إسلام ويب

الشهادة الكبرىللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بدأ الشيخ حفظه الله المحاضرة بالكلام عن توحيد الله تعالى، ثم تكلم عن سنن الله تعالى الجارية في الأمم من الإشراك بالله تعالى والانحراف عن التوحيد، وتكلم بعد ذلك عن الأصلين العظيمين للتوحيدوهما: 1- الشهادة بتوحيد الله تعالى. 2- الشهادة برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم تكلم بعد ذلك عن ثمار التوحيد العظيمة منبهاً على بعض الشركيات والخرافات مثل: حكم برنامج (كنـز العربي وخرافة رومانية في شعار طبي) ثم ذكر أخباراً توحي بأن النصر للإسلام وأنه قادمٌ بإذن الله، ثم تحدث بعد ذلك عن الخطر الإعلامي الذي يهدد المملكة، وفي النهاية حذر من كتاب الخيرات.

    1.   

    بين يدي الحديث

    أولاً: بين يدي الحديث، إنه انقطاع طويل عن الدرس تخلله شهر رمضان المبارك وعيد الفطر، ولا بد من التذكير في عجالة بوجوب المحافظة على الطاعات واغتنام الأوقات في الباقيات الصالحات وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثاً [النحل:92] لقد تعلمت في رمضان الصيام، والقيام، وتعلمت الإنفاق، والحلم، فاجعل من العام كله مجالاً لتطبيق ذلك كله، ثم إن الله تعالى قد أنعم على البلاد خلال هذه الفترة الماضية كلها بنعم، منها: هذا الغيث المدرار الذي اكتست منه الأرض حلةً خضراء، وهذا أيضاً مما يوجب الشكر وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم:7].

    هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن هذه الفترة الماضية التي ربما طالت تخللها عدد من الدروس والمحاضرات المتعددة، التي سأل عنها عدد من الإخوة، وطلبوا أن أسجلها في مستهل هذا الدرس؛ ليتسنى لهم متابعتها ومعرفتها والحصول على أشرطتها، على رغم أن أمر انتشارِ الشريط وتوزيعه وتداوله أصبح أمراً عادياً ميسوراً والحمد لله تعالى على ذلك كثيراً، فمن هذه المحاضرات (مفاتيح الخير) في الرياض ثم (الثبات حتى الممات) في الخرج (حديث حول منهج السلف) في مكة (مقياس الربح والخسارة) في جدة (ونبلو أخباركم) في الزلفي (أسئلة صريحة) في حائل و(صائمون ولكن) قبل رمضان بليلة في بريدة، فضلاً عن دروسٍ متفرقة هنا وهناك، وعن دروس رمضان والتي أشير إلى درسين منها فحسب أولهما: (عشرون كلمة عتاب للرجل)، و(عشرون كلمة عتاب للمرأة) وقد أخرجته بعض التسجيلات بعنوان (شريك الحياة) وهذا عنوان لا بأس به، وكذلك درسٌ آخر أخرج مستقلاً بعنوان (رسالة خاصةٌ جداً) وإنما ذكرت هذا لهؤلاء الإخوة الذين يسألون ويخشون من انقطاع بعض الأشرطة - والحمد لله تعالى- على التيسير.

    أما بالنسبة للدروس المستقبلية فهناك موضوعات كثيرة، وفيها مادة غزيرةٌ جداً وافاني بها الإخوة الكرام - جزاهم الله تعالى عني وعنكم خير الجزاء - وأسأل الله تعالى العون عليها. من هذه الدروس مجموعة رسائل موجهة إلى المسلمين في عدد من البلاد منها: رسالة إلى المسلمين في الجزائر ، ومنها: رسالة إلى المسلمين في أرض الكنانة في مصر، ومنها مجموعة من الموضوعات المتعلقة بالجانب الاقتصادي والمالي، وأحد هذه الموضوعات سيكون في الأسبوع القادم - إن شاء الله تعالى - وسيكون عنوانه (دعوة للإنفاق).

    ومن هذه الموضوعات أيضاً (همسة إلى شباب الصحوة) ومنها (حديث إلى الغرب) ومنها (كلام في الإعلام) ومنها (حتمية السقوط) وسيكون عن البشائر بانهيار النظام الصليبي النصراني الغربي، ومنها درس عن الهندوس في الخليج، وأسأل الله تعالى الإعانة.

    1.   

    حديث عن التوحيد

    أيها الإخوة! أتيتكم وأنا فرح مسرور والحمد لله؛ لأنني سوف أحدثكم عن الله، الله الذي نحن بعض خلقه، ونحن بالقياس إلى الأكوان والأجرام والعوالم ذرة تائهة صغيرة لا نكاد نعد شيئاً، ولكن الله تعالى من علينا وتفضل وأنعم، فسخرها لنا، وميزنا بالعقل والإدراك، واختارنا للمسؤولية واختص من بيننا رسلاً تتنـزل عليهم الملائكة: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ [الحج:75] الله الذي له كل شيء، له الدنيا والآخرة، والأرض والسماء، والإنسان والمادة، وله كل شئ: وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى [الليل:13] فلله الآخرة والأولى، فإذا رضي عن العبد أعطاه بلا حساب إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [آل عمران:37].

    الله الذي سنقدم عليه وسنلقاه وسنلاقيه وسيحادثنا ويحاضرنا سبحانه وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ [البقرة:223] يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ [الإنشقاق:6] فأي شيء أعظم وألزم وأهم من التعرف إليه، والثناء عليه، والكلام عنه، والتمدح بصفاته، والتحبب له، إننا حين نتحدث مثلاً عن عبادةٍ من العبادات كما تحدثنا مرةً عن الصلاة، وأخرى عن الصيام، وثالثةً عن الحج، فإنما هذه الأعمال والعبادات لا تعدو أن تكون وسائل وأسباباً وذرائع لتحصيل مرضاة الله تعالى، وإدراك عفوه، والفوز بكرامته.

    وحين نتحدث عن الجهاد وهو ذروة سنام الإسلام، وعن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعن الدعوة إلى الله تعالى، فإنما نتحدث عن بعض آثار التوحيد، التي تقع من الموحدين المؤمنين، العارفين بالله تعالى، العالمين بأسمائه وصفاته، العابدين له، الذين يعملون لله لا للناس، ويجاهدون في سبيله لتكون كلمته هي العليا، فيحبون في الله، ويبغضون في الله، ويوالون في الله، ويعادون في الله، ويعملون لله، ويتركون لله.

    ألا في الله لا في الناس شالت     بداودٍ وإخوته الجذوع

    مضوا قتلاً وتمزيقاً وصلباً     تحوّم حولهم طيرٌ وقوع

    إذا ما الليل أظلم كابدوه     فيسفر عنهم وهمُ ركوع

    أطار الخوف نومهم فقاموا     وأهل الأمن في الدنيا هجوع

    لهم تحت الظلام وهم سجودٌ     أنينٌ منه تنفجر الضلوع

    وخرسٌ بالنهار لطول صمتٍ     عليهم من سكينتهم خشوع

    يعالون النحيب إليه شوقاً     وإن خفضوا فربهمُ سميع

    وحين نتحدث عن جوانب من الخلل في الحياة الإسلامية، في الواقع السياسي، أو الأخلاقي، أو العبادي، أو الإعلامي، أو الاقتصادي، أو التعليمي، فإنما نتحدث عن ترسيخ قاعدة التوحيد الشاملة، والدينونة لله تعالى في كل الأموريَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً [البقرة:208] وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ [آل عمران:119].

    ونتحدث عن منابذة طريق المغضوب عليهم والضالين، وأهل الشرك والتجزئة، الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، والذين جعلوا القرآن عضين، فليس التوحيد نصاً يقرأ ولا منهجاً يدرّس فحسب، ولا درساً يلقى فقط، ولا جانباً من جوانب العقل أو القلب مقطوعاً عما سواه وما عداه، بل التوحيد منهج يهيمن على الحياة كلها، ولا يغادر صغيرة ولا كبيرة. فما من طاعة من الطاعات إلا وهى تزيد في التوحيد وتكمله، وما من معصية صغرت أو كبرت إلا وهى تخدش التوحيد وتنقصه وتنافيه أو تنافى كماله.

    1.   

    إنها السنن

    إنها السنن: إن الأمم الكتابية ثلاث، المسلمون واليهود والنصارى: أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنـزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا [الأنعام:156] فقد أنـزل الكتاب على اليهود، ثم أنـزل على النصارى، ثم أنـزل على المسلمين، على نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم، النبي الخاتم، أنـزل عليه القرآن، وقد حذّرنا الله تعالى مما آلت إليه الأمم السابقة، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أننا سوف نتبع سننهم وطريقتهم حذو القذة بالقذة.

    العناية بالرسوم وإهمال المعاني

    إن من سنن أهل الكتاب السابقين العناية بالرسوم، وإهمال المعاني والحقائق، فقد كان من شأنهم مثلاً: بناء المساجد على قبور الأنبياء تعظيماً لهم، ولكنهم في الوقت نفسه كانوا ينسبون إلى الأنبياء كثيراً من النقائص والآثام، ويخالفون هديهم في كثير من الأمور حتى بناء المساجد على قبورهم، كان مما نهاهم عنه الأنبياء فأبوا وأصروا وقَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً [الكهف:21].

