إسلام ويب

حديث حول منهج السلفللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تطرق الشيخ لمنهج السلف الصالح رضوان الله عليهم في الدعوة، وفي العلم وفي الجهاد، وفي أمور السياسة. كما أنه يمثل دعوة صريحة لكل العاملين في حقل الدعوة إلى الله، تدعوهم إلى الوحدة، وتضافر الجهود وتصفية المنهج.

    1.   

    مقدمات عن الموضوع

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له،وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

    فهذه المحاضرة هي بعنوان "حديث حول منهج السلف".

    وهي تنعقد في هذا المسجد، مسجد التنعيم بـمكة المباركة، في هذه الليلة -ليلة الثلاثاء- الموافق العاشر من شهر شعبان، من سنة ألف وأربعمائة وثلاث عشرة للهجرة، فيا أيها الإخوة الحضور من أهل مكة البلد الحرام، وقاطنيها وساكنيها، ويا أيها الحضور الطارئون على مكة، القادمون إليها، السلام عليكم جميعاً ورحمته تعالى وبركاته:

    أحبائي يا مهوى الفؤاد تحيةً     تجوز إليكم كل سدٍ وعائقِ

    لقد هدني شوق إليكم مبرحٌ     وقرح جفني دافقٌ بعد دافقِ

    وأرقني في المظلمات عليكم     تكالب أعداءٍ سعوا بالبوائقِ

    فمنهم عدو كاشرٌ عن عدائه     ومنهم عدوٌ في ثياب الأصادقِ

    ومنهم قريب أعظم الخطب قربه     له فيكم فعل العدو المفارقِ

    أردتم رضا الرحمن قلباً وقالباً     ولم تطلبوا إلا حقير الدوانقِ

    فسدَّدَ في درب الجهاد خطاكُمُ     وجنبكم فيه خفي المزالقِ

    أيها الإخوة الأحبة! حديثي إليكم في هذه الليلة ينتظم في سبعة عناوين:

    الأول: مقدمات، هذا الحديث ليس محاضرة علمية عميقة دقيقة حول هذا الموضوع الكبير الخطير، موضوع منهج السلف، أو موضوع المنهج، فقد كان أصل عنوان هذه المحاضرة حديث في المنهج، ثم رأى الإخوة الفضلاء المشايخ القائمون على هذه المحاضرة تعديل العنوان كما أعلن، وحسناً فعلوا، فقد أصابوا ما في النفس وما في القلب، فإن المقصود بالمنهج هو المنهج الشرعي، الذي كان عليه السلف، سلف هذه الأمة وأئمتها رضي الله عنهم أجمعين.

    فهذا الحديث ليس حديثاً علمياً عميقاً، ولكنه حديث من طرف الذهن، وفي موضوعات نتذاكر فيها ونتباحث، فهو كما يقال: تفكير بصوت مسموع، فما كان منه من صواب فمن الله تعالى وحده، وهو المستحق للحمد، وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان، والله تعالى ورسوله منه بريئان وإني أسألكم ما وجدتم من حق فاقبلوه قبولاً حسناً، فأنتم حريون بذلك، وهو به حري، وما وجدتم من خطأ فردوه على قائله كائناً من كان، فإن العبرة بالحق لا بمن قاله.

    1.   

    ضرورة الحديث عن المنهج

    ثانياً: الحديث عن المنهج أصبح اليوم ضرورة، لأسباب عديدة منها:

    اطراد مسيرة الإنسان وانتظامها

    أولاً: إن مسألة المنهج مسألة مهمة في اطراد مسيرة الإنسان، سواء أكانت مسيرته العلمية أم العملية، وسواء أكان الإنسان فرداً أم جماعة، بحيث تنتظم مسيرته وَتطَّرِدُ ولا تتذبذب، فأنت تجد بعض الناس له في كل يوم مشية، وله في كل واد منهج وطريق، فهو يهدم اليوم ما بنى بالأمس، ويهدم غداً ما بناه اليوم، لماذا؟! لأنه ليس له منهج واضح ينطلق منه في علمه، فهو يبدأ اليوم بحفظ القرآن، فإذا حفظ من القرآن شيئاً، قال: وجدت الناس قد ذهبوا بعلم الحديث، فترك حفظ القرآن وأقبل على حفظ الحديث، فإذا أخذ منه شيئاً قال: المهم علم الفقه والحلال والحرام، فترك علم الحديث وذهب إلى الفقه، وهكذا يقضي عمره كله يتذوق العلوم، ويتذوق الفنون، ويتذوق المناهج، ويتذوق الطرائق، ولا يخرج منها بطائل.

    انضباط الصحوة الإسلامية بمنهج شرعي واضح

    إذاً المنهج ضروري أولاً: في اطِّراد مسيرة الإنسان، وانتظامها وانضباطها، وعدم تذبذبها؟

    والمنهج مهم ثانياً: لأننا اليوم نعيش صحوة إسلامية شاملة، في كل مجالات الحياة، وفي كل بقاع الأرض، صحوة يعيشها الرجال وتعيشها النساء، صحوة يعيشها الكبار ويعيشها الصغار، صحوة تعيشها بلاد الإسلام كلها، ومالم تكن هذه الصحوة منضبطة بمنهج شرعي واضح، فإنها قد تضيع كما يضيع ماء الأمطار إذا تدفق في الوديان، ثم انطلق إلى الصحاري، فلم ينتفع منه أحد، بل قد تضيع كما تضيع مياه الأمطار، إذا انطلقت إلى المزارع والحقول والمباني، فهدمتها وأغرقتها، وأتت على الأخضر واليابس فيها.

    إذاً إن هذه الصحوة الإسلامية تحتاج أن تكون صحوةً بناءةً راشدةً، قويةً مثمرةً ناضجةً، تأتي بالري، وتأتي بالخير، تحتاج إلى منهج يضبطها، ويقوم مسيرتها، ويوجه صفها، ويقود خطاها.

    تجلية كلمة المنهج

    ثالثاً:- ونحن نحتاج إلى المنهج لأننا بحاجة إلى تجلية هذا المعنى، وبيان هذه الكلمة، كلمة المنهج، التي كثر استعمالها الآن دون وضوح في الدلالة، فإنني أكاد لا أعرف كلمة أكثر تردداً على ألسنتنا اليوم من كلمة المنهج، ولكن حينما تسأل أي متحدث، ما هو المنهج؟ وماذا تقصد بالمنهج؟ وماذا تريد به؟ فربما قلَّب عينيه وحملق فيك! وشعر بأنه -فعلاً- بحاجة إلى أن يجلي هذه الكلمة، ويوضح معناها.

    1.   

    تأصيل شرعي لكلمة المنهج

    العنوان الثاني: هو حديث عن هذه الكلمة في أصلها الشرعي:

    جاءت هذه الكلمة في القرآن الكريم في قوله عز وجل: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً [المائدة:48] وجاءت -أيضاً- في أحاديث من أشهرها الحديث الصحيح: {تكون فيكم النبوة ما شاء الله تعالى أن تكون، ثم يرفعها الله تعالى إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ما شاء الله تعالى أن تكون، ثم يرفعها الله تعالى إذا شاء أن يرفعها، ثم يكون ملكاً جبرياً، ثم يكون ملكاً عاضاً، ثم يكون فيكم خلافة على منهاج النبوة. ثم سكت صلى الله عليه وآله وسلم}.

    إذاً المنهاج أو المنهج يُعنى بها الطريقة التي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم في حكم الأمة، فإنه عليه الصلاة والسلام، وإن كان نبياً مرسلاً مؤيداً بالوحي من السماء، إلا أنه كان حاكماً في أمته، يقيم الحدود، ويجبي الزكاة ويوزعها، ويبعث العمال إلى الأمصار، ويأمر الناس بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويعقد العقود، ويقيم الحروب ويبرم معاهدات السلام، كما هو معروف في تفاصيل سيرته عليه الصلاة والسلام.

    معنى تكون خلافة على منهاج النبوة

    فإذا قال عليه الصلاة والسلام في الحديث السابق: { تكون خلافة على منهاج النبوة } فالمعنى: أنه عليه الصلاة والسلام، زكى الخلفاء الراشدين من أصحابه، أنهم يحكمون بهديه وسيرته بالعدل والإنصاف، والحكم بما أنـزل الله، وعدم التغيير أو التبديل، وهكذا زكى النبي صلى الله عليه وسلم الخلافة الراشدة التي تأتي في آخر الزمان على منهاج النبوة، وقد ذهب بعضهم على أن المقصود خلافة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، والأقرب والله تعالى أعلم أن الخلافة على منهاج النبوة، قد تكون هي خلافة في آخر الزمان، على يد المهدي الموعود، الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بظهوره، فإنه سكت بعدها مما يدل على أنها آخر الأمر، ونهاية المشوار، وأنها الخلافة التي يجتمع عليها المسلمون، وهذا لا يمنع أن يوجد في تاريخ الإسلام كله، سواء في عهد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، أم في من بعده من خلفاء بني أمية، أم بني العباس، أم من بعدهم، أم من يأتي به الله تعالى، أن يكون في الأمة من يحكم بالعدل والقسط، في رقعة محدودة من المكان، أو في حيز محدود من الزمان، فهذا لا مانع منه، بل الظاهر والأقرب والله أعلم، أن ظهور المهدي عليه السلام، لا بد أن يكون له إرهاصات وبشائر ودلائل تسبقه، في هداية الناس وصلاحهم وانتظام أمرهم، ووجود نوع من الخير فيهم، فإن المهدي الذي وعد به النبي صلى الله عليه وسلم لا يبعث إلى أمة ميتة، ينفخ فيها الحياة، كلا، إنه لا يحي الموتى، ولكنه يبعث إلى أمة قد دبت فيها الحياة، ووجدت فيها الهداية، وهي بحاجة إلى قيادة ربانية، فيختار الله تبارك وتعالى لها برحمته وقوته هذا الرجل الراشد، الذي يقود الأمة في تلك الأزمنة المظلمة، فهذا معنى قوله: { ثم تكون خلافة على منهاج النبوة } يعني على طريقة النبوة، على سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى هديه في الحكم بالقسط والعدل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة شريعة الله تعالى في عباده.

