    ثالثاً: لأنني مازلتُ متفرغة نوعاً ما، تعاقدت مع مُدرسةٍ لمعرفة بعض المصطلحات، وبعض الكلمات الإنجليزية التي أحتاجها.

    رابعاً: قمتُ بأخذ أرقام البريد لبعض الجهات المهمة كالوزارات، مثل وزارة التربية والتعليم، وزارة النقل والمواصلات، والمستشفيات الحكومية، والفنادق، والجرائد، ثم قمت بتسجيل عشرين نسخة من وسائل المنصرين، وعشرين نسخة من تسع وخمسين طريقة، ووضعتُ كل شريطين في مغلف، مصحوبة برسالة مناصحة ومناشدة، ثم بعثت بها إلى عشرين جهة، ما بين وزارة ومؤسسة وهيئة، وبعثت الأخت بنموذج من الرسالة التي بعثت بها.

    خامساً: المراسلة.

    سادساً: الدعاء للمسلمين، والدعاء على النصارى.

    هذا الأمر هو نموذج للمشاركة، وكل ما نريده وكل ما يهمنا هو أن يكون الجميع مشاركين في قضية الإسلام، وفي الدعوة إلى الله، وتبني مثل هذه القضايا.

    1.   

    نظرة حول موضوع : طائفة من الحيل النفسية

    دور الشيطان في الحيل النفسية

    النقطة الثانية التي سأقف عندها هي: نظرة في العنوان.

    كنت أعلنت عن الدرس يوماً من الأيام بعنوان: (العوائق النفسية) ثم بدلته إلى (الحيل النفسية) والعوائق والحيل قريب من قريب، ثم خطر في بالي خاطر فقال لي: وأين الشيطان الذي ذكر الله تعالى أنه مسلط على ابن آدم، والذي توعد الإنسان فقال: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [ص:82] وقال إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [الحجر:40] وفي آية أخرى: ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [الأعراف:17]؟!

    فخطر في بالي أن تسميتنا لهذا الأمر بالحيل النفسية أو بالعوائق النفسية أمرٌ يحتاج إلى مراجعة، وكان الأولى أن نسميه الحيل الشيطانية، أو العوائق الشيطانية، لأنه وإن كانت من داخل النفس إلا أن للشيطان فيها نصيباً كبيراً، فإنها غالباً من كيد الشيطان أو وسوسته، والنفس قبلت هذا الكيد وتأثرت به؛ فتحول إلى حيلةٍ يقنع الإنسان بها نفسه، وينبغي أن نجعل للشيطان حينئذٍ دوراً ولا نغفل دور النفس، لأن من الحيل -أيضاً- أن نلقي باللائمة على الشيطان ونتخلى عن أنفسنا في قبول كيد الشيطان والتأثر بوسوسته، مع أن الشيطان نفسه يقول يوم القيامة كما ذكر الله عز وجل وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [إبراهيم:22].

    إذاً الشيطان يقول: (فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ) ونقول النفوس: ملومة، والشيطان ملوم أيضاً، فهو أغوى وكاد ووسوس، والنفوس قبلت هذا الوسواس، لأنها نفوسٌ ضعيفة أمارة بالسوء أو نفوسٌ لوامة.

    أمور تعصم من النفس والشيطان

    ينبغي أن نعتبر هذه الحيل حيلاً نفسيةً شيطانية، وأن ندرك أن النفس والشيطان والهوى كلها ضد هذا الإنسان، ولا عصمة له من كيد الشيطان ومن وسوسة النفس وقبولها إلا بأمور:

    الأمر الأول: الإيمان بالله تعالى والاعتصام به والتوكل عليه، فإن العبد يقول دائماً وأبداً: (لا حول ولا قوة إلا بالله) فلا تحول من المعصية إلى الطاعة، ومن العجز إلى القوة، ومن الضعف والخور إلى القوة في الخير، ومن الفقر إلى الغنى، ومن الكفر أيضاً إلى الإيمان لا قيام للعبد بذلك كله إلاَّ بعون الله تعالى، قال تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:29].

    فلابد من الإيمان بالله، والتوكل عليه، وسؤاله والاعتماد عليه، وأن يعرف العبد أنه لا يستطيع أن يصنع شيئاً بنفسه إلاَّ بقوة الله.

    إذا لم يكن عونٌ من الله للفتى     فأول ما يجني عليه اجتهاده

    الأمر الثاني: الطاعة. فإن القلب إذا كان مليئاً بالطاعات، سواءً كانت طاعات قلبية، مثل محبة الله والتوكل عليه والإيمان به، ومحبة الخير، وما أشبه ذلك من أعمال القلوب، أو كانت أعمال بدنية، كالقراءة والصلاة والذكر والتسبيح والتحميد والتهليل والبر والإحسان والصدقة والصيام وغير ذلك، إذا كانت حياة الإنسان مليئة بهذه الطاعات، كان الشيطان من الإنسان أبعد، وإذا قلَّت الطاعة وكثرت المعصية، كان هذا مرتعاً خصباً للشيطان.

    فالإنسان مثل البيت، إذا دخل الشيطان إلى البيت فوجد ذكر الله، ووجد التسبيح والتحميد وقراءة القرآن، قال لأصحابه: "لا مبيت لكم ولا عشاء" وهرب. وإذا دخل البيت فوجد فيه المعاصي، ووجد فيه الغناء، والمنكرات، ووجد أنه لا يذكر الله تعالى فيه؛ قال لمن معه من جنوده: "أدركتم المبيت والعشاء" وجلس، فأضل أهل البيت وأغواهم، فينبغي على العبد أن يحصن نفسه بالطاعات الظاهرة والباطنة.

    الأمر الثالث -الذي يحول دون التأثر بهذه الحيل النفسية والشيطانية-: اعتدال الإنسان في نظرته، وآرائه، ومزاجه، وعلمه، وعمله. فإن العبد إذا كان معتدلاً عُصِمَ بإذن الله تعالى، والاعتدال خيرٌ كله، وهو من القصد الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم حينما قال في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره عن أبي هريرة: {والقصد القصد تبلغوا}.

    أما إذا كان الإنسان بعيداً عن العدل والاعتدال، وعنده نوعٌ من الغلو أو الإفراط، أو الشذوذ في أقواله، أو آرائه، أو أعماله، فإن ذلك يغريه -غالباً- بأن يقع ضحية الحيل النفسية، ويجره الشيطان بسببها.

    الأمر الرابع: كثرة التجربة في مجال الخير، فإن من جرَّب عرف، وكثير من الناس يتوقفون بأسباب ضعف التجربة، فيظن الأمر صعباً، ولو جرب لأدرك أنه أقل مما كان يخاف، فإذا أُذِنَ للعبدِ بِأن يجرب ويقوم بالأعمال ويؤدي ما يستطيع، فإنه ينتقل -بإذن الله- من نصرٍ إلى نصر، ومن تجربةٍ إلى تجربة أخرى أحسن منها.

    الأمر الخامس: السلامة من الآفات والأمراض الظاهرة والباطنة.. فإن أمراض القلوب من الحقد والحسد والبغضاء والتعاظم والعجب والكبر وسواها؛ تصيب الإنسان كثيراً ببعض الحيل النفسية، وتجعله عرضة لوسوسة الشيطان وكيده، ومثله -أيضاً- الأمراض البدنية، فإنها إذا أبطأت بالإنسان كثيراً ما تؤثر في نفسه، وتسبب اعتلالاً في مزاجه ونقصاً في أحكامه. فعلى العبدِ أن يدرك ذلك كله، وأن يعتصم بالله، ويكثر من الاستعاذة بالله تعالى من الشيطان الرجيم على كل حال.

    1.   

    من الحيل: التواضع الوهمي

    النقطة الثالثة: عرض سريعٌ لما سبق قد عرضتُ فيما سبق لأربع حيل نفسية أذكرها الآن باختصار:

    الحيلة الأولى: التواضع الوهمي، أما التواضع الحقيقي فمطلوب، وتسميته تواضعاً تيسيراً وإلاَّ فهو في الواقع ليس تواضعاً، فإن أكبر الناس علماً أو عملاً أو تجارة لو عرف قدر نفسه لاحتقرها وازدراها، لكن ينبغي للإنسان أن يتواضع لله تعالى.

    التواضع مطلوب ولكن في حدوده

    التواضع مطلوب ولكن في حدوده:

    وهذا التواضع لا يجوز أن يؤدي إلى ألا يرى الإنسان نفسه أهلاً لشيء، ولا قادراً على أن يفعل شيئاً من أعمال الخير، وليست المشكلة فقط بمجرد الشعور الموجود عند بعض الناس حين يقول: الله يرحم الحال، والله المستعان، وأنا لستُ أهلاً لشيء، وأنا إنسان ضعيف، هذا كله كلام جميل ولا بأس به، المشكلة أن يتحول هذا إلى مبدأٍ مستقر يحكم تصرفات الإنسان، ويحكم مواقفه، فإذا قلتَ له: يا أخي درِّس قال: الله المستعان أنا لا أصلح للتدريس إذاً علِّم القرآن. قال: أنا أحتاج إلى من يعلمني. إذاً اخطُب. قال: أنا لا أستطيع أن أجمع كلمتين إحداهما إلى الأخرى.

    إذاً ماذا تستطيع أن تعمل؟ تحول هذا التواضع إلى غِلٍّ وقيدٍ يقيد الإنسان ويقعده عن الأعمال الصالحة، وهذا نوعٌ من إنكار نعمة الله تعالى قال الله عز وجل: يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ [النحل:83].

    فأول مراحل شكر النعمة أن تعرف النعمة فتشكر الله تعالى عليها عارفاً بها، فإن الله تعالى قد أعطاك الكثير، قال تعالى: أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ [البلد:8-10] فلماذا تجحد نعمة الله تعالى عليك ولا تقوم بشكرها؟.

    أنت تجد أن هدي السلف رضي الله عنهم بل الأنبياء كان غير هذا!! فالأنبياء وأتباعهم كانوا لا يرون لأنفسهم فضلاً، وإنما يرون الفضل لله عز وجل، ويزدرون أنفسهم ويتواضعون لله تعالى، بل إن النبي صلى عليه وسلم لما دخل مكة فاتحاً دخلها متواضعاً متذللاً متضرعاً، حتى طأطأ رأسه عليه الصلاة والسلام، مع أن هذا في موقع النصر.

    وكذلك لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم السحاب، خرج فزعاً يخشى أن يكون عذاباً، ومثله لما حصل الخسوف والكسوف خاف صلى الله عليه وسلم وخرج يجر إزاره ثم صلى بالناس، وخشي أن يكون عقوبةً تنـزل بالمسلمين.