    إن الأنبياء لا يأتون بمثل ذلك أبداً، وهذه الأمة تعاني من هذا ما يطول منه العجب! فمثلاً: عناية الأمة بالرسوم وإهمالها للحقائق والمعاني كثير، فالقرآن نـزل ليقرأ ويُفهم، ويعمل به، ويحكّم في واقع الحياة الفردية والجماعية، فماذا صنع المسلمون؟ أعرضوا عن قراءته، وعن فهمه، وعن تحكيمه، وعن التحاكم إليه، وذهبوا يطبعونه على ورق، ويذهِّبونه بأغلى الأثمان، ويقبلونه، ويضعونه على جباههم، ويضعونه على موتاهم، ثم لا شيء بعد ذلك.

    والكعبة جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ [المائدة:97] هذه الكعبة جعلها الله تعالى أمناً وقياماً للناس يصلى إليها، ويطاف بها، ويتوجه إليها المؤمنون في عباداتهم ودعائهم وما سوى ذلك.

    فماذا صنع المسلمون؟ أعرض الكثير منهم عن ذلك، وذهبوا يحافظون على الرسوم، لا تستدبر الكعبة وأنت ماش؛ بل امشِ على وراءك لئلا تستدبرها، لا تمد الرجل إليها وأنت قاعد، والتمسح بها وبكل جوانبها، بل وبخرقها، وبالماء النازل من ميزابها، أما الصلاة والطواف والدعاء وتعظيم حرمات الله عز وجل فالكثير عن ذلك بمعزل، والمساجد عموماً غير الكعبة أصبحت تبنى وتشَّيد وترفع مآذنها، وربما وضعت فيها ألوان من الأشكال والرسوم والصور، ولكن أين الصلاة فيها؟! أين رفع الأذان؟ أين البيوت التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه؟!

    مآذنكم علت في كل حيِّ     ومسجدكم من العباد خالي

    حتى البلاد التي فتحت ذراعيها للمسلمين اليوم في آسيا الوسطى وغيرها، وفى ألبانيا، البلاد التي كانت شيوعية ذهب المسلمون من الأثرياء ومن الدعاة يتنافسون في بناء المساجد ووضع القباب عليها وتشييدها، لكن لم يهتموا بإيجاد الدعاة، وإيجاد الأئمة، وإيجاد الخطباء، وإيجاد المصلين، فاعتنوا بالمسجد وغفلوا عن الإنسان المصلي.

    والرسول صلى الله عليه وسلم، تجد كل المسلمين حتى العصاة، حتى الفجار، تصيبهم الحميّة له عليه الصلاة والسلام، ومما أذكر في القصص أنني قرأت في كتاب الطريق إلى المدينة لـأبي الحسن الندوي، أن شاعراً هندياً كان سِكِّيراً لا يكاد يصحو أبداً، فجلس مع شاب عربي في أحد المطاعم أو المقاهي، يتعاطون الخمر، ويتكلمون فيما حرم الله عز وجل، حتى نـزل هذا الشاب العربي، وكان شيوعياً، فتكلم في رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونال منه عليه الصلاة والسلام بأبي هو وأمي، فغضب ذاك الشاعر الهندي وكان ثملاً، فقام إلى ذلك الشاب العربي وضربه بيده ورجله ونعله حتى ظل طريحاً في غيبوبة أياماً، وهو يقول له: كل شيء فعلناه، ولم يبق لنا إلا حب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فأنت أيها العربي! الذي تنتسب إلى نفس الجنس الذي منه رسول الله صلى الله عليه وسلم هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ [الجمعة:2] تأتي إلى بلاد الهند، إلى بلاد العجم، لتنال من رسول الله صلى الله عليه وسلم!

    فكل المسلمين حتى المسرفين والمقصرين والخطاة والجناة يغارون لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتصيبهم الحمية له، وأكثرهم يقيمون الموالد والاحتفالات والمناسبات التي تتلى فيها السير بما صح وما لم يصح، وتتناشد فيها الأشعار في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم، وجماله وكماله وغير ذلك، بل وفى بعض البلاد تصدع الأغاني المختلطة بالموسيقى وتختلط الرجال بالنساء كما يفعل النصارى فيما يسمونه بعيد (الكريسمس)!

    الرسوم غالبها محدثة لا أصل لها

    لتتبعن سنن من كان قبلكم، إنها السنن، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، هذه واحدة، والأخرى أن هذه الرسوم التي لا زال المسلمون يعتنون بها دون أن ينتقلوا إلى الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم واتباع سنته، ولزوم شريعته، والأخذ عنه، والدفاع عن عقيدته وعن دينه، هذه الرسوم التي يعتنون بها هي في غالبها محدثة لا أصل لها، فعظّمت هذه الأمور عند العامة كثيراً، كما يتحدث الرافضة مثلاً عن يوم عاشوراء، ويقولون كما يقول مجددهم المعاصر الخميني، يقولون: إن يوم عاشوراء هو الذي حفظ دين الرافضة، لأن هذا اليوم وما فيه من التمثيليات التي يعرضونها، وشق الجيوب، وخمش الوجوه، وضرب الظهور، وسيلان الدماء، وارتفاع النياحة، والأصوات والضجيج والصراخ، هذا أصبح رمزاً وشعاراً ومناسبة يربطون بها العوام الجهلة إلى ذلك الدين المحدث.

    الرسوم لم تحفظ حق الله تعالى ولا حق رسوله

    هذه الرسوم لم تحفظ حق الله تعالى، إذ حفظ حق الله تعالى هو بمعرفته، وعبادته، وحبه وخوفه ورجائه، ولم تحفظ حق الرسول صلى الله عليه وسلم، إذ حفظ حقه صلى الله عليه وسلم هو بحبه أشد الحب، وطاعته واتباعه فيما أمر، وترك ما نهى عنه وزجر، والاقتداء بسنته صلى الله عليه وسلم والدفاع عن دينه، ولكن هذه الرسوم خلطت الأوراق، فجعلت ما لله تعالى للرسول صلى الله عليه وسلم، وجعلت ما للرسول للأولياء، وجعلت ما للأولياء للمشايخ، بل لغير الصالحين أحياناً، بل جعلت حق الله تعالى لبعض المجهولين، وبعض الفجار، وبعض الفساق، وكم من ضريحٍ يزار، ويطاف به، ويعبد مع الله تعالى، أو من دون الله، وتنذر له القرابين، وتبرم عنده العقود، ويتبرك بتربته، وهو مرقد لشخص لا يُدرى أمن أهل الجنة هو أم من أهل النار، بل إن بعضهم مما يعلم بأنهم من أهل النار، لأنهم من الكافرين، وإنني أقرأ لكم خبراً مضحكاً، نُشر في عدد من الصحف، وأذاعته وكالة اسمها وكالة إينا من باريس، ونشر في عكاظ (3/6/1413هـ) ونشر في الندوة أيضاً (29/5) من العام نفسه، هذا الخبر يقول: إنه تم تأجير ضريح أحد الأولياء في بلد إسلامي، في شمال إفريقيا بمبلغ يزيد على مليون دولار، ويشمل الإيجار القبر والقبة، وصندوق جمع التبرعات والنذر، ويستأجر هذه القبور النصابون والمحتالون، الذين يحصلون على مبالغ ضخمة، توضع في صندوق التبرعات، يضعها بعض العامة من البسطاء والجهلة، الذين يتصورون أن الولي الميت، أو أن الميت ولو لم يكن ولياً سيحل مشاكله، وهناك تخصصات مختلفة يعتقدونها، فبعضها للشفاء من الصرع والجنون، والبعض الآخر لعلاج النساء من العقم، في حين يحرص النصابون والمشعوذون على نشر القصص الخيالية والأكاذيب بين الناس، لدفعهم إلى زيارة القبر، وطلب مساعدة المقبور، وبعض القبور التي يزدحم حولها الزوار لطلب العلاج من الميت تصبح -كما يقول الخبر- بؤراً للدعارة والفسق، في حين يقوم المستفيدون من هذه الظاهرة بخداع الناس، كالتكلم من وراء حجاب، أو عمل خدع بسيطة لإيهام الناس بأن الميت يسمعهم ويتحدث إليهم.

    يقول الخبر: وذكر أنه في بلد إسلامي، أسيوي يتسابق أصحاب النفوذ والسلاطين في الدولة على إعطاء حق الإشراف على القبور لأقربائهم، حتى يتمتعوا بالدخل اليومي الوفير.

    وفى بلد إسلامي آخر، يقع على البحر المتوسط، قبر يزوره الناس، ويطلبون من صاحبه الوساطة والمساعدة على أساس أن الميت من الأولياء، ثم تبين أن المدفون في القبر صياد سمك يوناني، وبعض المحتالين يلجأ إلى وضع كومة من الأحجار في مكان ما، ويزعم كذباً أنها قبر لولي صالح، ويبدأ الناس في تصديقهم، ويجمعون الأموال مع أنه ليس في المكان ميت ولا قبر أصلاً، ومن المعروف أن الحسين رحمه الله ورضي الله عنه، له ثلاثة قبور، قبر في العراق وقبر في الشام، وثالث في مصر، وقد ضحك بعض المتندرين وقال: لعل رأسه في العراق، وصدره في الشام، ورجلاه في مصر، وهذا على سبيل التندر والطرفة، يبذلون الأموال الضخمة عند هذه القبور نذوراً للميت، وقرابين، وذبائح، على رغم أنهم يعانون أشد ألوان الفقر، فحيهم يموت جوعاً، أما ميتهم فتذبح عنده القرابين، وتنذر له النذور! إنها أُضحوكة على هذه الأمة التي قال شاعرها الأول:

    يا أمة ضحكت     من جهلها الأمم

    أحياؤنا لا يرزقون بدرهمٍ     وبألف ألف ترزق الأموات

    من لي بحظ الميتين بحفرةٍ     قامت على أحجارها الصلوات

    يسعى الأنام لها ويجري حولها     بحر النذور وتقرأ الآيات

    ويقال هذا القطب باب المصطفى     ووسيلةُ تقضى بها الحاجات

    وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [النحل:20-21].

