إسلام ويب

جلسة رمضانية في البدائعللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • عن رمضان والفوائد التربوية العظيمة التي يريدها الله تعالى من هذه الشعيرة، تحدث الشيخ في هذا الموضوع؛ مبيناً سرعة مرور الأيام وتقلبها ذاكراً بعض الواجبات المتحتم القيام بها في هذا الشهر، والأمور التي يقصر فيها كثير من الناس في شئونهم الشخصية والعائلية والتعبدية والاجتماعية في هذا الشهر المبارك.

    1.   

    سرعة مرور الأيام والليالي

    نحمد الله تعالى حمداً كثيرا طيباً مباركاً فيه، كما يحب ويرضى،فهو مستحق الحمد وأهله، وهو أهل التقوى وأهل المغفرة: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الحديد:3].

    أحبتي الكرام.. ربما لا يسمح وقت هذا الشهر الكريم بمزيدٍ من العناية بمثل هذه المجالس، ولكن حسبكم وأنتم تعكفون في مثل هذا المكان الطيب أن تسمعوا اسم الله جل جلاله، فتذكروه وتوقروه وتحمدوه وتكبروه، أو تسمعوا اسم نبيه محمد، فتصلوا وتسلموا عليه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، فيكتب لكم بذلك أجر، ويرفع لكم به قدر، ويحط عنكم به وزر.. نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الأبرار الأخيار الأطهار..

    أيها الأحبة: هذه جلسة رمضانية في هذه الليلة، ليلة الثالث من رمضان -ليلة الجمعة- في هذا المسجد في البدائع، وهذه الجلسة الرمضانية -أيها الأحبة- سوف أتحدث فيها على عجل وإيجاز مراعاة لظروفكم وأوقاتكم عن عدد من الدروس التي لا بد أن يخرج بها المسلم في رمضان، ثم أدع الفرصة إذا كان ثمة أسئلة يرى عرضها وطرحها للإجابة عليها.

    فأول ما يقف عنده الإنسان وهو يتسامع بخير شهر رمضان هو أن يتعجب من سرعة مرور الأيام والليالي وكرورها، فما أن يودع الإنسان شهراً حتى يستقبل آخر، ويطوي من ذلك أياماً ثم أسابيع ثم شهوراً، وإذا بالعام الثاني يأتي وكأنه لمحة بصر أو خطفة برق! فسبحان من يرث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين..!

    البرد يسلمك إلى حر، والحر يسلمك إلى برد، والعمل يسلمك إلى إجازة، والإجازة تسلمك إلى عمل، والشهر يسلمك إلى آخر، وهكذا أيام وليالٍ تمر وتكر، وإنما هي مراحل ينتقل الإنسان عبرها إلى قبره ومستقره إلى أن يأذن الله تعالى ببعث الناس من قبورهم: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين:6].

    حب الحياة يورد الموارد المهلكة

    أيها الأحبة: لو تأملنا لوجدنا أن حب الحياة أورد كثيرين الموارد المهلكة، فكم من إنسان تلجلجت كلمة الخير في فمه واحتجبت وتوقفت! بل ونطق وجهر بالباطل الذي يعلم هو في قرارة نفسه أنه باطل لا يرضي الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، وأنه سيسخط عليه أيضاً عباد الله الصالحين، ولكنه نطق وربما جهر به، لا لشيء إلا تشبثاً بهذه الحياة وحباً لها.

    وكم من إنسان فر من المعركة خوفاً من الموت، فقد تكون هذه المعركة معركة السلاح التي تتلاقى فيها السيوف ولها بريقٌ ولمعان، وتنـزف فيها الدماء، وتتطاير فيها الرءوس، فربما فر منها وهو يرجو الحياة والبقاء، ويخاف أن يأتيه حتفه فيها، أو قد يكون فر من المعركة الكبرى: معركة الإسلام مع خصومه وأعدائه شحاً بالحياة وبخلاً بها.

    وإنما شَحَّ وبَخل؛ لأنه لم يفقه معنى الحياة، ولم يفقه سر تغير الأيام والليالي وتبدلها وتحولها؛ وأن الإنسان كما لو كان في قطار يسير به سيراً وعلى ظهر هذا القطار الإنسان الغافل، والإنسان اليقظ، والنائم، والصاحي، والعاقل والمجنون وغيرهم.

    هوان الحياة الدنيا

    ولو تأمل الإنسان وتبصر لوجد أن حقيقة هذه الدنيا أقل من أن يتعب الإنسان وراءها أو يضحي بشيءٍ في سبيلها، فقد كانت الحياة هينةً، لا أقول فقط عند الذين يؤمنون بالله تعالى والدار الآخرة، ويرجون ما عند الله، فهؤلاء -نعم- هانت عليهم الحياة، فبذلوا في سبيل الله تعالى الحياة رخيصة، وكان الواحد منهم يخوض المعركة وروحه على راحته، يلقي بها في مهاوي الموت ولا يبالي..!