    كلمة منهج بحسب ما تضاف إليه

    والملحوظ أن معنى الكلمة، كلمة المنهاج، سواء أفي الآية الكريمة أم الحديث أو غيرهما، جاء معنىً عاماً غير محدد، فهو يعني الطريقة أو السنة، أو السبيل، أو ما أشبه ذلك من المعاني، إذاً فكلمة المنهج أو المنهاج، هي كلمة عامة مجملة، وهي تكتسب معناها بحسب ما تضاف إليه، فحين نقول مثلاً منهاج النبوة، نعني به طريقة النبوة في الحكم والسياسية، كما جاء في الحديث، وحين نقول منهاج السنة، كما في كتاب ابن تيمية رحمه الله تعالى منهاج السنة النبوية في نقد كلام الشيعة والقدرية فإن المقصود الطريقة الواردة في السنة، في أبواب الاعتقاد كلها، في أبواب الإيمان، في أبواب أسماء الله تعالى وصفاته، في أبواب الصحابة رضي الله عنهم، في النبوات، في الإيمان باليوم الآخر، في الجنة والنار، وما أشبه ذلك من أبواب الاعتقاد المفصلة المعروفة، والمقصود بها -أيضاً- المخالفة لما عليه أهل البدع، من الرافضة والمعتزلةوالقدرية، وغيرهم، الذين تنكبوا هدي النبي صلى الله عليه وسلم وهدي أصحابه، وخالفوا ما كانوا عليه.

    ولهذا كان العلماء يؤلفون كتباً يسمونها كتب السنة، كما في كتاب السنة للإمام اللالكائي، ولـابن نصر المروزي، ولـعبد الله بن أحمد، وللأثرم، ولـابن أبي زمنين وغيرهم، ويقصدون بها تدوين أبواب الاعتقاد، التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، والتي خالف فيها المخالفون، الذين غيروا وبدلوا.

    وهكذا حين نقول: منهاج فلان من الناس، فإن المقصود طريقته وقواعده وأسسه، التي صار عليها في مصنفاته، أو في علمه أو دعوته، فحين نقول: -مثلاً- منهاج الإمام الطبري في التفسير، نفصد بها الأسس التي صار عليها الطبري في تفسيره كتاب الله تعالى، وفي تأليف كتابه العظيم المعروف في ذلك، من الأخذ من القرآن ومن الحديث، ومن أقوال السلف، والسياق بالإسناد، واختيار الراجح، وما أشبه ذلك من القواعد الأساسية الكلية التي صار عليها، وهكذا حين نقول: المنهج الدراسي، أو المنهاج المدرسي، نقصد به المقررات التي يراد من الطلاب أن يدرسوها، في مكان أو زمان، أو مدرسة أو مستوى معين.

    إذاً كلمة المنهج كلمة عامة، تكتسب معناها بحسب ما تضاف إليه، بل إن هذه الكلمة قد تستخدم في الخير أو في الشر، فأنت تقول: هذا منهج الصالحين، وهذا منهج الضالين، ولهذا قال الشاعر:-

    أمامك فانظر أي نهجيك تنهجُ     طريقان شيء مستقيم وأعوجٌ

    ألا أيها الناس طال ضريركم      لآل رسول الله فاخشوا أو ارتجوا

    إذاً فهو يقول: طريقان ومنهجان، منهج الحق ومنهج الباطل، منهج الهُدى ومنهج الضلال، ومنهج الخطأ ومنهج الصواب، منهج الإيمان ومنهج الكفر، ومنهج التقوى ومنهج الفجور، فكلاهما يسمى منهجاً، وبهذا ندرك أن هذه الكلمة كلمة عامة، تكتسب المعنى بحسب ما تضاف إليه، فإذا قلنا: منهج السلف، كما هو ظاهر في العنوان، فالمقصود الطريقة التي كان عليها السلف رضي الله عنهم، لكن في ماذا؟ في كل شيء، منهجهم رضي الله عنهم في الاعتقاد، في أبواب الإيمان بالله، والأسماء والصفات، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية، منهج السلف الصالح في الإيمان بالدار الآخرة، منهج السلف الصالح في الصحابة، وفي الخلق والسلوك، والعبادة، وفي التعليم، وفي الجهاد، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن المقصود به حينئذٍ المنهج والطريقة العامة، التي تحكم كل شئون الحياة، ولا تغادر منها صغيرة ولا كبيرة، ولا تترك منها شاذة ولا فاذة، فإن السلف الصالح رضي الله عنهم كان منهم من يعقدون مجالس العلم في المساجد، ومنهم من يذهبون إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كل مجالات الحياة، ويحتسبون على الصغير والكبير، وكان منهم من يذهبون إلى ميادين القتال، ويجاهدون في سبيل الله، ويرابطون على الثغور، وكانوا جميعاً مثلاً أعلى، في أخلاقهم مع أهلهم، وفي تعليمهم، وفي عبادتهم، وفي تقواهم وإخلاصهم، وفي دعوتهم إلى الله، في كل أعمال الخير، فهذا هو المنهج الذي كانوا عليه.

    1.   

    الكلمة المظلومة

    العنوان الثالث: الكلمة المظلومة، إنه لا يكاد يضاهي هذه الكلمة كلمة أخرى في ترددها على الألسن، ألسن الكبار والصغار، ألسن العلماء وغير العلماء، المختصين وغير المختصين، حتى إنك تجد الكثيرين يرددون هذه الكلمة، وكأننا حين نرددها نريد أن نعوض بهذا الترديد عن الشعور بالحاجة إلى ضبط المسير، فكلنا متفقون على ضرورة تصحيح المسير، وضبط الخطوات، والمراجعة والانضباط، وعدم التردد أو التذبذب، أو تكرار الأخطاء التي وقع فيها غيرنا، ولكن الكثيرين ربما يحتاجون إلى مزيد من التوجيه في هذا.

    الترديد وحده لا يكفي

    يظن بعضهم أن مجرد ترديد كلمة المنهج يغني في هذا، والواقع أنه لا يغني، فنحن -أحياناً- مثل المريض الذي يذهب إلى الطبيب فيقول له الطبيب: بإمكانك أن تشتري نوعاً من الدواء -وليكن إسبرين- فبدلاً من أن يتعاطى هذا العلاج ويشتريه، فإنه يلجأ إلى ترديد هذه الكلمة أسبرين، إسبرين، اسبرين، ويظن أن هذا الترداد ربما شفاه من الصداع.

    وأحياناً نردد هذه الكلمة وكأننا نعوض بها عن فقد الدليل الشرعي، فإن الجميع متفقون -أو يجب أن يكونوا متفقين- على أن العبرة ليست بكلام فلان، مهما كان قدره أو منـزلته أو علمه أو جاهه أو مكانته الواقعية أو التاريخية، وإنما العبرة بالدليل، قال الله، قال رسول الله، أو بإجماع علماء هذه الأمة، فإذا لم يكن لدي دليل صريح صحيح، فإنني قد أزين هذا المنهج، وأزركشه لأحتمي به، وربما أحاول أن أجعل كلمةً لشخص ما، من السابقين أو اللاحقين، ولو كان إماماً أو حجة، فضلاً عن أن يكون شخصاً عادياً، ربما أحاول أن أجعل هذه الكلمة دليلاً، كيف أجعلها دليلاً وهي كلام بشر؟! يحتاج إلى أن يستدل له، لا أن تستدل به، أحاول أن أجعلها دليلاً، فحين أربطها بكلمة المنهج، فأقول: المنهج كذا، ولهذا قال فلان: كذا، وقال فلان: كذا، ثم أظن بذلك أنني صنعت شيئاً، ولا أدلَّ على كون هذه الكلمة مظنونة مظلومة، من حديث مثلي عنها في هذا المجال، والله تعالى وحده هو المستعان.

    لا مشاحة في الاصطلاح

    نعم إن الاصطلاح أمر سائغ فبإمكانك أن تصطلح كما تشاء، وكما يقول العلماء: لا مشاحة في الاصطلاح، يعني أي طائفة من الفقهاء، أو الأصوليين، أو المفسرين، أو المؤرخين، أو علماء الاجتماع، أو علماء النفس، أو غيرهم، فبإمكانهم أن يتفقوا على مصطلحات معينة في علمهم، تعبر عن بعض المعاني التي تتكرر لضمان عدم التكرار، ولما أشبه ذلك، فهذا أمر لا بأس به، بل لا يوجد علم أبداً إلا وبه مصطلحات خاصة بأهله، يتداولونها فيما بينهم، وقد يتداولها الناس، ولكنها تظل مصطلحات لا تتحول إلى شريعة ملزمة، ولا تتحول إلى نص واجب الاتباع على كل أحد، ولا تتحول إلى دعوة قائمة، لا يسع أحد أن يخالفها في حال.

    1.   

    مناهج شتى

    العنوان الرابع: "مناهج شتى" إننا اليوم أمام مناهج شتى في كل مجالات الحياة، وإذا حصرنا الحديث في المجال الشرعي، لوجدنا أن للعلماء مناهج مختلفة.

    المناهج في الفقه والأصول

    فمثلاً: في الفقه، هناك مناهج كثيرة للاستنباط، فطريقة الإمام الشافعي في الاستنباط ليست كطريقة الإمام مالك، وطريقة أبي حنيفة ليست كطريقة أحمد، وطريقة الأوزاعي ليست كطريقة سفيان الثوري، وهكذا، ففي مجال الفقه، واستنباط الأحكام الشرعية من القرآن والسنة، يختلفون في ذلك اختلافاً واسعاً، ومثل ذلك الحال في الدراسات الأصولية، فأصول الأحناف غير أصول الشافعية.

    المناهج في التفسير

    ومثله أيضاً في التفسير، فـتفسير القرطبي ليس كـتفسير الطبري، وتفسير ابن عطية ليس كـتفسير أبي حيان، ولكل واحد منهم منهج خاص يميزه في الدراسة والاستنباط، ويختلف به عن غيره من العلماء، سواء أكانوا من علماء فنه أم من علماء آخرين، إنك حين تنظر في مناهج الدعوة والعمل، تجد أن مناهج العلماء تختلف.

    المناهج في الدعوة والعمل

    وأضرب لك مثلاً واحداً فقط، هذا الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فالذي يقرأ سيرته وتاريخه وعلمه وجهاده، يبدو له جلياً واضحاً، أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، تميز بمنهج خاص متكامل، في دعوته وعلمه وجهاده، وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، تميز به عن كثير من علماء عصره، ولهذا ظل شيخ الإسلام ابن تيمية متفرغاً لدعوته، لعلمه وجهاده، ينتقل من بلد إلى بلد، بل ينتقل أحياناً من سجن إلى آخر، وناظر كثيراً من الفقهاء، واختلف معهم، واتفق مع آخرين، وناقشهم وناقشوه، وناظرهم وناظروه، بل ومنهم من قال فيه ما قال، وحاربه وتسبب له، بل بعضهم سعى في الوشاية به إلى أن يقتل، ومع ذلك ظل شيخ الإسلام ابن تيمية ملتزماً سنن العدل، والبعد عن الظلم والعدوان، والانتقام والانتصار للنفس، وغير ذلك من المعاني.