    حتى جحا شيدت له القبور في ثلاث دول إسلامية، وفي تركيا قبرٌ لـجحا، نصر الدين خوجة، يذهب إليه من يريدون عقد الزواج، يعقدون الزواج عند قبره تبركاً بتربته، ويطوفون حوله، وربما توجهوا إليه بالدعاء، بل وربما استقبلوه بالصلوات، وقد حدثني شهود عيان، أن بلداً إسلاميا بمجرد ما ينـزل السائح إلى ذلك البلد، في المطار يخلع نعليه؛ لأنه في البلد الذي حوى تربة الولي الصالح فلان فمن تكريمه أن تخلع نعليك مند أن نـزلت المطار، وتكون خاشعاً مطرقاً مخبتاً، فإذا وصلت إلى القبر رأيت العجب العجاب رأيت استقباله بالدعاء والصلاة إليه والسجود، ولقد حدثني شهود عيانٍ بذلك كله، في غير ما موضع.

    ومما يذكر أيضاً في هذا، أن جريدة أو مجلة اسمها الأولى، نشرت في الحادي عشر من جمادى الآخرة، من هذا العام خبراً طويلاً عنوانه (الأولى في حضرة ولي الله الصالح الشيخ العيدروس وذكرت الجريدة أخباراً وصوراً عن الابتهاج والاحتفال عند هذا الولي، وكيف يتوجهون إليه، وينشدون الأناشيد، وترتفع الأصوات بالغناء المصحوب بالموسيقى، وتختلط الرجال بالنساء، وتكون هناك طقوس وعبادات ومشاعل، ويحضر كبار الشخصيات، تعلوهم الابتسامات التي تزاحم - كما تقول الجريدة - تزاحم أصداح نغمات الموسيقى النحاسية، التي جاءت للمشاركة في الاحتفال، وبدون تمايز اختلطت النساء بإخوانهن الرجال في لوحة بديعة أطلقوا عليها لوحة العيدروس وقد حازت تلك الجريدة قصب السبق الصحفي حيث شغلت صفحتين كاملتين لبيان الطقوس والمراسيم، التي كانت في مثل ذلك الاحتفال البدعي الوثني.

    إننا قلما نسمع في دنيا المسلمين من ينتصر لحق الله تعالى، أو يقول لقومه مقالة نوح عليه السلام: مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً [نوح:13-14] أو يرمي قوماً بأنهم ما عرفوا الله حق معرفته، ولا قدروه، حق قدره كما قال الله عز وجل: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر:67].

    لكننا كثيراً ما نسمع حتى من العامة، من يقول: إن فلاناً لا يحب الرسول صلى الله عليه وسلم، أو إن فلاناً لا يحب الأولياء الصالحين، ولا شك أن الذي لا يحب الرسول صلى الله عليه وسلم ليس بمؤمن، كما يقول سيدنا ونبينا وحبيبنا محمدٌ صلى الله عليه وآله وسلم: {لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين}.

    فيجب على كل مؤمن أن يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يكون أحب إليه من نفسه، وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه، بل أحب إليه من الماء البارد على العطش والظمأ الشديد، والذي يبغض الأولياء والصالحين هو أيضاً قد بارز الله تعالى بالمحاربة كما قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري: {من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب}.

    لكن ما هو المقياس في حب الله وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحب الأولياء الصالحين؟ لعل هذا الذي ترميه بأنه لا يحب الرسول عليه الصلاة والسلام، قد رفض الرسوم الحادثة، التي يعبر بها هؤلاء عما يزعمونه حباً، وعبر هذا المؤمن عن محبة الرسول صلى الله عليه وسلم باتباع طريقته الشرعية، التي ترضي محبوبه وتوافق هديه.

    الغلو الشركي عند أهل الرسوم

    هذا أحدهم يعبر عن محبته لرجل من الناس فانظر كيف خلع عليه -لا أقول أوصاف الأولياء- وهو ولي فعلاً، لأنه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ولا أقول خلع عليه أوصاف النبوة، بل خلع عليه أوصاف الإلهية!

    لقد سمعت يوماً من الأيام شاعراً لبنانياً معاصراً، رافضياً، يخاطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وعلي بن أبي طالب في قلوبنا، والله إننا نحبه أشد الحب، وأكرمه وأزكاه، الحب اللائق به، فهو رابع أربعة من الخلفاء الراشدين، والمبشرين بالجنة، وأحد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ونحبه لقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحبه لبلائه وجهاده، ونحبه لسابقته، لكن يظل علي بن أبي طالب بشراً من أتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليس نبياً مرسلاً، ولا إلهاً معبوداً، لقد سمعت شاعراً لبنانياً يخاطبه ويقول:

    أبا حسن أنت عين الإله     وعنوان قدرته السامية

    وأنت المحيط بعلم الغيوب     فهل عنك تعزب من خافية

    لك الأمر إن شئت تنجي غداً     وإن شئت تسفع بالناصية

    فاندهشت لذلك وقلت سبحان الله! كيف يوجد إنسان قرأ ولو شيئاً من القرآن، وسمع ولو شيئاً من الحديث، أو حافظ على نقاء فطرته فقط، كيف يعطي بشراً مثل ذلك؟! فإذا بي أفاجأ بهذه الورقة توزع في بعض مدارسنا، وفى بعض مؤسساتنا، وفى بعض دوائرنا الحكومية، وفيها الشرك الأكبر البواح الصراح! أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، قصيدة لمن يسمي نفسه الشيخ علي بن سليمان المزيدي في مدح الإمام حيدر عليه السلام:

    أبا حسن أنت زوج البتول     وجنب الإله ونفس الرسول

    وبدر الكمال وشمس العقول     ومملوك ربٍ وأنت الملك

    لا حول ولا قوة إلا بالله! قال في المقدمة:" أنت مملوك" وذكرني بالمشركين الأولين الذين كانوا يقولون في التلبية: "لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك"، فقالوا: لا شريك لك إلا شريكاً واحداً، ثم جعلوا لهذا الشريك الذي هو اللات والعزى كل شيء، ولم يجعلوا لله تعالى شيئاً قط، يقول: ومملوك رب وأنت الملك.

    دعاك النبي بيوم الغدير     ونص عليك بأمر القدير

    بأنك للمؤمنين الأمير     وعقد ولايته قلدك

    إليك تصير جميع الأمور     وأنت العليم بذات الصدور

    وأنت المبعثر ما في القبور     وحكم القيامة بالنص لك

    ماذا بقي لرب العالمين؟!

    وأنت السميع وأنت البصير     وأنت على كل شيء قدير

    ولولاك ما كان نجمٌ يسير     ولا دار لولا ولاك الفلك

    وأنت بكل البرايا عليم     وأنت المكلم أهل الرقيم

    ولولاك ما كان موسى الكليم     كليماً فسبحان من كونك

    سرى سر اسمك في العالمين     فحبك كالشمس فوق الجبين

    فمن ذاك كان ومن ذا يكون     وما الأنبياء وما المرسلون

    وما القلم اللوح ما العالمون     وكلٌ عبيدٌ مماليك لك

    أي شرك وكفر وردة وجراءة أعظم من هذا؟ الأنبياء والمرسلون والقلم واللوح والعالمون كلهم عبيد مماليك له!!

    أبا حسن يا مدير الوجود     وكهف الطريد ومأوي الوفود

    ومسقي مجيبك يوم الورود     ومنكر في البعث من أنكرك

    ولاؤك لي في ضريحي منار     واسمك لي في المضيق الشعار

    وحبك مدخلني جنتك

    فالجنة والنار أصبحت له في نظر هذا المرتد، الكافر الكبير! يقول: المزيدي علي -هذا اسمه-

    بك المزيدي عليٌّ دخيل     إذا جاء أمر الإله الجليل

    ونادى المنادي الرحيل الرحيل     وحاشاك تترك من لاذ بك

    وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ * لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ * لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ [الغاشية:2-7].

    والله الذي لا إله غيره، ولا رب سواه، ما كان يدور في خلدي أن يصل الجهل والكفر والجراءة بإنسانٍ ينتسب إلى الإسلام، ولو نسبة ضعيفة، أن يقول مثل هذا الكلام، خاصة في مثل هذا الوقت الذي أصبح الناس فيه، متصلٌ بعضهم ببعض ويجامل بعضهم بعضاً، ويستحي بعضهم من بعض، فحتى صاحب الفكر الدخيل والكفر، ربما يداري أو يواري أو يتقي، أما أن يعلن ذلك ويصرحه ويبوح به، فهذا والعياذ بالله أمر عجيب!

    إن مثل هذا الكلام لم يمدحوا به رب العالمين جل وعلا، وأقسم بالله على ذلك، ولو قرأت الكتب الضخمة الكبيرة لن تجد قصيدة يُمدح فيها الله جل جلاله بمثل هذه البلاغة، ومثل هذه الألفاظ، كما مدح علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أو يمدح فيها النبي محمد صلى الله عليه وسلم، بمثل ما مدح علي بن أبي طالب رضي الله عنه: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ [الأنعام:136].