    يجود بالنفس إن ضن البخيل بها     والجود بالنفس أقصى غاية الجود

    بل كانت الحياة رخيصة حتى عند الذين عقلوا أمورهم عقلاً صحيحاً، فقد كان كثير من العقلاء -حتى في جاهليتهم قبل الإسلام وحتى في هذا الزمان- لا يفهمون من معنى الحياة إلا معنى العزة والكرامة والقوة، فإذا آلت الحياة إلى معاني الذل والمهانة؛ كان الموت عندهم خيراً منها، وكانوا يقولون: (موتٌ في عز خير من حياة في ذل) ويقول آخر:

    الموت لا يكون إلا مَرَّةْ     والموتُ خيرٌ من حياةٍ مُرَّة

    مواقف الناس تجاه سرعة الأيام والليالي

    وأنت تجد كثيراً من العوام والخواص إذا قيل: ما شاء الله! أُعلِنَ رمضان، قال: سبحان الله! ما أسرع الأيام والليالي! كأنه أمس!.. وهكذا في كل مناسبة يقولون هذا الكلام، لكن يظل هذا الكلام مجرد كلماتٍ تداعب شفاههم، ولا يتحول إلى عقيدة في قلوبهم، وإلى مُسيِّر لأعمالهم، وإلى ضابط وحاكم لتصرفاتهم؛ بحيث تجد الإنسان قد فقه معنى الحياة، فأصبحت الحياة عنده هي الجهاد في سبيل الله، وقليلٌ من الناس من يكونون كذلك.

    قيمة الأعمار بما أنجز فيها من الأعمال

    يا أخي الكريم:

    كم من إنسان لو حسبت عمره بميزان الأيام والليالي والساعات لوجدته قصيراً!

    فلان عاش ثلاثين أو أربعين سنة، ولكنها مليئة بجلائل الأعمال، وبالبطولات والتضحيات، مليئة بالجهاد، وبالعلم، مليئة بالعمل، وبالدعوة؛ ولهذا كانت هذه السنوات كبيرة في ميزان الله تعالى، عظيمةً عند العقلاء! وربما ظل هذا الإنسان حياً في ذاكرة التاريخ تتسامع به الأجيال، جيلاً بعد جيل، ورعيلاً بعد رعيل، مع أنه لم يعش من زمانه إلا سنين قصيرة.

    وكم من إنسان قد يكون من المعمَّرين وبحسبك أن تقرأ كتاب المعمرون والوصايا لـأبي حاتم السجستاني، فقد ذكر فيه أسماء المعمرين، ولو تصفحت هؤلاء المعمرين لم تجد منهم إنساناً يذكره التاريخ بالفضل إلا أقل القليل! أما الباقون فلا يعرفون إلا بأنهم طالت أعمارهم، كما يكتب في الجرائد أحياناً أن فلاناً مات عن مائة وثلاثين سنة أو مائة وأربعين سنة، وهذا بحد ذاته لا يحمد ولا يذم، إنما الذي يحمد ويذم هو العمل الذي ملأ به الإنسان هذه السنين، إن خيراً فخير وإن شراً فشر.

    فلا أدري -أيها الأحبة- متى يصحو الإنسان من تقلبات الأيام والليالي، وكرور الشهور بعد الشهور، ومرور الأعوام بعد الأعوام؛ حتى ينتبه إلى أن الحياة ليست هي الساعات فحسب، وإنما الحياة هي الأعمال التي تسجل لهذا الإنسان!

    والله يا إخوتي! إنها لحسرة وندامة للإنسان منا أن يموت ثم لا يسمع به أحد، ولا يعرفه أحد، ولا يثني عليه أحد، ويمحى اسمه من سجل الأحياء، ويمحى من سجل التاريخ؛ فلا يذكر بشيء.

    وأسوأ من ذلك أن يذكر بشر، أو يُدعَى عليه، أو يُسَبَّ، أو يذم بالحق، أما الذم بالباطل فلا يضير.

    فالسؤال الذي يطرح نفسه عليك الآن: إذا مت -وأنت ميت لا محالة- فما هو العمل الذي قدمته وسوف تذكر به؟ هل سيثنى عليك بخير؟ هل سيمدحك الأخيار شهود الله في أرضه؟ هل ستكون قد تركت وراءك علماً نافعاً: كتاباً، دروساً، محاضرات، أعمالاً، جهاداً، كلمة حق قلتها في مناسبة، طلاباً خرجتهم تذكر بهم ويدعى لك بسببهم وينفعون الناس، أولاداً صالحين تذكر بهم، أموالاً أنفقتها في سبيل الله؟! أم أنك سوف تموت ويطوى ذكرك وتخمل، ولا أحد يعرف عنك شيئاً؟!

    إذا مِتُّ كان الناس صنفين شامتٌ     وآخرُ مثنٍ بالذي كنتُ أصنعُ

    1.   

    متاعب الدنيا تهون إذا قيست بالآخرة

    إن الواحد منا -وهو يصوم- يتذكر وقد مسه ألم الجوع والعطش أن ما يلاقيه الإنسان من حرمان في هذه الحياة يهون جداً إذا قيس بأمر الدار الآخرة، فالذين ينظرون إلى الدنيا فحسب تخطئ حساباتهم كثيراً، تخطئ من وجوه عديدة، وإليك بعض الأمثلة:

    المترفون إنما هم في متاع قليل

    المنعمون في الدنيا إذا كانوا من أهل النار ماذا ينفعهم نعيمهم؟! ماذا تنفعهم لذة ساعة؟! ما تنفعهم القصور إذا صاروا إلى القبور؟! ماذا تنفعهم الأرصدة إذا ذهبوا إلى الدار الآخرة بلا رصيد؟! وماذا تنفعهم الأموال والأولاد والكراسي والمناصب؟! وماذا ينفعهم الجاه العريض في الدنيا إذا كانوا قد خرجوا من هذه الدنيا إلى الدار الآخرة، ولم يكونوا قدَّموا من الخير عملاً صالحاً؟! ولهذا قال الله عز وجل: لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ [آل عمران:196-197].

    متاع قليل! أين فرعون؟! أين هامان؟! أين قارون..؟! أين النمرود..؟! أين كسرى..؟! أين قيصر؟!

    ذهبوا ولم يبق منهم إلا أسماؤهم وأعمالهم وآثارهم يذمون بها ويشتمون ويلعنون بها إلى يوم يبعثون.