    التواضع لا يمنع من العمل والأداء

    التواضع لا يمنع من العمل والأداء:

    فهذا التواضع لم يمنع النبي صلى الله عليه وسلم أن يجاهد، ويدير الجيوش، ويعلم الناس العلم ويصالح ويحارب ويسالم ويدعو ويخطب ويأمر وينهى، ويقوم بكل الواجبات الشرعية، فأنت تجد مثلاً ابن عباس رضي الله عنه من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان متواضعاً شديد التواضع، كثير البكاء من خشية الله تعالى، حتى قيل: إنه رضي الله عنه عميت عيناه من كثرة البكاء. وكان يقول:

    إن يأخذ الله من عينيَّ نورهما     ففي فؤادي وقلبي منهما نورُ

    ومع ذلك كان يقول عند قوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [آل عمران:7] يقول: [[أنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويله]] وكذلك عند قوله تعالى في قصة أهل الكهف: مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ [الكهف:22] يقول رضي الله عنه: [[أنا من القليل الذين يعلمونهم]] كما نقل عنه غير واحد من المفسرين.

    فهذا التواضع لم يمنعه من أن يعلم الناس ويبين ما يعرف، بل هذا نبي الله يوسف عليه الصلاة والسلام، وهو المتواضع العارف بحق الله تعالى ومع ما ذكر الله تعالى عنه وشكره لنعم الله: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [يوسف:101]. مع ذلك كان يقول كما ذكر الله تعالى عنه: قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف:55]. فأعْرَب وأعلن أنه يستطيعُ أن يقوم بأمر الوزارة في حكومة العزيز، وما ذلك رغبةً منه في المنصب ولا طمعاً في الدنيا، لكن من أجل أن يخدم دينه وعقيدته ورسالته التي بعث بها. وهكذا عثمان بن أبي العاص قال: {يا رسول الله! اجعلني إمام قومي، فقال: أنت إمامهم}.

    ومثله ابن تيمية -رحمه الله- كان يقول كلاماً عن نفسه قوياً جزلاً عظيماً، كان يقول: من قام بأمر الإسلام غيري؟! ومن الذي رفع رايته؟... وإنما قال ذلك لما هضم بعض الناس حقه، واتهموه بما هو منه براء، ومن قبل ذكر الله تعالى عن المتقين أنهم كانوا يقولون: رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً [الفرقان:74].

    إذاً نريد منك أولاً ألا يكون تواضعك وهضمك لنفسك، ومعرفتك بقدر نفسك، حائلاً دون قيامك بالواجبات، وأن تقول عند المُلمات: أنا لها أنا لها. وكما قيل:

    وتزعم أنك جرمٌ صغير     وفيك انطوى العالم الأكبرُ.<

    1.   

    من الحيل: الخوف الوهمي

    الحيلة الشيطانية الثانية: الخوف الوهمي عند كثير من الناس فقد لعب الخوف بالكثيرين فأصبحت تفرح إذا وجدت رجلاً شجاعاً، لأنك قلَّما تقع عينك إلا على الجبناء الذين يخاف الواحد منهم من ظِله، ويفرق من كل شيء، ويحسب كل صيحة عليه، وهذا والعياذ بالله من علامات ضعف الإيمان، ونبات النفاق في القلب، فإن الله تعالى قال عن المنافقين: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ [المنافقون:4].

    الشجاعة في الحق والتحرر من الأوهام

    الشجاعة في الحق والتحرر من الأوهام:

    على الإنسان أن يكون قوياً شجاعاً في الحق وفي أمر الدين، لا يخاف في الله تعالى لومة لائم، وقد كان مما بايع عبادة بن الصامت وأصحابه -كما في الصحيحين- رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه: {وأنْ نقول بالحق حيثما كنا، لا نخاف في الله تعالى لومة لائم}.

    فالكثيرون يضخمون أعداءهم ويضخمون أجهزة الأمن، وبعض الذين يقرءون الكتب عن المخابرات العالمية الأمريكية وغير الأمريكية، أصبح الواحد منهم يعيش على خوف، وينام عليه ويصحو عليه، الخوف من أجهزة الأمن ومن رجال المباحث والمخابرات... وغير ذلك، مع أن هؤلاء بشر يضعفون وينسون، ويقصرون، والكثير من هؤلاء مجرد موظفين لا يعنيهم إلاَّ أمر وظائفهم، وليس أمر هؤلاء بغالب أمر الله تعالى، كما قال الله تعالى: وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف:21].

    فينبغي للمؤمن والداعية خاصة وطالب العلم؛ أن يتحرر من الأوهام والمخاوف، والأشباح التي تلاحقه، وأن يتحرك باعتدالٍ وتعقل.

    والكثيرون أيضاً يعيشون عقدة المؤامرة، فكل شئٍ يشاهدونه في حياتهم يعتقدون أن وراءه مؤامرة من أعداء الإسلام أو من خصوم الدين، حتى ولو كان الأمر ليس كذلك، وقد بالغ البعض في هذا، والبعض الآخر بالغوا في التهويل، ونحن دائماً ندعو إلى التوسط، فأعداء الإسلام يحيكون المؤامرات العظام، ويخططون ويكيدون ولا شك في هذا؛ لكن لا يعني هذا أن كل شئ بأيديهم ومن تحت تصرفهم وأنهم يملكون كل شيء.

    كُنا نتوقع أن الاتحاد السوفيتي قوةٌ لا تقهر، وأنه باقٍ إلى مئات السنين، فإذا بأمر الله تعالى يطيح به بين عشية وضحاها، فلماذا لا نأخذ العبرة من ذلك؟ واليوم الناس كثيراً ما يتوقعون أن أمريكا قوةٌ ضاربة، والذين يتابعون أخبار الاقتصاد اليوم مثلاً، يدركون أن الاقتصاد في أمريكا -بل في أوروبا كلها- يعيش أزمات متلاحقة، وأن من أقل الأسواق الآن استثماراً وانتفاعاً الأسواق الأمريكية التي كانت محط أنظار المستثمرين بالأمس. فأمر الله تعالى غالب، وسنة الله تعالى ماضية، وينبغي ألا نقلل ونهون من شأن هؤلاء، وأيضاً ينبغي ألا نضخم أمرهم وأن نعتقد أن وراء كل شيء مؤامرة.

    تضييع الفرص بسبب الخوف الوهمي

    تضييع الفرص بسبب الخوف الوهمي:-

    الكثيرون لا يستفيدون من بعض الفرص، وبعض الإمكانيات والمكاسب؛ بحجة أننا نخاف أن وراءها مؤامرة، وأن تجر أرجلنا إلى أمرٍ لا نحيط به ولا ندركه.

    مثال ذلك: الخوف من الفشل، فلا يفعل الإنسان شيئاً، لا يخطب لأنه يقول: أخاف أن أخطئ ولا يؤم الناس لأنه يقول: أخاف أن أسهو في الصلاة كثيراً، ولا يمارس أو يقوم بأي عمل لأنه يقول: أخاف أن أخطئ فيه. ثم ماذا إذا فشلت؟ الفشل هو طريق النجاح، والخطأ هو طريق الصواب، والذي لا يخطئ هو الذي لا يعمل، أما الذي يعمل فيخطئ ثم يخطئ ثم يخطئ.. ولكن صوابه أكثر من خطئه ولذلك الناس يلتمسون العذر لفلان إذا أخطأ لأن حسناته كثيرة، والماء إذا بلغ قلتين لا يحمل الخبث، لكن إن كان فلان لا يعمل شيئاً ثم أخطأ لا يحتملون هذا منه؛ لأنهم يقولون: أين أعماله المقابلة لهذا الخطأ الذي وقع فيه؟

    ومثل ذلك: الخوف من النقد والخوف من النصيحة، فتجد الكثير من الناس إذا قدَّمت له نصيحة كأنه ملدوغ. يكون ماذا يا أخي إذا نصحت؟! أنت بشر، وأنت اليوم حي وغداً ميت، ومن رحمة الله تعالى عليك أن يقيض لك من يقول: يا أخي! جزاك الله خيراً لقد أخطأت، لكن ينبغي أن يكون ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة والأسلوب المناسب.

    أما الخوف من النصيحة والجزع منها، والنقد لمن ينصح أو من يوجه؛ فإن هذا في الواقع دليلٌ على الخذلان على مستوى الأفراد والجماعات، والدول، فإن النصيحة مما يفرح بها.

    ولقد شكا الشاعر قديماً فقال:

    وكم مرةً أتبعتكم بنصيحتي     وقد يستفيد البغضة المتنصّحُ

    وإذا رأيت الأمة تجزع من النصيحة، وتسب الناصحين وتنقدهم وتعيرهم وتشتمهم وتشكك في نواياهم ومقاصدهم وتتهمهم؛ فثق أن هذه الأمة قد تُودع منها؛ لأن الأخطاء سوف تكثر وتتراكم ولا أحد ينصح أو يجرؤ على النصيحة.. لماذا؟ لأنه بمجرد أن ينصح سوف يشار إليه بالأصابع، ويقال: أنت تريد كذا وقصدك كذا، وغرضك كذا، وفعلت كذا، حتى لا يقوم أحدٌ بأمرٍ بمعروف ولا نهيٍ عن منكر، ونحن على ثقة أن الأمة -بحمد الله- لا تخلو من الناصحين، ولكن يُؤسفنا أن يكون بعض الأفراد أو الأمم أو الجماعات -أحياناً- ممن ينطبق عليهم قول الله عز وجل: وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ [الأعراف:79].

    الإيمان بالقدر والشجاعة في الحق

    الإيمان بالقدر والشجاعة في الحق:-

    وما ذلك إلا بسب الخوف الوهمي، وإلاَّ فلو أننا فتحنا النوافذ للنصائح الصادقة المخلصة؛ لكان ذلك تعاوناً على البر والتقوى، كما أمر الله: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة:2] وكان ذلك تآزراً وسبباً لزوال الأخطاء واضمحلالها ووجود الخير، وكون الأمة كلها يداً واحدةً على من ناوأها أو عاداها.

    فينبغي أن نُعظِّم أمر الله عز وجل، وأن يعيش الواحد منا لعقيدة ومبدأ ويموت من أجلها، فيكون الله تعالى في قلبه أعظم من كل شيء، وأكبر من كل شيء، ويفقه معنى كونه يقف في الصلاة ويقول: الله أكبر، فإنَّ هذا يعني أن الإنسان يعظم أمر الله ويهون ما سواه. وينبغي أن يؤمن الإنسان بالقضاء والقدر، قال تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:49] فكل ما سوف يجري عليك هو مكتوب، ولن يخطئ الإنسان ما كتب له. قال الشاعر:

    اعلم فعلم المرء ينفعه     أن سوف يأتي كل ما قدرا

    وقال آخر:

    فليس لأمرٍ قدر الله جمعه     مشتٌّ ولا ما فرق الله جامعُ

    وبناءً عليه ينبغي أن تتحرر من المخاوف والأوهام.

    أصحاب المخاوف والأوهام -أحياناً- لا يكتفون بمجرد القعود عن العمل خوفاً وجبناً وهلعاً، بل هم قاعدون -أحياناً- للتشفي والنكاية فيمن اجتهدوا فعملوا، أخطئوا أم أصابوا، فلان لو فعل كذا لكان كذا، ولو لم يفعل لكان كذا، ومن قبل ذكر الله تعالى: الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَأُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [آل عمران:168] وقال: لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ [آل عمران:154].

