إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. اللحظات الأخيرة من حياة الفاروق

اللحظات الأخيرة من حياة الفاروقللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • غابت معاني الإسلام الشاملة في حياة المسلمين، وتبعوا سنن من قبلهم من أهل الكتاب وذلك كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حذو القذة بالقذة ونسو أو تناسوا تراثاً للأمة لا يلتفت إلى غيره ما دام باقياً، فكم شخصيات وعظماء في تاريخ الإسلام بهم نقتدي ونهتدي . لقد سلَّ عمر سيفه يحارب الإسلام فسطع نور الإسلام في قلبه فغير وجه الحياة بمبادئه وأخلاقه وقُوَّته فارتشفت الدنيا على يدي عمر كثيراً من المعاني التي بُعِثَ بها محمد صلى الله عليه وسلم فكانت حياته لله ومماته لله رضي الله عنه.

    1.   

    المعنى الشامل للإسلام

    إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستهديه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين قضوا بالحق، وبه كانوا يعدلون، والذين كانوا نجوماً يستضاء بها في الظلمات، والذين رفع الله بهم شأن هذا الدين، وأعز بهم الإسلام، وأحيا بهم ما اندرس من شرائع المرسلين.

    أيها الإخوة: يقول الله تبارك وتعالى مخاطباً رسوله صلى الله عليه وسلم: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162-163].

    صلاتي ونسكي، ومحياي ومماتي، هذا هو الدين وهذه هي العقيدة وهذا هو شأن النبي صلى الله عليه وسلم الذي أمرنا باتباعه، والاقتداء به، ولقد مرت بالمسلمين قرون نسوا خلالها هذا المعنى الشامل للإسلام، الذي يشمل كل جوانب الحياة فأصبح الدين في أوقات خاصة وفي أماكن خاصة.

    تعدد شخصيات المسلم

    واليوم تجد المسلم له شخصيات متعددة، فله في المسجد شخصية كشخصية العابد الخاشع، والخائف الباكي، وله في المتجر شخصيةٌ أخرى كشخصية المحتال الغشاش المخادع المنفق سلعته بالحلف الكاذب، وله في المدرسة شخصية، كشخصية الإنسان الذي يهمه أن ينال المكانة لدى أستاذه، وأن يحصل على الشهادة، والوظيفة، والدرجات، وعلى المال والدنيا، وله في السوق والشارع شخصية، وفي البيت شخصية.

    اتباع اليهود والنصارى

    إن وجود شخصياتٌ متعددة تكون هذا الإنسان المسلم، هو مصداقُ ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: {لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن القوم إلا هم! } فالمسلمون تتبعوا سنن اليهود والنصارى، فـاليهود والنصارى فرقوا دينهم وكانوا شيعاً والمسلمون كثيراً منهم جعلوا القرآن عضين.

    اليهود اليوم -مثلاً- أو النصارى، يعبدون الله -فيما يزعمون- يوماً واحداً في الأسبوع، يوم السبت أو يوم الأحد، يتجهون فيه إلى الكنيسة، أو إلى المعبد، وفي بقية أيام الأسبوع يعبدون المال، والدنيا، كما قال أحد مفكري الإنجليز، قال: إن الإنجليز يعبدون الله في يوم واحد وهو يوم الأحد، ويعبدون بنك إنجلترا في بقية أيام الأسبوع، والمصيبة كل المصيبة أن المسلمين بلوا بما بلي به أهل الكتاب من قبلهم.

    أهمية القدوة في حياة المسلم

    ولذلك نقف في هذه الأوقات المباركة -إن شاء الله- مع شخصيةٍ من الشخصيات العريقة في الإسلام، والتي تذكِّرنا بما قد نسينا من معالم الدين، والحقيقة -أيها الإخوة- أن المسلم المقصر -من أمثالنا- إذا قرأ شخصيات هؤلاء الأقوام وما كانوا عليه، يشعر بشيءٍ عظيم من الفرحة في قلبه، ويحس أحياناً بأن من الظلم لهؤلاء الرجال الأكابر أن يتكلم عنهم صعاليك، ولله در الشاعر إذ يقول:

    إني لأشعر إذ أغشى معالمهم          كأنني راهبٌ يغشى مصلاه

    والله يعلم ما قلبت سيرتهم          يوماً وأخطأ دمع العين مجراه<

    1.   

    مع عمر بن الخطاب

    فضله وشرفه

    هذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، ويكفي في شرفه وفضله ما أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحاح الكثيرة، والتي يمكن أن تطلع عليها في مراجعة أي كتاب من كتب السنة، اقرأ مثلاً: كتاب جامع الأصول لـابن الأثير في فضائل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وفي الفضائل المشتركة بينه وبين أبي بكر، ترى ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا الرجل العظيم، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {بينا أنا نائمٌ إذ رأيت الناس وعليهم قمصٌ، وقمص الناس منهم يبلغ الثدي، ومنهم من دون ذلك وعلى عمر قميص يجره، قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: الدين} والحديث متفق عليه.

    وفي الحديث الآخر أنه صلى الله عليه وسلم قال فيما يرويه عبد الله بن عمر: {بينا أنا نائمٌ إذ أوتيت بقدحٍ من لبن فشربته، حتى أني لأرى الري يخرج من أظفاري، ثم أعطيتُ فضلي عمر قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: العلم} هذه الفضائل التي لا تنتهي لـعمر رضي الله عنه، قميصٌ يجره هو الدين، ولبنٌ يشربه وهو فضلةٌ من رسول الله صلى الله عليه وسلم هو العلم، فما بالك بهذا الرجل أي رجلٍ يكون!

    الإسلام يقلب حياة عمر

    انظر إلى الإسلام، وكيف صنع هذا الرجل، هذا الرجل لم يكن له في الجاهلية شأن، كان رجلاً من رجال قريش يسرح بالغنم ويؤوب ويقضي وقته في لهوٍ وشرب خمرٍ، لا يلتفت إليه أحد، ولا يعلم بوجوده أحد، فلما أسلم انقلبت كل ذرةٍ من ذرات شخصية عمر عن مكانها، وتكونت شخصيته بصورةٍ جديدة، وهذا يبرز لك أثر الإسلام، يسلم هذا الرجل على اختلافٍ في قصة إسلامه، فيعلن إسلامه في مكة، ويعمد إلى رجل هو جميل بن معمر الجمحي، وهو رجلٌ من قريش كان مشهوراً بنشر الأخبار، بل كان وكالة أنباء متنقلة، فيأتيه عمر كما في رواية ابن إسحاق بسندٍ حسن فيقول له عمر: هل سمعت وعلمت أنني قد أسلمت! لكن لا تخبر أحداً، فيخرج الرجل يجر ثوبه في أندية قريش، وهو يقول: ألا إن ابن الخطاب قد صبأ، ألا إن ابن الخطاب قد صبأ، وعمر بن الخطاب وراءه يكذبه: كذبت، ولكنني أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؛ فيجتمع إليه القرشيون يقاتلونه، ويضاربونه، ويضاربهم حتى يرتفع النهار وتزول الشمس أو تكاد، فيقعد عمر رضي الله عنه على الأرض من شدة التعب والإعياء، وهو يقول: يا أعداء الله، اصنعوا ما بدا لكم، تقاتلونني، أو تضربونني، أو تقتلونني، اصنعوا ما قد بدا لكم، فوالله لو قد بلغنا معاشر المسلمين ثلاث مائة نفر، لأخرجناكم من مكة، أو أخرجتمونا منها.