    بل حتى ملوك المسلمين وخلفاؤهم الذين توسعوا في ملاذ الدنيا، وبنوا القصور وعمروها وشيدوها، وجمعوا الأموال، وحشدوا الجنود، وفعلوا ما فعلوا.. أين هم؟! أين قصر الحمراء، ومن بناه؟! أين قصر بني أمية في دمشق؟! كلهم ذهبوا، ولم تبق إلا آثار درست، تقول للعقلاء: اعتبروا واتعظوا...!

    بالله! سل خلف بحر الصين عن عربٍ     بالأمس كانوا هنا واليوم قد تاهوا

    وإن تراءت لك الحمراء عن كثبٍ     فسائل الصرح: أين العز والجاه؟!

    وانـزل دمشق وسائل صخر مسجدها     عَمَّنْ بناه لعل الصرح ينعاهُ

    هذي معالمُ خرسٌ كل واحدة     منهن قامت خطيباً فاغراً فاه

    إني لأشعر إذ أغشى معالمهم     كأنني راهب يغشى مصلاه

    الله يعلم ما قلبتُ سيرتهم     يوماً وأخطأ دمع العين مجراه

    أين الرشيد وقد طاف الغمام به     فحين جاوز بغداد تحدَّاهُ

    ماضٍ تعيش على أنقاضه أمم     وتستمد القوى من وحي ذكراهُ

    ذهبت الآثار، ذهبت الأسماء، والقصور، ذهبت الأموال والجيوش والجنود، لم يكن هؤلاء الجنود يستطيعون أن يسعفوا حاكماً أو ملكا أو جباراً، ولا أن يحولوا بينه وبين قدر الله النافذ لا محالة...!

    فالحساب ليس حساباً دنيوياً بحتاً. ومن كان في الآخرة من الضالين الكافرين الفاسقين، فلا ينفعه أن يكون في هذه الدنيا من المنعمين، وفي صحيح مسلم يقول المصطفى عليه الصلاة والسلام: {يؤتى يوم القيامة بأنعم أهل الدنيا من أهل النار فيصبغ في العذاب صبغةً، ثم يقال له: يا ابن آدم! هل رأيت خيراً قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ما رأيت خيراً قط! ولا مر بي نعيم قط!} لحظة واحدة من عذاب الجبار جل وعلا تنسي الإنسان كل ما كان في هذه الدنيا قد أكل، وكل ما قد شرب، وكل ما ركب، وتنعم، وكل ألوان اللذائذ التي يتسابق فيها المتسابقون ويتنافس فيها المتنافسون، فهل يعي هذا الدرس من رمضان أقوامٌ قد رتعوا في النعيم إلى أذقانهم، وتخوضوا في مال الله تعالى بغير حق، وتسلطوا على عباد الله فاستضعفوهم واستغلوهم، وتجبروا وتكبروا وظلموا، ونسوا الواحد الأحد الذي يرث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين؟!

    إنما يربح المجاهدون

    خذ مثالاً آخر وهو عكس هذا: المطاردون في الدنيا وهم كثير، هل يضيرهم ذلك شيئاً إذا كانوا في الآخرة من أهل الجنة وممن حصل على رضوان الله تبارك وتعالى؛ فأسلمه ذلك إلى جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر؟! لا! لا يضيرهم، بل يودون يوم القيامة أن أجسادهم قرضت بالمقاريض، يتمنون أن العذاب الذي أصابهم كان أشد وأنكى وأصعب وأوجع؛ لأن الأجر الذي أعطاهم الله تعالى إياه نظير صبرهم ورضاهم بذلك في ذات الله تعالى جعلهم يستعذبون في سبيل الله تعالى كل مُرٍ، ويَستحْلُون من أجل الله تعالى كلَّ علقم، فواحدهم يقول:

    ربي لك الحمد لا أحصي الجميل إذا     نفذت يوماً شكاة القلب في كرب

    فلا تؤاخذ إذا زل اللسان فما     شيء سوى الحمد في الضراء يجمل بي

    لك الحياة كما ترضى بشاشتها     فيما تحب وإن باتت على غضب

    رضيت في حبك الأيام جائرة     فعلقم الدهر إن أرضاك كالعذب

    شكـراً لفضلك إذ حملت كاهلنا     مما وثقت بنا ما كان من نوب

    فكل ما يلقاه المؤمنون في سبيل الله تعالى من أذى وسخرية وتكذيب، من تسلط وسجن، وتشريد، من طرد وحرمان ومضايقة، كله عذب لذيذ!!

    يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة وابن عمر:{ بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ؛ فطوبى للغرباء!} الغرباء الذين يلقون من الناس السخرية والصد والتعذيب والتكذيب والسجن والإيذاء والاستغراب والإنكار، وألوان المضايقة، هؤلاء وعدهم المصطفى عليه السلام بطوبى، أي بالخير الكثير الطيب في الدنيا فهم يجدون في الدنيا، نعيماً في قلوبهم، ويتقلبون -ولو كانوا يتقلبون على جمر الغضا- على فرش الحرير والديباج في حقيقة الأمر؛ لأن قلوبهم تعيش في سعادة.

    ومن مقدميهم وزعمائهم الكبار الإمام ابن تيمية رحمه الله، الذي كان ينتقل من سجن إلى سجن ومن بلاء إلى بلاء، وطالما أوذي وضرب، حتى ضايقه الناس مرة في مصر في الشوارع وكادوا يضربونه، وسجن مرات في مصر، وسجن في الشام، بل مات وهو في السجن!! ماذا كان يقول؟ ما قال: سئمت من هذه الحياة التي لا أمل فيها في انتصار، ولا أمل فيها بفرج، لا! قال لما أقبل على السجن: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ [الحديد:13] فالداخل إلى السجن في نظرهم أنه يدخل إلى الضيق والظلمة والحبس، هذا في نظر الناس عذاب، ولهذا قال باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب.