    1.   

    أصلان عظيمان

    إن الشهادة الكبرى هي شهادة التوحيد، وهي دين الإسلام، فالإسلام مبنيٌ على أصلين:

    الشهادة بتوحيد الله تعالى

    أولهما: أن نعبد الله تعالى وحده لا شريك له، فلا نصلي إلا له، ولا نصوم إلا له، ولا نحج إلا له، ولا نتوكل إلا عليه، ولا نعبد إلا إياه، ولا ندعو سواه، فهو الله الذي تألهه القلوب بالحب والشوق، والمحبة والرغبة، والخوف والرجاء والتوكل، فهو الله الواحد الأحد الذي لا يُعبد بحق سواه، هذا هو الأصل الأول.

    الأصل الثاني: أن نعبد الله تعالى بما شرع، فلا نعبده بالهوى، والتقاليد، ولا نعبده بالرسوم والطقوس، ولا نعبده بالبدع، بل نعبده بما شرع في كتابه، أو على لسان رسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم فليس للعبد أن يعبد غير الله لا ملَكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً، ولهذا قال الله تعالى عن الملائكة: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِين [الأنبياء:26-29].

    ولا يعبدون نبياً ولا يعبدون صحابياً، لا علي بن أبي طالب، ولا أبا بكر، ولا عمر، ولا عثمان ولا غيرهم، ولا يعبدون ولياً، ولا صالحاً، ولا شيخاً، ولا عالماً، ولا حاكماً، ولا رئيساً، ولا ملكاً، ولا مُشرِّعاً، ولا مقنناً، لا يعبدون إلا الله تعالى وحده، فهو المعبود بحقٍ دون سواه، ولا يعبد الله تعالى إلا بشريعته ودينه، وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.

    وهذا هو معنى كلمة الشهادة العظمى، شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فهما توحيدان توحيد الله تعالى بالعبادة، وتوحيد النبي صلى الله عليه وسلم بالاتباع.

    إن لهذه الكلمة العظيمة شأناً أي شأن، فقد ذكرت في القرآن بلفظها في قوله تعالى فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [محمد:19] فعلّم الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم هذه الكلمة -كلمة الشهادة- بلفظ التعليم فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد:19] فغيره من البشر أحوج إلى التعليم بهذه الكلمة، وكذلك في قوله تعالى: إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ [الصافات:35] وذكرت في أكثر من أربعين موضعاً بألفاظ متقاربة، على حسب إحصاء الشيخ يحي، جزاه الله خيراً والعهدة عليه، وهي الكلمة الباقية بعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ [الزخرف:26].

    فها هنا البراءة من الشرك والمشركين والمعبودات من دون الله تعالى إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ [الزخرف:27] فاستثنى من المعبودات ربه عز وجل، ثم قال: وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الزخرف:28] ولهذا تبرأ المؤمنون من الأوثان والأنداد، والآلهة المدعاة من دون الله عز وجل، وأقروا بالألوهية لله تعالى وحده، وهذا معنى لا إله إلا الله، فأولها نفيٌ هو بمعنى (إنني براءٌ) وثانيها إثبات هو بمعنى (إلا الذي فطرني) ولهذا قال العلماء: ركنا الشهادة نفيٌ وإثبات، وكما قال الشاعر:

    والحق ركنان     بناءٌ وهدّام

    فهي تبني العبودية لله، وتهدم كل عبوديةٍ لغير الله تعالى، فالنفي براءةٌ من الطواغيت حجراً كان أو بشراً أو شجراً أو مادةً، أو معنىً أو وثناً، أو قانوناً أو شخصاً، أو غير ذلك، والطواغيت كثيرة، ومن رؤوس الطواغيت الشيطان أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ [يس:60-61].

    الثاني: الحاكم الذي يحكم بغير شريعة الله، يحكم بالقانون الروماني، أو الفرنسي، أو العربي المخالف لشريعة الله: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44] الفاسقون، الظالمون.

    الثالث: المغير لأحكام الله تعالى، المقنن المشرع، الذي يضع القوانين والتشريعات والنظم، المبنية على أصول وقواعد غير الشريعة أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً [النساء:60].

    رابعهم: من يدعي علم الغيب عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً [الجن:26] إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ [لقمان:34] فمن ادعى علم الغيب كأن يدعي أن يعرف متى تقوم الساعة، أو يعرف آجال الناس، أو يعرف الأسرار التي لا يعلمها إلا الله عز وجل، فهذا طاغوت يجب الكفر به.

    الخامس: المعبود من دون الله تعالى إذا رضي بهذه العبادة وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [الأنبياء:29].

    والبهرة اليوم وهم طائفة منشقة عن المسلمين، اتخذت لنفسها ديناً وثنياً شركياً، يعبدون فيه غير الله، وقد رُؤوا بالعيان يسجدون لـأغاخان زعيمهم وشيخهم، ويقدسونه حتى في رباطهم في البلد الحرام في مكة شرفها الله تعالى. وبعض الحكام أيضاً يسمعون من الإطراء والمديح والثناء ما يرفعهم إلى درجة الربوبية، ويعطيهم حق الألوهية، فلا يمتعضون بل يفرحون ويطربون، وقديماً وقف أحد الشعراء أمام الحاكم الفاطمي العبيدي فقال له:

    ما شئت لا ما شاءت الأقدار     فاحكم فأنت الواحد القهار

    وكأنما أنت النبي محمد     وكأنما أنصارك الأنصار

    فطرب لذلك وجازاه على هذا الشعر؛ فكل هؤلاء من الطواغيت، التي يجب الكفر بها ومحاربتها، والإيمان بالله تعالى وحده.

    فمعنى لا إله إلا الله أي: لا معبود بحق إلا الله تعالى، أما المعبودات بالباطل فهي كثيرة، وهي الطواغيت، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون:1] وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] كثيراً في راتبة المغرب، وفى راتبة الفجر، وفى آخر الوتر؛ وذلك لأن هاتين السورتين اشتملتا على النفي والإثبات، فأما الإثبات ففي (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) التي فيها الإيمان بالله تعالى وتوحيده رباً وإلها معبوداً والإيمان بأسمائه وصفاته، وأما النفي ففي (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) التي فيها البراءة من الشرك والمشركين، والكفر والكافرين.

    الشهادة برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم

    الركن الثاني: فهو الشهادة للنبي صلى الله عليه وسلم.

    أولاً: بأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤيد بالوحي من السماء، ينـزل عليه جبريل بخبر السماء بكرة وعشياً.

    ثانياً: أنه خاتم النبيين لا نبي بعده مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب:40].

    ثالثاً: تصديق النبي صلى الله عليه وسلم في أخباره، سواء ما أخبر به عن الأمم السابقة، أو ما يخبر به عن المستقبل في الدنيا أو في الآخرة، فإن خبره صدق، لأنه من خبر الله ومن كلمة الله (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً )

    [الأنعام:115] وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3-4].

    رابعاً: طاعة النبي صلى الله عليه وسلم، واتباع أوامره، واجتناب نواهيه، فإن هذا هو المحك الحقيقي للإيمان به ومحبته.

    خامساً: محبته صلى الله عليه وسلم محبةً بحيث يؤثره على نفسه وأهله وولده، وأمه وأبيه، وزوجته، وكل حبيب لديه، ومحبة ما أحبه الرسول صلى الله عليه وسلم، محبةً تنبعث من شغاف القلب، فلا يذكر صلى الله عليه وسلم، إلا وسارع بالصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وآله وسلم، وطربت نفسه لذلك شوقاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم وارتياحاً لذكره وهي تحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد من محبتها لقرابتها، بل لنفسها، وكما عبر عن ذلك الشاعر دعبل الخزاعي في قصيدته الشهيرة، التي لا تصلح إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

    أحب قصي الرحم من أجل حبكم     وأهجر فيكم أسرتي وبناتي

    وأكتم حبكم مخافة كاشحٍ     عنيدٍ لأهل الحق غير مواتي

    لآل رسول الله بالخيف من منى     وبالركن والتعريف والجمراتِ

    مدارس آياتٍ خلت من تلاوةٍ     ومنـزل وحيٍ مقفر العرصاتِ

    ديار علي والحسين وجعفر     و حمزة والسجاد ذي الثفناتِ

    همو أهل ميراث النبي إذا اعتزوا     وهم خير قاداتٍ وخير حماةِ

    فلا بد من محبة الرسول صلى الله عليه وسلم وإيثاره على كل حبيب من البشر، فإن ذلك كله من شهادة أن محمداً رسول الله، وكيف لا نحبه وهو الذي أنقذنا الله به من الضلال إلى الهدى، ومن النار إلى الجنة وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا [آل عمران:103] فهو أحق البشر بالمحبة والدعاء، والتعظيم والتكريم، وأن نُفدِّيه بأنفسنا وأرواحنا، وآبائنا وأمهاتنا، ونقول أعظم مما قال أبو طالب، ولو رآنا أبو طالب لعلم أنّا أحق بقوله:

    كذبتم وبيت الله نُبزَى محمداً     ولما نطاعن دونه ونناضل

    ونُسْلِمَهُ حتى نصرَّع دونه     ونذهل عن أبنائنا والحلائل<

    1.   