    انظر أخي المسلم كيف غير الإسلام شخصية عمر رضي الله عنه، بين يومٍ وليلة يتحول عمر الرجل المخمور، بل عدو الإسلام الذي ينطلق ليقتل الرسول صلى الله عليه وسلم، فلما دنا من الصفا صفا ثم أصبح عمر بن الخطاب ثاني الخلفاء الراشدين.

    هكذا يصنع الإسلام بالرجال؛ لكن نحن اليوم بل وكثير من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها تجد الواحد منا عمره ثلاثون سنة أو أربعون سنة، أكثر أو أقل، وفلانٌ هو فلان، لا يشعر بأنه يزداد يوماً بعد يوم، ويتقوى في الإيمان، ويرتقي في مدارجه، بل إن لم يشعر بالنقص لم يشعر بالزيادة، ولذلك يقول ابن مسعود فيما يرويه مسلم في صحيحه: لم يكن بين إسلامنا وبين أن خوطبنا بهذه الآية ثلاث سنوات: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد:16]}.

    هكذا يقلب الإسلام شخصية عمر، فيقف هذا الموقف المتحدي: يا أعداء الله، اصنعوا ما بدا لكم، فوالله لو بلغنا ثلاث مائة رجل لأخرجناكم من مكة، أو أخرجتمونا، وتمر الأيام والليالي وعمر هو الساعد الأيمن لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أبي بكر، ثم يقبض الله نبيه صلى الله عليه وسلم إليه فيستخلف المسلمون ويختارونأبا بكر رضي الله عنه، فكان عمر في يده سيفاً، إن شاء أن يسله سلَّه، وإن شاء أن يغمده أغمده، ثم يتولى عمر الخلافة بعد موت أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه، فيصنع الأعاجيب ويرضى عنه ساكن الأرض وساكن السماء، وتدر الأرض خيراتها.

    1.   

    قصة موت عمر بن الخطاب

    انظر إلى صورةٍ صحيحة، تنبئك عن كيفية مقتل أمير المؤمنين رضي الله عنه وأرضاه، وكيف عاش عمر رضي الله عنه الساعات الأخيرة من عمره، هذه الساعات التي يؤمن فيها الكافر، والتي هي أجلٌ محتوم لا بد لكل إنسانٍ منه براً أو فاجراً، وانظر إلى مصداق قول الله عز وجل: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:162]. تدرك أن عمر الذي كان محياه لله صار مماته أيضاً لله عز وجل.

    من اهتماماته قبل الموت

    يروي البخاري في صحيحه عن عمرو بن ميمون الأودي رضي الله عنه، وهو من التابعين المخضرمين أنه قال: إني رأيت عمر بن الخطاب قبل أن يموت بأربع ليالِ، وقد مر على حذيفة بن اليمان وسهل بن حنيف، وكان قد بعثهما إلى العراق لتحديد المبلغ الذي يضرب على أرض الخراج، فحددا لـعمر المبلغ الذي تستحقه الأرض، فقال لهما عمر رضي الله عنه: انظرا أن تكونا حملتما الأرض ما لا تطيق، وضربتما عليها من الخراج فوق ما تستحق، قالا: يا أمير المؤمنين، حملناها أمراً هي له مطيقة، ما فيها كبير فضلٍ لو زدنا عليها لتحملت. فقال رضي الله عنه وأرضاه: والله لئن سلمني الله؛ لأدعن أرامل أهل العراق لا يحتجن إلى رجلٍ بعدي أبداً. هذا همٌّ من هموم أمير المؤمنين الذي يقطع الليل تسبيحاً وعبادة وقرآناً، من همومه قبل أن يموت بأربع أيام بخطةٍ اقتصادية تجعل أرامل أهل العراق لا يحتجن إلى أحدٍ بعده أبداً، فما مرت عليه أربعة أيامٍ، إلا وطعن رضي الله عنه وأرضاه.

    طعنه في المسجد

    كان من عادة عمر بن الخطاب في صلاة الفجر أنه يتقدم إلى المسجد، فيوقظ النائمين فيه ويقول: أيها الناس الصلاة الصلاة، ثم يتقدم الصفوف فيسويها، حتى إذا استوت تقدم فكبر، وكان أبو لؤلؤة المجوسي غلام المغيرة بن شعبة في ظلام الليل وفي ظلام المحراب، فما هي إلا لحظةٌ حتى كبر عمر رضي الله عنه وأرضاه، وشرع في القراءة، وكان من عادته أن يقرأ سورةً طويلة كسورة النحل أو سورة يوسف، حتى يجتمع الناس، فطعنه أبو لؤلؤة ثلاث طعنات كانت إحداها تحت سرته، فمزقت ثيابه ونفذت إلى جوفه، فخر صريعاً رضي الله عنه وأرضاه، يتشحط في دمه، وهو يقول: أكلني الكلب، أو قتلني الكلب، ثم أخذ عمر رضي الله عنه بيد عبد الرحمن بن عوف وكان وراءه، فجره ليكمل الصلاة بالمسلمين، فأما القريبون من عمر فقد رأوا مثل الذي رأى عمرو بن ميمون، وشهدوا مقتل عمر رضي الله عنه، وأما البعيدون فقد انقطع عنهم صوت أمير المؤمنين، ولم يعرفوا ما الخبر، فبدءوا يقولون في كل ناحيةٍ من نواحي المسجد: سبحان الله! سبحان الله! وتقدم عبد الرحمن بن عوف وصلى بالمسلمين صلاةً خفيفة، قرأ فيها سورتين قصيرتين، ثم سلم، فقال عمر رضي الله عنه وأرضاه لـابن عباس: ياابن عباس اذهب فانظر من قتلني، فيذهب ابن عباس ينظر ويتساءل، وإذا بالقاتل أبو لؤلؤة المجوسي واسمه فيروز. فعاد وأخبر عمر رضي الله عنه، فيسر، ويقول: الحمد لله الذي لم يجعل ميتتي على رجلٍ سجد لله سجدة، الحمد لله الذي لم يجعل ميتتي على يد رجلٍ يشهد أن لا إله إلا الله، الحمد لله الذي لم يجعل ميتتي على رجلٍ يحاجني بلا إله إلا الله يوم القيامة.

    ولماذا قتل أبو لؤلؤة المجوسي عمر رضي الله عنه؟ الأحداث القريبة تقول: إن أبا لؤلؤة كان غلاماً للمغيرة بن شعبة وكان صانعاً نقاشاً نجاراً يتقن كثيراً من الأعمال والمهن، فكان عمر يمنع العجم من دخول المدينة؛ حفاظاً على عاصمة الإسلام أن تكثر فيها العلوج، فغلبه المسلمون وأثروا عليه حتى أذن لبعض العبيد أن يدخلوا، وكان منهم هذا الغلام إذ بعث المغيرة بكتاب يقول له: إنه غلامٌ حائكٌ صانعٌ كاتبٌ، فأذن له عمر فدخل، فكان في يوم من الأيام يصنع شيئاً لـعمر فقال: يا أمير المؤمنين كلم المغيرة بن شعبة يضع من خراجي، ويخفف عني، فقال: كم خراجك؟ قال: أربعة دراهم، قال: وما عملك؟ قال: أنا نجار وحدادٌ وكذا وكذا، فقال: إن هذا الخراج قليل، في جنب صنعتك التي تحسن، فقال هذا الغلام: قد وسع الناس كلهم عدل عمر إلا أنا، وأضمر في نفسه الشر لـعمر.