    وعلمنا المصطفي صلى الله عليه وسلم ألا يقول أحدنا: {لو أني فعلت كذا لكان كذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان} وهكذا فإنها حيلٌ نفسية، وشيطانية، لو.. لو..

    الكثيرون قعدوا عن الدعوة، والعمل، والجهاد وطلب العلم النافع، لماذا؟

    لأن كلمة "لو" أحبطتهم وثبطتهم، لأنه ما من إنسان إلا ويجتهد فيخطئ تارة ويصيب تارة.

    1.   

    من الحيل: الكمال الوهمي

    الحيلة الثالثة: تطلب الكمال المطلق مع عدم السعي في تحصيله. وهو الكمال الوهمي، لأن الإنسان -فرداً أو جماعة أو دولة- لا يخلو من أخطاء مهما بالغ في تحصيل الكمال، فالذين يريدون -مثلاً- أن تكون هناك دعوة إسلامية ناضجة سليمة (100%) هؤلاء يطلبون أمراً قد يكون تحقيقه صعباً ويتطلب جهوداً كبيرة، فلماذا أقعد وأنتظر دعوة كاملة؟! أو يطلبون -مثلاً- علماً غزيراً كبيراً حتى يقوموا بالدعوة إلى الله، هؤلاء يتطلبون كمالاً لا يحصلون عليه، أو إنسان -مثلاً- لا يقوم بالدرس أو بالمحاضرة، لماذا؟ لأنه يتطلب جمهوراً غفيراً يحضر له!

    هذا ليس بصحيح؛ لأنه كما يقول المثل الصيني: (رحلة ألف ميل تبدأ بخطوة واحدة). فالدعوة الناضجة، أو الدولة الكاملة، أو الحضور الكبير، أو العلم الغزير أو غيره، كل ذلك يتطلب أن تبدأ أنت بذاتك، وأقصدك بعينك، أن تبدأ أنت بالخطوة الأولى إلى مجلس علم، أو دعوة، أو جهاد، أو إصلاح، أو نفقة في سبيل الله، أو غير ذلك من الأعمال الصالحة التي هي في متناول يدك.

    وأحياناً يقعد الانتقاد بمثل هؤلاء عن العمل بحجة أن هذا العمل فيه نقص، وذاك العمل فيه نقص، وذاك فيه نقص. ونحن نقول: النقد بذاته إيجابية، فمن الأعمال التي نُطالبك بالمشاركة فيها أن تنتقد نقداً حراً بناءً، وينبغي -أيضاً- مع النقد أن تعلم أن وجود العيب والخطأ لا يمنعك من المشاركة أبداً، وأنا أقول لك عن نفسي: أنا أشارك في أعمال أعلم أنها ليست على الكمال، فيما أرى، ولكن الكمال عزيز ونادر، ولو أن الإنسان لا يشارك في عمل ولا في خير إلا بعد أن يقتنع تماماً أنه ناضج (100%) وصالح (100%)؛ لما عمل الإنسان خيراً قط، وإنما كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في نصيحته العظيمة الغالية، التي رواها لنا البخاري عن أبي هريرة {سددوا وقاربوا وأبشروا} فينبغي أن تقبل المكاسب الجزئية، وتؤمن بأن الإنسان يعمل بحسب ما يستطيع، ويتعامل مع الواقع الذي يعيش فيه.

    1.   

    من الحيل : القناعة الوهمية

    الحيلة الرابعة: القناعة الوهمية، وإحساس البعض بأنه قد أدَّى ما عليه، وأنه لا مجال لطلب الزيادة أو تغيير الأحوال أو ما أشبه ذلك، فأنت تجد الكثيرين من أصحاب ثلاثين سنة وما فوق -ولعل أكثركم وأكثر المستمعين من هذه الطبقة- استقرت أحوالهم على أمور معينة، فإن جئته من الناحية الوظيفية وجدته قانعاً بوظيفته لا يطلب تغييراً جوهرياً فيها، وإن جئت من الناحية العائلية وجدته قد استقر أمره ولا يطلب أي تغيير، وإن جئت من الناحية التجارية وجدت أنه قد استقرت أموره المادية على مستوى معين لا يطلب فيه تغييراً، وهذا كله لا يعنينا، لأننا لا ندعوكم إلى التزود من الدنيا، وإنما ندعوكم إلى التزود من الآخرة، وإذا كانت الدنيا سبيلاً وذريعة إلى الآخرة، فتزود من الدنيا لأنها سبيل إلى الآخرة.

    الذي ندعوك إليه هو أن تكون دائماً وأبداً متطلعاً في المجالات الشرعية العلمية والدعوية والجهادية وغيرها، وأن تكون متطلعاً نحو الكمال وألَّا ترضى بالواقع الذي تعيشه، ولا يكفينا أن تقول: أنا غير راضٍ بهذا الواقع. بل نريد منك أن تسعى خطوة تدل على أنك تسعى في تغيير هذا الواقع. هذا على المستوى الفردي، لكن على المستوى الاجتماعي أيضاً، لا أعتقد أن واحداً منكم اليوم إلا وقد سمع تلك الكلمة التي كثيراً ما تردد تزكية لمجتمعنا، الكثيرون يقولون: الحمد لله؛ مجتمعنا اليوم أفضل من المجتمعات الأخرى. ويقصدون أن المجتمع في هذه البلاد أفضل من المجتمعات الأخرى، ولو نظرنا إلى الدول المجاورة، ولو نظرنا ولو نظرنا....

    هذه التزكية لأفرادنا ولجماعاتنا ولمجتمعاتنا هي نوعٌ من الرضا بالواقع وتسويغ القعود، والواقع أننا ينبغي أن نقف بعض الشيء عند هذه التزكية.

    معيار الحكم على المجتمعات ومشكلة التغير

    ما هو المعيار في الحكم على المجتمعات؟ هل هو الدول المجاورة أو القريبة أو البعيدة، أم هو الكتاب والسنة؟

    لا شك أنه الكتاب والسنة، إذاً علينا أن نقيس أمر مجتمعنا على ما هو واجب في شريعة الله تعالى وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فنعرف كم نحن بعيدون عما هو واجب شرعاً؛ لنسعى ونبذل جهدنا في الوصول إلى ما هو واجب شرعاً، فإن أبيت هذا المقياس ولا أظنك تأبى وأنت إن شاء الله وقَّافٌ عند حدود الله؛ لكن إن أبيت قلنا لك: إذاً بدلاً من أن نقيس بغيرنا، لماذا لا نقيس المجتمع بما كان عليه المجتمع نفسه قبل عشر سنوات أو عشرين سنة؟ لندرك كم من رياح الفساد والانحلال والتغيير الخطير، هبت على هذا المجتمع وغيرته، وكم دخل هذا المجتمع من ألوان الانحراف التي لم يكن للناس بها عهد، وأصبحوا اليوم يألفونها ويستسيغونها، وقد كانت بالأمس منكرةً أشد الإنكار، ولا أريد أن أضرب الأمثلة، لأن هناك بعض الأمثلة قد تكون مثار عجب ودهشة عند الكثيرين، حتى في أشياء صغيرة جداً.

    فالتدخين كمنكر محرم، قبل سنوات كان وجود إنسان يدخن في الأسواق أمراً مذهلاً مدهشاً، أما اليوم فقد أصبحت ترى الإنسان يدخن وربما لا تنكر عليه؛ لأنك تقول: انتشر هذا المنكر بصورة جعلتني لا أستطيع أن أنكر على كل من رأيت، ولو أردت أن أنكر لم أستطع أن أقوم بعمل من الأعمال الدنيوية ولا الشرعية؛ لأن هذا الأمر أصبح فاشياً منتشراً مشتهراً. هذا مثل واحد قليل من عشرات بل مئات بل آلاف الأمثلة التي تدل على أن المجتمع أصبح يتغير، وأنا أقول لكم -أيها الإخوة- كلمة مختصرة: ليست المشكلة عندي في تغير المجتمع هي فقط مشكلة أن المجتمع أصبح مجتمعاً مدخناً في قاعدة عريضة من رجاله! ليست هذه هي المشكلة فقط، بل هناك ما هو أخطر من التدخين وهي المخدرات بأنواعها، وليست المشكلة عندي هي المخدرات فقط! وليست المشكلة هي كون الكثير من الناس أصبحوا يقضون أوقاتاً طويلة أمام التلفاز أو أمام أشرطة الفيديو. هذه كلها مشكلات، لكن المشكلة الأكبر عندي أن عقليات هذا المجتمع قد تغيرت كثيراً، وأن قلوب الكثيرين قد تغيرت، وربما كانت أجهزة الإعلام من إذاعة وتلفزة وفيديو وصحافة ومقالات وكتب وغيرها، ربما كانت هي أحد الروافد التي ساهمت في تغيير عقول وقلوب أبناء هذا المجتمع!!

    وهذا التغير خطيرٌ جداً، والكثيرون لا يدركونه، فمثلاً: أي جهة قامت برصد تأثير أجهزة الإعلام على بناتنا؟! أعلم يقيناً أنه ليست هناك جهة قامت بهذا مطلقاً، لكن أنت -مثلاً- عندما تقرأ مقالاً لبنت في جريدة، أو تشاهد ظاهرة شاذة في مجتمعنا، في الشارع، أو في الطائرة، أو في متجر، أو في أي مكان، أو تسمع ظواهر في المدارس، أو في الأسواق، أو ترى أو تقرأ لبعض الكاتبات، أو تشاهد كما سوف أشير إلى قطرة من بحر في آخر هذه الكلمة، فإنك تندهش وتقول: من أين جاء هذا؟

    أنا أقول لك: إن هناك جهاتٍ تسعى إلى أن يغير المجتمع من الداخل، أن تتغير العقول والقلوب والأخلاقيات؛ بحيث يصبح الفرد في المجتمع متذمراً من هذه القيود -التي يسميها قيوداً وهي أوامر شرعية- متبرماً منها مستثقلاً لها، وهناك جهات كثيرة تسعى إلى أن تكون البنت متضايقة من الحجاب الشرعي بكامل الزي متبرمةً منه، وهي تلبسه لأنه قانون، لكنها تتطلع إلى أن يأتي اليوم الذي يسمح القانون والنظام بإزالته لتقوم بإزالته! وهذا أمرٌ في غاية الخطورة، إذا كانت عقول الناس وقلوبهم ضد ما هو مستقر ومألوف ومعروف في المجتمع من دين الله تعالى وشرعه.

    ومثل ذلك الشاب الذي تغير قلبه، وأصبح يتطلع إلى أن يأتي اليوم الذي يرى فيه ألوان الانحراف موجودة بمتناول يده وقال:

    لقد سئم الهوى في البيد قيس     وملَّ من الشكايةِ والعذابِ

    يُحاول أن يُباح العشق حتى     يرى ليلاه وهي بلا حجابِ

    فحينئذٍ ستجد مجتمعاً يتطلع إلى تغيير الأنظمة والقوانين التي تحكمه، وما أسهل أن تتغير إذا كانت إرادة الناس ورغبة جمهورهم بهذا الاتجاه! وهذا هو الأمر الخطير الذي يسعى إليه الكثيرون.