    أما باطن السجن بالنسبة للشيخ وأمثاله فهو رحمة، فيه الأنس بذكر الله، والقرب من الله، والتفرغ لذكر الله وقراءة القرآن وطلب العلم النافع، وقال رحمه الله كلمته المشهورة: "ما يصنع أعدائي بي؟! أنا جنتي وبستاني في صدري! حيثما ذهبت فهي معي لا تفارقني، سجني خلوة، وإخراجي من بلدي سياحة، وقتلي في سبيل الله تعالى شهادة" إذاً، المقياس ليس دنيوياً محضاً وليس مادياً بحتاً، بل المشردون المطرودون لا يضيرهم ذلك إذا كانوا من أولياء الله ومن أهل الجنة.

    تكدر نعيم الدنيا لغير المؤمنين وصفاؤه للمؤمنين

    مثال ثالث: نعيم الدنيا لغير المؤمنين هل تعتقد أنه صفا لهم؟! هل تعتقد أن هذا الذي يتقلب على ألوان النعيم في الدنيا وهو غير مؤمن.. هل تظن أن نعيم الدنيا صفا له؟! لا! إن أشباح الموت تطارده، ولهذا فهو كل فترة يذهب إلى كشف طبي من ألوان الكشوف، ومع ذلك مخاوف الموت تطارده، فإذا أحس بصداع في رأسه؛ قال: ها! ربما يكون هذا سرطاناً في المخ! وإذا أحس بأشياء في جسده؛ قال: قد يكون هذا مرض الإيدز! لأنه يعرف حقيقة حساباته، ويعرف ماذا يصنع، ويعرف أنه قد تعرض لسخط الله، وقد ارتكب ألوان الموبقات والجرائم.

    فتجد أن شبح الموت يطاردهم وينغص عليهم عيشتهم، كما قال بعض السلف: [[فضح الموت الدنيا، فلم يُبْقِ لذي عقل فيها نظراً]] فهو سر سلّطه الله تعالى على العباد عامة وعلى المترفين والمتكبرين خاصة، فهو يتسلل إليهم بهدوء حتى وهم في أقصى قصورهم، وفي خواص غرفهم، ودون أن يطلب إذناً من الحجاب ولا من الجنود، ودون أن يملك أحد إزاءه رداً ولا حجباً ولا تأخيراً ولا صرفاً ولا عدلاً، فيتسلل ويقطف أرواحهم، ثم يغادرهم وقد تركهم جثثاً هامدة لا حراك بها، كما ترك الفرعون من قبل، يقول الله تعالى: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً [يونس:92].

    إذاً حتى نعيم الدنيا لا يصفو لغير المؤمنين، أما المؤمن فمهما يكن مقتصراً في هذه الدنيا فهو يشعر بلذة في الدنيا عاجلة فضلاً عن لذة الآخرة، ولهذا كان بعض الصالحين يقول: "إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة" وهذا يشمل جنة التعبد، جنة الإقبال على الله تعالى والأنس بذكره، لكن أيضاً من ضمن ذلك أنه حتى نعيم الدنيا من الأكل والشرب، ونعيم السكن الطيب، ونعيم الزوجة لا يتمتع به على حقيقته إلا الخيرون، ولهذا والله! ذهب الأخيار بخير الدنيا والآخرة! لماذا؟ لأن الموت لا يشكل بالنسبة لهم قضية خطيرة! لماذا؟

    لأن الواحد منهم يجعل الموت نصب عينه، فيستعد له، هذا من جانب.

    ومن جانب آخر؛ فإن الواحد منهم يقول: الحمد لله! أنا -إن شاء الله- معي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأنا محافظ على الصلوات الخمس، وأنا -إن شاء الله- إن ذهبت إلى الدار الآخرة، فإنني أقدم على ربٍ رحيم كريم أرجو رحمته وأخشى عذابه، فيكون في قلبه اطمئنان، لا يكون الموت بالنسبة له شبحاً رهيباً مرعباً، وإن كان الإنسان من طبيعته أنه يكره الموت، كما في الصحيح من حديث عائشة وأبي هريرة: فكلنا يكره الموت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: {ليس ذلك، ولكن المؤمن إذا بشر برحمة الله فرح بذلك، فأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، أما الكافر فإنه يبشر بسخط الله، فيكره لقاء الله ويكره الله تعالى لقاءه} فحتى إن أردت بالمقياس الدنيوي فنعيم الدنيا لا يصفو لأهل الدنيا أبداً؛ إنما يصفو للصالحين البررة الأخيار الأطهار.

    الدنيا ليست مقياساً للحق أو الباطل

    الدنيا ليست هي الفارق أو المقياس للحق والباطل: فأنت تجد مثلاً أن من الأنبياء من قتل، ومنهم من ضرب، ومنهم من أوذي، ومنهم من شرد، ومنهم من طرد.. منهم من قتل كيحيى وزكريا، ومنهم من أوذي كما أوذي موسى في سمعته، وسبُّوه في خلقته، واتهموه بما هو منه براء، ومنهم من سجن كما سجن يوسف عليه الصلاة والسلام، وخرج عليه السلام من السجن ليكون على خزائن الأرض: قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف:55].