    عمر يحس بدنو أجله

    ومر به عمر يوماً فقال له: ألم أخبر أنك تقول: لأصنعن رحى تدور بالريح -وكان هذا الرجل فيما يبدو صاحب قدرة في الاختراعات والابتكارات، فكان يتحدث أنه سوف يصنع رحى تديرها الريح- فأقبل على عمر عابساً مغضباً، وقال: لأصنعن لك رحى يسمع بها أهل المشرق والمغرب، فقال عمر: لقد توعدني العبد. فكان عمر رضي الله عنه يظن أن هذا الرجل قاتله، بل إن مسلماً روى في صحيحه، أن عمر رضي الله عنه قال قبل أن يموت بثلاثٍ: [[إني رأيت في المنام كأن ديكاً نقرني ثلاث نقرات، وما أراه إلا حضورُ أجلي]] وفي بعض الروايات: أن أسماء بنت عميس فسرت هذه الرؤيا برجلٍ من العجم يطعن عمر ثلاث طعنات، لكن وماذا يهم عمر أن يطعن في سبيل الله، بل إنه كان يتمنى ذلك، كما في الروايات الصحيحة، أنه بعد أن انتهى من حجه رضي الله عنه في العام الذي قتل فيه وأقام بالأبطح جمع كومةً من تراب، ثم فرش عليها رداءه، ثم استلقى ورفع يديه إلى السماء، وقال: اللهم قد رقَّ عظمي، وكثرت رعيتي فاقبضني إليك غير مفتون ولا مضيع.

    وفي الحديث الصحيح عنه أنه كان يقول: [[اللهم إني أسألك شهادةً في سبيلك، وموتاً في بلد رسولك]] انظر كيف جمع بينهما شهادةً في سبيلك، وموتاً في بلد رسولك، فجمع الله عز وجل له بينهما حيث طعنه هذا الغلام الكافر في بلد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأدرك الشهادة في سبيل الله، والموت في بلد رسول الله، والغريب أن أبا لؤلؤة بعد أن طعن عمر هذه الطعنات، وكان معه سكين ذات حدين، أقبل على المسلمين مسرعاً فلا يعرض له أحدٌ إلا طعنه، حتى طعن نحو ثلاثة عشر رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين، مات منهم سبعة، فلما رأى ذلك رجلٌ من المسلمين؛ طرح عليه برنساً أي ثوباً فلما علم العلج أنه مأخوذٌ نحر نفسه.

    إذاً أبو لؤلؤة قتل عمر رضي الله عنه وأرضاه، لسبب خفي، وهذا السبب هو الانتصار لدين المجوس الذي سقطت دولته -دولة الفرس- على يدي جيوش أمير المؤمنين رضي الله عنه وأرضاه فـأبو لؤلؤة طعن عمر رضي الله عنه بسكين المجوس بالتعاون مع اليهود، ولذلك فليس من الغريب أن يعظم المجوس منذ ذلك الحين وإلى اليوم أبا لؤلؤة المجوسي فيسمونه بابا شجاع الدين، لماذا؟ لأنه قتل عمر رضي الله عنه، ولذلك فليس من الغريب أن تمتلئ كتب الرافضة بالشتيمة على عمر رضي الله عنه والطعن فيه، ورميه بالكفر، حتى إنهم يقرءون في مزاراتهم ومعابدهم الوثنية، اللهم العن صنمي قريش، وجبتيهما، وطاغوتيهما، وابنتيهما... إلى آخر الدعاء.

    لماذا قتل أبو لؤلؤة عمر رضي الله عنه

    فـأبو لؤلؤة لم يقتل عمر رضي الله عنه؛ لأنه لم يتدخل مع المغيرة في التخفيف من خراجه، بل إن الواقع أن عمر تدخل وطلب من المغيرة أن يضع عنه الخراج، وليست القضية قضية شخصية وإنما أبو لؤلؤة طعن عمر؛ لأن -دولة المجوس- دولة الفرس سقطت على يديه، طعنه انتقاماً للمجوسية.

    من ماذا كان يخاف عمر؟

    لماذا يأمرعمر رضي الله عنه عبد الله بن عباس أن يذهب فينظر من قتله؟! إن الأمر عجب! إن عمر رضي الله عنه كان يسأل المسلمين من حوله، أعن ملأٍ منكم كان هذا الأمر؟ هل هي مؤامرة مشتركة منكم يا معاشر المسلمين عليَّ؟! قالوا: معاذ الله يا أمير المؤمنين، ما علمنا ولا سمعنا.

    عمر وهو من هو في عدله وفضله، يخطر في باله أن يكون مسيئاً للمسلمين فسعوا للتخلص منه بهذه الطريقة، فيأمر ابن عباس أن يذهب لينظر من قتله، وجانبٌ آخر هو أنه كان يخشى أن يكون دمه في عنق أحد من المسلمين، فلما أخبره ابن عباس أن القاتل مجوسي، وأن قتله له لم يكن عن مواطأة، وأنه ما مر بملأٍ من المسلمين إلا وهم يبكون، حتى لكأنهم لم يصابوا بمصيبة قبل يومئذ؛ سُري عن عمر رضي الله عنه ودهش وفرح، ثم يقول عمر رضي الله عنه لـابن عباس: قد كنت أنت وأبوك تريدان أن تكثر العلوج في المدينة، وكنت أنهاكما عن ذلك، قال يا أمير المؤمنين، إن شئت الآن، أي أن نقتلهم الآن، قال: كذبت لا تستطيع ذلك بعد أن تكلموا بلسانكم، وشهدوا شهادتكم، ثم يخرج عمر رضي الله عنه وأرضاه إلى بيته، يخرج فيقعد في بيته، والمسلمون يبكون، ويدخل عليه النفر بعد النفر يشهدون له ويدعون له ويبكون بين يديه، ويدخل عليه غلامٌ أو شابٌ في بعض الروايات أنه ابن عباس فيقول: [[ هنيئاً لك الشهادة يا أمير المؤمنين، صحبت رسول الله عليه وسلم، ثم هاجرت، ثم جاهدت معه، وكان لك قدم صدقٍ في الإسلام كما علمت، ثم نلت الشهادة، فقال: تشهد لي بهذا يـابن عباس قال: نعم، قال: الحمد لله، وددت أني خرجت منها كفافاً لا علي ولا لي ]] يود أنه خرج من الدنيا أو من هذه الخلافة كفافاً لا عليه ولا له، وفي روايةٍ أنه كان يقول: [[لو أن لي قلاع الأرض -يعني ملء الأرض- لافتديت به من هول المطلع]].

    هذه الشخصيات التي صنعها الإسلام فعلاً، رجلٌ كل حياته في سبيل الله، بل ومماته في سبيل الله، وخطواته في سبيل الله وجهاده معروف، ثالث رجلٍ في الإسلام، ومع ذلك يبلغ به الخوف أن يقول: [[وددت أني خرجت منها لا علي ولا لي، لو أن لي قلاع الأرض لافتديت به من هول المطلع]] وما بالك بكثيرٍ من المسلمين اليوم! من طلبة العلم، ومن المتعبدين، ومن الدعاة، يفرح الواحد بعملٍ يسيرٍ فعله من عبادة، أو قيام ليلٍ، أو حفظ قرآنٍِ، أو دعوةٍ، أو عمل خير، حتى يخيل إليه أنه من أول من يدخل الجنة، ويتعاظم في نفسه، وربما نظر إلى غيره نظرة ازدراء واحتقار، بل ما بالك بالعامة من المسلمين وهم يثنون على أنفسهم في أحيانٍ كثيرة، ويحمدون الله على أنهم وعلى أنهم، دون أن يخطر في قلوبهم خاطر الخوف من الله عز وجل، أو أن تحبط أعمالهم وهم لا يشعرون، كما قال الله عز وجل: أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الحجرات:2] فكان عمر يخشى من هول المطلع، ويتمنى أن يخرج منها كفافاً لا له ولا عليه.