    فينبغي أن ندرك أن هذه التزكية لمجتمعنا تحتاج إلى أن نعيد النظر فيها، وأن ندرس حال مجتمعنا اليوم، مقارنة بما كان عليه مجتمعنا قبل عشر سنوات أو عشرين سنة.

    والذي يشاهد الأوضاع التي نعيشها الآن، يعلم أنه إذا دام هذا ولم يحدث له تغيير؛ فإن الأمور قد تكون أسوأ بكثير مما عليه مجتمعات أخرى كثيرة.

    فإننا نعلم -مثلاً- أن تيار الانحلال في مصر أو في بلاد الشام أو غيرها، لم يكن ليصل إلى ما وصل إليه اليوم بين يوم وليلة، بل قطع شوطاً خلال عشرين أو ثلاثين سنة، ولكنه بدأ بداية مبكرة، أما في بعض المواقع والمظاهر والأمور، فإن الإنسان يخاف ويخشى -إذا رأى سرعة التغيير- يخشى أن نختصر نحن المسافات، فما قطعه غيرنا في عشرين سنة ربما نحاول نحن أن نقطعه في خمس أو أربع سنوات.

    قال الشاعر:

    هذا الزمان الذي كنا نُحدثه     في قول عمرو وفي قول ابن مسعود

    إن دام هذا ولم يحدث له غيرٌ     لم يُبك ميتٌ ولم يُفرح بمولودِ

    أما ما سوف أقوله لكم اليوم، وهو نصيب هذه الليلة، فإنني أسوقه لكم أيضاً باختصار:

    1.   

    من الحيل : الإلقاء بالمسئولية على الآخرين

    فأحياناً نحن نلقي بالمسئولية على الشيطان ونتبرأ من معاصينا، والشيطان لاشك له دورٌ في إضلال الإنسان، ولكن كما قال الله تعالىحاكياً عن إبليس عندما يتكلم في الآخرة: وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ [إبراهيم:22] فينبغي أن ندرك أن كيد الشيطان ما كان ليبلغ مداه وتأثيره لولا أنه وجد قلوباً أصغت إليه واستجابت له، ونفوساً قابلةً لأن تزرع فيها جراثيم الغواية والفساد، وهذا الشيطان نفسه وجد أقواماً عصوه وخالفوا أمره، فتحرروا من كيده وتلبيسه، حتى وصل الحال أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قيل له في شأن شيطانه قال: {إن الله تعالى أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير}.

    أسلوب التلاوم:

    من تحميل المسئولية للآخرين: أسلوب التلاوم. وكون بعضنا يلوم بعضاً مبناه سوء الظن بالناس، لماذا ألومك؟ ألومك لأنني أعتقد أنك ما صنعت شيئاً، وأنت لماذا تلومني؟ تلومني لأنك تعتقد أنني مقصر! إذاً التلاوم هو نوع من تحميل المسئولية للآخرين، والفرار بالنفس، وأنت تجد أحياناً أن القائد يلوم الناس، فيتغنى ويقول:

    ولو أن قومي أنطقتني رماحهم     نطقتُ ولكن الرماح أجرتِ

    ويقول:

    أضاعوني وأي فتىً أضاعوا     ليومِ كريهةٍ وسدادِ ثَغْرِ

    أما المقود فإنه يتغنىَّ ويقول:

    تاه الدليلُ فلا تعجب إذا تاهوا     أو ضيع الرَّكب أشباحٌ وأشباهُ

    تاه الدليلُ فلا تعجب إذا انحرفوا     عن الصراطِ لِذات الشرك عُزَّاهُ

    تاه الدليلُ فلا تعجب إذا تركوا     قصد السبيلِ وحادوا عن سجاياهُ

    والواقع أنه ينبغي أن يكون كل فرد منا قائداً قوياً عزيزاً منيعاً، يملك من الثقة بالله تعالى ثم الثقة بمواهبه وإمكانياته وطاقاته، وما أعطاه الله عز وجل ما يجعله يقول: أنا لها. ويتصدى للمهمات والملمات، خاصةً أننا في أزمنة قد اختلط الأمر فيها.

    فأنت تعرف -إن كنت من قراء السيرة- أن المسلمين خاضوا معركة مؤتة، وكانوا قليلاً بالقياس إلى جيش الروم الذي يقدر بمئات الألوف، والمسلمون كان عددهم آلافاً معدودةً محدودة، وفي بلاد غريبة، فواجه المسلمون معركة شرسة، واختلط الأمر وقتل القادة الثلاثة واحداً بعد الآخر، فاضطرب أمر المسلمين، ولم يكن لهم قائد، وكاد المسلمون أن يمنوا بهزيمة تأتي عليهم من آخرهم، مثل هذا الموقف يتطلب مبادرة شخصية، يتطلب واحداً يتخلص من كل الظروف النفسية، وكل المخاوف والأوهام ويتقدم، وفعلاً قام رجل من أهل بدر مجاهد -جزاه الله خيراً ورضي الله عنه- اسمه ثابت بن أقرم العجلاني، فتصدى للراية وحملها وقال: أيها المسلمون إليَّ إليَّ. فاجتمع المسلمون حوله والتفوا وتوحدوا، فقال: اختاروا من بينكم قائداً. قالوا: أنت لنا قائد. قال: لا، أنا لست لها، أنا لا أستحق هذا، إنما أخذت الراية حتى تجتمعوا على رجلٍ واحد، فتشاور المسلمون واتفقوا على خالد بن الوليد، فحينئذٍ استطاع خالد أن يحول نصر الروم -بإذن الله تعالى- إلى هزيمة، وأن يحول هزيمة المسلمين إلى انتصار، كما حقق ذلك الأستاذ محمد الصادق عرجون في كتابه القيم خالد بن الوليد.

    وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وقال: {أخذ الراية سيف من سيوف الله تعالى ففتح له} المهم أن ثابت بن أقرم أخذ زمام المبادرة، هو لا يرى نفسه كفئاً للقيادة -أيضاً- وهو متواضع، لكن هذا التواضع لم يمنعه أن يمسك بالقيادة ويمسك بالراية، ولما اجتمع المسلمون وأنقذ الموقف قال: اختاروا من بينكم واحداً، فلما اختاروا خالداً سلم الراية إليه، ونحن اليوم أشبه ما نكون بحال المسلمين في معركة مؤتة، نحتاج إلى أن يكون كل فردٍ منا ثابتاً كـثابت بن أقرم العجلاني رضي الله عنه.

    الاحتجاج بالقدر

    الكثيرون يحتجون بالقضاء والقدر، وكأنهم يتصورون -والعياذ بالله وأستغفر الله- أن القدر أمرٌ اعتباطي، وينسون أن الله تعالى أحكم الحاكمين فهو الحكيمُ في فعله سبحانه، فإذا ضل فلان فما ضل إلا لأنه أهلٌ للضلال، وإذا اهتدى فلان فبرحمة الله تعالى وفضله، والله تعالى لا يظلم أحداً وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت:46] والإنسان له يدٌ فيما يعمل، وأنت ترى أنه يريد الشيء فيعمله فله إرادة، والله تعالى يقول: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ [التكوير:28].

    فالإنسان له إرادة ومشيئة، وإن كانت داخلةٌ ضمن إرادة الله تعالى ومشيئته فلا يفعل الإنسان شيئاً خلاف مشيئة الله تعالى، ولكننا نجدُ بضرورة الواقع أن الإنسان يختار الشيء من أمر دينه فيفعله، ويختار الشيء من أمر دنياه فيفعله، ويترك ذاك بمحض رغبته، وأنه ليس هناك قوةٌ تفرض عليه بالقهر والجبر ما يفعل أو ما يقول أو ما يترك.

    الاحتجاج بالعدو

    وأحياناً نحتج بالعدو، فنقول الاستعمار، والصهيونية والصليبية واليهود والنصارى والمنافقون هم الذين فعلوا وفعلوا وفعلوا...، ونسى قول الله عز وجل: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً [آل عمران:120].

    لقد استطاع ثلاث مائة وبضعة عشر رجلاً أن ينتصروا على قوى الأرض كلها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم في المعركة الفاصلة بين التوحيد والشرك معركة بدر، ويستطيع مثل هذا العدد أو أقل منه أو أكثر -بإذن الله تعالى- أن يسجلوا أروع الملاحم للإسلام، في الأقوال والأعمال والدعوة والجهاد، متى أخلصوا لله تعالى، والله تعالى يقول: فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً [النساء:76].

    وقد كنا نتوقع أن قوة أعداء الإسلام شيءٌ عظيم وكبير، وأن المسلمين بعيدون كل البعد عن مواجهة تلك القوة، وعن الانتصار عليها، أما اليوم فإنني أقول أيضاً: أصبحنا ندرك أن الأمر أهون مما كنا نتصور، وأن تلك القوى الكافرة يصيبها الله بالداء والبلاء من داخلها، ويسلط عليها جراثيم الفساد من ذاتها، وربما لا تحتاج إلى كبير جهد من المسلمين لو أنهم صدقوا الله تعالى ووضعوا أقدامهم في الطريق الصحيح وجدّوا واجتهدوا، ومع ذلك قوة العدو لا يستهان بها.

    إلقاء المسئولية على الحكام والعلماء

    أحياناً نضع المسئولية على الحكام، أو على العلماء والدعاة، أو طبقة معينة من المجتمع، وأنا أقول مسئولية الحكام ليست كمسئولية آحاد الناس، ومسئولية العلماء ليست كمسئولية العامة، ومسئولية الدعاة ليست كمسئولية غيرهم، ولكن ينبغي -مع ذلك- أن نُدرك أن مسئولية الفرد العادي كبيرة، وأنه يستطيع أن يفعل الكثير، سواءً في تعزيز من يريد الإصلاح، فيقف إلى جانب العالم والداعية يؤازره ويشد على يده، ويقويه ويساعده في تحقيق مهمته، أو يقف ضد من يريد الإفساد، ونحن نعلم أن كثيراً من الخُطط تنهار بسبب أن الشعوب لا تقبل بها؛ فتضمحل وتزول، وأن كثيراً من الخطط تنجح بسبب تقبل الناس لها ودعوتهم إليها وقناعتهم بها.

    إذاً قبول الناس بشيء أو رفضهم له من أعظم أسباب نجاحه أو فشله، فلا ينبغي أن نلقي باللائمة على جهة معينة أو فرد معين، لاحاكماً ولا عالماً ولا داعية، وإن كنا لا نبرئ هؤلاء أبداً من المسئولية، بل نقول: إن مسئوليتهم أكبر وأعظم من مسئولية أفراد الناس، لكن هذا لا يعني أنهم هم المسئولون فقط، وأن بقية الناس لا شأن لهم، بل هم -كما يُقال- أصفار على الشمال.