    والرسول صلى الله عليه وسلم أخرج من بلده، وأوذي وعُيِّر وسب، وكسرت رباعيته وشُجّ وجهه، وألقي السلى على ظهره صلى الله عليه وسلم.. ثم كانت العاقبة لهم.

    فالدنيا ليست مقياساً للحق والباطل، فكون النصارى أرباب الصليب من الأمريكان والفرنسيين والبريطانيين والشرقيين أيضاً.. كونهم الآن يملكون نفوذاً، ويملكون سلاحاً ويملكون قوة, ويملكون بطشاً، لا يعني هذا أن الحق معهم، وكون المسلمين الآن -خاصة المسلمين الصادقين- مستضعفين حتى في بلادهم، ربما كلمة الحق يبخل بها عليهم، ولا يملكون من القوة ما يملك عدوهم، ولا يملكون من وسائل الإعلام ما يملك عدوهم لا يعني هذا أن الحق أصبح باطلاً أو أن الباطل أصبح حقاً، لا! ليس هذا هو المقياس في فترة محدودة من الزمان، بل فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ [الروم:60].

    وكما يقول الله تعالى في قراءة: قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ [آل عمران:146] قتل أتباعه.

    والقراءة الأخرى: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ [آل عمران:146-148].

    إذاً، من الخطأ أن تعتقد أن مقياس الحق هو القوة، لا! قد تكون القوة مع الباطل، قد تكون القوة مع اليهود كما هو الحاصل الآن، قد تكون القوة مع الكفار، قد تكون القوة مع المنافقين، ولكن: مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ [آل عمران:197].

    وحتى في الدنيا نفسها فإن الله تعالى وعد -ووعده حقٌ- أن جنده هم الغالبون، ولكن أين جنده المخلصون الذين تخلصوا من شهوات الدنيا، وتخلصوا من الشح، وتخلصوا من رغبات أنفسهم، وتخلصوا من مطامعهم، فخلصت قلوبهم لله عز وجل؟! هؤلاء هم المنصورون بنص القرآن: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ [الصافات:171-173].

    التربية على الزهد في الدنيا

    عندما كانت الدنيا ليست هي المقياس تعبد الله تعالى جنده وأولياءه بألوان من الإعراض عن الحياة الدنيا كالصيام مثلاً، حيث يمسك الإنسان عن الصيام طيلة النهار، وهو لا يقبض مقابل ذلك في الدنيا شيئا البتة، وقد تكون الظروف في كثير من الأحيان تتيح للإنسان ألا يصوم -لو أراد ألا يصوم- دون أن يلقى على ذلك جزاء في الدنيا أيضا، ولكنه يترك الطعام والشراب وهو في متناول يده ابتغاء ما عند الله تعالى، لأنه يؤمن بأنه توجد دار آخره ينبغي أن يستعد لها، كما يستعد ليومه وغده.

    ومثله الإحرام سواء بسواء! فإن المحرم يمتنع مثلاً عن ألوان من الزينة كالتطيب وإزالة الشعر وقص الأظافر ولبس المخيط، وغير ذلك من ألوان الترفّه التي يمتنع عنها المحرم، ومن ذلك أيضاً النكاح: عقد النكاح، والجماع ومقدماته، يمتنع عن ذلك كله؛ لأنه يؤمن أن هناك داراً آخرة تتطلب أن يستعد لها الإنسان كما يستعد ليومه ولغده في هذه الدنيا سواء بسواء.

    ومثله أيضاً الزهد وهو أمر تعبد الله تعالى به عباده أن يزهدوا في فضول المباحات التي لا يحتاجون إليها في الدنيا ولا تنفعهم في الدار الآخرة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم سيد الزهاد يقول: {مالي وللدنيا؟! ما أنا والدنيا إلا كراكب استظل تحت ظل شجرة ثم قام وتركها!}.

    فهذا درس آخر وفائدة ينتفع بها المؤمن: إن الدنيا ليست هي المقياس في كل أمر، بل المقياس هو الآخرة: وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [العنكبوت:64] والكلام في هذا الموضوع يطول لكن المقصود الإشارة فحسب، وإلا فيكفيك أن تعلم أن الآخرة سرمد لا نهاية لها، وأن الدنيا مداها الزوال والفناء، وهب أن الإنسان عاش ما عاش كما قال الشاعر:

    إذا كان الشتاء فأدفئوني     فإن الشيخ يهرمه الشتاء

    إذا بلغ الفتى ستين عاماً     فقد ذهب المسرة والهناء

    هب أنك عشت مائتي عام، فكان ماذا؟

    موسى عليه الصلاة والسلام جاءه ملك الموت عند الموت فلطمه، فرجع ملك الموت إلى ربه، فقال: يا رب بعثتني إلى عبدٍ من عبادك لا يريد الموت، فرد الله تعالى إليه عينه، وقال له: اذهب إلى موسى فقل له: ضع يدك على متن ثور، فإن لك بكل ما غطت يدك: بكل شعرة سنة، فذهب ملك الموت إلى موسى وقال له ذلك، فقال: ثم ماذا؟ قال: ثم الموت، قال: فالآن، فما دام أنه لا بد من الموت فالآن، ثم دعا الله تعالى أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر والحديث في صحيح البخاري.

    وإذا لم يكن من الموت بُدٌّ     فمن العارِ أن تكون جباناً

    الشجاع يموت بأجله، والجبان يأتيه حتفه ولو كان في أقصى غرفة من بيته، فلا الشجاعة تقلل الأجل، ولا الجبن يؤخره، ولا كون الإنسان يضحي في سبيل الله تعالى ويبذل ما يبذل؛ لا يقرب من أجل ولا يباعد من رزق.

    1.   