    ومن المعلوم أن شيخ الإسلام ابن تيمية لم يتقلد وظيفة قط طيلة عمره. لم يتول القضاء، أو أي عمل آخر، ليس لأنه يعتقد أن الوظائف حرام! كلا، بل هو يعتقد أن الوظائف قد تصل إلى حد الوجوب أحياناً، كما صرح في فتاويه بذلك، ولكن لأنه يرى بالنسبة له هو شخصياً، أن بقاءه في الميدان الطلق، يذهب إلى هنا ويذهب إلى هناك، يقول كلمة الحق، ويأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، يحتسب على الكبار وعلى الصغار، وعلى العلماء، وعلى العامة وعلى الخاصة، وعلى الجميع، رأى أن هذا هو الأليق بحاله.

    وكان له تلاميذ ومريدون، يذهبون معه، وينقلون علمه، ويكتبون عنه، ويأمرون معه بالمعروف، وينهون معه عن المنكر، حتى إنهم ذهبوا إلى جبال النصيرية، وقطعوا أشجارهم، واحتسبوا عليهم، وألزموهم بالسنة، وحتى أنهم يرون الخمور فيريقونها في الشوارع، ويرون المنكرات فينكرونها، وما ذلك إلا لأن السلطة المركزية ضعفت في عهد ابن تيمية رحمه الله، فلم تكن تغير المنكرات، ولم تكن تأمر بالمعروف كما يجب، وأصبح في إمكان العلماء أن يقوموا بذلك، والله تعالى يقول: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59] وأولو الأمر كما هو معروف: هم العلماء والأمراء، فطاعة العلماء واجبة -أيضاً-، كما يطاع الأمير في طاعة الله تعالى، طاعة بالمعروف.

    فالمهم أن ابن تيمية رحمه الله كان له منهج واضح متميز، في علمه ودعوته، وجهاده، وفي أمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر، وهذا هو المقصود، أما تميزه في المجالات الأخرى، فهذا أمر ظاهر معروف، ولكن ليس هو مجال حديثنا، وإلا فإنه كان شجاعاً في الدعوة إلى عقيدة السلف الصالح، وتحريتها والاستدلال بطريقة لم يكد يسبق إليها، إلى غير ذلك من ألوان العلوم، التي فتح الله تعالى بها على هذا الإمام، الذي ندر أن يوجد مثله.

    واليوم نجد أن مناهج الدعوة إلى الله قد تنوعت وتعددت، وكثرت في معظم بلاد الإسلام، بل في كل بلاد الإسلام، فكلٌ له منهج وله طريقة يدعو بها إلى الله تعالى، أو يأمر بها بالمعروف، وينهى عن المنكر، أو حتى يعلم الناس فيها القرآن والسنة.

    هدم المناهج أصلح أم تعديلها؟!

    يا ترى ما هو الأنسب أمام هذه المناهج المختلفة؟ هل الأنسب والأقرب لمقاصد الشرع هو هدم هذه المناهج على رءوس أصحابها كما يقال؟ والقضاء عليهم، وإعلان الحرب؟ أم هل الأنسب هو السعي في الإصلاح والتعديل؟ لتكون متناسبة مع النص، مع القرآن، مع الحديث، مع الدليل الشرعي.

    أيها الأحبة.. إنني وأنا أتحدث إليكم في مثل هذا الأمر، فإنه يعلم الله تعالى، أن ليس في قلبي إلا الحب للمؤمنين المخلصين لدينهم، مهما تعددت مناهجهم، واختلفت طرائقهم، وتباينت اجتهاداتهم، متى ما كانوا ملتزمين بالقاعدة العظمى، التي هي قاعدة الرد إلى الله والرسول فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [النساء:59] فهذا هو بيت القصيد، وهذا هو المحك الذي ندعو الناس إليه، ولأنه من الخطأ أن أدعو الناس إلى شخصي، أو طريقي، أو إلى منهجي، أو إلى مذهبي، أو إلى اجتهادي، أو إلى رأيي، فإنه على أحسن الأحوال كما كان يقول الإمام الشافعي رحمه الله: [[هو صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب]] والواحد منا قد يقول اليوم كلمة ويرجع عنها غداً.

    إذاً فإن القضية هي الدعوة إلى الكتاب والسنة، فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء:59] فأما رأيي أنا ورأيك أنت، ورأي زيد، ورأي عبيد، فهو كلام وقول، قد يوافق الكتاب والسنة يؤخذ به لا لأنه فلان، ولكن لأنه يوافق الكتاب والسنة، وقد يكون اجتهاداً في غير محله، فيرد على قائله كما أسلفت.

    مأساة التعصب المذهبي

    وأضرب لذلك -مثلاً- يتعلق أيضاً بموضوع المذاهب الفقهية، وإنما اخترت موضوع المذاهب الفقهية، لأنه أوضح وأظهر، فإن من الممكن ونحن الآن أمام مذاهب مختلفة، أشهرها المذاهب الأربعة، ولكن هناك أكثر من عشرة مذاهب غالبها موجود، أو كلها موجودة في العالم الإسلامي، وهناك مذهب الأوزاعي، وهناك مذهب الظاهري، وهناك مذهب سفيان، وهناك -بطبيعة الحال- مذهب أهل الحديث، إلى غير ذلك من المذاهب الفقهية، هذه المذاهب من الممكن أن يعلن الإنسان الحرب عليها بصورة واضحة، وعلى دعاتها وعلى فقهائها، لماذا؟ لأن هناك تعصباً مذهبياً يعصف بالعالم الإسلامي. أقول: يوجد على مستوى العامة، بل حتى على مستوى الفقهاء والمفتين في معظم بلاد العالم الإسلامي، تعصب مذهبي، ويوجد تمسك بالموروث، حتى لو كان مخالفاً لما تدل عليه ظاهر النصوص، من القرآن والحديث، ولكن بسبب الإلفة والعادة، والتلقي في الصغر، وكون هذا الأمر معروفاً في المجتمع، يصعب على الإنسان أن يغير رأيه، أو قناعته بهذا الحكم أو بهذه المسألة الفقهية، وربما صار هذا التعصب بلاءً، حتى إنه ليس من الأسرار أنه كان هناك معارك تاريخية، وهدمت بيوت، وقامت معارك، وقتل أشخاص، وسالت دماء، بسبب بعض ألوان التعصب المذهبي، الذي حصل بين بعض الطوائف في بغداد، وفي بلاد المشرق وفي غيرها، فقد يقول قائل: هذا بسبب هذه المذاهب، إذاً فلا بد من الحرب عليها، وتحريم الانتساب المجرد إليها، ودعوة الناس إلى رفضها ونبذها! وهذا على كلٍ هو رأي، ونستطيع أن نعبر عنه بأنه منهج، منهج يدعو إلى نبذ المذاهب كلها، حتى مجرد الانتساب إلى هذه المذاهب، والأخذ من الكتاب والسنة فحسب، ونحن -جميعاً- متفقون على أنه يجب الأخذ من الكتاب والسنة وإجماع الأمة فحسب.

    ولكن هل ترفض هذه المذاهب، ويُدعى الناس إلى الأخذ من الكتاب والسنة؟ أم أنه يمكن أن يُربَّى الناس على الأخذ من الكتاب والسنة، ولو كانوا منتسبين؟ فمجرد الانتساب لا يضر، يعني كونك تقول مثلاً: أنا شافعي، أو حنبلي، أو أنا مالكي، أو أنا حنفي ليست العبرة بمجرد الاسم، فهذا مثل ما تقول: أنا من قبيلة كذا، أو أنا من بلد كذا، لكن العبرة إذا كنت شافعياً، ثم عرفت دليلاً مخالفاً لمذهب إمامك، أتتبع الدليل أم تتبع مذهب الإمام، فإن كنت تتبع الدليل، فهذا لا يضر أما إن كنت تتبع مذهب الإمام، وتترك الدليل فهذا يضرك، ولو تخليت عن الاسم، ولو خلعت النسبة، لكنك تركت الرجوع إلى الدليل الشرعي.

    إذاً العبرة بالطواعية والانقياد للدليل الشرعي، وليست بمجرد الأسماء، مع أننا نقول: إن الأسماء -أيضاً- ليست ملزمة، ولا شريعة قائمة، ولا قال أحد من أهل العلم: إنه يجب على كل أحد أن يتسمى باسم معين، أو اسم خاص، اللهم إلا الأسماء الشرعية، الإيمان والإسلام، وما أشبه ذلك، أما هذه الأسماء وهذه النسب، فهي أمور ليست واجبة على أحد بحال من الأحوال.

    وعلى كل حال قد يرى إنسان أن يعلن الحرب على هذه المناهج كما أشرت، وهذا منهج، ولكنه يستنفر عداوات الكثير، وعداوات ضخمة، وأحياناً يواجه مع الأسف حججاً علمية في كثير من البلاد، وتصبح المسألة بين شد وجذب، ويصبح معظم الناس لا يفقهون من الأمر شيئاً، ولكن هناك في المقابل منهج آخر، منهج لا يعلن الحرب على الاسم، لأن المشكلة ليست في الاسم بذاته، ولكن يعلن الحرب على الانحراف الموجود في المضمون، والموجود في الواقع، الذي هو تَرْكُ الدليل الشرعي إلى قول فلان، ورأي علان، فهذا المنهج لا يستهدف الإطاحة بالمذاهب كأسماء وعناوين ولافتات، ولا يحاربها لذاتها، ولكنه يحارب التعصب الممقوت، ويحارب التقليد، خاصة التقليد الأعمى غير المبصر، الذي ليس اتباعاً للدليل، ولكنه تقليد لفلان وفلان، بغير حجة شرعية.

    ويدعو هذا المنهج إلى العناية بالدليل الشرعي، بكلام الله عز وجل، وكلام الرسول المصطفى عليه الصلاة والسلام، ويحارب أشد الحرب تلك الفئة التي تعرف الدليل الشرعي، ثم تعرض عنه، تعصباً لمذهب، أو إمام أو قول:

    عذيري من قوم يقولون كلما     طلبت دليلاً هكذا قال مالك

    فإن عدت قالوا: هكذا قال أشهب     وقد كان لا تخفى عليه المسالك

    فإن عدت قالوا: قال سحنون مثله     ومن لم يقل ما قاله فهو آفك

    فإن قلت: قال الله ضجوا وعولوا     وصاحوا وقالوا: أنت قِرنٌ مماحك

    وإن قلت: قد قال الرسول فقولهم          أتت مالكاً في ترك ذاك مسالك

    المهم هؤلاء الذين يرفضون الدليل، أو يقولون: كل نص خالف المذهب فهو منسوخ، أو مؤول، وإنما نقرأ القرآن والسنة لمجرد التبرك، لا شك أن هذا إلغاء للنص الشرعي، وتعبيد للناس بما لم يُعبِّدْهم الله تعالى به، ومن نعم الله تعالى على الأمة في هذا الوقت، أنها أصبحت تبحث عن الدليل، وتبحث عن (قال الله) (قال رسول الله) وإذا تكلمت مع إنسان بقول، أو أفتيته بفتوى قال لك: أين الدليل؟ أو ما هي الحجة؟ أو ما أشبه ذلك، وهذه لا شك من ظواهر الصحوة الإيجابية، التي يجب العمل على تعميقها، وتنميتها، وتوسيعها بقدر المستطاع.