    كلا وألف كلا! كل واحدٍ منا هو -على الأقل- واحد صحيح، وأنت تعرف لو لم يوجد الناس ماذا يصنع العالم؟ من يُعلِّمُ إذا لم يجد تلاميذ يأخذون عنه؟ والداعية إذا لم يجد المدعوين من يدعو؟ ومن يخاطب؟ وهكذا الحاكم إذا لم توجد الرعية من يحكم؟ ولهذا يذكر في القصص -كما سبق أن ذكرنا- أنه لما أراد العز بن عبد السلام أن يخرج من مصر مغضباً ومغاضباً، لما خرج على حماره المتواضع ومعه زوجته وأثاثه البسيط، خرج شعب مصر كلهم وراءه، فذهب من ذهب إلى السلطان المملوكي، وقال له: لقد انجفل الناس، وخرجوا وراء العز بن عبد السلام. فدعوه واسترضوه حتى أقنعوه بالبقاء وحققوا له ما يريد.

    أنت تجد في كتب الأدب النقد للناس، وبعضهم يقول: ذهب الناس وبقي النسناس، وفي كتاب الإمام الخطابي العزلة، وفي كتاب العقد الفريد وفي غيرها، تجد كلاماً كثيراً في ذم الناس، ونقدهم وعيبهم وشتمهم وسبهم، لكن من هم الناس؟

    هذا المؤلف للكتاب أليس هو من الناس؟ هو واحد منهم، فالمبالغة في ذم الناس وعيبهم أمرٌ لا يسوغ، خاصةً وأن الإنسان إذا تكلم فيهم بهذه الطريقة كأنه يُخرج نفسه من بينهم، ولماذا لا تتصور نفسك واحداً منهم؟ أم أن الأمر في حقنا أننا أصبحنا الآن كل همنا أن نتخلص من المسئولية، حتى شاع في المثل أن بعضنا يقول: المشاكل التي نعيشها اليوم، هي من صنع الجيل السابق، وسوف يقوم بحلها الجيل القادم، أما نحن فمجرد متفرجين.

    أيضاً هناك بعض الإخوة ينتظرون مفاجآت قدرية، أو مفاجآت يصنعها الآخرون لنا، فالبعض لا يصنع شيئاً، ولا يظن أن تتغير أوضاع المسلمين.. لماذا؟ قال: لا تتغير هذه الأوضاع إلاَّ أن يأتي الله تعالى بعيسى أو بالمهدي عليهما السلام. ونحن نؤمن عقيدةً بأن المهدي سوف يخرج في آخر الزمان، كما جاء ذلك في أحاديث كثيرة تزيد على الثلاثين عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الأحاديث الواردة في أمر المهدي بلغت مبلغ التواتر، كما ذكر ذلك غير واحد.

    كذلك نؤمن بأن عيسى عليه الصلاة والسلام سوف ينـزل في آخر الزمان، ويصلي مع المسلمين، ويشاركهم في حروبهم ومعاركهم، وهذا أمرٌ أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم، بل جاء به القرآن الكريم قال تعالى: وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ [الزخرف:61] وقال الله عز وجل: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً [النساء:159].

    وأخبر بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم في أحاديث متواترة، ساق طائفة منها الحافظ ابن كثير في تفسيره، فنحن نؤمن بهذا ونؤمن بذاك، لكننا نؤمن -أيضاً- وندين الله بأن الله تعالى لم يتعبدنا أبداً أن نقعد ونترك العمل والجهاد في انتظار مجيء المهدي أو مجيء عيسى، ولو أن المهدي أو عيسى جاء إلى أمة محطمة مهزومة ما استطاع أن يصنع شيئاً، ولكن إرادة الله تعالى وحكمته أن يأتي المهدي ويأتي عيسى إلى أمةٍ قد تخلصت من العجز، والضعف، والهوان، والجبن، وجاهدت في سبيل الله وحققت بعض الانتصارات، فيقودونها في معركتها إلى مزيد من العز ومزيد من النصر ومزيدٍ من التمكين. ولو أن قائداً عظيماً ولد اليوم بيننا، أظن أنه لا يستطيع أن يصنع شيئاً بمثل هذه الرمم الهامدة الجامدة، التي أصبحت عاجزةً عن أن تصنع شيئاً لنفسها أو دينها أو كرامتها أو أعراضها.

    والبعض ينتظر أن أمم الكفر تعلنها حرباً ضروساً ضاريةً ضد المسلمين لتستثير مشاعر المسلمين العادية، ونحن نقول: نعم، الحروب التي توجه اليوم ضد الإسلام والمسلمين سوف تُساهم في تعميق الوعي، وتعميق الانتماء لهذا الدين، وجمع كلمة المسلمين على أمر سواء، ولا شك في ذلك، لكن لا أعتقد أنه يجوز أو يسوغ لنا شرعاً أن ننتظر أن يهجم علينا العدو حتى نوحد صفنا، وحتى نقوم بواجبنا، كلاَّ! فإن العدو استطاع أن يبلغ منا مبلغاً عظيماً اليوم؛ لأننا لسنا على مستوى المواجهة، فعلينا أن نتقي الله تعالى، وأن ندرك أنه يكفينا ما نواجهه الآن من التحديات على كافة المستويات، لنقوم بإعداد أنفسنا إعداداً جيداً لمواجهة الواقع.

    الاحتجاج بكثرة الدعاة وبالعجز

    والبعض يعتقدون أن الساحة مليئة، وأن غيرهم قد قام بالواجب فيقول: الفقهاء والعلماء -بحمد الله- والدعاة كثير، وفيهم الكفاية وليس لنا مجال.

    وأقول: أخشى أن مثل هذا الإنسان يأتي يوم القيامة مقبلاً ليدخل الجنة، فإذا رآها خيل إليه أنها ملأى فرجع وقال:رب وجدتها ملأى، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أحد الناس يفعل ذلك يوم القيامة {فيقول الله عز وجل: اذهب فادخل الجنة فإن لك الدنيا وعشرة أمثال الدنيا} فالمقصود أنه لا ينبغي لك أن تعتقد أن الساحة ملأى، بل الساحة فارغة تصفق، وهي أحوج ما تكون إليك، وأرجو أن تكون أنت الفارس القادم الذي يملأ فراغ هذه الساحة.

    أمرٌ آخر: أنت مطالب -حتى ولو كانت الساحة ملأى- بأن تقوم بواجبك، فالله تعالى يقول: فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ [النساء:84] ويقول سبحانه: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ [الأنعام:165].

    فما أعطاك الله ابتلاء واختبار، أتقوم به وتشكر أم تكون الأخرى؟ وكذلك قال الله: وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ [الإسراء:13] وقال: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً [مريم:93] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: {كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته} والحديث في الصحيحين، وفي الحديث الآخر عند الترمذي وسنده حسن إن شاء الله: {لن تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يسأل عن أربع} الحديث.

    عليك أن تعتمد -إذاً- على إمكانياتك، وطاقاتك، وعلى ما أعطاك الله، وأن تقدم للناس نموذجاً عملياً بدلاً من أن تتكلم بلسانك، ولا يكلفك الله تعالى إلا ما أعطاك، قال تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286] وقال تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا [الطلاق:7].

    والعجيب أيها الإخوة.. أن الكثيرين يحتجون بهذه الآية لأنفسهم ولا يحتجون بها على أنفسهم! فإذا قلت لفلان: يا فلان! ارفع هذا الكوب، قال لك: أنا لا أستطيع، والله تعالى يقول: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286] ونسي أنه يستطيع أن يقول: نعم أستطيع أن أرفعه، وهذا في وسعي والله تعالى كلفني وسعي. فنحن لأننا لا نحب العمل -بل نحب القعود- نحتج بهذه الآية على ترك العمل ونقول: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286] وننسى أن هذه الآية من أعظم الآيات في تكليف الإنسان؛ لأن الآية نصها: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286] لكن مفهومها: أن الله تعالى يكلف الإنسان كل وسعه وكل طاقته وكل جهده الذي يستطيع، فما بالك تأخذ بها في الترك ولا تأخذ بها في الفعل؟! لماذا تكون ورعاً -أيضاً- في ترك الأشياء ولا تكون ورعاً في فعل الأشياء؟! مثلاً: شك الإنسان في هذا الماء أنه قد يكون مكروهاً، فقال: أتركه على سبيل الورع، فهذا جيد، لكن إنسان آخر شك في أن هذا العمل قد يكون واجباً عليه، ربما تكون الإمامة -مثلاً- في حقك واجبة، أو الخطابة، أو التعليم، أو الدعوة، أو الأمر، أو النهي، أو النفقة، قد تكون واجبة، فلماذا لا تقول: من باب الورع أن أفعل هذه الأشياء خشية أن تكون واجبةً عليك؟! أو خشية أن تكون مستحبة في حقك؟!

    1.   

    من الحيل :التسويف

    الحيلة السادسة: التسويف قال بعض السلف: أنذرتكم سوف. وقال الله تعالى: وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ [الحديد:14] وقال سبحانه: وَتَرَبَّصْتُمْ [الحديد:14].

    ولو أن الإنسان تصور أنه يموت غداً، وأرجو أن تضع في اعتبارك هذه النقطة، تصور أنك ستموت غداً، ستجد أن تفكيرك تغير وقناعتك تغيرت، وأن هناك أعمالاً كثيرة تعملها الآن ستشعر أنه لا وقت لها ولا مجال لها، وأن هناك أعمالاً كثيرة لا تعملها سوف تبادر إلى فعلها.

    ومن التسويف أيضاً: الاعتماد على العائق الوحيد، فتجد الإنسان يؤجل العمل، فمثلاً يقول: لن أعمل هذا الشيء حتى أتخرج من المدرسة، فإذا تخرج من المدرسة قال: سأعمله بعد أن أتزوج، فإذا تزوج قال: بعد أن أبني بيتاً، فإذا بنى البيت قال: بعد أن أقيم المؤسسة، فإذا أقام المؤسسة قال: بعد أن يأتيني الأولاد. وهكذا، والله سبحانه وتعالى نهى عن التسويف، وبيَّن عاقبته، فقال تعالى: وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ [المنافقون:10] وقال سبحانه: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ [المؤمنون:99].

    1.   

    من الحيل : اليأس

    الحيلة السابعة: اليأس.