    الانتصارات في رمضان

    كثيراً ما نسمع ونقول: رمضان شهر الانتصارات، فإذا أردنا أن نعدد الانتصارات هذه قلنا: معركة بدر، وفتح مكة، وعين جالوت، وكذا وكذا، لكن أين انتصارات رمضان في هذه السنوات؟! أين انتصارات رمضان في هذه الأزمنة المتأخرة؟! هل عقمنا فأصبحنا مثل التاجر الذي أفلس فأصبح يفتش في دفاتره القديمة؟! ليس عندنا أمجاد نتكلم عنها الآن، وليس عندنا انتصارات في هذا الوقت، أين انتصاراتنا في رمضان في هذا العام؟! قد يتحدث بعضنا عن انتصار العرب على إسرائيل والذي كان في رمضان، وهذا قد يعتبر لوناً من ألوان النصر، الله تعالى أعلم به على كل حال.

    لكنني أقول: نعم، أما على مستوى انتصارات الأمة فلعل من الحق أن نتصارح ونقول: الأمة لا تنتقل في حقيقة الأمر الآن إلى انتصارات على عدوها؛ لأنها لم تخض المعركة مع عدوها بعد.

    الأمة الآن دون مستوى أن تخوض المعركة، فضلاً عن أن نقول: إنها انتصرت، أقول هذا كأمة عدوها الأكبر هم اليهود والنصارى؛ العدو التاريخي المتقرر شأنه في القرآن والسنة والذي كان عبر التاريخ ينازلنا ويصاولنا ويجاولنا.

    الصيام انتصار للحق وللتقوى

    لكن هذا لا يمنع أن نتحدث عن ألوان دون ذلك من الانتصار، مثلاً: في حقيقة الأمر أن صيام رمضان انتصارٌ كبير يسجل في كل بلد، بل في كل بيت، بل في كل نفس تصوم لله تعالى؛ لأن رمضان انتصارٌ للحق في نفسك، وانتصار للتقوى في قلبك، فأنت تطيع الله تعالى فتمسك عن أمرٍ؛ فدواعي الشهوة تقول لك: هلم إليَّ، فتقول: معاذ الله! إنه ربي أحسن مثواي، فتقلع عن الطعام والشراب والشهوة التي منعك الله تعالى منها في نهار رمضان، وهذا انتصار.

    الانتصار على الشياطين

    ثمة انتصار آخر، وهو انتصار العبد على الشيطان، فإن الشياطين يسلسلون في رمضان فلا يخلصون إلى ما كانوا يخلصون فيه في غير رمضان، ولذلك تجد أن كثيراً من أصحاب المعاصي يقبلون على الله ويقلعون عما كانوا عليه، وهذا أيضاًانتصار آخر.

    الانتصار على النفس

    هناك انتصار ثالث، وهو الانتصار على شهوات الدنيا وملذاتها وعلى أهواء النفس، وهذا مؤذنٌ بالنصر الكبير؛ فإن الإنسان الذي استطاع النصر على نفسه فيمتنع عما تحب وتهوى طاعة لله تعالى؛ يرشحه ذلك أن ينتصر على عدوه في المعركة الكبرى؛ معركة الإسلام مع خصومة.

    التغريب والتخريب

    هناك أيضاً انتصار من نوع آخر، وهو أن شهر رمضان انتصار على محاولات التخريب والتغريب التي تغزو العالم، وتحاول طمس معالم الدين.. نعم! رمضان انتصارٌ على محاولات التغريب والتخريب، فمثلاً: الأعداء يحاولون أن يغيروا المجتمع الإسلامي والمجتمع العربي، ويطمسوا الهوية الإسلامية في بلاد المسلمين، ويحاولون أن تتحول بلاد الإسلام إلى صورة من النمط الغربي، وقد قطعوا في ذلك شوطاً كبيراً خاصة وأجهزة الإعلام بأيديهم، لا أقول العالم الإسلامي فقط، بل العالم كله.

    وقد أخبرني اليوم بعض الإخوة أنه قد رأى القناة التلفزيونية التي تبث من روسيا وتغطي روسيا ويستقبلها الناس بالأقمار الصناعية والأقراص حتى في هذه البلاد مع الأسف، وقد وضعت الأقمار في أكثر من موضع منها بعض المواقع الحساسة كالمستشفيات وتستقبل المحطة الروسية، فماذا في المحطة الروسية؟

    في المحطة الروسية بضاعة غربية لكن بلهجة روسية، البضاعة أمريكية، لكن اللغة روسية، وأما المستقبلون هنا فهم من المسلمين، وهناك من الروس في بلادهم وهم المستهدفون أصلاً، ماذا يقدم الأمريكان والغرب للروس؟

    يعلِّمونهم كيف يعملون في المطبخ، ماذا تصنع المرأة في المطبخ ويعلمونهم ماذا تصنع المرأة في المرقص، ويعلمونهم ماذا يصنعون في مناسبات الولائم والعزائم والأفراح والزواجات والتجمعات، ويعلمونهم كيف يصنعون طعامهم وشرابهم، ويشرحون لهم تفاصيل الحياة ودقائقها، ويبينون لهم كيفية قص الشعر، ويوضحون لهم كيفية صناعة الزي أو الثوب الذي يلبسونه..! لماذا؟ لأنهم مصممون على تحويل المجتمع الروسي الذي هو تركة الاتحاد السوفيتي مصممون على تحويله تماماً إلى مجتمع غربي يحاكي المجتمع الأمريكي أو البريطاني أو الفرنسي.