    لماذا التوحيد؟

    التوحيد من أعظم أسباب الوحدة

    أولاً: التوحيد من أعظم أسباب الوحدة فلا اجتماع إلا على التوحيد، قال الله تعالى: مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً [الروم:31-32] فإن الخلافات التي تعصف بالمسلمين اليوم الكثير منها سببه عدم تحقيق التوحيد، إذاً: فسبب الاجتماع والألفة، أن نجمع الدين ونعمل به كله ونعبد الله تعالى وحده لا شريك له، كما أمر بذلك ظاهراً وباطنا، وسبب التفرق ترك حظ مما أُمِرَ المسلمون به، والبغيُ بين المسلمين بسبب ذلك.

    التوحيد من أعظم أسباب السعادة في الدنيا

    ثانياً: التوحيد من أعظم أسباب السعادة في الدنيا، إذ ليس في الكائنات كلها ما يسكن العبد إليه، ويطمئن به، يتنعم بالتوجه إليه إلا الله سبحانه وتعالى ومن عَبَدَ غير الله، أو طلب السعادة بمعصية الله، وإن حصل له نوع لذة، أو نوع سعادة، فهي مفسدة أعظم من مفسدة أكل الطعام المسموم، فقد يجد في أكل الطعام المسموم لذة، ولكن يعقب ذلك الموت، أو التمتع بالمرأة المصابة بالإيدز مثلاً ولكن يعقب ذلك هم طويل، وحزن كبير، فالغذاء الحقيقي والقوة هي الإيمان بالله تعالى، وعبادته ومحبته، وليست العبادة تكليفاً مخالفاً لرغبة القلب، ورغبة العبد، بل هي موافقةٌ للفطرة، ملائمةٌُ لها، منعشةٌ للقلب، ولهذا لم يسم الله تعالى العبادات تكاليف إلا في مقام النفي، كما في قوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286] لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا [الطلاق:7].

    التوحيد من أسباب الثبات

    ثالثاً: التوحيد من أسباب الثبات، وعدم التذبذب، وعدم التنقل والاضطراب، فإن الله تعالى واحد، وهو حي باق لا يموت ولا ينام، كما قال عز وجل: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ [البقرة:255].

    أما المعبودات من غير الله تعالى فكلها فانيةٌ لا دوام لها، فإذا تعلق الإنسان بها انتقل من معبودٍ إلى معبود، ومن محبوبٍ إلى محبوب، ويتنعم بهذا في وقت ثم يتنعم بغيره في وقت آخر، وربما يضيق اليوم ذرعاً بما كان يتنعم به في الأمس، أما الله تعالى فلا بد للعبد منه في كل حال، وفى كل وقت، وأينما كان فهو معه كما قال الخليل عليه السلام: فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ [الأنعام:76] ولهذا أيضاً كانت أعظم آية في القرآن هي آية الكرسي؛ لأن فيها إثبات الحياة والقيومية لله تعالى ونفي السِنة والنوم عنه جل وعلا.

    التوحيد صلة للعبد الضعيف بخالقه القوي

    رابعاً: التوحيد صلة للعبد الضعيف المحتاج الفاني بالحي الواحد القادر، الذي بيده العطاء والمنع، والضر والنفع، ولهذا تكثر الإشارة في القرآن الكريم إلى هذا وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ [يونس:107] إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة، فالطبيب ليس إلا سبباً عادياً مادياً للشفاء، أما العافية الحقيقية فمن الله، والطبيب نفسه ما خلق المرض حتى يزيله، وإنما الذي خلق المرض وخلق الجرثومة هو الله تعالى، ولا يقدر على ذلك إلا الذي خلقه.

    والتجارة ليست إلا سبباً لتحصيل المال، وإنما الخزائن بيد الله تعالى، فكم من تاجر افتقر.

    وما يدري الفقير متى غناه     وما يدري الغني متى يغيض

    والمرض ليس إلا سبباً للموت، وإلا فكم من إنسان تعرض للموت بأشد الأسباب، فخاض المعارك ووقعت عليه الحوادث ونجا منها، ثم مات في فراشه، فلتمنع الملوك من الموت حراساتهم وقصورهم، ولتحمِ التجار من الموت أرصدتهم وأرقامهم، وبنوكهم ومؤسساتهم.

    لابد للإنسان من ضجعةٍِ     لا تقلب المضجَع عن جنبه

    ينسى بها ما كان من عجبه     وما أذاق الموت من كَربِه

    نحن بنو الموتى فما بالنا     نعافُ ما لابد من شربه

    تبخل أيدينا بأرواحنا     على زمانٍ هن من كسبه

    لو فكر العاشق في منتهى     حسنِ الذي يسبيه لم يسبه

    لم يُرَ قرن الشمس في شرقه     فشكت الأنفس في غربه

    ما رأى أحد الشمس في المشرق فشك أنها سوف تغرب.

    يموت راعي الضأن في جهله     موتة جالينوس في طبه

    وربما زاد على عمره     أو زاد في الأمن على سربه

    نعم، يموت الراعي كما مات جالينوس الطبيب، وربما كان الراعي أطول عمراً من جالينوس، أو أكثر أمناً منه.

    والسلاح ليس إلا أداة للنصر والغلبة، وكم من قوم ظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله، فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا، وقذف في قلوبهم الرعب، فلم تغن عنهم قوتهم شيئاً، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، ثم ولوا مدبرين، فالأسباب كلها عقيمة إذا لم يبارك فيها الواحد الأحد الصمد، والبحث عن مرضاة الله تعالى هو أعظم الأسباب، والجد في طاعته وعبادته هو أولها وأولاها، والبراءة إليه هو أنجعها وأنفعها.

    فاشدد يديك بحبل الله معتصماً     فإنه الركن إن خانتك أركان<

    التوحيد هو سبب النجاة في الآخرة

    خامساً: التوحيد هو سبب النجاة في الآخرة، فإنه لا ينجو يوم القيامة إلا الموحدون لله تعالى وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * ِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:87-89] سليمٍ من الشرك وعبادة غير الله تعالى، ولهذا جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضى الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم: قال {والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ولا يهودي ولا نصراني ثم لم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار}.

    وقال تعالى عن الكافرين وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً [الفرقان:23] وسألت عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما في مسلم عن عبد الله بن جدعان، وكان يصل الرحم، ويكرم الضيف، ويطعم الفقير، ويتصدق "أينفعه ذلك؟" فقال: {لا يا عائشة، إنه لم يقل يوماً رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين}.

    إن العبد إذا لقي الله تعالى موحداً فهو إلى خير، ولو كان من أهل المعاصي، ولو عذب بالنار ما عذب، فإن مآله إن شاء الله إلى الجنة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، في حديث أبي ذر: {على رغم أنف أبي ذر}.

    ومن أعظم ألوان النعيم واللذة النظر إلى وجه الله تعالى في الجنة، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول فيما أخرجه النسائي: {اللهم إني أسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة}.

    إن العبد ينظر إلى شيءٍ من خلق الله تعالى في هذه الدنيا، ينظر إلى حديقةٍ جميلة غناء، أو صورة حلوة، أو مشهد بديع، فيعجب لذلك، ويطرب وتنبلج أساريره، وربما جادت قريحته بأعذب الشعر، وأجمله وأطيبه، فما بالك بالنظر إلى وجه الله تعالى، وهو الكمال والجمال والجلال؟! وفى صحيح مسلم: {إن الله تعالى جميل يحب الجمال} أما الكافر فهو محجوب عن ذلك كله كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ [المطففين:15-16].

    التوحيد هو الخير الذي لا شر فيه

    سادساً: إن التوحيد هو الخير الذي لا شر فيه بوجه من الوجوه، والحق الذي لا باطل معه، والنفع الذي لا ضرر فيه، فإن محبة الله تعالى خير كلها، وكلما زادت المحبة زاد الإيمان، وزاد العلم، وارتفعت منـزلة العبد في الدنيا وفي الآخرة، فلا يقال أبداً في حق أحد إنه زاد في محبة الله عن القدر المطلوب أبداً، بل هذا القدر من الحب ليس له حدٌ محدود، كلما زاد حبك لله كان ذلك أعظم وأفضل، أما محبة المخلوق فلا بد أن ينالها سأم أو ملل أو مفارقة، ومن أحب شيئاً لغير الله فلابد أن يضره ذلك الشيء وربما كان سبباً في عذابه كما قال بعضهم: من أحب شيئا لغير الله عذب به.

    ولهذا ذكر الله تعالى الذين يكنـزون الذهب والفضة، ولا ينفقونها في سبيل الله حباً لها، فذكر أنهم يعذبون بها في الدار الآخرة يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنـزْتُمْ لانْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنـزُونَ [التوبة:35].

    ومثله الخوف أيضاً، وهو من العبادة والتوحيد لله تعالى، فالخوف من الله تعالى هو القوة وهو الإيمان، وهو الصدق، وهو ثبات القلب، واستقراره وطمأنينته، ولذلك يقول المؤمنون وهم في الجنة: قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ الطور:26] خائفين وجلين فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ [الطور:27] أما الخوف من المخلوقين فهو مذلة ونـزول في الرتبة، وضعفٌ في القلب، وانحطاطٌ في الدرجة، وربما أدى إلى الضعة والهوان، بخلاف الخوف من الله فإنه كلما زاد كان أحسن، فيمدح العبد بشدة خوفه من ربه جل وعلا، كما مدح بذلك جبريل، وكان كأنه حلسٌ لاطٍ من مخافة الله عز وجل، وكما مدح بذلك الملائكة كلهم قال تعالى: يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [النحل:50] وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ [الأنبياء:28] وكما مدح بذلك الرسل والأنبياء: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء:90].