    كيف نواجه التعصب المذهبي

    إذاً نحن أمام منهجين أو طريقين:

    المنهج الأول: الذي يدعو إلى تحطيم المذاهب، والقضاء عليها، وإعلان الحرب جملةً وتفصيلاً، من دون تمييز، وهذا المنهج قد ينجح في إخراج بعضهم من المذاهب، ولكنه ينجح -أيضاً- في غرس عداوات عند آخرين.

    المنهج الثاني: هو الذي يقول: لا نحارب المذهب باسمه ضرورة، لأن الاسم المجرد مباح، ولكننا نحارب اتباع أقوال الأئمة، وترك الكتاب والسنة، أو اتباع قول فلان إذا تبين أنه مخالف للدليل، وهكذا هذا المثال يمكن أن نطبقه بالنسبة لوسائل الإصلاح والتغيير، والدعوة الموجودة اليوم، فمن الممكن -مثلاً- إعلان الحرب على مناهجها المختلفة، بالنظر إلى ماذا؟ بالنظر إلى الحزبيات القائمة والموجودة، التي أقول: إنها تعصف بشباب هذه الأمة كالإعصار، وتشق صفوفهم، وتمزق وحدتهم، وتوغر قلوب بعضهم على بعض، وكذلك النظر إلى الأخطاء الموروثة، التي تتكرر مرة بعد مرة، والنظر إلى التجارب الفاشلة الموجودة هناك وهناك، وفي بلاد كثيرة.

    إذاً من الممكن أن ينظر إنسان إلى هذه السلبيات، فيعلن الحرب عليها كلها جميعاً، وهذا منهج في مواجهة هذا الواقع وهناك منهج آخر، يستطيع أن يميز في هذه المناهج، والطرائق، ووسائل الدعوة، بين الحلال والحرام، وبين النافع والضار، فيشيد بالنافع والمباح، أو المشروع، ويثني عليه، ويمنع الضار، أو المحرم، وينكره، ويدعو إلى تركه ومباعدته، بالأسلوب الحسن، بقدر المستطاع، فإن الحرام لا يجامل فيه أحد، لا يجامل أحد في الحرام، بل يجب النهي عنه بدليله، وما عند الله تعالى لا ينال بمعصيته أبداً، فلا يمكن أن تكون الدعوة بوسيلة محرمة أبداً، ولا يمكن أن يكون الأمر بالمعروف أوالجهاد بأسلوب لا يحله الله تعالى ولا رسوله، بل الله تعالى يقول: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف:108] والدعوة إلى الله تعالى على بصيرة، تعني بعلم وبمعرفة، معرفة بالحلال والحرام، ومعرفة بنصوص الشرع.

    ويقول الله تعالى لرسوله عليه الصلاة والسلام: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ [النحل: 125] فقال: ادع إلى سبيل ربك، فلا بد أن تعرف سبيل الله، وسبيل الله هو دينه، هو منهجه، هو طريقته التي أمر بها عباده، ولا يمكن أن يدعو إليها إنسان وهو لا يعرفها.

    إذاً لا بد أن يعرف الإنسان الحرام، فينهى عنه ويحذر منه، ولا يجوز أن يفعل الإنسان الحرام، حتى ولو كان بنية صالحة، فإن النية الصالحة لا تقلب الحرام إلى حلال بحال من الأحوال، بل يبقى الحرام حراماً، والنية أمرها عند الله تعالى، نحن ليس لنا علاقة بقلبك، علاقتنا بعملك هذا، أنه حرام، ولا يجوز، قال الله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما نيتك وقصدك فنحن منه براء، لا ندري منه شيئاً، وأنت أمرك إلى الله عز وجل.

    الحرام إذاً هو ما حرمه الله تعالى ورسوله، إما بنهي صريح لا صارف له، أو وعيد على فاعله، أو ما أشبه ذلك، سواء أكان من صغائر الذنوب، أم من كبائرها، فما كان حراماً فلا يجوز أن نتذرع به إلى دعوة، ولا إلى علم، ولا إلى جهاد، ولا إلى أمر، ولا إلى نهي، أما ما لا يدخل في دائرة الحرام، ولكننا لم نعجب به، أو لا نراه، أو لا يتفق مع قناعات ذاتية موجودة عندنا، أو لا يتفق مع تربية تَربَّيَنا عليها، أو لا يتفق مع ما تلقيناه، فهذا من الممكن أن نتركه، وندعه ولا نستخدمه، ونعرض عنه، لكننا لا نحتسب على فاعله بالإنكار والعيب والذنب، ما دام أننا لا نستطيع أن نقول: إنه حرام.

    كيفية الاحتساب في مسائل الخلاف

    أما إذا كان الأمر أننا نقول: هو حرام، وطرف آخر يقول: لا، ليس حراماً فها هنا وجد خلاف، هل هو من باب الحرام فيجب تركه؟ أم هل هو من المباح فيجوز فعله؟ فهنا بإمكاننا سلوك أحد سبيلين:

    السبيل الأول: الجدال بالتي هي أحسن، فلا مانع أن تناقشني وأناقشك بدون رفع أصوات، ولا مغاضبة ولا مساخطة، ولا يسوء ظنك بي، ولا تجد عليَّ في نفسك، لكن ناقشني بالتي هي أحسن، وبالكلمة الطيبة، وربك جل وعلا قال: وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [العنكبوت:46] وقال الله تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125] الكلمة الطيبة: وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الاسراء:53] فالمناقشة والأخذ والعطاء ربما يتبين لك فيها شيء لم يكن واضحاً، أو على الأقل تعذر الآخر، أو ربما يتبين له الحق فيأخذ به، فإذا لم يكن النقاش ممكناً، أو لم يوصل إلى نتيجة فهناك حلٌ آخر.

    السبيل الثاني:- الرجوع إلى العلماء للاستنارة بعلمهم، كما قال الله عز وجل في موضعين من كتابه: فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43] وأهل الذكر، هم أهل العلم، العلم بالقرآن، والعلم بالسنة، وفي حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، عند أهل السنن، في قصة صاحب الشجة، أنه عليه الصلاة والسلام قال لبعض أصحابه {قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال} فالرجوع إلى أهل العلم ومناقشتهم والاجتماع عندهم، والأخذ من علمهم، هذا من أسباب توحيد الكلمة، والوصول إلى الحق، وأحياناً قد يكون الخلاف لفظياً، أو شبه لفظي، وأضرب لذلك مثلاً واحداً، أن الخلاف أحياناً قد يطول ويعرض، ولو تأمله العاقل لوجد أنه أقرب من قريب، أو أن الخلاف يسير، يحتمل ويحتمل.

    1.   

    وسائل الدعوة مبنية على الإباحة أم التوقيف

    مسألة وسائل الدعوة، هل وسائل الدعوة إلى الله تعالى، وسائل توقيفية؟ بمعنى أنها من عند الله، ومن عند الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز لأحد أن يستخدم وسيلة من وسائل الدعوة، إلا أن يكون قد جاء إذن شرعي بها، أم أن وسائل الدعوة مبنية على الإباحة؟ ويجوز استخدام كل وسيلة مالم تكن محرمة.

    القول الأول: وسائل الدعوة توقيفية

    القائلون بأن وسائل الدعوة توقيفية، يعنون -والله أعلم- أن جوهر الدعوة من عند الله تعالى، فلا بد من الدعوة إلى توحيد الله تعالى، وإفراده بالعبادة، ولا بد من تربية الناس على هذا المعنى العظيم، الذي بعث من أجله الرسل، وأنـزلت من أجله الكتب، وعقدت من أجله ألوية الجهاد، ألا وهو دعوة الناس إلى عبادة الله تعالى: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:59] أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ [هود:2] {قولوا لا إله إلا الله تفلحوا} فهذا المعنى العظيم يجب دعوة الناس إليه، وتربيتهم عليه، وتعليمهم له، والدندنة حول هذا المعنى دون كللٍ أو ملل، فهذا لا شك أنه حقٌ كله، ويجب أن يكون موضوع اتفاق بين الجميع.

    القول الثاني: وسائل الدعوة مباحة

    أما القائلون بعدم التوقيف، يعني أن وسائل الدعوة مباحة، فالأصل فيها هو الإباحة، وكل وسيلة ليست محرمة، يجوز أن تستخدم للدعوة إذا ظن الإنسان أنها تنفع، فإنهم يُوَاِفُقون، أو يجب أن يوافقوا على ما سبق، ولكنهم يرون جواز استخدام كل أسلوب أو ذريعة، تؤدي إلى الغرض، ما لم تكن حراماً، ومن ذلك مثلاً: أسلوب تأليف قلوب الناس على الخير، تأليف قلوبهم بالدعوة إلى الطعام، أو السفر معهم، أو الرحلة أو المشاركة في بعض أعمالهم المباحة، أو تطييب خواطرهم، وإزالة الوحشة منهم، بكل أمر مباح.

    ولا يمكن أن يقال: إن من تأليف القلوب والدعوة إلى الله، أن تذهب إلى قوم على لهو، ولعب، ورقص، وسكرٍ، وعربدة، وفجور، وتكون معهم على ذلك، لأنك تؤلف قلوبهم، أو لأن هذه وسيلة دعوة، هذا لا يجوز، ولا يمكن أن يكون أبداً، لأن الأمر محرم ومفروغ منه، لكن هب أنهم على أمر مباح، وأنت لا تريده لنفسك، ولكنك رأيت أن مشاركتهم فيه قد تكون سبباً في تألف قلوبهم أو تقريبها، أو تحبيبها إلى الخير، أو ما أشبه ذلك من الأمور، يعني من باب تأليف القلوب، الذي عمل به الرسول عليه الصلاة والسلام، ولهذا يتفق الطرفان معاً، القائلون بأن وسائل الدعوة توقيفية، أو الذين يقولون: إنها ليست توقيفية، على أنه لا يشترط للوسيلة من وسائل الدعوة، أن يكون منصوصاً عليها بذاتها وعينها، مع أننا لو قلنا: إن الوسائل توقيفية محضة، كالقرب المحضة، كالعبادات، لم يكن كافياً أن تكون الوسيلة لها أصل في الشرع، بل يجب أن يكون منصوصاً عليها في وقتها، وفي سببها، وفي صفتها، وفي زمانها، وفي مكانها.