    عمر وإنكار المنكر

    ثم يخرج هذا الشاب من عند عمر، فينظر إليه فإذا ثوبه يمس الأرض، فيقول: علي بالغلام فيأتونه به، فيقول: [[يا ابن أخي، ارفع إزارك، فإنه أنقى لثوبك -وفي رواية- أبقى لثوبك وأتقى لربك]] قضية يمكن اعتبارها سهلة في نظر الكثير منا، وهي إسبال الثوب، وعمر رضي الله عنه في موقف صعب، وهو يعاني سكرات الموت، بل وهو يواجه قضايا كبيرة في الواقع منها قضية الخلافة، وكيف يترك المسلمين بشأنها، هل يعهد بها إلى أحد؟ أو يعهد بها إلى مجموعة من الناس أو يترك المسلمين على حالهم، ومع ذلك لا ينسى أمير المؤمنين رضي الله عنه وأرضاه، أن ينبه رجلاً من المسلمين إلى خطأ وقع فيه، وهو أنه أسبل ثوبه، وينبهه بالأسلوب اللين، وبالحكمة، والموعظة الحسنة: يا ابن أخي، ارفع ثوبك، ويبين المزايا الدينية والدنيوية لهذا الأمر، فمن ناحية دنيوية هو أبقى لثوبك وأنقى له، ومن ناحيةٍ أخروية هو أتقى لربك، وهذا يؤكد أن المسلم عليه أن يأخذ الإسلام كله جملةً واحدة.

    دخول علي بن أبي طالب عليه ثم حفصة

    ثم يأتي علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، فيثني على عمر رضي الله عنه، فيقول: [[والله إني لأرجو أن تكون مع صاحبيك، فإني كنت كثيراً ما أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: دخلت أنا وأبو بكر وعمر، خرجت أنا وأبو بكر وعمر، كنت أنا وأبو بكر وعمر]] فيشهد له رضي الله عنه وأرضاه بالخير وحسن الصحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يدخل المسلمون عليه زرافات ووحداناً، ثم تستأذن بنته حفصة رضي الله عنها، ومعها النساء، فيخرج الرجال فتدخل فتبكي عند أبيها ساعة، وهي تقول: [[يا أبتاه! يا صاحب رسول الله، يا أمير المؤمنين]] فينهرها عمر رضي الله عنه وأرضاه، ويقول: لا صبر لي على ما أسمع، عزمت عليك ألا تقولي شيئاً من ذلك، أما عينك فلست أحبسها. أي أن البكاء لا بد لها منه، أما النياحة والندبة، وتعداد محاسنه وما أشبه ذلك فإنه لا يرضى به، ثم تخرج حفصة رضي الله عنها فيسمع بكاؤها من الستر، وبكاء النساء معها، وكان عمر رضي الله عنه إذا ذاك على رجل ابنه عبد الله بن عمر ثم يأتي الطبيب وينظر فيسقي عمر رضي الله عنه نبيذاً، وهو الماء يوضع فيه شيءٌ من الزبيب حتى يكون حلواً، فيخرج النبيذ من جرحه، ثم يسقيه شيئاً من اللبن فيخرج من جرحه أيضاً، فيعلمون أنه هالكٌ لا محالة.

    1.   

    أشياء كانت تشغل بال عمر عند الموت

    فانظر أخي المسلم ما هي الأشياء التي كانت تشغل بال عمر في تلك اللحظة، أقتصر منها على أمور أربعة:

    الدَّيـن

    الأول: الدَّين الذي كان في ذمته رضي الله عنه وأرضاه، فأمير المؤمنين الذي كان على خزائن الأرض مات وفي ذمته ستةٌ وثمانون ألفاً، لقد أتعب من جاء بعده، يقول لابنه عبد الله: انظر ديني، فإن وفى فيه مال آل عمر فأده من أموالهم، وإلا فسل في بني عدي بن كعب، يعني في البطن الذي ينتسب إليه عمر، وإلا فسل في قريش، وهي قبيلته، ولا تعدهم إلى غيرهم، هذا هو الهم الأول.

    أين يدفن عمر؟

    الهم الثاني: هو أين يدفن عمر رضي الله! عاش أمير المؤمنين سنين طويلة في صحبة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقاسى معه في مكة ثم في المدينة، وخرج معه في مغازيه كلها، وكان قلبه مع قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم في منتهى الصفاء والقرب، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يحبه ويحب أبا بكر، ويقول: هذان السمع والبصر، فكان النبي صلى الله وسلم حبيب عمر وصفيُّه، وكذلك كان أبو بكر، فخشي عمر أن تفترق بينهم القبور، ولذلك قال لابنه عبد الله: اذهب إلى عائشة، فقل لها: يستأذن عليك عمر بن الخطاب اسمٌ مجرد غير مسبوقٍ بألفاظٍ رنانةٍ فخمة اسمٌ مجرد ينتسب إلى عمر بن الخطاب، ولا تقل لها يسلم أو يستأذن عليك أمير المؤمنين، فإنني لست للمؤمنين اليوم بأمير انتهى عهد خلافته، لا يظل طيلة عمره يسمى به ثم يلحقه هذا الاسم طيلة الدهر، لا فإنني لست للمؤمنين اليوم بأمير -وقل لها يستأذن أن يدفن مع صاحبيه، فإن أذنت وإلا فادفنوني مع المسلمين، فيذهب عبد الله بن عمر إليها ثم يعود، فلما أقبل، قيل: هذا عبد الله أقبل، فقال: أسندوني.. أقعدوني -من شدة الشوق في قلب عمر إلى أن يدفن إلى جوار صاحبيه ببيت جعلته يتطلع إلى هذا الخبر، حتى يقول: أسندوني- فيسندونه فيقول لابنه متلهفاً: ما وراءك؟ قال: أذنت يا أمير المؤمنين. قال: إذا مت فمروا بي من عند حجرتها، فإن أذنت لي وإلا فادفنوني مع المسلمين، لأنه يخشى أن تكون أذنت مجاملةً له أو سمعاً وطاعةً له، فلذلك يطلب أن يستأذنوا منها مرةً أخرى بعد موته رضي الله عنه وأرضاه، هذا هو الهم الآخر وقد سري عنه، وفرح أيما فرح حينما سمع بإذن أم المؤمنين له أن يدفن إلى جوار صاحبيه.

    هم الخلافة بعده

    الهم الثالث الذي كان يشغل باله رضي الله عنه وأرضاه، هم الخلافة، لقد طعن عمر فقال المسلمون جميعاً له: أوص يا أمير المؤمنين، فقال إن أستخلف فقد استخلف من هو خيرٌ مني -يعني أبا بكر- وإن أترك فقد ترك من هو خيرٌ مني -يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم- فعلم الناس حين ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه غير مستخلف، ثم جعل الأمر شورى في الستة الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ، وقال: يشهدكم عبد الله بن عمر وليس له من الأمر شيء، وأمرهم أن يجتمعوا ويتشاوروا فيما بينهم، قال: فإن أمروا سعداً فنعما هو، يعني سعد بن أبي وقاص وإلاّ فأيكم ولي فلا يستغني عنه، فإنني لم أعزله عن خيانة.