    ومثله الرجاء أيضاً، فإن رجاء المخلوق ولو كان عظيماً، تاجراً أو سلطاناً أو كبيراً أو رئيساً، إن رجاء المخلوقين تعلق بما لا طائل وراءه، ولا نفع فيه، وهو ربما أراد نفعك فضرك، وربما أراد أن يدنيك فأبعدك، وربما أراد أن يفيدك فآذاك، وربما حاول فعجَز، أما الرجاء في رب العالمين فهو رجاء بالقدير الذي لا يعجزه شيء، والكريم الذي لا يخيب سائله، والحكيم العليم بعباده وما ينفعهم وما يصلحهم وما يحتاجون إليه.

    1.   

    تعرف إلى الله

    هذه نصيحة النبي صلى الله عليه وسلم لـابن عباس كما عند الترمذي وأحمد بسندٍ صحيح {تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة}.

    التعرف إليه بأسمائه وصفاته وأفعاله

    أولاً: التعرف إليه سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله، وربوبيته وألوهيته، فإنها تزيد العبد حباً له، وخوفاً ورجاءً.

    لقد صورت أساطير اليونان لهم آلهتهم المدعاة على أنها أشباح مخيفة، تطارد الإنسان وتهاجمه، وتغضب عليه وتحاربه، وتكيد له، وشاع هذا عند اليونان، ثم انتقل عبر ثقافاتهم وكتبهم المترجمة إلى سائر الأمم الأخرى، أما أمة الإسلام فإن أكثر كلمة يرددها المسلم هي كلمة بسم الله الرحمن الرحيم، اشتملت على ثلاثة أسماء لله عز وجل:

    أولها: الله ثم الرحمن ثم الرحيم، وهذان الاسمان متعلقان برحمته بعباده، رحمةً عامة وخاصة، فهو رحيمٌ بعباده، رحيمٌ بالمؤمنين، رحمة في الدنيا ورحمة في الآخرة، إنها دعوة إلى التوبة إلى الله، والثقة بوعده، والاطمئنان إلى جنابه تعالى، والتفويض إليه عز وجل، فإن لله تعالى من الأسماء والصفات ما يدعو العبد إلى القرب من الله تعالى، والدنو إليه، والفرار منه إليه: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ [الذاريات:50] وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ [التوبة:118].

    فكل شيءٍ إذا خافه العبد فر منه، إلا الله تعالى فإنه إذا خافه فر إليه، كما أن له من الأسماء والصفات ما يزجر الوالغ في المعصية عن معصيته، ويردعه عن التمادي فيها، ولهذا قال تعالى: نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ [الحجر:50]. ولأن الله تعالى رحيم ودود، حليم كريم جواد لطيف، لما سمع أعرابي رسول الله صلى الله عليه وسلم كما عند ابن ماجة وأحمد يقول: {ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غيره} أي: تغيير حال الناس، سأل الأعرابي رسول الله وقد تعجب بفطرته وبساطته، وبعده عن التعقيد، وعن التأثر بالمنطق والكلام الوافد على هذه الأمة، الدخيل على ثقافاتهم فقال: {يا رسول الله! أو يضحك ربنا؟! قال: نعم، قال: لن نعدم من ربٍ يضحك خيراً} وفى صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لقد عجب الله من صنيعكما البارحة} ومثله أيضاً في الصحيحين: {يضحك الله عز وجل إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة} والحديث معروف.

    إن الرجل الفطري لا يحتاج إلى قوانين المنطق، ولا إلى تطويل الكلام وتهويله وتصفيفه، فيأخذها سهلةً ميسرة إن أخبر رسولنا صلى الله عليه وسلم عن ربه بشيء.

    فهو أولاً: صادقٌ أمين، وما هو على الغيب بضنين عليه الصلاة السلام.

    وهو ثانياً: بليغ في ذروة الفصاحة، فلا يمكن أن تخونه العبارة أو يخطئ في اللفظ.

    وهو ثالثاً: ناصحٌ لأمته عليه الصلاة والسلام.

    فإذاً يجب التسليم بكل ما قال، ولا يعني هذا أن صفة الله تعالى كصفة المخلوق، فإن الله تعالى لا يشبه أحداً من خلقه، ولا يشبهه أحد من خلقه، فالصفة الثابتة لله تعالى لا تشبه صفة المخلوق، حتى يحتاج الإنسان إلى تأويلها أو صرفها عن ظاهرها، بل للخالق صفة تليق بجلاله وعظمته وكبريائه، وكماله وكمال غناه، وللمخلوق صفةٌ تليق بفقره وذله وحاجته، ولا يشبه هذا هذا.

    والخطأ الأساسي الذي وقع فيه المؤولون هو قياسهم الخالق على المخلوق، واعتبارهم أن المخلوق أصلٌ يقاس عليه، ولهذا لجئوا إلى التأويل، ظناً منهم أن إثبات الصفة لله يقتضي إثبات الصفة كالصفة التي يعرفها بشأن المخلوق، وهذا خطأ، فإن الإنسان بشرٌ ضعيفٌ قاصر، وتكييف الصفة أمرٌ لا يطيقه الإنسان، ولا يحيط به علمه، ثم عصم الله تعالى أهل الحق من العبث بالنصوص، فأجروها على ظاهرها وآمنوا بها وقالوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة:285].

    ذكره بأسمائه وصفاته وأفعاله

    وإن من التعرف عليه سبحانه ذكره بأسمائه وصفاته وأفعاله، ذكر عبادة وذكر مسألة، فالعبد محتاج إلى الله تعالى في الدارين قال الله عز وجل: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [البقرة:152] وهذا الذكر فيه نوع سؤال وتعرض؛ لأن العبد إذا ذكر الله فكأنما يسأله.

    أأذكر حاجتي أم قد كفاني     حباؤك إن شيمتك الحباء

    إذا أثنى عليك العبدُ يوماً     كفاه من تعرضه الثناء

    وفى صحيح البخاري وصحيح مسلم {إن لله تعالى تسعة وتسعين اسماً، مائة إلا واحداً، من أحصاها دخل الجنة} وقد سبق أن شرحت هذا الحديث في درس مستقل.

    عبادته جل وعلا

    ومن التعرف عليه: عبادته جل وعلا، فهي تقرب العبد من الرب، ولهذا قال الله تعالى في الحديث القدسي: {وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه}.

    أما الإلحاد في أسماء الله تعالى فهو محادةٌ لذلك كله، ولهذا قال: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ [الأعراف:180].

    إن من الإلحاد أن تسمى الآلهة والأصنام، والمعبودات من الحجر أو من البشر، بأسماء الله تعالى، كما سمى المشركون اللات والعزى من الله ومن العزيز، وكما يخاطب بعضهم بشراً من البشر بألوان من التعبد، والثناء، لا تليق إلا بالله، وقد قام أحدهم يمدح طاغية من طغاة العصر الحاضر، في وسيلة إعلام تلتقط في منطقة عريضة، ويقول له: يا فلان تباركت في الأرض، كما تبارك الله في السماء، وقام آخر في بلد منكوبٍ معروف، يخاطب الرئيس، ويقول له: لو كان لي من الأمر شيء لجعلتك في مقام الذي لا يُسأل عما يفعل، فطاش صواب هذا الرئيس، واغتر وطرب وقال: اسمعوا لا يبدل القول لدي، وما أنا بظلام للعبيد، وما هي إلا ساعات حتى أردته رصاصة طائشة واحدة، حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت، آلآن وقد عصيت قبل!

    وإن من الإلحاد: تسمية الله تعالى بما لا يليق، كما سماه النصارى أباً، أو سماه الفلاسفة موجباً، أو علةً فاعلة، أو ما شابه ذلك.

    وإن من الإلحاد في أسمائه وصفه بصفات النقص، كما قالت اليهود: إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ [آل عمران:181].

    وإن من الإلحاد: تعطيل أسمائه الحسنى أو بعضها، أو صفاته أو بعضها، وجحد معانيها وحقائقها كمن يقول: إنها ألفاظ مجردة، لا تدل على معانٍ ولا تتضمن حقائق.

    وإن من الإلحاد: تشبيه صفات الله تعالى بصفات خلقه، وهو سبحانه أحدٌ صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فهو لا يشبه خلقه ولا يشبهه أحد من خلقه، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، ولا تحيط به العقول، ولا يحيطون به علماً، ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء، وكل ما خطر ببالك من الصور والرسوم والخيالات والكيفيات والأشكال، فالله تعالى ليس كذلك، لا تدركه العقول، ولا تحيط به العلوم، سبحانه عز وجل.

    وهذا الموضوع موضوع كبير وطويل، وسيكون له بقية إن شاء الله في مناسبات أخرى.

    1.   

    دروس متفرقة

    حكم برنامج كنز العربي

    هذا برنامج وزع ونشر، اسمه برنامج (كنـز العربي): وهو عبارة عن برنامج في البنك العربي الوطني، يقدم فرصة للادخار مقابل أرباح ربوية، ومقابل هدايا ثمينة خلال هذا العام الميلادي، الذي نحن فيه عام ثلاث وتسعين، وهناك ثلاثون هدية مجانية، يحصل عليها الإنسان إذا أتم برنامج الادخار يقدم هذا البرنامج للتلاميذ وربات المنازل، والأطفال فقط، ولاحِظ من يخاطبهم هذا البرنامج! لحفزهم على الادخار، والحصول على ما يحتاجونه من سلع مفيدة تكون بمثابة جائزة فريدة لهم عند تحقيق الهدف، وللاشتراك في البرنامج لا بد من فتح الحساب واختيار الهدية المناسبة من كتلوج الهدايا، وتسجيل رقمها في قسيمة الاشتراك؛ ثم باستطاعته الاشتراك بأكثر من حساب جميع أفراد العائلة، ثم طلبوا زيارة البنك، وقدموا هذه الهدايا.