    مثال ذلك: الصلاة، الصلاة عبادة، والعبادات توقيفية، أي: لا يجوز لواحد أن يأتي من عنده بصلاة لم تشرع، ويأمر الناس بها، بل يجب أن تكون الصلاة مأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم، مأثورة في عدد ركعاتها، مأثورة في صفات ركوعها، وسجودها، وقيامها، وقعودها، مأثورة في أسبابها، كصلاة الضحى، أو كصلاة الوضوء، أو كصلاة الاستخارة أو صلاة الفتح، أو ما أشبه ذلك، مأثورة في زمنها، مأثورة في مكانها، إلى غير ذلك، فها هنا بالنسبة للصلاة كل هذه الأشياء محددة.

    لكن لو نظرنا إلى مثال آخر، وهو التعليم: هل يمكن أن نقول: التعليم وسائله توقيفية مثل ما هو الحال بالنسبة للصلاة؟ ولو قلنا ذلك لوجدنا أن الصورة الموجودة اليوم، بل الموجودة منذ سنوات، بل منذ قرون في العالم الإسلامي للتعليم، لم تكن موجودة في الصدر الأول، فالمراحل والمناهج الدراسية، والكتب والشهادات، والامتحانات، وطريقة التدريس، وطريقة السكن، وتسجيل الطلاب، وتدوينهم وتصنيفهم، وغير ذلك، كل هذه الأشياء لم تكن موجودة بتفاصيلها، في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بل لم تكن الكتب قد ألفت آن ذاك. ولما هم الصحابة رضي الله عنهم بتدوين السنة، احتج بعضهم بأن النبي عليه الصلاة والسلام قال كما في حديث أبي سعيد: {لا تكتبوا عني شيئاً غير القرآن، ومن كتب عني شيئاً غير القرآن فليمحه} ولكن ترجح الرأي القائل بمشروعية الكتابة، بل بوجوبها لنصوص كثيرة معروفة، وللحاجة الماسة، خشية ضياع السنة النبوية.

    إذاً لو نظرنا إلى التعليم، واعتبرناه أمراً عبادياً توقيفياً، يجب أن يكون منصوصاً، بزمانه، ومكانه، وصفاته، وسببه وعدده، وما أشبه ذلك، لم نجد أن الصورة القائمة هي الصورة الموجودة في العهد الأول، ولكن نقول: نعم العلم الشرعي عبادة، يجب أن يقصد فيه وجه الله، ويراد به ما عند الله تعالى، ولا يقصد به عرض من أعراض الدنيا، ويخلص الإنسان فيه النية، ويرافقه بالعلم النافع، وبالعمل الصالح، وبالدعوة، وبالخلق الفاضل، وما أشبه ذلك، ولكن لا يلزم أن تكون كل هذه التفاصيل منصوصاً عليها بذاتها، وإن كان لها أصلٌ في ما هو موجودٌ في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، لكن لو قلنا: إن الأمر تعبدي محض، لم يكن كافياً وجود الأصل، بل لا بد من وجود النص على التفاصيل.

    أرأيت لو نظم أحدٌ أمر الصلاة، كما ينظم التعليم مثلاً، فجعل لكل فئة من الناس زماناً خاصاً لصلاة خاصة، ومكاناً خاصاً وطريقة خاصة يتعبدون بها، أفيجوز هذا؟ كلا، لا يجوز.

    إذاً نخلص من هذا إلى أن السعي في إصلاح المناهج الدعوية، وإعادتها إلى الكتاب والسنة، فيه خير كثير إن شاء الله تعالى، ثم لا يمنع بعد ذلك أن تتنوع النشاطات، فهذا ينشط مع العامة، وهذا ينشط مع الخاصة، وهذا يتحرك في أوساط الشعب، وهذا يتحرك في الدوائر الرسمية، وهذا يشتغل بالمال، وهذا يشتغل بالجهاد، والجميع متفقون على المنهج الشرعي الصحيح، على الكتاب، والسنة، على الرد إلى الله والرسول، وعلى عدم التعصب، وعلى عدم ازدراء الآخرين، أو تنقصهم أو الاستخفاف بجهدهم.

    إننا نحتاج إلى هذا كله، ونحتاج إلى الصبر، وسعة البال، والحلم والحكمة، وأن نقابل الإساءة بالإحسان، والمنكر بالمعروف، وأن يكون لسان حال الواحد منا، كما أمر الله تعالى: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت:35].

    إننا أيها الإخوة! نغضب لأنفسنا وأشخاصنا، أكثر مما نغضب لمنهجنا، أتدري كيف؟ أضرب لك مثالاً، لك جار لا يصلي الصلوات، وأنت اليوم صابر عليه، على مدى سنوات، ربما سنتين أو ثلاث، وأنت تقول: نصبر عليه، ندعوه إلى الله تعالى، نسلك معه الأسلوب الحسن، بالمراسلة، وبالاتصال، وبالزيارة، وبذلت معه مجهوداً كبيراً، وأنت صابر، ثم لقيته يوماً من الأيام، فدعوته إلى الله تعالى، فقال لك: مالك ولي؟ دعني وشأني! أنت فيك كذا، ثم طفق يسبك ويشتمك، ويتكلم فيك، فتجد أنك حينئذٍ غضبت أشد الغضب، وفار دمك، وانشدت أعصابك، ثم قلت: لا يمكن أن نصبر عليه أبداً، هذا الإنسان ليس فيه خير، هذا من سنوات لا يصلي، لابد أن يخرج هذا اليوم من المنـزل.

    إذاً لماذا هذا الغضب ادخرته لموقف شخصي؟ لماذا ما غضبت يوم كان هذا الإنسان مفرطاً في شعيرة من الشعائر؟ وربما كان أهله، أهل بيته، أحياناً يشتكون منه، أنه لا يؤدي الصلاة، أو يشرب الخمر، أو ربما يقع في معاصٍ، وكنت صابراً، فلما مسك في شخصك بعض الأذى تجد الواحد منا انشدت أعصابه وغضب، وهاهنا تبين لك أن غضبك وغضبي حينئذ كان للشخص، انتصاراً للنفس، أكثر من كونه انتصاراً للمنهج، ويجب أن يكون لسان حالك، كما قال الأول: أي في ما بينك وبين إخوانك من الدعاة، وإخوانك من طلبة العلم، وزملائك:

    وإن الذي بيني وبين بني أبي      وبين بني عمي لمختلف جداً

    فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم     وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجداً

    ولا أحمل الحقد القديم عليهم     وليس رئيس القوم من يحمل الحقدَ

    إن المروءة والصبر والرجولة والإيمان والخلق الكريم، هي التي تحتاج إلى الرجال، أما المعاملة بالمثل، والشد، أو ما أشبه ذلك، فهذه كل أحد قد يحسنها.

    1.   

    دعوة إلى التعاون بين الدعاة

    إننا نحتاج إلى كل الجهود، وإلى كل الطاقات المخلصة المثقفة معنا، إلى الرد إلى الله والرسول، وعلى العمل بالكتاب والسنة، وعلى المنهج الشرعي السلفي الصحيح، نحتاج إلى هذا كله، وهو أمر عظيم لا تقوم به فئة، فكيف تستطيع فئة أن تقوم بالجهاد في التعليم، في تعليم الناس العقيدة، وفي تعليم الأحكام، وفي تفقيه الناس في دينهم، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي الدعوة، وفي الوعظ، وفي الجهاد، إلى غير ذلك من الأبواب العظيمة، كل هذا لا يمكن أن يقوم به إلا مجموع الأمة، ومجموع فئاتها المخلصة، القائمة على المنهج الصحيح، التي لم تتلوث أو تتلطخ ببدعة أو انحراف، ومهما أخلصت فئة واحدة، أو اجتهدت فإنها لا تستطيع أن تغطي كل هذه الميادين.

    اتفاق كلمة الدعاة

    لماذا لا تتظافر جهود المخلصين على الإصلاح؟ ولماذا لا يتفق المسلمون على كلمة سواء؟ إن الله تعالى يقول في القرآن: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ [آل عمران:64] أفيعجز المسلمون أن يدعوا بعضهم بعضاً إلى كلمة سواء، على كتاب الله، وعلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، دعني أتخلص من كل قناعتي الشخصية، وكل آرائي الذاتية، وكل اجتهادي، دعها جانباً، وكذلك أنت، وتعالَ إلى هذا القرآن المحفوظ، وتعال إلى الحديث الثابت بالإسناد الصحيح، وتعال إلى إجماع الأمة، ودعنا من بنيات الطريق:

    فهذا الحق ليس به خفاء     فدعني من بنيات الطريق

    إن المسلمين أهل كتاب وسنة، فهم أولى بالدعوة إلى توحيد الله تعالى وحده، وألاَّ يشركوا به شيئاً، وألاَّ يتخذ بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله، لا من السلاطين الطغاة، الذين بدلوا نعمة الله كفراً، وبدلوا شريعة الله تعالى، وتلاعبوا بأحكامه، وحكموا الأمة بغير كتاب الله، ولا من العلماء الذين إنما هم أدلاء على طريق الحق، يدلون الناس على الحق، ويرشدونهم إليه بالكلام الشرعي، بالحديث، بالدليل من كتاب أو سنة، ولا يتخذ بعضناً بعضاً أرباباً من دون الله، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران:64].

    تخصص الدعاة في جميع الجوانب

    إذاً: مادمت ملتزماً بالحق، وبما دل عليه الكتاب والسنة، في أبواب الاعتقاد وفي أبواب العبادة، وفي أبواب الأخلاق، وفي الأمور كلها، ما الذي يمنع من أن يتخصص بعضنا في الدعوة، إلى جانب يحسنه ولا يحسن غيره؟! فتعتني أنت بالوعظ، لأن الله تعالى أعطاك قلباً رقيقاً، وأعطاك لساناً عذباً، وأعطاك استحضاراً للنصوص، وأعطاك قدرة على التأثير، فأنت تشتغل بالوعظ، وترقق قلوب الناس، مع مراعاة الضوابط، ولا تستدل بحديث موضوع، ولا بحديث ضعيف، ولا تدخل إلى أبواب الانحراف والغلو، وعليك بمراعاة الضوابط الشرعية، ولو غلب هذا الجانب عليك، وعرفت به ولم تعرف بغيره، فإن هذا لا يضر.

    وآخر: يعتني بتعليم الناس العقيدة، وأبوابها ونصوصها، ويدعوهم إليها، ويربيهم عليها، ولا يكل ولا يمل من ذلك، ولو غلب هذا الأمر عليه وعرف به، إخراجاً للكتب، وتأليفاً، وتدريساً، وتعليماً، وخطابةً، وغير ذلك، فإن هذا يسد فراغاً تحتاجه الأمة أيما حاجة، بل هو أعظم حاجة تحتاجها الأمة، أن تقوى قلوبها بالمعتقد الصحيح، الذي يربطها بمحبة الله تعالى وخوفه ورجاءه، وألاَّ يخافوا إلا الله.