    الوصية للمسلمين

    ثم كان الهم الرابع: هو هَمُّ المسلمين، وهَمُّ الشئون الكثيرة بعد عمر، وقد لخص عمر رضي الله عنه وصيته فيها لمن يستخلفه المسلمين من بعده، فأوصاه بالمهاجرين الأولين أن يعرف لهم حقهم، ولا ينسى لهم فضلهم، ثم أوصاه بالأنصار الذين تبوّءوا الدار والإيمان أن يقبل من محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم، ثم أوصاه بأهل الأمصار خيراً؛ لأنهم ردأ الإسلام وجباة الزكاة وغيظ العدو، ثم أوصاه بالأعراب خيراً فإنهم أصل العرب ومادة الإسلام، أن يأخذ شيئاً من حواشي أموالهم وألا يأخذ من أموالهم إلا عن طيب نفسٍ منهم، ثم أوصاه بأهل الذمة أن يحسن إليهم وأن يقاتل بهم من وراءهم. فأوصى بجميع الطوائف التي كانت تقع تحت سلطة عمر رضي الله عنه وأرضاه، ثم قضى ولفظ أنفاسه الأخيرة بعد حياةٍ مليئةٍ بالبطولة والجهاد.

    قضى أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه شهيداً من شهداء الإسلام وقد سطر بدمه، وزكى ما سطره خلال حياته، من جهاد في سبيل الله عز وجل، وحسن صحبةٍ لرسول الله عليه وسلم، وعلمٍ، وعملٍ، ودعوةٍ، وجهاد.

    1.   

    شأننا مع أولئك الرجال

    أيها الإخوة إن شأننا مع أولئك الرجال كما يقول الشاعر:

    أعد ذكر نعمان لنا إن ذكره     هو المسك ماكررته يتضوع

    إنك حين تقرأ سيرة هذا الرجل لا تملك دموع عينيك، وكما قال الشاعر:

    والله يعلم ما قلبت سيرتهم          يوماً وأخطأ دمع العين مجراه

    إنك تعجب أشد العجب من هذه الحياة المستمرة. قد تمر بالواحد منا لحظات خشوع وخوف وإيمان، وقد يحدث للواحد منا موقفٌ من مواقف الرجولة؛ لكن الأمر العجيب أن أولئك الرجال كانت حياتهم كلها رجولة، وكانت حياتهم كلها إيمان وبطولة وجهاد، كان الواحد منهم إذا أراد أن يستريح استراح للذكر، والخشوع، والعبادة، وقراءة القرآن. فرضي الله على أولئك الرجال، ورضي الله عن أولئك الأبطال، ورحم الله تلك الأبدان، وأسكن أرواحهم الجنان.

    دعاء

    اللهم ألحقنا بهم في الصالحين، اللهم اجعلنا لسيرتهم مقتدين ولآثارهم متبعين، وعلى نهجهم سائرين، ومعهم يوم القيامة محشورين، اللهم اجعلنا ممن يجدد سيرتهم، لا بالكلام؛ لكن بالواقع وبالأفعال، اللهم اجعلنا ممن يجدد سيرتهم، ويحي آثارهم، اللهم كما أسقطت على أيدي أولئك الرجال دولة فارس والروم، فأسقط على أيدي شباب الإسلام الدول الكافرة من الروس والأمريكان وغيرها من الذين يحادون رسولك، ويضلون عبادك ويقاتلون أولياءك في مشارق الأرض ومغاربها، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وأصلي وأسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    1.   

    الأسئلة

    دخول المجوس جزيرة العرب في عهد عمر

    السؤال يقول: كيف سمح عمر رضي الله عنه بدخول المجوسي إلى جزيرة العرب وهو الذي نفذ أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بإخراج من كان على غير الإسلام من الجزيرة؟

    الجواب: نعم، صح عنه صلى الله عليه وسلم الأمر بإخراج اليهود والنصارى والمشركين من جزيرة العرب، وأنه لا يجتمع فيها دينان، وكان هذا من آخر ما أوصى به صلى الله عليه وسلم. أما كيف فعل عمر ذلك، فإن هؤلاء هم من العبيد الأرقاء الذين لا يشملهم الحكم، فإن العبد الرقيق هو عبارة عن مال من مال الإنسان وليس له كيانٌ مستقل، فدخول الكافر الرقيق لسيده دخوله في جزيرة العرب أمرٌ مباح.

    عمر وتسوية الصفوف في الصلاة

    السؤال يقول: أحد المشايخ قال لي: إن عمر رضي الله عنه كان يسوي الصفوف بيده بأكتافهم، ويدور على الصفوف، هل تعتبر هذه سنة يعمل بها؟

    الجواب: قضية كونه رضي الله عنه يسوي الصفوف، هذا ثابتٌ في هذه القصة كما في صحيح البخاري، وقد سقتها من صحيح البخاري، وأدخلت فيها روايات أخرى من مصادر غيره، ومن أراد الاطلاع على رواية البخاري كاملةً فإنه يجدها في الصحيح في كتاب فضائل الصحابة، باب: قصة البيعة والاتفاق على عثمان رضي الله عنه وأرضاه. وجدير بكل امرئ منكم أن يرجع إلى هذه القصة ويقرأها، فإن في سياقها من التأثير والإعجاب ما لا تجدونه في حكايتي لهذه القصة، ومن ضمن هذه القصة أنه كان يمر بين الصفوف ويسويها بيده، وتسوية الصفوف سنة أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يسوي الصفوف، فيسن للإمام أن يسوي الصفوف بقوله وبفعله إن احتاج إلى ذلك، وأن يلتفت إلى المأمومين، ولا يكبر للصلاة حتى يرضى عن استقامتهم.

    ويقول الأخ في آخر سؤاله: إني أحبك في الله، وأحب جميع الحاضرين. فجزاه الله خيراً عني وعنكم حيث يحبنا جميعاً في الله، ونسأل الله أن يكون جميع الحاضرين من المتحابين فيه، وممن يستحقون أن يحبوا في ذات الله.

    وأنبه من وجهة نظر شخصية في موضوع الإخبار بالمحبة فكثيراً ما يوجه مثل هذا السؤال للمحاضرين، ولست أقول في هذا شيء؛ ولكن فيما يتعلق بي؛ فأرى أن مخاطبة الإنسان بنفسه أقوى وأبلغ، فكونك تقابل من تحب في الله، وتقول له: إني أحبك في الله أجود، لعدة أسباب منها: أنه يعرفك بذلك فيبادلك هذا الحب بمثله، وكما يقولون: القلوب شواهد، وأنت إذا عرفت من إنسان أنه يحبك في الله تجد في قلبك له من المحبة مثلما يجد، وهذه حكمة وضعها الله في قلوب بني آدم من المؤمنين، كما أن هذا أبعد عن أن يصيب هذا الإنسان شيءٌ من الاغترار، وربما تكون هذه في بعض الأحيان كلمة تقال باللسان، فإذا رأى الإنسان من يحبه في الله ونظر إليه اطمأن إلى صدقه في هذا الحب، وهذه كما قلت هي عبارة عن وجهة نظر لا تقدم ولا تؤخر.

    المجاهدة سيرة حتى الممات

    السؤال يقول: قلت أن الواحد يبلغ الثلاثين من عمره أو أكثر أو أقل، وهو لم يزد في إيمانه، بل إن لم يشعر بالنقص لم يشعر بالزيادة. ماذا تعني بذلك، وكيف يزيد الإنسان من إيمانه، وعلمه وغير ذلك؟

    الجواب: يا إخوتي: هذا السؤال فعلاً كبير، كيف يزيد الإنسان في علمه وفي إيمانه ومثل هذا السؤال يحتاج إلى حديث خاص؛ ولكن يجب أن تعلم أيها الأخ أن كل شيء منحك الله إياه، فهو عبارة عن تحدٍ، أو قل عبارة عن اختبار يبتليك الله عز وجل به، ولذلك قال الله عز وجل: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ [الملك:1-2].