    فهم من خلال هذا الغزو الإعلامي الكاسح يحولون المجتمع إلى مجتمع غربي، والعالم الإسلامي مستهدف منذ زمن بعيد من خلال البث التليفزيوني؛ من خلال الصحف والمجلات، من خلال الغزو البشري المباشر، آلاف بل مئات الآلاف من الجنود المجندين والمجندات؛ ليسوا بالضرورة الذين يلبسون الألبسة العسكرية، بل قد يكونون خبراء وقد ويكونون موظفين، وقد يكونون تجاراً وقد يكونون مبشرين علانية ودعاة إلى النصرانية وإلى التنصير وإلى التخريب والتغريب، هذه الجموع الغفيرة وهذه الوسائل الضخمة تستهدف أن تزيل آثار الإسلام في المجتمعات.

    وقد رأينا هذا واضحاً جداً، فرأينا أن المسلمين في بلاد الإسلام قد أصبح الزي الرسمي للفتاة الذي تذهب به للمدرسة ثوباً إلى ما فوق الركبة، ورأينا أن الفتاة المسلمة لا أقول اليهودية أو النصرانية، لا! بل المسلمة رأينا أنها تمشي بثياب لا تستر إلا نصف فخذها، وقد ظهر شعرها ووجهها ونحرها وذراعاها وعضداها، وجزء من صدرها وساقاها، وجزء من فخذيها! وهي تمشي بثياب ضيقة هكذا في الشارع، أو في المدرسة، أو في المطعم، أو في أي مكان، فضلاً عن المرقص أو مكان السينما أو الملهى.

    فإذا سَمِعَت المنادي للصلاة ينادي ذهبت إلى المسجد، فوجدت في المسجد ثياباً مخصصة، تلففت بها ثم صلت، فإذا انتهت من الصلاة خلعت هذا الثوب، ورجعت إلى ما كانت عليه في عملها السابق.

    إذاً هنا أفلح العدو في تغريب المجتمع، وهو يحاول في هذا المجتمع بالذات؛ لأنه لا يزال يتشبث ببعض أخلاقيات الإسلام وقيمه وسلوكياته، فالغرب يركز على هذا المجتمع بالذات، لمحاولة تغريبه وتغييره، ولكنه لن يفلح بإذن الله تعالى ولن يصل إلى ما يريد، فإذا جاء رمضان تغير كثير مما كانوا يصنعون، تغيرت أخلاقيات الناس، تغيرت عاداتهم، تغيرت اتصالاتهم، أقبلوا على الذكر وعلى المساجد حتى في البلاد التي تأثروا فيها، كبلاد تركيا مثلاً أو ماليزيا، أو أندونيسيا، أو بلاد المغرب أو غيرها من البلاد تغير الناس كثيراً وأقبلوا على المساجد وعلى الذكر، وأصبحت الخمور لا تدار علانية، وأصبح الناس لا يمشون في الشوارع كما كانوا بالأمس، إلا وعليهم آثار التدين.

    فرمضان من الشعائر والمعالم التي لا تزال تصارع جهود أعداء الإسلام وتقاومها، يشبهها في ذلك الأذان باعتباره شعيرة من الشعائر الظاهرة، فبعض البلاد إذا دخلتها لا تجد آثار الإسلام فيها إلا في المآذن، فإذا جاء وقت الصلاة سمعت ضجيج المآذن، فعرفت أن هذا بلد إسلامي! أما فيما سوى ذلك فلا تكاد تميزه عن غيره من البلاد بشيء، فرمضان انتصار على محاولات التغريب والتخريب.

    انتزاع الشباب من الفساد إلى المسجد

    كما أنه انتصار كذلك في أنه ينتزع وينتشل في كل عام من وهدة الفساد والانحلال أعداداً من شباب المسلمين وفتياتهم؛ فينقلهم إلى المساجد، وإلى حلق الذكر، وإلى دروس العلم؛ فيكونون من الصالحين الأوابين الأواهين المستقيمين.

    انتصار على محاولات التفريق

    كما أن رمضان أيضاً انتصار على محاولات تمزيق وحدة الأمة وتفريق صفها، ولذلك نجد أن الناس يجتمعون في رمضان، فتتآلف قلوبهم في المساجد، يجتمعون على ذكر الله، وصلاة التراويح، والقيام، والإفطار، والسحور، فيكون في ذلك جمع لقلوبهم وحشدٌ لقواهم، فكأن كل يوم من رمضان يوم جمعة؛ يجتمع فيه المسلمون يسمعون ذكر الله ويسبحونه وتأتلف قلوبهم.

    ولذلك نجد أن المسلمين المضطهدين والمضيق عليهم في أكثر من بلد يفرحون برمضان، إذا كانوا لا يجتمعون في سائر السنة إلا مرة في الأسبوع وهو يوم الجمعة، أما في رمضان فإنه يتاح لهم أن يجتمعوا فيه كل ليلة ويتدارسوا أمورهم، ويتفقوا على ما يرون الاتفاق عليه، ولعل المسلمين في هذا العام المستضعفين والمضطهدين في الجزائر يجدون في شهر رمضان متنفساً لهم.

    ارتفاع المعنويات وتحقيق الولاء والارتباط بالعلماء

    كما أن رمضان يمنح المسلمين من ارتفاع المعنويات وقوة النفوس وعمق تحقيق الولاء للدين وأهله ما لم يكن لهم عهد به في غير رمضان، مثلاً: إقبال الناس على معرفة أمور دينهم، على الاستفتاء ومعرفة الأحكام الشرعية يتضاعف في رمضان عما كان عليه من قبل، وهذا لون من ألوان ربط الناس بعلمائهم، ليعرفوا منهم أحكام دينهم ويعيدوهم إلى صوابهم وهو بالتالي جزءٌ من تحقيق الولاء لهذا الدين وأهله ونـزع الولاء عن الكافرين واليهود والنصارى والعلمانيين والمنافقين وغيرهم.