    وثالث: يشتغل بالفقه والفُتيا، وبيان الحلال والحرام بالدليل، حتى لو عرف بذلك ولم يعرف بغيره.

    ورابع: يشتغل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بكل وسيلة مباحة، ولو ذهبت روحه في ذلك، وقد ذُكِرَ للإمام أحمد رحمه الله تعالى رجلٌ عالمٌ فاضلٌ من زملائه وخلصائه، وهو الإمام أحمد بن نصر الخزاعي، الذي صُلِبَ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، صُلِبَ على الأعواد في الميدان عام، فقام الإمام أحمد ودعا له وتَرَحَّمَ عليه، وقال: ذلك رجل هانت عليه نفسه في ذات الله تعالى.

    إذاً ما الذي يمنع أن ينبري من الأمة رجال مجاهدون؟ همهم الجهاد في ميدان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإصلاح بكل وسيلة، وبكل سبيل، ولو ذهبت أرواحهم في هذا السبيل، فقائلهم يقول:

    ربِّ لك الحمد لا أحصي الجميل إذا     نفًَّست يوماً شكاة القلب في كربِ

    فلا تؤاخذ إذا زل اللسان وما     شيءٌ سوى الحمد في الضراء يجمل بي

    لك الحياة كما ترضى بشاشتها     فيما تحب وإن باتت على غضبِ

    رضيت في حبك الأيام جائرة     فعلقم الدهر إن أرضاك كالعذبِ

    شكراً لفضلك إذ حملت كاهلنا     مما وثقت بنا ما كان من نُوَبِ

    ولا يمنع -أيضاً- أن يكون هناك خامس، يهتم بتحليل الأحداث السياسية، وآثارها على العالم الإسلامي.

    وسادس يهتم بتحليل الأحداث الاقتصادية.

    وسابع يهتم بتحليل الأحداث الاجتماعية، وموقف المسلمين منها، هكذا يُكَمِّلُ بعضهم بعضاً، فهذا الأمر يتحقق وفق شروط:

    شروط قاعدة [التكميل]

    الشرط الأول: أن يكون الجميع ملتزمين بالمنهج، المنهج الحق، ما هو المنهج؟ المنهج ثلاثة فروع:- قال الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأجمعت الأمة.

    هذه هي أصول المنهج، فنعني بالمنهج هذا، ويبقى لكل فرد أو لكل فئة منا اجتهادهم الخاص الذي لا يخالف هذا المنهج، فهذه قاعدة مشتركة عند كل الطوائف، أن يكونوا ملتزمين بالمنهج الحق.

    الشرط الثاني: أن يكمل بعضهم بعضاً، ويعزز بعضهم بعضاً، ويتناصروا فيما بينهم على الحق، ومن التناصر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري {انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً} فإن كان ظالماً فتنصره بردعه عن الظلم، وإن كان مظلوماً، فإنك تأخذ حقه وهكذا، تنصره مخطئاً أو مصيباً، فإن كان مصيباً فانصره بتعزيز ما قال، وإن كان مخطئاً فخذ على يده وبَيِّنْ له الحق.

    إذاً فلا بد من التناصر فيما بيننا، وأن تكون العلاقة علاقة محبة ووئام، وقلوب سليمة، متراصة اليد مع اليد، والقلب مع القلب، والنفس مع النفس، لا أن تكون علاقة تناحر وتباغض، وتشاحن وتقاطع، وكل امرئ يجاذب الآخر وينازعه، وهذا هو مقتضى نصوص الشريعة، قال الله عز وجل: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [التوبة:122]. إذاً لا يمكن أن يخرجوا كلهم للجهاد، ولا للعلم، لكن يخرج منهم طائفة للجهاد، وطوائف للعلم، ليتحقق بذلك التعليم، ويتحقق بذلك الجهاد، وهم يكمل بعضهم بعضاً، ويتناوبون القيام بفروض الكفاية.

    وقال تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2] فأمر سبحانه بأن يتعاون المؤمنون فيما بينهم، على كل بر وتقوى، من طاعة الله، والدعوة إلى دينه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك.

    وقال سبحانه: وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:3] وقال صلى الله عليه وسلم: {المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضهم بعضاً} والحديث الآخر وكلاهما في الصحيح: مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى} هل رأيت إنساناً يقطع عضواً منه، أو يجرحه، أو يشقه بالسكين، أو يؤلمه؟ كلا، لا يفعل ذلك، فهكذا المؤمن للمؤمن، فهو مثل اليدين، تغسل إحداهما الأخرى، فإن رأى منه صواباً فرح وسُر، واستنار وجهه، وأشرق قلبه، وإن رأى منه خطأً انـزعج، وبئس لذلك، وضاق صدره، وتمنى أن لم يقع، ثم ناصحه بالأسلوب الذي يظن أنه يؤدي إلى المقصود.

    1.   

    المنهج وليس الأشخاص

    إن من أخطر الأمور أيها الأحبة.. أن يكون التعلق بالأشخاص وليس بالمنهج، والواقع أن الله تعالى أمرنا باتباع شريعته، وباتباع الدين، وباتباع الشريعة، وباتباع الحق لا بالأشخاص،حتى قال سبحانه: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ [آل عمران:144] ولهذا لما أشيع في معركة أُحد، أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل، جلس بعض الأنصار، ووضعوا رءوسهم على أيديهم، فمر بهم رجل من الصحابة، فقال لماذا جلستم؟ قالوا: قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان بعضهم يحمل الراية كما فعل مصعب بن عمير رضي الله عنه، ويردد هذه الآية الكريمة: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران:144].

    التعلق بالأشخاص من أسباب الردة

    إن من صور الردة التعلق بالأشخاص لا بالدين، ولا بالمنهج، ولهذا المرتدون بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم كانت شبهتهم أنهم يقولون: لا ندفع زكاتنا إلا لمن صلاته سكن لنا: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ [التوبة:103] فقالوا: مات الذي صلاته سكن لنا، فلا ندفع زكاتنا بعد ذلك لأحد، وقال قائلهم:-

    أطعنا رسول الله إذ كان بيننا     فيالعباد الله ما لـأبي بكر

    أيورثها بكراً إذ مات بعده     وتلك لعمر الله قاصمة الظهر

    فقام عليهم الصحابة رضي الله عنهم وقاتلوهم أجمعين، وإنما كان من أسباب ردتهم تعلقهم بالأشخاص، والأشخاص يذهبون ويجيئون، وينبغي أن نراعي أمراً مهماً جداً، وهو أن المنهج معصوم، أما الأشخاص فغير معصومين، ولذلك إذا ارتبطنا بالمنهج ضَمِنَّا أن لا نقع في خطأ، لكن إذا ارتبطنا بأشخاص، فإن هؤلاء الأشخاص، ربما يتبين منهم أخطاء كثيرة.

    أخطاء يقع فيها الأشخاص

    يتبين منهم ما يأتي:

    أولاً: النقص الجبلي الفطري الموجود في الإنسان، فإن الإنسان ضعيف بطبعه، مجبول على النقص بأصل تكوينه، وهذا الأمر لا ينفك عن الإنسان بحال، فهو عاجز عن أن يشتمل على أمور الخير كلها، ومن هو من الناس القادر على أن يقوم بكل الواجبات؟! وكل الفروض، حتى فروض الكفايات، وكل السنن، وكل المستحبات، لا أحد يقدر على ذلك كله.

    ثانياً: الخطأ، وكما قال عليه الصلاة والسلام كما في حديث الترمذي: {كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون} حتى أبو بكر رضي الله عنه قال في حديث الرؤيا: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! دعني أعبر هذه الرؤيا، فعبرها أبو بكر، فقال: والله يا رسول الله! لتخبرني أصبت أم أخطأت؟ قال له النبي صلى الله عليه وسلم: {يا أبا بكر أصبت بعضاً وأخطأت بعضاً } والحديث صحيح.

    إذاً الخطأ من شيمة الإنسان ومن طبعه، وإن كان قليلاً عند السابقين، فما بالك بأهل هذا الزمن، إنهم معدن الخطأ ومظنته، وليس عجيباً أن يخطئوا بل العجيب أن لا يخطئوا، إلا من عصم الله عز وجل، فنسأل الله أن يعصمنا من الخطأ والزلل، إنه على كل شيء قدير.

    وقد أخطأ عمر، ففي الأثر المشهور أنه وقف على المنبر وتكلم، فردت عليه امرأة، وهذا الأثر احتج به ابن تيمية رحمه الله تعالى، وصححه السيوطي، وغير واحد من أهل العلم، وليس مشكلاً أن يصح أولا يصح، فالمهم أن عمر قام على المنبر يتكلم في تحديد الصداق، والنهي عنه، فقامت امرأة فردت عليه فقال عمر: -يخاطب نفسه- [[أخطأ عمر وأصابت امرأة]] الحق يؤخذ ممن جاء به، والحق لا يعرف صغيراً ولا كبيراً، إذاً يجب أن ندرك أن الخطأ من شيمة الإنسان.

    ثالثاً: الذي يتعرض له الإنسان -أيضاً- هو: الانحراف، فقد يضل والعياذ بالله بعد الهدى، ولهذا استعاذ الرسول صلى الله عليه وسلم، من الحَوْر بعد الكَوْر، يعني الضلال بعد الهدى وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثاً [النحل:92] وكان عليه الصلاة والسلام يكثر أن يقول: {يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك} ونعرف أن ممن أسلموا مع الرسول صلى الله عليه وسلم وبايعوه، من ارتدوا عن دينهم، كـعبيد الله بن جحش، الذي ارتد وتنصر في الحبشة، ومات هناك نصرانياً، وكـالرَّجال بن عنفوة، الذي أسلم ثم ارتد في اليمامة، وكان من وزراء مسيلمة الكذاب، وقد جاء في الحديث: {أن ضرسه في النار أعظم من جبل أُحد } وهناك من ارتدوا ثم عادوا إلى الإسلام مرة أخرى، كما هو معروف.

    وضع الشخص في إطاره الطبيعي

    والمهم أن الانحراف وارد على الإنسان، خاصة مادام في حال الحياة، فأنت إذا اعتبرت الشخص منهجاً، قلت: لماذا قال كذا؟ ولماذا لم يتكلم بكذا؟ ولماذا فعل كذا؟ ولماذا بالغ في كذا؟ ولماذا نقص في كذا؟ ولماذا؟ ولماذا؟ لكنك لو وضعت هذا الشخص في وضعه الطبيعي، في وضعه الصحيح، من كونه واعظاً، أو فقيهاً، أو مفتياً، أو داعيةً، أو محللاً سياسياً، أو ما شئت، فلا تطالبه بأكثر من ذلك، اطلب منه الشيء الذي يحسنه، والذي يقدر عليه، والذي يجيده، ولا تطالبه بما لا يجيد، ولا تعتقد أنك تدعو إلى ما دعى إليه فلان، ففلان دعى إلى جانب، وأنت تحتاج إلى جوانب يكملها غيره.