    اليأس من إصلاح الناس، أو من تمكين هذا الدين، أو من قبول التوبة بالنسبة لإنسان واقع في ذنب، أو غير ذلك، وهذا اليأس غالباً ما يكون سببه أن الإنسان يتطلب الكمال المطلق، ولا يقدر المكاسب الجزئية، فيقع نتيجةً لذلك في القنوط ويستيئس ويدع العمل، واليأس موتٌ لا عمل معه، وإنما يكون العمل مع الأمل، ولذلك يقول الشاعر:

    ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل

    من أسباب اليأس: سوء فهم الأدلة الشرعية، فبعضهم يطبقون الأدلة الشرعية الواردة تطبيقاً غير صحيح، فمثلاً الأدلة الواردة في فساد الزمان، يطبقونها على حالهم، ويستنتجون أن المؤدى أنه لن يتغير هذا الواقع، ولو أنهم نظروا للأدلة الأخرى التي تدل على أن التمكين للإسلام يكون في آخر الزمان، وقد ذكرتها تفصيلاً في درس المستقبل للإسلام بما لا يدعو لإعادتها الآن؛ لأدركوا أنه لا مجال لليأس لا من الناحية الشرعية ولا غير ذلك.

    وكذلك قد يفهم النصوص الواردة في ذم بعض المعاصي أنها تسبب له اليأس من قبول التوبة، وينسى النصوص الأخرى الواردة في قبول التوبة، حتى ممن فعل المعاصي والجرائم والموبقات، حتى الشرك بالله تعالى إذا تاب العبد منه تاب الله تعالى عليه.

    من أسباب اليأس: سوء فهم الواقع أحياناً، فإن البعض إذا رأى هذا الواقع وتمكين الشرك وأهله والكفر واليهود والنصارى، أصابه من جراء ذلك قنوطٌ، والواقع مليء بالمبشرات التي تدل أيضاً على أن نصر الله تعالى قريبٌ كما وعد الله تعالى، قال الشاعر:

    أشتدي أزمة تنفرجي     قد آذن ليلك بالبلجِ

    قال تعالى: حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة:214] فينبغي أن ندرك أن وعد الله تعالى للمؤمنين بالنصر والتمكين حاصلٌ لا محالة، وأن المبشرات بحمد الله تعالى كثيرة لمن تأمل الواقع العالمي اليوم. واليأس داءٌ قاتل بلا شك؛ قال تعالى: إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ [يوسف:87] وقال تعالى: وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ [الحجر:56].

    1.   

    من الحيل : التهويل والتهوين

    الحيلة الثامنة: هي تعظيم الأمر أو تهوينه.

    بمعنى أن الإنسان -أحياناً- يبالغ في تضخيم المشكلة حتى كأنه لا حل لها، وبناءً عليه لا داعي أن نعمل لأن هذه المشكلة فوق الحل، أو يبالغ في تهوينها حتى كأنها لا تحتاج إلى حل ولا إلى علاج لأنها هينةٌ سهلة، وهذا نتيجة لعدم استقرار الجانب النفسي عند الإنسان، وعدم توازنه أو اعتداله في الحكم على الأشياء.

    فمثلاً: إنسان يتشاءم من الواقع تشاؤماً كبيراً، ويركز دائماً على الجانب السلبي، ويبالغ دائماً وأبداً، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول -كما في صحيح مسلم-: {من قال: هلك الناس، فهو أهلكهم} أي: أن الإنسان الذي لا ينظر إلاَّ إلى الجانب السلبي المظلم المعتم في حياة الناس يتشاءم من الواقع، وبناءً عليه يرى أنه لا يستطع أن يعمل شيئاً، ولا أن يصلح. أو على النقيض من ذلك؛ يبالغ في تزكية الواقع، وأن الأمر كله خير، والناس مقبلون على خير، والحمد لله لا يوجد منكرات، فهو لا يريد أن يعمل، فإما أن يكون الواقع أسود بحيث لا أستطيع أن أصلحه، وإما أن يكون الواقع مشرفاً بحيث لا يحتاج مني إلى جهد، والمقصود أنني أتهرب من الإصلاح.

    أحياناً يتصور الإنسان أنه ليس أمامه أي عقبة، ولهذا يتحرك ببساطة وعفوية، ولا يقدر حجم مؤامرات الأعداء، وهذا لاشك نقص وتسهيل وتهوين للأمر. أو يضخم هذه العقبات ويبالغ فيها، حتى يتصور أنه لا يستطيع أن يقتحمها ولا أن يتجاوزها، ولا أن يعمل في ظل وجودها.

    فهناك عقبات كبرى وحواجز ضخمة، حواجز رسمية، وحواجز اجتماعية، ونفسية، وتجارية، المال لا يتوفر مثلاً، والرخصة لا تتوفر، والمجتمع لا يتقبل هذا الشيء، إلى غير ذلك من الأمور التي يتوهمها الإنسان قبل أن يعمل، ولو أنه بدأ العمل لتبخرت هذه الحواجز واحداً بعد الآخر، أنت تقول لإنسان أحياناً: يا أخي! قل كلمة الحق. يقول لك: الله المستعان! نحن لا نملك إلا الكلام، الكلام لا يغير من واقع الأمر شيئاً، ولا ينفع، لماذا يكون الكلام بيدي والمدفع بيد عدوي؟ وبذلك يهون من شأن الكلمة، وهذا خطأ، فربما تناقشه وتتحدث معه؛ وبعد قليل يتحول هذا الإنسان حتى تصبح الكلمة عنده هي كل شئ، ويصبح لا يملك شيئاً آخر غير الكلمة، فهو ينتقل من طرف إلى طرف ومن نقيض إلى نقيض.

    وبعض الناس يقول: العمل الذي يتم فيه التغيير لا أملكه أنا، أما ما أملكه فهو لا يفيد شيئاً، إذاً هذا العمل يساوي أنني سوف أقعد وأستيئس وأدع العمل. وهذا يشبه ما كان عليه أهل الجاهلية الأولى، فإن ابن عبد ياليل لما جاءه النبي صلى الله عليه وسلم في الطائف ودعاه إلى الله تعالى قال للنبي صلى الله عليه وسلم: لا ينبغي لي أن أكلمك، إن كنت رسول الله حقاً فأنت أعظم من أن أكلمك، وإن كنت تكذب على الله تعالى فلا ينبغي أن أكلم من يكذب على الله تعالى.

    ابن عبد ياليل مريض، بل قلبه ميت لأنه كافر، ولا يريد أن يسمع دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، فوضع لنفسه معادلة، أنك أحد رجلين: إما أن تكون رسولاً حقاً فأنت حينئذٍ أعظم من أن أخاطبك، وإما أن تكون تكذب على الله فلا ينبغي لي أن أكلمك. إذاً هو أنجى نفسه من مهمة سماع الدعوة وسماع الخير، وما نفعه ذلك فهو في نار جهنم يتجلجل فيها خالداً مخلداً فيها أبداً، وما نفعه هذا العذر الواهي الكاذب الذي يخادع به نفسه.

    وينبغي للمؤمن ألا ينجر إلى مثل ذلك، فليس هناك مشكلة إلاَّ ولها حلٌ بإذن الله تعالى، لكن علينا أن نبحث عن المفاتيح ونتدرج ونعمل الأسباب ونبذل المستطاع، ونستعين بالله تعالى، والله تعالى يقول: لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً [الكهف:30] إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل:128]

    1.   

    الأسئلة

    الوثائق المزورة

    السؤال: أحببت إخباركم أنه سوف يصل عبر الفاكس بعض المعلومات والوثائق المزورة، آمل الانتباه لها؟

    الجواب: وأنا أشكر هذا الأخ على هذه النصيحة، ولكنني أتعجب لماذا لم يكتب الأخ اسمه؟! حتى أستطيع أن أتثبت من صحة هذا الكلام الذي قاله، ربما كان الأخ محتسباً، يظن أن كل ورقةٍ تأتيني أنني أعتبرها وأعدها وثيقةً مهمة وأقدمها للناس، والواقع أن الأمر بخلاف ذلك، وأن هناك وثائق كثيرة تأتيني -لا أقول: إنها مزورة- ولكن لا أملك دليلاً على صدقها فأتوقف فيها، وهناك وثائق أخرى منذ فترة تصل، ويشك الإنسان فيها ويبحث ويتحرى، فيجد -بحمد الله- أنها غير صحيحة، فينبغي للأخ ولغيره ألا يظن أننا ممن يقبل كل ما جاء من الغث والسمين بل نحن نُميز، وقد يأتينا -أحياناً- وثيقة مترجمة، فلا نعتمد على الترجمة حتى نبعثها إلى من نثق به نحن ليترجمها، إذا تأكد من صحتها وصدقها وصوابها، وأحياناً تأتي وثيقة منسوبة إلى جهة معينة مع أن الوثيقة صحيحة، لكننا لم نتأكد أنها منسوبة إلى تلك الجهة، فلا نتسرع في ذلك كله.

    وبناءً عليه أقول لكم: لقد سبق أن ذكرت لكم وثائق كثيرة مما يتعلق بالتنصير وغيره، فليطمئن الإخوة إلى أنني لم أذكر أي وثيقة إلاَّ وأنا على أتم الاستعداد لتثبيتها، والتحقق منها بصورة قاطعة، ليس عليَّ فيها أدنى تقصيرٍ أو مسئولية، ولو أردتم أن أذكر لكم كل الوثائق التي جاءتني لكان الأمر أهول وأعظم مما تتصورون.

    أخبار عن البوسنة والهرسك

    هاهنا مجموعة من الأخبار المتعلقة بإخواننا في البوسنة والهرسك، ولا شك أن الكثيرين يتطلعون إلى معرفة ذلك:

    أولاً: هذا تقرير مرعب عن مسألة اغتصاب الفتيات المسلمات هناك، وقد كتبت صحيفة نيوز بي في عددها الصادر في 23 أغسطس، الموافق 24 صفر تقريباً من هذا العام، كتبت تقريراً عن خطة مرعبة ومحزنة لاغتصاب الفتيات المسلمات في البوسنة، وهذه ترجمة لبعض محتويات هذا التقرير:

    فتاة عمرها 23 سنة هي واحدة من عشرين فتاة تم اغتصابهن واستجوبتهن الصحيفة تقول: إن الشاب الذي اغتصبها قال: لدينا أوامر بأن نغتصب الفتيات، وقال إنه يخجل أن يكون صربياً، وأضاف إن كل ما يجري هو جرائم حرب.

    فتاة أخرى اسمها حافظة عمرها 23 سنة تقول: حاولت كف الجندي الذي اغتصبها، وكانت تبكي له وترجوه وتتوسل إليه، وقالت له: إن لك أماً ولك أختاً وأنثى في أسرتك، ولكنه لزم الصمت ولم يشأ أن ينطق، ثم قال لها: يجب عليَّ أن أفعل، ولكنها لم تستطع منعه، هذا الحادث شمل أربعين فتاة من بريزوفو وهي مدينة صغيرة على نهر سافا اقتحمها الصرب، وقبضوا على جميع المدنيين وأرسلوهم إلى الموت بعد أن قسموهم وفقاً للسن والجنس.

    سينادا عمرها 17 سنة، تريد أن يعرف العالم حقيقة ما يجري لكل الأمهات ولكل النساء، وقد كتبت تصريحاً بخط يدها وسلمته لرئيس أطباء النساء، ورجت أن يسلمه وقالت: لا أريد أن يتعرض لهذه المحنة أحد، فهي أسوأ عقوبة في العالم.