    فمثلاً يقول: ادخر مبلغ خمسة آلاف ريال شهرياً لمدة اثنا عشر شهراً، واحصل على إحدى هذه الهدايا مجاناً، قلم حبر باركر، مكواة فيليبس، أو سوني، وهكذا فيما بقي من هذه الأوراق، كلما زادت نسبة أو كمية الادخار زادت الهدية بعدما يعبئ الإنسان القسيمة، ولا شك أن هذا دعوة إلى الربا، وإعانة عليه.

    وواجبنا جميعاً أن نحرص على محاربة هذا البرنامج، والتنبيه عليه من خلال الدروس والخطب، والكلمات، وفى المجالس، حتى يحذره المسلمون، خاصة أنه يخاطب طبقة قد تكون لا تدرك بعض الأحكام، كالصغار مثلاً، إضافة إلى أنه يخاطب ربات البيوت، من المدرسات والموظفات وغيرهن، فحق علينا أن نوعيهم توعية كاملة بهذا البرنامج وخطره وأن درهماً يكسبه العبد من ربا قد يكون سبباً في إتلاف ماله كله قال تعالى: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ [البقرة:276].

    وواجبنا جميعاً محاربة هذه البنوك، والسعي في كسادها وإفلاسها، لأنها تحارب الله تعالى ورسوله، فمن أحب الله، وعظم الله، ووحد الله فلا بد أن يحارب من حارب الله، والله تعالى يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ [البقرة:278-279].

    خرافة رومانية في شعار طبي

    وهذه أيضاً ملاحظة أخرى: أننا نجد أن في كثيرٍ من الصيدليات والمستشفيات شعاراً يضعونه، عبارة عن إناء أو قارورة أو كأس، وعليه أفعى مستديرة، وهذا الشعار أصله خرافة رومانية قديمة وهو أن الإله المعروف عند اليونانيين والذي يسمونه إكليبوس ظهر على شكل ثعبان، وشفى المرضى من الطاعون، الذي اجتاح روما كما يدعون ويزعمون، فمن هذه الخرافة جعلوا علامة الطب والعلاج هذا الكأس الذي عليه أفعى مستديرة، وحقٌ على المسلمين أن يكونوا مستقلين بشعاراتهم، وأمورهم ورسومهم، ولهذا ينبغي علينا أن نوعي الناس، من الصيادلة والأطباء والقائمين على المستشفيات وغيرهم، بهذا الأصل، ووجوب تغيير ذلك، وعدم اعتماده.

    أخبار توحي بأن النصر للإسلام

    هذا خبر نشر في جريدة (المسلمون)، وهو يدل على أن النصر للإسلام، طال الزمن أم قصر: تركيا التي كانت مركزاً للعلمانية، ووكراً انطلقت منه إلى العالم الإسلامي، وكانوا يعتقدون أن كمال أتاتورك الذي جاء بـالعلمانية وهدم الخلافة وهو يهوديٌ في الأصل من يهود الدونمه، اغتروا به وجعلوا تماثيله في الساحات العامة وفى كل مكان، يعظمونه ويقدسونه وكان المساس به جريمة يعاقب عليها القانون، والمساس بـالعلمانية كان جريمة أيضاً، وقد حصل في يوم من الأيام أن تكلم عالم في هذه البلاد عن العلمانية، فاحتجت دولة تركيا على ذلك الكلام.

    أما اليوم فإن الرئيس التركي نفسه يعتذر للمحجبات، ويقول: كنا نطردهن من الجامعة وهذا خطأٌ كبير، ثم يقول: العلمانية ليست أمراً مقدساً، والقرآن به كل ما نحتاجه، والخبر نشر في الجريدة، ويسهل الرجوع إليه ولا أريد أن أقرأه، لكني أريد أن أعلق عليه، لا يهمني أن أسأل هل الرئيس التركي صادق فيما قال أو غير صادق؟

    هذا السؤال لا يعنيني، لأننا نحن المسلمين مستفيدون في الحالتين، فلو كان صادقاً لكان هذا خيراً إن شاء الله، ولو كان الأمر بخلاف ذلك لكان ذلك دليلاً على أن الإسلام بلغ من القوة والنفاذ، والشمول والتأثير، بحيث أن رؤساء الدول وزعماءها أصبحوا يجاملون الإسلام، ويخافون منه، ويراقبون أهله، ويحرصون على كسب ودهم، وأنتم تعلمون أن الحزب الذي يعلن برنامجاً إسلامياً في تركيا، وهو يسمى حزب السلامة، أو حزب الرفاه، هذا الحزب فاز بأغلبية في تركيا، أغلبية أدهشت جميع المحللين، وصوت له أكثر من (25%) من الشعب التركي هناك، فتفوق على حزب الأمة وعلى حزب الصراط المستقيم، وذلك لأنه حزب يرفع شعار الإسلام ويدعو إليه، وذلك بدوره يزعج الغرب ويقلقهم، ولذلك صدرت منهم تقارير كثيرة، متشائمة من وجهة نظرهم، تقول: إن الإسلام قادم وقوي، والشعوب الإسلامية قد استيقظت وهي تريد الإسلام، وتريد تحكيمه، والحكومات العلمانية المهيمنة على البلاد الإسلامية حكومات مهلهلة ضعيفة غير قادرة على مواجهة المد الإسلامي، فلله تعالى الحمد على ذلك حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه.

    وبالمقابل هذا خبر آخر، نشر في مجلة الرسالة في شهر رمضان لهذا العام، وقد أطربني هذا الخبر حقاً يقول: خبراء الاقتصاد يقرعون أجراس الإنذار ألف وتسعمائة وخمس وتسعين، يعني بعد سنتين، عامُ السقوط الأمريكي، ثم يقول الخبر: أمريكا أكبر مدين في العالم وكلينتون هو آخر رؤسائها، والخبر طويل وسوف أخصص له جلسة إن شاء الله تعالى عما قريب.

    ومثل ذلك أيضاً خبر نشر في جريدة الرياض في الثاني من رمضان لهذا العام يقول: سبعة ملايين ونصف مليون مسلم في أمريكا، ومسلم أمريكي جديد يقول: المستقبل للإسلام، ويقول الخبر: أكد مهتدٍ جديد للإسلام أن المستقبل في الولايات المتحدة سيكون للإسلام، وقال تشارلز بلال، المسلم الذي أصبح رئيساً لبلدية مدينة كوينتز الواقعة شرق ولاية تكساس الأمريكية، يقول: لقد أصبح الآن ممكناً أن يكون رجل مسلم أسود رئيساً لبلدية إحدى المدن.

    فليس الوقت ببعيد بإذن الله حيث يكون مسلم أسود أو أبيض رئيساً للولايات المتحدة، مؤكداً أن الناس لن يجتمعوا بمختلف أجناسهم وألوانهم إلا تحت راية الإسلام، وأوضح في رسالة وجهها إلى مدير الرابطة في كندا، أن اجتماعاته يبدؤها بقراءة سورة الفاتحة، ويذكر بلال الذي يبلغ أربعة وأربعين عاماً، وكان عضواً في إحدى الكنائس ثم أعلن إسلامه، يُذكر أنه كان نشيطاً في ذلك ثم تخلى عنه، وفى تلك المدينة تصل نسبة المسلمين السود إلى (30%) من مجموع السكان، وذكرت إحصائية شبه رسمية أن عدد المسلمين في أمريكا كما أسلفت يزيدون على سبعة ملايين ونصف، منهم (42%) من المسلمين الأفارقة (15%) من العرب (20%) من الهند والباقون من أصول مختلفة.

    وأشار مسئول يعمل في مجال الدعوة، إلى أكبر ثلاث جمعيات إسلامية في أمريكا -وذكر الجمعيات الثلاثة- وذكر أن هناك مؤتمرات سوف يحضرها أكثر من عشرة آلاف مسلم في المستقبل القريب، فنسأل الله تعالى أن يرينا بأعيننا نصر هذا الدين، وتقر عيوننا بخذلان الشرك والمشركين، والنصارى واليهود وسائر أعداء الإسلام.

    ومثل ذلك أيضاً مقال جيد نشر في جريدة المدينة، في الحادي عشر من رمضان، للدكتور مصطفى عبد الواحد عنوانه (نعم إنها الصحوة) وقد استهل المقال بذكر برنامج أذاعه القسم العربي في هيئة الإذاعة البريطانية، في الليلة الثانية من رمضان عن مظاهر الصحوة في العالم الإسلامي، وقال: إن المذيعة ختمت البرنامج بسؤال كان مثيراً للدهشة إذ قالت: هل هي صحوة أم نكسة؟! طبعاً هو تساؤل خبيث يدل على ما وراءه وقد وجهته إلى مجموعة من الناس منتقين بعناية وتحدثوا عن وجهات نظرهم، ثم تكلم الدكتور مصطفى عبد الواحد عن هذا الموضوع في هذا المقال الطيب، وهذا يعد نكسة بالنسبة لهم لأنهم يهمهم أن يظل المسلمون مخفوضي الرءوس، مطأطئي الجباه، مستغلين اقتصادياً، منهوكين سياسياً، جهلة بدينهم، متفرقين فيما بينهم، حتى يسهل على العدو أن يستغلهم حسبما يريد، ويسوؤهم ولا شك أن يعي المسلمون دينهم، ويجتمعوا عليه ويحاربوا من أجله، ولا نلومهم على ذلك.