    فلا تقصر نفسك على هذا الإنسان، لا تقرأ إلا له، ولا تسمع إلا منه، ولا تتلمذ إلا على يديه! لا! خذ الحق ممن جاء به، وَنوِّع من المشارب، وخذ من أهل العلم كلهم، ومن الدعاة كلهم، واسمع واقرأ كل حق، وعسى الله تعالى أن ينفعك بما تقرأ وبما تسمع، المهم لا تعد أن الشخص منهجاً بحال من الأحوال، فإنك حينئذٍ تضر نفسك، وتضر هذا الإنسان، بل يجب أن تضعه في وضعه الصحيح، فإذا كان هذا الشخص نافعاً، فقل: هذه حالة إيجابية، ففلان جزاه الله خيراً، واعظ جيد، ولكنه غير فقيه، إذا كان وعظه منضبطاً بالضوابط الشرعية.

    نقول: هذا الذي نريده، ونحتاجه، والقلوب اليوم قد قست، فهي كالحجارة أو أشد قسوة، فتحتاج هذا الإنسان، أن يرقق قلوب الناس، ولا نطالبه بأكثر مما يمكن، نقول: هذه حالة إيجابية، نثني عليها، ونؤيدها، ونـزكيها، ونطلب من الناس أن يستمعوا إليه في الوعظ، ولكن الفتيا تؤخذ من غيره.

    إذاً أنت إذا نظرت إلى هذا الإنسان على أنه حالة إيجابية وظاهرة طيبة، أثنيت على الخير، وانتقدت الأخطاء والملاحظات، والمنهج لا يؤخذ من هذا الإنسان، بل يؤخذ من الأمة بجملتها، فإن الأمة بجملتها تمثل المنهج، فالأمة معصومة، ولا يمكن أن تجتمع على ضلالة، كما جاء في الحديث وله شواهد، أن الأمة لا يمكن أن تجتمع أو تتفق على ضلالة، وهذا يغطي جانباً، وغيره يغطي جوانب أخرى، وإذا كان عند هذا خطأ فإن الآخرين يصححون هذا الخطأ.

    إذاً فالعصمة للمنهج، للقرآن، للرسول عليه الصلاة والسلام، والرسل معصومون فيما يبلغون عن ربهم عز وجل، أما الأشخاص البشر، فلا عصمة لهم، ولا ينبغي أن يؤخذ المنهج من شخص أبداً، ولا أن تعدَّ طريقة فلان منهجاً يتبع أبداً.

    وانظر في التاريخ تجد أن ابن الجوزي مثلاً، أين ستصنفه؟ هو بالدرجة الأولى واعظ، وخبير بشئون النفوس، وابن قدامة، لا بد أن تضعه في قائمة الفقهاء، ولكن حينما تنتقل إلى ابن الأثير، فتجد أنه مؤرخ، أما المزي فهو في الغالب محدث، لا يمنع أن هؤلاء لهم مشاركات في ألوان مختلفة من العلوم، كما ذكرت، فإن كل واحد منهم ما قصر نفسه على علم بعينه، لكنه اشتهر بعلم أكثر من غيره، وله مشاركات أخرى، وقد يوجد من جمع علوماً كثيرة، لكن لا يلزم من بروزه في علم، أن يبرز في كل علم، ولا يلزم من حديثه في مسألة أو أمر، أن يتحدث في كل أمر، وليس من شرط المعلم أو الداعية أن يكون معصوماً، وإلا لم يدعُ أحد بعد الرسول عليه الصلاة والسلام.

    وإننا يجب أن نفرق بين الشرع وبين العالم، وبين الفقيه أو الداعي، فالشرع رباني، نص من كتاب أو سنة، أما العالم والفقيه فهو إنسان بشر، بذل وسعه في معرفة الحق بالدليل.

    وهو مع هذا عرضة للخطأ، وله أجران إن أصاب، وأجر واحد إن أخطأ، وفتواه اجتهاد، وقوله اجتهاد، وكلامه اجتهاد، وتحليله اجتهاد، فإذا كان يتحدث في قضية شرعية ليس فيها نص، نقول: هذا اجتهاد، وقد يخالف غيره من أهل العلم، فما بالك إذا كان يتحدث في نصيحة اجتماعية! وفي حل مشكلة بين الزوجين، هل نستطيع أن نقول: إن هذا الأمر لا بد منه؟ فقد يجتهد برأي ينصح به، ويكون الحق خلافه، بل ما بالك إذا كان يتحدث في مسألة اقتصادية؟ ما بالك إذا كان يتحدث في هذه المسألة؟ من الممكن جداً أن يخطئ، وما بالك إذا كان يتكلم في قضية سياسية؟ يحللها أو يدرس أبعادها، أليس مظنة الخطأ؟! والمختصون في هذا الأمر يخطئون، فغيرهم من باب أولى، وهو لا يجوز أن يكون مترجماً عن الله والرسول عليه الصلاة والسلام، ولا متكلماً بلسان الشرع، ولا معبراً عن المنهج، وإنما هو يمثل نفسه، ويعبر عن رأيه الشخصي.

    ولذلك الكثيرون إذا وثقوا بشخص أصبحوا يتلقون كل ما يستمعون منه، مباشرة أو بواسطة، يتلقون بقدر كبير من التسليم، والانقياد، وعدم التأمل، وعدم الدراسة، وعدم التحري، وعدم التمحيص، وهذا خطأ؛ لأنه يختصر الأمة في أفراد، والأمة التي تختصر في أفراد، أمة إلى ضياع، وإلى بوار، وما دمر الأمة وقضى على إنجازاتها وامتيازاتها، إلا يوم لُخِّصَتْ في أفراد، سواء أكان ذلك في المجال العلمي، أم في المجال السياسي، أم في المجال الدعوي.

    ففي المجال العلمي نجد أن رجلاً، أو رجالاً، يصبح الناس لا يقبلون إلا كلام فلان، ليس فقط في المسائل الخاصة، فهذا طبيعي، لكن حتى في المسائل العادية، فلو أراد إنسان -مثلاً- أن يسأل عن كفارة اليمين، أو عن مسائل معروفة، ثابتة بنص من كتاب أو سنة، ربما لا يسأل عنها عالماً معروفاً في بلده، أو فقيهاً، أو مفتياً، حتى يسأل غيره، مما ترتب عليه مشقة كبيرة، وعبء عظيم على بعض العلماء، وبعض المفتين، وبعض المشهورين، الذين نذروا أنفسهم لله تعالى في هذا السبيل.

    وأما في المجال السياسي فالأمر معروف، فقد أصبحت الأمة راضية لنفسها بأن لا تفكر، ولا تنظر ولا تتأمل، ولا تدرس المصالح والمفاسد، ولا تستخدم عقلها، ولا سمعها لتسمع، ولا بصرها لتنظر، لأنه كما يتردد وينقل الجميع، أن الإنسان يستمتع برحلة ممتعة هادئة هانئة، وقد ترك الأمر لغيره، حتى دون أن يسأل أو يناقش، مع أن الله تعالى جعل الأمة كلها مسئولة، ولم يجعل المسئولية العلمية، ولا السياسية، ولا الدعوية، على شخص واحد، كذلك الحال بالنسبة للدعوة، فقد يجد بعض الناس، أو بعض الشباب شخصاً يعجب به! فيستمع إليه، ويتابعه، ويقرأ له، حتى ينطبع بشخصيته، ويعجب بآرائه كلها، فلا يصبح لديه قدرة على التمحيص، ولا على المراجعة، ولا على الرد، وهذا خطأ لأنه يختصر الأمة -كما ذكرت- في أفراده، والله تعالى يقول: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ [الشورى:38] وقال: وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران:159] مع أن الرسول عليه السلام مؤيد بالوحي من السماء، فالمشاورة فيها تعزيز للعقول، وتنمية للمواهب، وجعل الجميع يشعرون بأن الأمر لهم، وهو شأنهم وقضيتهم، وهذه لكم أنتم، وليست لي، وإذا وقع خطأ ستتحملونه جميعاً، لن يتحمله العَالِم وحده، ولا الحاكم وحده، ولا الداعية وحده، بل سوف يتحمله الجميع، ولهذا واجب أن يشارك الجميع بالرأي وبالمشورة وبالنقد البناء الهادف، وبالدعاء، وبكل وسيلة ممكنة.

    فإن أهل الشريعة علماء، أو دعاة، هم في الجملة أقدر من غيرهم على معرفة الصواب واتباعه في الجملة، لكن هذا لا يلزم منه صوابهم في كل مسألة، ولا يلزم أن يؤخذ قولهم في كل أمر، أو نظرهم على أنه صواب قطعي، بل هو اجتهاد، وهو محل نظر، ولذلك تجد أن اختياراتنا تتأثر أحياناً بطبائعنا، ببيئتنا، بنمط تفكيرنا، ولا تثريب علينا في ذلك، لأنه كما قال الله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286] فالنص الشرعي محفوظ إِنَّا نَحْنُ نـزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9] لكن عمل الإنسان في الاستنباط والاستدلال، وتطبيق النص على المحل واستخراجه، هذا العمل اجتهاد من الإنسان، يتأثر بطبيعته، ببيئته، بأسلوب تفكيره، ولا تثريب عليه، إذا بذل وسعه في ذلك قال تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286] وقال تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا [الطلاق:7].

    وإن من الخطورة بمكان أيها الأحبة.. أن تتمحور الصحوة الإسلامية، حول أشخاص، أو أن تتمحور الأمة كلها على أشخاص، سواء أكان ذلك على الصعيد السياسي، أم على الصعيد العلمي، أم على الصعيد الدعوى، وقد محضتكم النصيحة بهذا الكلام.

    وكم مرة اتبعتكم بنصيحتي     وقد يستفيد البغضة المتنصح

    ما ليس من المنهج

    العنوان االسادس: ما ليس من المنهج:

    قد يبدو جلياً أن المنهج هو الخطوط العريضة، ويعني القواعد الكلية والأساسية، التي تندرج تحتها كل تفصيلات، ولهذا ينبغي أن يكون المنهج محل اتفاق، أو على الأقل أن يكون المنهج ثابتاً بنص شرعي أو إجماع، وأحياناً قد يدخل بعض الدعاة المجتهدين في المنهج أشياء لا تثبت في الشرع، ولا يمكن أن نقول بشرعيتها، فضلاً عن أن نقول بوجوبها.