    قال الفضيل بن عياض: أي أخلصه وأصوبه، قيل له: يا أبا عبد الله، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل، ولا يقبل حتى يكون خالصاً -يعني لوجه الله- صواباً يعني على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    حياتك أيها المسلم تحدٍ واختبار، والشباب تحدٍ واختبار، والمال تحدٍ واختبار، والقوة في جسمك تحدٍ واختبار، والفصاحة تحدٍ واختبار، والعلم تحدٍ واختبار، والعقل تحدٍ واختبار، وكل شئ هو عبارة عن تحدٍ واختبار، الله عز وجل خلقنا وأعطى كلٍ واحد منا ذكراً أو أنثى مجموعةً من الأشياء، يتصرف الإنسان في هذه الأشياء على وفق ما يريده الله، هذا هو المطلوب، وما يريده الله عز وجل ليس هو أن تحول نفسك من إنسان إلى مَلَك، كلا، فإن الله قادر على أن يجعلنا ملائكةً لا يعصونه ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، لكنه بحكمته جعلنا بشراً من البشر، وخلق أبانا آدم خلقاً، وسلط على الإنسان الشيطان، وجعل نفس الإنسان قابلةً للخير والشر، فقال: وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ [البلد:10] وقال: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً [الإنسان:3].

    والمطلوب منك بكلمةٍ واحدة: المجاهدة، والمجاهدة ليست موقف ينتهي، المجاهدة سيرةٌ تبدأ منذ أن بدأت تعي وتعقل، ولا تنتهي إلا بنهاية حياتك، وقبل قليلٍ مرت بكم لمحاتٌ من سيرة أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، وانظر كيف كان يجاهد في حياته، ثم كيف جاهد في آخر لحظة من لحظاته، فالمطلوب منك المجاهدة، وبالمجاهدة ترتقي قطعاً؛ لأن الله عز وجل كتب على نفسه -والله لا يخلف الميعاد- أنه من جاهد ففيه هداه: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69].

    إذاً مطلوبٌ منك أن تجاهد، والمجاهدة هي كما يقول اللغويون: هي مفاعلة بين طرفين، مثلما تقول مضاربة، والمضاربة لا يمكن أن تأتي من شخصٍ واحد أبداً، المضاربة تحصل بين شخصين، كذلك المجاهدة تحصل بين طرفين. الطرف الأول هو الإنسان، والطرف الثاني هو مجموعةٌ قوى النفس الأمارة بالسوء: الهوى، والشيطان، كل هذه الأشياء تتحالف ضد الإنسان، والمطلوب منك أن تجاهد في الله، ثم تجاهد في الله، كما أمر الله تعالى: يعني تجاهد طلباً لما عند الله، ورغبةً في الوصول إلى الجنة، ورغبةً في الوصول إلى العلم النافع، ورغبةً في الرقي إلى الدرجات العلى، لا تجاهد من أجل أن تكون فلاناً المشار إليه بالبنان، لا تجاهد من أجل أن تكون عالماً يقصدك الناس، ومفتياً يسألك الناس، وداعيةً تتكلم فتلفت الأنظار، لا تجاهد لأجل ذلك لكن جاهد معتمداً على الله فنفسك ضعيفة، ولو وكلك الله إلى نفسك لخسرت كل الخسارة والذين جاهدوا فيه فالنتيجة التي ذكرها الله على نفسه في محكم كتابه: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69].

    وعدٌ مؤكدٌ باللام والنون لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت:69] ومؤكدٌ بالفعل المضارع الدال على التجدد والحدوث وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69].

    الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتوقف

    السؤال: كيف تكون حياة المسلم في البلاد التي تحكم بغير ما أنـزل الله؟ وهل عليه أمرٌ بمعروف ونهي عن منكر حيث إن حكام هذه البلاد التي تحكم بغير ما أنـزل الله علمانيون؟

    الجواب: إن المسلم مطالب في جميع الظروف بأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، بل قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن الأنبياء إنما بعثوا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأول ما يأمر الإنسان بالمعروف وينهى عن المنكر يأمر نفسه وينهاها، ثم يأمر من تحت يده، ثم يأمر من يستطيع من سائر الناس، فالمسلم مطالب في تلك البلاد بأن يعمل على أن يعيش الحياة الإسلامية في نفسه وفي بيته ما استطاع، ومع الأسف الشديد بعض المسلمين بل الكثير قد يكونون طيبين في ظاهرهم وربما يكون بعضهم من دعاة الإسلام، فإذا أتيت إلى الواحد منهم وجدته مقصراً أشد التقصير في الشعائر التعبدية، لا يصلي مع الجماعة -مثلاً- لا يربي لحيته، لا يقول الكلمة الطيبة، ويبالغ في الخوف من المخلوقين، والواجب على الإنسان مع اتخاذ الحيطة والحذر ومراعاة المصلحة أن يخاف من الله عز وجل، ولله الحمد ما من بلد اليوم إلا وفيه مسلمون صالحون مجتمعون على الخير، فعلى الإنسان أن ينضوي إليهم، وينضم إلى سلكهم وأن لا ينفرد، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي الدرداء عند أبي داود والترمذي وأحمد وغيرهم أنه قال: {إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية} وعليه أن يربي نفسه على منهج الإسلام ويسعى إلى التمكين للمسلمين في الأرض ما استطاع، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.

    الدفاع عن أهل العلم

    السؤال يقول: بعض الشباب من غير المتدينين يتكلمون في بعض أهل العلم، وخاصة المعاصرين، فكيف يكون الرد عليهم؟ هل بالتي هي أحسن؟ أم بالجفاء وإسكاتهم بالقوة؟

    الجواب: الواقع أن النيل من أهل العلم والعلماء والدعاة مطلب أساسي من مطالب أعداء الإسلام في هذا العصر، لأنهم لاحظوا أن المسلمين بدءوا يلتفون حول العلماء والمشايخ، وفقدوا ثقتهم بالقيادات العلمانية المنحرفة، لأنه في وقت من الأوقات كان كثير من الشباب يصفقون ويهتفون بفلان وفلان من دعاة القومية، كـساطع الحصري مثلاً أو دعاة البعثية، أو دعاة الناصرية، أو من الأدباء والشعراء وغيرهم، أما اليوم فالساحة هي في صالح العلماء والمشايخ ودعاة الإسلام. وحتى أعداء الإسلام الذين كانوا بالأمس يطعنون بالدين، ويسيئون للمسلمين، ويشوهون سير الصحابة رضي الله عنهم بدءوا يلبسون مسوح الرهبان ويتسمون باسم الدين، ويكتبون عن الإسلام والمسلمين، ويؤلفون في سير الصحابة، ويتمسحون بالإسلام، رغبةً في كثير من الأحيان في كسب الجولة، ولأنهم يدركون خطر الإسلام عليهم، وكما يقول المثل العربي يعرفون من أين تأكل الكتف، فعلى المسلم أن يكون حذراً، وكم من صحفي كان معروفاً بالطعن في المسلمين، والوقيعة في الإسلام، والنيل من الحجاب، وسب اللحية وأهلها، وسب الشعائر الإسلامية، وإذا به ينقلب بين يوم وليلة متكلماً عن الإسلام، وإذا أراد أن يطعن في الدين لا يطعن بالإسلام بل يمجد الإسلام ثم يطعن بمن يمثلون الإسلام؛ لأن الطعن في الإسلام مباشرةً يجعل كثيراً من الناس يثورون عليه، ويرفضون ما قال، لكن هو حين يطعن في فلان وفلان فقد يتقبل بعض الناس منه هذا الأمر، ويعتقدون أن ما يقوله صحيح، فيقول مثلاً: إن هؤلاء المسلمين يجمعون الأموال لأنفسهم وليس في سبيل الله، إن فلاناً يقصد بتعليمه وعلمه ودعوته كذا وكذا، وربما نشروا الشائعات الذي تلوث شخصية كثيرٍ من المشايخ.