    خطر يهدد المملكة

    وهذه قُصاصة من أخطر القصاصات التي وصلتني، وهي تدعو إلى أمر خطير، محلات في الرياض تعلن وتقول: نضع أوروبا بين يديك، هل سمعت بالقنوات الأوروبية من أقمار (استرا ويورستات) إنها لدينا نحن فقط، فنحن نتحدى من ينافسنا في التقاط البرامج الأوروبية من هذه الأقمار إلى الآن ولفترة طويلة، يعني هم أخذوا أو حصلوا على حق الامتياز.

    عزيزي المواطن تأكد قبل أن تشتري هوائي الأقمار الصناعية، هل هذا الهوائي يستقبل قمر استرا، هل هو يستقبل هذه القنوات التالية؟ ثم رسموا مجموعة من القنوات وهي تقريباً سبعة وعشرين قناة.

    تقول الشركة الوحيدة في المملكة، التي تعطيك هذه القنوات وإلى فترة طويلة الأمد ويطلبون الاتصال، وقد وضعوا عنوانهم ومكانهم بل والهاتف، لمن أراد أن يتصل ثم يقول في الورقة الأخرى، لنفس المكان؛ هل سمعت عن محطة الأفلام الحديثة؟ إنها تعطيك أحدث الأفلام السينمائية -لاحظ- هذا الآن ليس فقط بثاً، إنما هي تتابع الأفلام السينمائية الأمريكية عن طريق جهاز فك التشفير الموجود لدينا، وباشتراك سنوي يصل إلى أربعمائة وخمسين دولاراً سنوياً وهم يعطونك اشتراكاً سنوياً ثلاث سنوات، كل سنة بأربعمائة وخمسين دولاراً أمريكياً، ثم بعد ثلاث سنوات يعطونك اشتراكياً -مجاني إلى الأبد- في هذه الأفلام السينمائية الأمريكية، إنها أول شركة سعودية معتمدة في جهاز فك التشفير، لجميع المحطات المشفرة، ولا توجد شركة في المملكة غيرنا لديها هذه الإمكانيات، ومرة أخرى لا تتردد في الاتصال بنا.

    إنه خطر عظيم، ومنكر كبير، واجب علينا جميعاً أن نحتسب في إزالته، إن هذه (الدشوش) التي غزتنا في كل مكان، وفى بريدة رأيناها في عدد من الأبنية، بل لا أودعكم سراً، اتصل بي أحد الشباب وحدثني عن قرية نائية من مناطق القصيم سكانها قليل وقال لي: يوجد في هذه القرية أكثر من اثني عشر دشاً، وفى قرية مجاورة أكثر من سبعة عشر دشاً، إنك بالتأكيد لن تجد مثل هذا العدد من الدعاة في تلك القرية، هذا خطر عظيم علينا، والواجب أيضاً يحتاج إلى حديث، وقد وعدتكم قبل قليل، أن يكون لي إن شاء الله درس عنوانه (كلام في الإعلام) لكن إليك بعض هذه النقاط الملخصة:

    أولاً: لا يجوز أن يكون موقفنا هو فقط التململ والتضجر مما يجري، بل ينبغي أن ننتقل خطوات إلى الأمام، ينبغي في المقابل أن ننشر الإعلام الإسلامي، ننشر الشريط، وقد أصبح نشر الشريط بحمد الله ميسوراً ممكناً، وليس هناك عقبات حقيقية أمامه، فعلينا أن نشمر عن ساعد الجد، وننشر الشريط بطريقة مدروسة، وطريقة مهذبة منظمة، وما المانع أن يكون في بيتك بدلاً من بيت جارك الذي فيه دش، أن تجعل في بيتك جهاز سحب الأشرطة؟! وهو رخيص تشتريه بأربعة آلاف ريال، أو باشتراك مع مجموعة من زملائك، وتسحب على الأشرطة ليصبح السعر رخيصاً وتوزع على معارفك وجيرانك، وأقربائك وأهل بيتك.

    ومن الأشرطة التي يمكن توزيعها تلك الأشرطة التي تتكلم عن خطر البث المباشر، وخطر الإعلام الغربي، ووجوب حماية الأهل من مثل هذا الغزو الخطير، وهذا واجب، ونشر الكتاب أيضاً، نشر الدعوة، والمحاضرة، الدعوة إلى الخير، قيام الدعاة بواجبهم، ترك التململ والتضجر والاعتماد على الآخرين، وكون الإنسان يقول: أنا لا أصلح لشيء، غيري قد كفاني المهمة.

    يا أخي! عدوك الآن دخل إلى البيت، دخل إلى غرفة النوم، الإعلام والتقنية والتصنيع ووسائل الاتصال ليست حكراً على الغرب الكافر، المسلم يستطيع أن يستغلها ويستثمرها، ولو كان المسلمون أقوياء وعلى المستوى المطلوب، ولديهم مؤسسات لاستطاعوا أن يغزوا الغرب نفسه من خلال قنواته، ومن خلال وسائله، فالمسلمون قادرون على أن يشتروا محطات وأجهزة وإذاعات وقبل مدة ليست بالبعيدة عرضت إذاعة شهيرة للبيع، مونتكارلو وعرض لها بلغتها العربية فقط خمسين مليون ريال سعودي، وخمسين مليون ريال سعودي بإمكان أي تاجر أن يوفرها ومن الممكن أن تتحول هذه الإذاعة إلى إذاعة إسلامية.

    فلو كان هناك مسلمون على المستوى المطلوب، أن تتحول من إذاعة تبث التنصير --كما تعلمون- إلى إذاعة تخاطب أكثر من سبعين مليون بالإسلام، والدعوة إلى الإسلام، ونشر الخبر الصحيح، والعلم الصحيح، والتحليل الصحيح، وترفع صوت العلماء إلى العالم كله، وليس إلى العالم الإسلامي فقط، أين الإعلاميون المسلمون؟! أين ذووا الاختصاص؟! لماذا لا يفكرون في جريدة إسلامية يومية، أو أسبوعية، تصدر في أي بلد، وتخاطب المسلمين، وتنشر أخبارهم، وتحذرهم من الأخطار المحدقة بهم، وتكون لساناً ناطقاً للصحوة وأهلها، لماذا نكتفي دائماً وأبداً بالتضجر وهز الرءوس؟!

    إن هذا وحده لا يكفي، ثم هذه الدشوش الموجودة لماذا لا نناصح أهلها؟ لماذا لا نحدثهم بالعقل والمنطق والحكمة عن الأخطار المحدقة على أُسَرهم، وعلى بيوتهم.

    أيها الأحبة.. لقد كتبنا واتصلنا، وكتب سماحة الشيخ الوالد عبد العزيز بن باز وأصدر فتوى، والمؤسف جداً أن هذه الفتوى أصبحت تُحارَب في بعض الأماكن وتلاحق، ويؤذى من يوزعها، فإنا لله وإنا إليه راجعون! ما دام أن هذه الدشوش وجدت وانتشرت، وشاعت وذاعت، ورخص لها وسمح بها، على الرغم من أن هذا مخالف للأنظمة والقوانين على أقل التقدير، لتعامل الفتاوى العلمية التي تصدر في تحريمها، وتحريم استيرادها أو تركيبها، أو التعامل معها، لتعامل بالطريقة نفسها.

    اللهم إنا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى، اللهم يسر لنا اليسرى، وجنبنا العسرى، واغفر لنا في الآخرة والأولى، ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين، واجعلنا للمتقين إماماً، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وعملاً يا أرحم الراحمين! اللهم وفقنا لكل خير، اللهم إنا نسألك من كل خير خزائنه بيدك فإن خزائن الأمور كلها بيدك، اللهم إنا نسألك لإخواننا المسلمين في البوسنة والهرسك أن تعجل لهم فرجاً يا حي يا قيوم!

    ونسألك لعبيدك المستضعفين في الجزائر يا رب العالمين! أن تنصرهم على عدوك وعدوهم، اللهم أسْمعنا من الأخبار ما تقر به عيوننا يا رب العالمين! اللهم أسْمعنا من الأخبار ما تقر به عيوننا، اللهم انصرهم يا ناصر المستضعفين!

    اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم، اللهم أنـزل على عدوهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم فرق شمل عدوهم وخالف بين قلوبهم يا رب العالمين!

    اللهم عليك بأعداء الإسلام في الجزائر، اللهم عليك بأعداء الإسلام في فلسطين، اللهم عليك بأعداء الإسلام في مصر، فإنهم طغوا وبغوا، واعتدوا على عبادك الصالحين، وجاوزوا الحدود وأنت أعلم يا حي يا قيوم! اللهم عليك بأعداء الإسلام.

    اللهم فرج عن المسلمين في كل مكان، اللهم اجمع كلمة المسلمين في أفغانستان، اللهم انصر المسلمين فوق كل أرض وتحت كل سماء، اللهم انصر دينك يا رب العالمين! اللهم اجعلنا من أنصار الدين، اللهم اجعلنا من الدعاة إليك على بصيرة، اللهم اجعلنا من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر يا أرحم الراحمين! اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.