    فمثلاً: أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم، إذا تجردت عن الأمر، فمثلاً: الرسول عليه الصلاة والسلام إذا فعل شيئاً، ولم يأمر به، فهل هذا الفعل المجرد من الرسول صلى الله عليه وسلم يدل على الوجوب؟ أقول: لا يدل على الوجب، وقد يدل على الاستحباب، أو على الإباحة والجواز بحسب المقام، ونوع هذا الشيء، فقد يدل على الاستحباب، كما هو الحال في العبادات، وقد يدل على الجواز كما إذا كان فعلاً بعد الحظر، أو ما أشبه ذلك.

    المهم أن مجرد الفعل لا يدل على الوجوب، فكوني أعد أن الأفعال المجردة منهجاً يجب اتباعه، واقتفاءه حرفاً بحرف، بالترتيب نفسه، والتسلسل نفسه، والتاريخ نفسه، فإن هذا فيه نظر، فبعض الناس مثلاً يقول: المرحلة الأولى الدعوة السرية، ثم الدعوة العلنية، ثم العرض على القبائل، ويسميه بعض الإخوان وبعض الدعاة المجتهدين، يسمونه طلب النصرة، يعني: طلب النصرة للدين، من أقوام غير مؤمنين، ثم الهجرة، ثم الجهاد، ثم يرتبون أشياء كثيرة.

    نقول: شيء من ذلك قد حصل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، لكن لو فرضنا أن قريشاً آمنت بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأسلمت الأمر لله، لم يكن حينئذٍ هناك حاجة إلى العرض على القبائل، لأن هذه القبيلة أسلمت، وتعهدت بحماية الرسول عليه الصلاة والسلام.

    إذاً هذا الأمر أمر دعى إليه في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ظروف الدعوة ومتطلباتها وحاجاتها، فلا يمكن أن نقول: إنه نص يجب اتباعه، أو أنه مبدأ متسلسل في الدعوة؛ بل إن هذه الأشياء هي أفعال تدل إجمالاً على وجوب الدعوة، وعلى وجوب التبليغ إلى الأمم والقبائل كلها، أما اعتبار أن هذا التسلسل بهذا الترتيب، وأنه لا يجوز الإخلال به، ولا تقديم شيء على شيء، فهذا ليس بواجب، وليس بصحيح، ومن قال: إن هذا التسلسل نفسه تعبدي، بل إن كثيراً منه هو أمر اتفاقي، حتى خروج النبي صلى الله عليه وسلم في بدر، من المعروف أنهم لم يخرجوا للقتال، وإنما خرجوا للعير، وأراد الله تعالى أن يكون القتال وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ [الأنفال:7] فكانوا يتمنون أن يدركوا العير ولا يحصل قتال، ولكن الله تعالى أراد غير ذلك.

    إذاً لابد أن ندرك أن المنهج ينبغي أن يضبط بضوابط شرعية صحيحة، وأمور متفق عليها، أما اعتبار أن التسلسل التاريخي، حتى إن بعض الناس مثلاً يقول: نحن الآن في الفترة المكية، فلا نعمل شيئاً مما كان في الفترة المدنية، وهذا تجزئة للدين، وتبعيض له، وقول بوجود نسخ في الشرع، بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    الاسم لا يكفي

    العنوان السابع والأخير: الاسم لا يكفي:

    إن أعظم الأسماء هي الأسماء التي ذكرها الله تعالى في كتابه، الإسلام، والإيمان، هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ [الحج:78] وسمانا الله تعالى المؤمنين أيضاً: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعض [التوبة:71] ومع ذلك يوجد من يتسمى بالإسلام، وقد يوجد من يتسمى بالإيمان، ويكون عنده خلل عظيم، أو تقصير، بل قد يوجد من يدعي الإسلام وهو كافر، وهؤلاء المنافقون، كانوا موجودين بين ظهراني المؤمنين، وكانوا كفاراً، وهم في الدرك الأسفل من النار، وقد ادعوا الإسلام فلم تنفعهم الدعوى:

    والدعاوى ما لم يقيموا عليهـا           بينات أصحابها أدعياءُ

    وأدعى قوم الإيمان فأكذبهم الله تعالى: قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا [الحجرات:14].

    إذاً: قد يدعي الواحد منا أنه مؤمن، ومسلم، وداعية، وعالم، وكذا، وكذا، وعلى المنهج الصحيح، وعلى طريقة الأمة السابقة، وعلى طريقة السلف الصالح، وعلى طريقة العلماء، وعلى... وعلى...، والمهم في ذلك كله أن تكون هذه الأشياء يعززها الإنسان بالفعل، ويعززها بالتطبيق، ويعززها بالخلق وبالعلم، لأن هذا هو المعتبر، فإذا سمع الناس هذا الكلام، ووجدوا تطبيقا يقولوا: صدق.

    وإنَّ أحسن قول أنت قائله          قول يقال إذا أنشدته صَدق

    فأقول: إن أحسن دعوة أنت مدعيها، هي الدعوى التي إذا قلتها أشار الناس إليك بالأكف، وقالوا: صدقت صدقت، أما الدعوى المجردة، فلا تكفي، قال الله تعالى: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً * وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً [النساء:123-124] المهم أن المسألة ليست بالأماني، ولا بالتمني، ولا بالتحلى، كما قال الحسن البصري رحمه الله: [[ليس الإيمان بالتحلي، ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل]].

    إذاً العبرة بالسلوك وبالعمل، والاسم وحده لا يكفي، وقد قال الله تعالى: وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ [المائدة:18] وقال الله تعالى: وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ [البقرة:111] فهذه أحلام وتطلعات، ورغبات، لكن: قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [البقرة:111] فالبرهان هو العمل، والبرهان هو التطبيق.

    فعلينا أن نكون عمليين فيما ندعو إليه، فندعو الناس بأفعالنا، ونـزكي أنفسنا بالعبادة، وبالعلم، وبالعقيدة الصحيحة، وبالتقوى، ولا مانع بعد ذلك إذا لزم الأمر أن تزكيها بشيء من الكلام، ترى أن له حاجة.

    أسأل الله تعالى أن يغفر لنا أجمعين، وأن يستر علينا، وأن يوفقنا للعمل الصالح الذي يقربنا إليه، وأن يجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً، وتفرقنا بعده تفرقاً معصوماً.

    1.   

    الأسئلة

    لا تعارض بين الجهاد وطلب العلم

    السؤال يقول: هناك نوعان من الشباب في حينا، وهم من الشباب الملتزمين، شباب يدعو إلى طلب العلم، ويرفض الجهاد في هذه الفترة، وشباب يدعو إلى الجهاد، وهذان دائماً في نقاش حاد، وكل منهما يحمل في قلبه حقداً على الآخر فأفيدونا؟

    الجواب: الجهاد لا خلاف عليه، وطلب العلم -أيضاً- لا خلاف عليه، بل كلاهما من شرائع الدين المتفق على شرعيتها، وعلى وجوبها، أما الحقد فقد أجمع أهل العلم على أنه حرام، وأنه لا يجوز أن يحمل المسلم في قلبه حقداً، ولعل من العجيب أننا قد نختلف أحياناً بين أمرين، كلاهما فاضل، لكن أحدهما أفضل من الآخر، لكننا اتفقنا على أمر محرم بالإجماع، وهو أن الواحد يحمل في قلبه على الآخر شيئاً، كالبغضاء في القلوب، والتنافر والكراهية هذه محرمة بإجماع المسلمين، بل هي من أمراض القلوب، التي إذا دخلتها فتكت فيها، فعليهم أن يسعوا إلى إصلاح قلوبهم، ويتعبدوا الله تعالى بنـزاهة القلب، وألاَّ يحملوا في قلوبهم على مسلم حقداً، ولا ضغينةً، ولا كراهيةً، ولا بغضاء، وإذا اختلفوا فليتناقشوا بالحكمة والهدوء، والأسلوب الحسن، وإذا لم يصلوا إلى نتيجة، فلا مانع أن يراجعوا من يعتقدون أنه أفضل وأعلم منهم، وأبعد نظراً، وهم لابد واصلون إلى الحق، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت:69].

    الانتصار للمناهج الخاصة

    السؤال: حيث إنه تعددت المناهج والطرق في زماننا هذا، وكل واحد يدَّعي الصحة لمنهجه هو، ويخطئ الآخر، ويزعم أنهم مجانبون للصحة، مبتدعون في الدين، فهلاَّ توحد المنهج في تبليغ الدعوة كي يؤتي ثماره؟

    الجواب: هنا ذكرتني بقضية، وهي أننا انشغلنا وانهمكنا بنصرة المناهج الخاصة، عن نصرة الشريعة والدين، كلنا متفقون على وجود ألوان من المحرمات، والمنكرات، والكبائر، بل والبدع الغليظة العظيمة في بلاد الإٍسلام، وأحياناً تصل إلى حد والعياذ بالله مناقضة الدين، كلنا متفقون على ذلك، لكننا لم نشتغل بحرب هذه الأشياء، لماذا؟! لأننا مشغولون بحرب بعضنا بعضاً، وكل امرئ منا مشغول بالانتصار للمنهج الخاص، وطريقته الخاصة، وجماعته الخاصة، وفئته الخاصة، واجتهاداته الشخصية، وهذا من أعظم الخطأ، بل ينبغي أن يكون الانتصار لدين الله تعالى، وكتابه وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام.

    آخر أخبار البوسنة

    السؤال: ما آخر أخبار المسلمين في البوسنة؟

    الجواب: من آخر الأخبار أن الله تعالى كتب للإخوة المسلمين هناك نصراً عظيماً، في مناطق الشرق، وقد اتصل بي أحد الإخوة الذين ابتعثناهم إلى هناك، قبل أربعة أيام أو خمسة، وبشرني أن الكروات يركبون الشاحنات بالعشرات، بل بالمئات، هاربين من وجه الزحف الإسلامي، وأن فئات منهم يعبرون نهر أدرينا إلى الضواحي في الجانب الآخر من النهر.

    وهناك أيضاً بشارة أخرى، وهي أن الله تعالى، قد أوقع بين الكروات والصرب، أوقع بينهم بأساً شديداً، فبينهم الآن حروب طاحنة، ومعارك شرسة، ونسأل الله تعالى أن يزيد مابينهم، وأن يُدقَّ ما بينهم عطر منشم، وأن ينصر المسلمين نصراً مؤزراً، إنه على كل شيء قدير.

    الخاتمة:

    اللهم إنا نسألك أن تنصر الإسلام والمسلمين في كل مكان، اللهم انصر الإسلام والمسلمين في كل مكان، يا حي يا قيوم!!

    والحمد لله رب العالمين.