    إن حادث هذه المدينة، ليس إلاَّ واحداً من عدد من المؤشرات، التي تثبت حملة اغتصاب منظمة، ارتكبت أثناء غزو الصرب للمسلمين في البوسنة، ففي مقابلات منفصلة قالت أربع من النساء الشابات من قرية "لبلجي" القريبة من "زفونيك: إن أسراهم من الصرب اعتقلوهن في وكر دعارة، حيث تناوب ثلاثة رجال أو أكثر على اغتصابهن كل ليلة لمدة عشر ليالٍ. وتقول جمعية للنساء البوسنيات: إن أكثر من عشرة آلاف فتاة بوسنية، هن رهن الاعتقال في معسكرات الصرب، يتكرر اغتصابهن على أيدي جنود الصرب.

    وهناك أسلوب آخر وهو: اغتصاب النساء الحوامل ومتوسطات العمر، تقول الدكتورة مالكة رئيسة فريق طبيبات النساء: إنهن فحصن 25 من 40 ضحية في "بريزوفو، وأنها على قناعةٍ هي وزميلاتها بأن الهدف من الاغتصاب هو إذلال المرأة المسلمة، والإساءة إليها، وتحطيم شخصيتها، والتسبب في إحداث صدمةٍ لها، وتضيف قائلةً: إن هؤلاء النسوة تم اغتصابهن ليس استجابة لغريزة انجذاب الذكر نحو المرأة، ولكن الهدف الحرب، وقالت: أعتقد أن هناك أوامر للجنود بهذه الاعتداءات ضد الفتيات، وضربت لذلك مثلاً بأن بعض الفتيات أخذن إلى أحد المنازل ولم يعتد عليهن أحد، وإنما أمرن أن يقلن للآخرين بأنهن اغتصبن.

    لقد بدأت حملة الاغتصاب الجماعي كما تقول الضحايا في يوم 17 يونيو الماضي، حيث تجمع الجنود الصرب وهم يرتدون ملابس الجيش وطوقوا المسلمين للقيام بما يسمونه التطهير، فحملوا الرجال بين 16 وستين سنة في باصات وأرسلوا بهم إلى التحقيق في معسكر لوجا للاعتقال، حيث تم ذبح (90%) منهم حسب ما أفاد أحد الناجين لمحرر هذه الصحيفة، ثم حملوا قرابة ألف امرأة وطفل وعجوز في ثمان باصات، وطافوا بهم في الأرياف لمدة يومين، وكانوا يهددون النساء بالسلاح لمدة أربعة أيام بلا طعام ولا ماء، وكان الجنود الصرب الناجون العائدون من المعارك يهاجمون الباصات كل ليلة، ويصطحبون الفتيات والنساء إلى مواقع مجهولة، وهم يهددونهن بالخناجر، وفي صباح اليوم التالي يقذفون بهن، وقد تمزقت ثيابهن، وغطاهن الدم.

    وأخيراً وصلت مجموعة إلى مدينة كابار، حيث قام خمسون من الصرب المجندين أتباع أحد مجرمي الحرب هناك فسرقوا ما لدى الأمهات وفصلوهن عن البنات بالقوة، وحملت الأمهات بالباصات وألقين في منطقة حربية، بينما أودعت الفتيات في مخزن للأثاث، وهناك قام الرجال وأكثرهم قد أعفوا لحاهم على طريقة الفرقة الصربية الإرهابية في الحرب العالمية الثانية المعروفة باسم: ستليك، فاختاروا بعض الفتيات، واعتدوا عليهن في مجموعات تتألف كل منها من عشر فتيات، تقول خيرية وعمرها 21 سنة: إنها سألت المغتصب: لماذا تفعلون ذلك؟ فقال: لأنكن فتيات مسلمات.. وغير ذلك.

    وعندما وصلت الأمهات إلى تولزا، وقد روعهن فقد بناتهن، وأعيتهن الرحلة المضنية التي شملت رحلة على الأقدام بطول اثنى عشر ميلاً، وسط منطقة حربية على طريق تحفه جثث الموتى، ثم وصلت البنات بعد ذلك بأربعة أيام، بعد أن اضطررن للسير وسط طريق مزروع بالألغام، وسقط ضحيته عدد من كبار السن، وكانت الفتيات في حالة إعياء شديد، وصدمة كما يذكر الأطباء. ومعظمهن -على حد قول بعض الأطباء اللواتي قمن بفحصهن- يعانين من إصابات معدية في أعضائهن التناسلية، وذلك من جراء تعرضهن للاغتصاب المتواصل، وجميع النساء التي قامت هذه الصحيفة باستجوابهن وعددهن عشرين، أفدنَ أن مغتصبيهن من الصرب كانوا يغتصبونهن بطريقة بشعة.

    إن صحة أولئك الفتيات لا تشكل إلا جزءاً من مأساة كل واحدة منهن، لأن كل فتاة منهن قد فقدت أباها وأخاها، وبعضهن ليس لها مكان تأوي إليه، والاغتصاب زعزع الثقة بالنفس، وكانت كل واحدةٍ منهن تجهش بالبكاء وهي تتحدث إلى محرر هذه الصحيفة.

    وتقول إحدى الدكتورات: إن مأساة هؤلاء لم تنته، لأن كثيراً منهن يُحتمل أنها حامل، وسيتقدم لهن المستشفى بعقاقير لإحداث الإجهاض، إلاَّ أن أعظم الضرر يتمثل في الإحساس بالعار، فهؤلاء الفتيات من الأرياف التي تحظر فيها العلاقات الجنسية، وكانت الفتيات جميعاً عذارى أبكاراً، ومن ثم يعتقد معظمهن أن حياتها قد دمرت، تقول ميرة: وعمرها 25 سنة: إننا نشعر جميعاً أننا فقدنا بالاغتصاب كل شئ. وهذه صادقة عمرها 20 سنة تقول: إنها احتقرت الرجل الذي اغتصبها لأنه لم يشعر بما تحس به، إنها وحشية وهمجية، فقد أحست بالعار لأنها فتاة شريفة عذراء، وتقول ميرة: وعمرها 17 سنة: إن مغتصبها هددها بقنبلة يدوية، وضعها في يده وقال: إن جميع الصرب طيبون، وإنه هو صربيٌ طيب، قال لها: إذا لم توافقي فسوف يقتلنا بالقنبلة، وقد اغتصبها، ولم يعتذر بل قال: إنه يجب عليه أن يفعل ذلك، وأضاف بأن هذا خيرٌ لها من أن يعتدي عليها أتباع مجرم الحرب سيسلي، حيث يقوم عشرة رجال باغتصاب امرأة واحدة.

    كما أن مجموعة كبيرة من الحوامل اللواتي اغتصبن أحسسن بالضياع وطلبنَ أن يتم الإجهاض، تقول الدكتورة إكريت مارت: إن إحدى الممرضات من مدينة بريزوفو فقدت أمها وأباها وزوجها وطفلها البالغ من العمر أربع سنوات أمام عينيها، وقالت إن الجنود الصرب، قرروا عدم قتلها، بل أحضروها إلى مستشفاهم العسكري، حيث خدمتهم يومياً بالنهار، وبالليل جرى اغتصابها؛ لقد أصبحت مريضةً يائسة، وقالت: إنها حامل من شهرين، ولكن ذلك لم يمنع هؤلاء من الاعتداء عليها.

    وبالنسبة لشابات مدينة بريزوفو، فإنه يتناوبهن شعورٌ بالعار والغضب، وتعتبر حملة الاغتصاب هذه أول حملة من نوعها في تاريخ البوسنة، وتتمنى ضحايا الاغتصاب أن يغادرن البوسنة إلى أي مكان آخر، وحين يغادرنها فإنهن لا يردن العودة إليها مرةً أخرى.

    يا راكبين عتاق الخيل ضامرةً     كأنها في مجال السبق عقبانُ

    وحاملين سيوف الهند مرهفةً     كأنها في ظلام النقع نيرانُ

    وراتعين وراء البحر في دعةٍ     لهم بأوطانهم عزٌ وسلطانُ

    أعندكم نبأٌ من أهل بوسنة     فقد جرى بحديث القومِ ركبانُ

    كم يستغيثُ بنا المستضعفون وهم     أسرى وجرحى فما يهتزُ إنسانُ

    ماذا التقاطع في الإسلام بينكمُ     وأنتمُ يا عباد اللهِ إخوانُ

    ألا نفوسٌ أبياتٌ لها هممٌ     أما على الخير أنصارٌ وأعوانُ

    يا من لذلة قومٍ بعد عِزتهمُ     أحال     حالهمُ كفرٌ وطُغيانُ

    بالأمسِ كانوا ملوكاً في منازلهم     اليوم هم في بلاد الكفر عبدانُ

    فلو تراهم حيارى لا دليل لهم     ليهمُ من ثياب الذُلِّ ألوانُ

    ولو رأيت بكاهم في قيودِهمُ     هالك الأمر واستهوتك أحزانُ

    يا رب أمٍ وطفلٍ حيل بينهما     ما تفرق أرواحٌ وأبدانُ

    وَطَفْلَةٍ ما رأتها الشمس إذ برزت     أنما هي ياقوتٌ ومرجانُ

    يقودها العِلج للمكروه باكيةً     العين دامعةٌ والقلبُ حيرانُ

    لمثل هذا يذوبُ القلب من كمدٍ     إن كان في القلبِِ إسلامٌ وإيمانُ

    هل للجهاد بها من طالبٍ فلقد     تزخرفت جنة المأوى لها شانُ

    وأشرف الحور والولدان من غُرفٍ     فازت لعمري بهذا الخيرِ شجعانُ<

    أخبار مشجعة تبعث الأمل

    وحتى لا نعيش في ظلمات اليأس، فإني أذكر لكم هذه المجموعة السريعة من الأخبار المشجعة:

    في مدينة برتشكو حطم اللواء المسلم رقم 108 كتيبة كاملة من الصرب في قرية بوكفيك بعد أن هاجمت المليشيات الصربية هذه المدينة وضواحيها، هذا ما صرح به قائد اللواء البطل واسمه فريد، واستعانت القوات الصربية بالطائرات التي ألقت قنابل الدمار التي راح ضحيتها حوالي مائتين وخمسين شخصاً بين جريح وقتيل، وما زال العدو مستمراً بالهجوم في محاولة فاشلة منه، لفتح الطريق إلى صربيا.

    ومن ناحيةٍ أخرى قامت القوات المسلحة البوسنية بهجوم قوي واسع النطاق على قرية بوكفيك معقل القوات المعادية، وتمكنوا من تحرير القرية وتدمير كتيبة كاملة مجموع أفرادها من الصرب حوالي خمسمائة جندي، فذهبوا بين قتيل وجريح، وتم أسر باقي أفراد الكتيبة، واستولت القوات المسلمة على كمية كبيرة من الأسلحة ومدافع الهاون، ومضادات الطائرات، بفضل الله تعالى.