    وأذكر بالمناسبة قصة قد تصدق أو لا تصدق، بل لعلها تكون من نسج الخيال لكن هي بكل حال فيها العبرة، وهي أن مجموعة من الخبثاء المنحرفين، التقوا برجلٍ صالح وكان يحضر مجالس العلم والذكر ويحب المشايخ والعلماء، فقالوا له: إن فلاناً وفلاناً وفلاناً ممن تحبهم وتعظمهم ليسوا على ظاهرهم بل إنهم منحرفون وفاسقون، وعندهم انحرافات أخلاقية كثيرة في أحد البلاد الإسلامية، فقال: إن هذا كذبٌ ولا يتصور، وأنا أعرف دينهم وورعهم، قال أحد هؤلاء القوم وألح عليه: إن هذا الأمر مؤكد وقد رأيت بعيني كذا وسمعت بأذني كذا، وما زالوا به حتى رأوا أنه قد تأثر بكثرة ما قالوا، فقال أحدهم: وحتى تكون على بينة من الأمر فإن عندنا أشرطة مسجلة، أشرطة فيديو مسجلةً مصورةً لهؤلاء، وهم يعاقرون الخمر، ويفعلون ويفعلون من الفواحش العظيمة، وسوف أحضرها لك الآن حتى تطلع وترى بعينك، وخرج من عنده بحجة أنه سيأتيه الآن بهذه الأشياء، فخلال خروجه اغتر هذا الشاب بالأمر، ووقع في أعراض هؤلاء العلماء، وظن أن ما قيل عنهم صحيح، ولحظاتٍ وهو ينتظر وطال الانتظار، وأخيراً تكشف له أنها لا تعدو أن تكون خدعة ولعبة وأنه ذهب ضحية هؤلاء المخادعين.

    فعلى كل واحدٍ منا أن يجعل الدفاع عن أهل العلم جزءاً من دينه، وجزءاً من دعوته إلى الله عز وجل، وأن لا يقبل فيهم كلاماً حتى لو سمع عن أحدٍ منهم مقالاً بتهمةٍ معينة، فإنه يسارع بعدم قبولها كما علمنا الله عز وجل: لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ [النور:12].

    فعليك أن تنكر ما ينسب إلى أهل العلم مما لا ينتظر منهم ولا يتوقع، ولو فرض حصوله، فإنك تقول: إنهم بشرٌ وليسوا معصومين، وفيهم من الفضائل أضعاف ما في غيرهم من الفضائل، وما عندهم من الخطأ فعند غيرهم أضعاف أضعاف، وأهل الشر يمجدون ويرفعون أشخاصاً لو اطلعتم على سيرهم الذاتية وحياتهم الشخصية؛ لوجدتموها في منتهى البشاعة، لكنهم يلمعون شخصياتهم، ويتكلمون عنهم، ويصورونهم على أنهم هم النزيهون في مجال المال وهم الأدباء وهم الشعراء، وهم العقلاء حتى يخدع الناس بهم.

    تذكر الموت ميزةٌ غالية

    السؤال يقول: شابٌ هَمَّه الآخرة، ويخاف أن يدركه الموت، وهو يقول: يا نفس قد دنيت من القبر، وهو يخاف أن يكون من أهل النار، ودائماً يتذكر الموت؟

    الجواب: لقد فهمت من السؤال أن الخوف يغلب على قلب هذا الشاب حتى أنه كثيراً ما يذكر الموت، وذكر الموت مطلوب، وكفى أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمرنا بزيارة القبور، لأنها تذكر بالآخرة، وقال الله في وصف عباده الصالحين: إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ * وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ [ص:46-47].

    فذكر الدار الآخرة هو ميزةٌ وخصيصة يختص الله بها من يشاء من عباده؛ ولكن على الإنسان أن يستفيد من هذا الشعور، وألا يكون مجرد خاطر؛ لأن بعض الناس ذكره للموت والقبر مجرد وحشة في قلبه، وليس ذكراً شرعياً حقيقياً يحدوه إلى العمل الصالح وإلى المسارعة في الخيرات، وإلى اقتناص أوقات العمر، فعلى الإنسان أن يدرك أن ذكر الموت يكون على صفاتٍ شتى، فمن الناس من ذكر الموت يدعوه إلى نوعٍ من الانطواء، وربما إلى شيء من الوحشة والعزلة ولا يدعوه إلى أعمال صالحة، فمثل هذا ينبغي للإنسان أن يعالجه، وبعض الناس ذكر الموت يحدوه إلى المسارعة في اغتنام أوقات العمر، وصحبة الطيبين، وعلى كل حال إذا شعرت أن هذا الأمر قد غلب وزاد في قلبك، فحاول أن تنتبه حتى يكون شعورك متوازناً، ولا يغلب على قلبك شيءٌ، فإن الإنسان المؤمن ينبغي أن يكون خائفاً راجياً محباً، ينبغي أن يجتمع في قلبه ثلاثة أشياء: الحب، والخوف، والرجاء، فمن عَبَدَ الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبد الله بالخوف وحده فهو حروري، ومن عَبَد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عَبَدَ الله بالخوف والحب والرجاء فهو مؤمنٌ موحد، فعلى الإنسان أن يطير إلى الله عز وجل بهذه الأجنحة.

    الدَّين كان على عمر شخصياً

    السؤال يقول: لِمَ لِمْ يسدد ابن عمر دين أبيه من بيت المال؟ حيث إنه ربما يكون قد حصل له بسبب الخلافة؟

    الجواب: هذا الدَّين كان على عمر شخصياً، وكان في ماله ما يكفي لسداد هذا الدين، كما يظهر من روايات صحيحة، فأمر عمر ابنه أن يسدد هذا الدين من ماله.

    عبد الله بن عمر لم يقتل أبا لؤلؤة

    السؤال يقول: أنت قلت: إن أبا لؤلؤة قتل نفسه عندما ألقي عليه البرنس، فما رأيك وقد سمعت أن عبد الله بن عمر قتل أبا لؤلؤة واثنين معه، وكانت هذه الحادثة في عهد عثمان؟

    الجواب: في الواقع أن ابن عمر لم يقتل أبا لؤلؤة، وإنما قتل رجلين آخرين من المجوس، يقال أن لهما علاقة بهذه المؤامرة.

    قصة غير صحيحة

    السؤال: هل قصة بلال بن رباح رضي الله عنه حينما رأى الرسول بعد وفاته وقال له: أما آن لك أن تزورنا يا بلال، ثم رحل من الشام إلى الحجاز وزار قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومرغ وجهه بالتراب صحيحة؟

    الجواب: هذه القصة غير صحيحة.

    أهم الكتب في تاريخ عمر

    السؤال: فضيلة الشيخ ما هي أهم الكتب التي ينبغي للمسلم أن يقرأها في موضوع عمر بن الخطاب؟

    الجواب: الكتب كثيرة، ذكرت موضع القصة في صحيح البخاري، وأشرت من خلال الكلمة، إلى قراءة فضائل عمر رضي الله عنه في كتاب جامع الأصول، وهناك كتابٌ فيه سيرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه لـابن الجوزي وهناك كتابٌ ضخمٌ في أخبار عمر

    لـناجي الطنطاوي وعلي الطنطاوي، وهو كتابٌ وإن كان فيه ما فيه، إلا أنه مفيدٌ وأسلوبه مناسب. والكتب في سيرة عمر رضي الله عنه كثيرة ومتداولة وموجودة في المكتبات.

    المواعظ كالسياط

    السؤال يقول: أخي في الله، إن المسلم حينما يعيش مع سير هؤلاء العظماء، يرى أن أمامه طريقاً يخالف الطريق الذي كان يسلكه قبل سماعه لسيرة هذا العالم، ولكن سرعان ما ينتهي من سيرة هذا العالم، فلا يلبث بضعة أيام، حتى ينسى ما كان في نيته أن يعمله للتغيير من مسلك حياته السابق، أرجو إرشادي وإرشاد غيري لكي نبقى على اتصال دائم مع حياة هؤلاء العظماء؟

    الجواب: وصف أحد الوعاظ وأظنه الإمام ابن الجوزي رحمه الله المواعظ بأنها كالسياط التي يضرب بها ظهر الإنسان، فما دام وقع السياط على ظهرك فهو يحس بألمها، فإذا توقف الضرب زال الألم، وكذلك المواعظ بألوانها هي عبارة عن مؤثرات تشد الإنسان وحين ينتهي الإنسان من هذه المواعظ يبدأ تأثيرها يخف تدريجياً في نفس الإنسان ولكن على الإنسان أن يستغل ويستفيد من هذا الشعور الذي ينبعث في قلبه خلال سماعه للموعظة، يستفيد منه في أعمال الخير، ولذلك صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لكل عابدٍ شرة، ولكل شرةٍ فترة} فالشرة هي الشدة والقوة والاندفاع، فعليك أن تستثمر هذا الأمر في الطاعة والتقرب إلى الله عز وجل، وكذلك عليك أن تكثر من حضور مجالس الذكر، حتى تظل على اتصالٍ دائم بهذه الأشياء، ولا يهدأ تأثير موعظة في قلبك إلا وتسمع موعظة أخرى يبدأ تأثيرها بعد ذلك، وعلى الإنسان أن يدرك بعد ذلك أنه بشر، وليس مطلوب منه أن يكون في جميع الأحوال على ذلك المستوى، ولا بد أنكم سمعتم جميعاً حديث حنظلة في صحيح مسلم، وشكواه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: {إنكم لو تدومون في كل حال كما تكونون عندي، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة، ساعة وساعة}.

    حكم الإسبال في الصلاة

    السؤال يقول: أذكر حديثاً عن الإسبال وهو: {لا صلاة لمن أسبل إزاره} فهل هذا الحديث صحيح؟

    الجواب: كثيراً ما يسأل بعض الإخوة عن أحاديث هل هي صحيحة أم لا؟ فعلى الأخ أن يتعود الرجوع إلى بعض الكتب، فمهما تحدث المتحدث عن الحديث من أنه صحيح، أو ضعيف، أو جيد فلن يفيدك كما يفيدك لو رجعت إلى كتاب من كتب السنة فأعطاك جواباً موسعاً، ولله الحمد كتب السنة أصبحت ميسورة خاصة بعد ظهور الفهارس، ارجع مثلاً إلى فهارس كتب السنة وهي كثيرةٌ جداً، ارجع إلى كتب السنة المؤلفة على حسب حروف الهجاء مثلاً: كتب الأحاديث المشتهرة معظمها مصنفة على حسب حروف الهجاء: أ ب ت ث وهي تتكلم عن الأحاديث المشتهرة المتداولة بين الناس، فاقرأ فيها وستجد غالباً الأحاديث المشتهرة، والحكم عليها وعلى من خرجها وهذا الحديث {لا صلاة لمن أسبل إزاره} أظن أن السائل يقصد الحديث الذي رواه أبو داود في قصة الرجل الذي مر بالنبي صلى الله عليه وسلم فصلى، ثم سلم عليه فقال له النبي صلى الله عليه: {ارجع فتوضأ، فرجع فتوضأ وصلى، ثم مر على النبي صلى الله عليه فسلم، فقال: ارجع فتوضأ ثلاثاً، فقال له رجلٌ: يا رسول الله، إنه مر عليك، فقلت له: ارجع فتوضأ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنه مسبل وإن الله لا يقبل صلاة رجلٍ مسبلٍ إزاره} والحديث اختلف العلماء فيه، فقال الإمام النووي في رياض الصالحين إسناده صحيح على شرط مسلم، وقال الإمام المنذري الحديث في إسناده أبو جعفر وهو رجلٌ من أهل المدينة لا يعرف اسمه، والذي يظهر والله أعلم أن الحديث لا يصح، لأن متنه مع سنده فيه غرابة، فمتنه فيه غرابة فهذا الرجل يمر بالنبي صلى الله عليه وسلم فيسلم عليه فيقول له: اذهب فتوضأ، ما علاقة الوضوء بالإسبال! الرسول عليه الصلاة والسلام أوتي جوامع الكلام، وكان يرشد الإنسان إلى الخطأ الذي وقع فيه بأتم بيان وأوضح حجة وأجلى عبارة، ويبعد أن يأتيه رجل مسبل فيقول له: ارجع فتوضأ، وإنما من هديه صلى الله عليه وسلم أنه يأتيه الرجل لم يحسن الوضوء كما في حديث عمر في صحيح مسلم، في قصة الرجل الذي كان في قدمه قدر الظفر لم يصبه الماء، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يحسن وضوءه، فلو كان هذا الحديث صحيحاً لكان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول لهذا الرجل ارفع إزارك، ولو كانت صلاته لا تصح لأنه مسبل، لأخبره الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك وأمره أن يرفع إزاره وأن يعيد الصلاة لا الوضوء، فإن العلماء متفقون على أن وضوء المسبل صحيحٌ ولا يحتاج إلى إعادة فيما أعلم، فهذا يجعل الحديث أقرب إلى أن يكون ضعيفاً، وأما المسبل فيوجد في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ما يدل على أنه يقول بعدم صحة الصلاة، ولكن كثيراً من الفقهاء يقولون بأن صلاته صحيحة وهذا هو الأقرب للصواب أنه تصح صلاته، ولو أمَّ قوماً فإمامته مكروهة إن وجد من هو أفضل منه، ولا ينبغي أن يصلي بهم وهو بهذه الحال ولكن صلاتهم أيضاً صحيحة، وإن كان العلماء -فيما أعلم- على أنه يكره للإنسان أن يصلي خلف للفضول مع وجود الفاضل فكيف بالصلاة خلف الفاسق؟! فكيف بالصلاة خلف المسبل الذي ربما يؤدي فسقه إلى وقوعه في كبيرة إن كان هذا ا لإسبال معه خيلاء.

    أيها الإخوة! أسأل الله أن يجمعني وإياكم في جناته، وأن يغفر لي ولكم ما ظهر وما بطن، وما تقدم وما تأخر، وأن يغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وأن يثبت أقدامنا على طاعته، وأن يتوفانا على الإسلام، وأن يجعل آخر كلامنا من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن يتوفانا وهو راضٍ عنا، وأن يجعل حياتنا جهاداً في سبيله ودعوةً إليه، وصبراً على ما نلقى فيه، وأن يصلح ظاهرنا وباطننا، وأن يختم لنا بخير، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.