    وفي بيهاتش أيضاً انهزم العدو هزيمة ساحقة، حيث تصدت القوات البوسنية لجميع محاولاته التي استهدفت اقتحام خط الدفاع، وفي هجوم مضاد استطاعت القوات البوسنية حماية القرية، وتقدمت حوالي اثنين كيلومتر، ومن ناحية أخرى تخوض القوات البوسنية معارك ضارية بالموشات والمدفعية مع المليشيات الصربية التي تكبدت خسائر مادية كبيرة، قتل أكثر من مائة جندي صربي، وتم الاستيلاء على كمية كبيرة من الأسلحة، وعلى إثر هذه الهزيمة قامت الطائرات الصربية بقصف مواقع القوات البوسنية والأحياء المدنية، وأسفر القصف عن قتل خمسة مقاتلين وجرح خمس وستين آخرين. وهناك مجموعة أخبار أخرى مشجعة، إلا أن الوضع في العاصمة سراييفو وضعٌ صعب، حيث تواجه حملةً شديدة في الأيام الأخيرة، ونسأل الله تعالى أن ينصر إخواننا المسلمين.

    خبر من الصومال

    هذا خبر جاءنا من الصومال، من مُدير مكتب الهيئة في الصومال وجيبوتي يقول:

    لقد تابعنا بقلق ما يمكن وصفه بتغلغل إعلامي إسرائيلي وصهيوني، والسيطرة على وسائل الإعلام في الصومال من قبل جهات معادية للأمة العربية والإسلامية، وإليك بعض الشواهد:

    أولاً: تقوم بعض الجرائد المحلية في الصومال بحملة مكثفة ومتعمدة للإساءة إلى الدول العربية والإسلامية، واتهامها بإهمال الصومال، والذي تربطه مع المسلمين أواصر العقيدة والأخوة، في مقال نشرته جريدة الاتحاد في مقديشو، نقلاً عن جريدة إسرائيلية اسمها شمعون جازيت تقول:

    إن الشعوب العربية تُهمل وتبغض الشعب الصومالي وتحتقره، وإلا ما تركته على هذا الوضع المحزن والمأساوي، فأين الأخوة الإسلامية التي يدَّعيها ويتشدق بها هؤلاء العرب؟

    ثانياً: لقد نادى الغرب بضرورة الوقوف بجانب الصومال، وإرسال آلاف الأطنان من الأغذية والأدوية، مما سوف يزيد من صحة ما يقال عن إهمال المسلمين لإخوانهم الصوماليين.

    ثالثاً: إن هذا الإعلام المعادي للإسلام يهدف إلى خلق جوٍ من البغض والشحناء والكراهية عند الشعب الصومالي لكل ما هو عربي أو إسلامي، وربط هذه الكراهية بالدين الإسلامي الذي نـزل على النبي صلى الله عليه وسلم ويبدو أن هناك مخططاً لعزل الصومال عن العالم العربي والإسلامي.

    أقول -أيها الإخوة- تعليقاً على ذلك: إن ما يقوله الأخ عبد الرحمن القائدي عن هذا هو بعض الحقيقة، وأما الحقيقة كاملةً فإن الصومال يُستهدف الآن بحملة تنصيرية لتحويلها من دولة إسلامية إلى دولة نصرانية، والإغاثة جزء من ذلك، ونقل أطفال المسلمين واستقبالهم في بلاد الغرب جزءٌ آخر من ذلك، بل إنه يؤسفني أن أقول: إن بعض إعانات المسلمين التي جمعت في هذا البلد قد دفعت إلى الأمم المتحدة، وإلى وكالة غوث اللاجئين، ويقوم بتوزيع تلك الإعانات -أحياناً- أُناس من النصارى، ومن جمعيات إنجيلية نصرانية معروفة، وهذا أمرٌ محزن، فحتى إعانات المسلمين لا تصل إليهم على أنها إعانات المسلمين، بل تصل إليهم أحياناً كثيرة على أنها من الأمم المتحدة.

    أخبار عن المرأة في الصحافة

    هاهنا مجموعة من الأوراق في الواقع مُؤسفة ومؤذية وصلتني حول أوضاع المرأة في بلادنا، أحدها: ورقة نشرت في جريدة عكاظ في 20/53 عنوانها أدب المرأة أو أنوثة الذاكرة. وهذه المقالة تتكلم عن ازدراء المرأة، وأن النظرة التي يرى البعض من خلالها أدب المرأة نظرة تنقص وازدراء، ويقول: إن المتابع والقارئ لنتاج المرأة سوف يلحظ أن أدب العاطفة هو الأدب المهيمن على جُل ما تكتبه، وفي سياق ما تكتسبه المرأة في بلادنا، كان اسماً يمكن اعتباره اسماً أدبياً رفيعاً على مستوى الإبداع، وربما كان على أصابع اليد أو أقل؛ إنه كلام العطف والأكثر عطفاً على أدب العاطفة، إنه الانحياز لقلم الزوج، لا الانحياز لقلم الذي يكتب، إنه الإنحياز للسطح، لا الانحياز للعمق، لا أقوال المغلفة، لا الكلام والدلالة والرمز، إنه انحياز لا يرتقي إلى الإبداع، ولكنه يحاول الانهيار بما ينتمي إلى هذا الإبداع، وما يشبه حجاب المعرفة الحقيقية والنقد الصادق على أدب هو نفسه حجاب على العقل وعلى الوجدان، إنها أنوثة الذاكرة، هذا هو أدب المرأة في بلادنا. إذاً هناك محاولة لإخراج المرأة.

    على نطاقٍ آخر، مجلة الوسط التي اُفتتح لها مركز في جدة نشرت في العدد 35 مقالاً عنوانه: المرأة السعودية تدخل عالم الرياضة "البولينج" وقالت: في خطوة هي الأولى من نوعها بالنسبة إلى المرأة والطفل السعوديين، جرى أخيراً افتتاح قسم خاص لرياضة البولينج، في مركز بولينج جدة، حيث بدأ المركز بإقامة دورات نسائية خاصة تشترك فيها السيدات، وهو ينوي إقامة دورات خاصة للأطفال، ورصدت جوائز قيمة، وقد تولت الشركات الأجنبية العاملة في مدينة جدة إقامة دوري خاص بزوجات العاملين في هذه الشركة وأطفالهم كخطوة أولى، وتؤكد الشركة على إدارة المركز خلال الفترة التي خصصت للنشاطات النسائية، إلى آخر ما في هذا المقال.

    ولا شك أن هذه خطوة يعني إعلانها أمراً خطيراً، وإلا فقد رأيت بعيني مجموعة من النوادي موجودة في جدة وفي الرياض وفي غيرها مخصصة للنساء.

    وعلى صعيدٍ آخر نشرت جريدة عرب نيوز وهي جريدة سعودية، هذا الإعلان في عددها (306) يوم الاثنين الماضي الموافق 2/4:

    مطلوب ناطقة باللغة العربية، مُساعدة مشرف مدير، مطلوبة لمرقص فخم (قاعة باليه) مخصصة للرقص، بالإنجليزي بالي روم، أي قاعة باليه مخصصة للرقص، والباليه نوع من الرقص معروف، وفيه نوع من اللباس الضيق الذي يلتصق بالجسم، ويصف الأعضاء بدقة، وهذا المرقص موجود في جدة، والمتقدمة يجب أن تكون ذات شخصية مرحة وذكية، ولديها القدرة على إدارة الموظفين، ومتمكنة في حقل العلاقات العامة، وفرصة التدريب متاحة للشخص المناسب، وهناك شروط وظيفية الرجاء الاتصال بالهاتف، وجميع المكالمات ستعامل بكامل الثقة. فمن المؤسف جداً أن تُعلن مثل هذه الأشياء.

    أيها الإخوة: إنها ليست أسراراً نبوح بها، إنما هي أمورٌ علنية تنشر في الصحف ويبث لها دعاية، وهذا أيضاً في جريدة الرياض في عدد الجمعة الماضي: وظائف شاغرة للسعوديات فقط، شركة وطنية تعلن عن حاجتها للوظائف التالية: أولاً مدرسة علوم. ثانياً: سكرتيرة، يشترط توفر دبلوم سكرتارية، خبرة ثلاث سنوات، لغة إنجليزية كتابة وتحدث، خبرة في مجال الحاسب الآلي. ثالثاً: مُساعدة مديرة مؤهل ثانوي، سبق أن عملت في مدارس ثانوية أو مراكز تدريب، الراتب مغري وهناك امتيازات أخرى، فمن تجد في نفسها الكفاءة فعليها تقديم الطلبات التالية، هذه شركة المناهل في شارع العليا ?الرياض.

    أخيراً هذه مجلة عالم الرياضة، في مقال مؤذٍ عنوانه أنثى لو سمحتم. نشرته بنت البلد، وإن كانت بنت البلد، فهي بنت البلد في لغتها ولسانها، ولكنها ممسوخة الظاهر والباطن بالتأكيد، لأن هذا المقال مقال رديء جداً، ولو قرأته لكم لخرجتم بصورة غير التي دخلتم بها، ولكني أترك كثيراً مما قالت، كل المقال دعوة للفتاة إلى المشاركة في الرياضة، وسخرية بالذين يرون أن المرأة ينبغي ألا تشارك في المجالات الرياضية، وتقول: فرحت عندما شاهدت أنثى تكتب عن الرياضة، قلت: إنها قوية وقادمة من المطبخ بقوة، إلا أنها انتكست وأصابها الصمت، فمنار الرياض النصراوية الزرقاء غابت من وراء غياب أنثى النصر، تعلق وتقول: أكاد أجزم أنها "انتحرت" بفعل قلم رجالي، أصابها في الدماغ.

    أنا يؤذيني أخلاقياً أن أشرح لكم كلامها، لكني سأعيده وأعطيك فرصة تفكر فيه، ماذا تقصد بلفظ "انتحرت" بفعل قلم رجالي أصابها في الدماغ؟ ماذا يعني الانتحار؟ المنتحر دائماً تنـزف منه الدماء.

    علقت على مجموعة من القضايا تقول: عقدة البنت داهمت أكثر من صحفي حال نـزول مقاله الثاني، سألوا رئيس التحرير هل بالفعل أنا بنت البلد؟ وأنكروا أن أكون أنثى، وانقسموا نصفين، بعضهم يقول: أنثى وبعضهم يقول ذكر. وعلقت أيضاً تقول: عنادٌُ أنثوي.

    يقولون: إن الأديبات نوع غريب من العشب ترفضه البادية

    وأن التي تكتب الشِّعر ليست سوى غانية

    وأضحك عن كل ما قيل عني.

    وأرفض أفكار عصر التنك.

    ومنطق عصر التنك

    وأبقى أغنى على قمةٍ عالية

    وأعرف أن الرعود ستمضي

    وأن الزوابع تمضي

    وأن الخفافيش تمضي

    وأعرف أنهمُ زائلون وأني أنا الباقية!

    لكي لا تعتقدوا أني أنا الفانية.

    هذا مقطع من شعر أنثى اسمها: سعاد الصباح.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.