    مثال آخر: الدعم المادي؛ فإن الناس تقبل نفوسهم على الصدقة والإنفاق في رمضان في أعمال الخير ومجالاته للفقراء والمساكين والمجتاجين في كل مكان ما لا يكون في غيره، ولعل أولى من يعطى في هذا الشهر المسلمون المحتاجون في أنحاء العالم، فإن المسلمين اليوم أحوج ما يكونون إلى القرش الذي تبذله أنت، ومجالات الإنفاق كثيرة، لكن هذا أحدها.

    مثال ثانٍ: مجالس الوعظ فإنها تكثر في رمضان، وتمتلئ بها المساجد، ويكثر إقبال الناس عليها، وما ذلك إلا لون من دعوة الناس إلى تجديد الولاء لهذا الدين وأهله وحملته والالتفاف حولهم والإقبال عليهم.

    الحضور الكثير في المساجد في صلاة التراويح والقيام، ولعل رأس ذلك ما يشاهده كثيرون من التواجد في الحرم المكي، فإنك ترى ألواناً وأصنافاً من الناس من مشرق الأرض إلى مغربها، ومن البلاد التي يضيق فيها على المسلمين نجد أن لها أعداداً كبيرة تأوي إلى هذا الحرم الذي جعله الله تعالى حرماً آمناً، فالمسلمون من أقاصي بلاد الدنيا يأتون إلى هنا فيجدون الأمن، ويجدون الأمان، ويجدون المحبة، وما مجيئهم هنا لمال، ولا لجاه، ولا لدنيا، وإنما جعل الله تعالى قلوبهم تهفو لهذا البيت.

    وكون قلوبهم مرتبطة بهذا البيت فهم يعرفون أن تقديسه ليس لأنه أحجار، فقد كان عمر يقبل الحجر الأسود نفسه ويقول: [[إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك]].

    إذاً، فمجيء المسلمين من أنحاء الأرض وأصقاعها وأطرافها إلى هذا المكان الطاهر إنما هو إعلان العاطفة والولاء لهذا الدين وإعلان الحب لأهله، وإعلان أن هذه القلوب تلتف وتصطف حول من يرفع شعار "لا إله إلا الله محمد رسول الله" وحول من ينادي بكلمة التوحيد، وحول من ينادي بنصرة المسلمين في كل مكان.

    ولهذا كان حقاً علينا -ونحن أهل بيت الله وأهل حرم الله- أن نغيث الملهوف في كل مكان، وكان حقاً علينا أن نرفع راية النصرة لكل مسلم مستضعف في مشرق الأرض ومغربها، وكان حقاً علينا أن ننصر تلك المرأة التي صوتت في عمورية تقول: (وامعتصماه) ولكن أقول: واأسفاه:-

    رُبَّ وامعتصماه انطلقت     ملء أفواه الصبايا اليُتَّم

    لامست أسماعهم لكنها     لم تلامس نخوة المعتصم

    تكسرت تلك الأصوات، وخفتت تلك النداءات، وبحت حلوقهم وهم يصرخون ويصرخون وينادون، منهم من هدمت عليهم المساجد، ومنهم من يموت جوعاً، ومنهم من حيل بينه وبين بيوت الله، ومنهم من يجبرون على الكفر علانية، ويدرسون في مدارسهم ما لا يرضي الله، ومنهم... ومنهم... صاحوا ثم صاحوا ثم صاحوا، وأخيراً خفتت أصواتهم، وكثيرٌ منهم دُسُّوا تحت التراب لا أحد يلتفت لهم ولا أحد يكترث لما يصيبهم!

    أين منظمات حقوق الإنسان؟! أين الأمم المتحدة؟! أين المنظمات الدولية التي تعلن أنها بذلت جهوداً كبيرة من أجل وقاية اثنين أو أربعة من البيض؟! وهم يتحدثون علانية أن كثيراً من مخيمات اللاجئين المسلمين من الصوماليين وغيرهم في إفريقيا وفي غيرها من بلاد الدنيا أنهم يعيشون أوضاعاً مأساوية للغاية، وأنهم يقفون -كما سمعت بأذني في إذاعات غربية- طوابير تمتد إلى اثنتي عشرة ساعة من أجل الحصول على الماء فقط! وأي ماءٍ يحصلون عليه؟! ماء ملوث في كثير من الأحيان! وما مقداره؟ لا يكاد يغطي ولا ربع احتياج الإنسان العادي من الماء يومياً! هذا يقع كله على مرأى ومسمع من العالم.

    العالم الذي يقول إنه عالم متحضر، إنه عالم يهتم بحقوق الإنسان ويُعْنَى بالشرعية الدولية، ولا أدري أي شرعية دولية هذه التي ترضى أن تنتهك حقوق الإنسان بمجرد أنه مسلم، ولا أدري أية شرعية هذه التي لم تعد تحرص على إخفاء سوءتها وستر عيوبها؟! لأنها عرفت أننا نحن المسلمين آخر من يعلم، وأننا لا نثأر لإخواننا المسلمين في أي بلدٍ، فقد أفلح الاستعمار في تمزيقنا من خلال هذه الحدود والسدود، وأفلح في شغلنا، بل أفلح أن تتحول أسلحتنا إلى صدور إخواننا في أكثر من مكان.

    فأقول: رمضان فرصة لأن يرفع معنوية المسلم ويربطه بأخيه المسلم، وأن يذكره بآلام المصابين والمستضعفين والمنكوبين في كل مكان.

    1.   

    أهمية صلاح المجتمع

    الأهمية الكبرى لصلاح المجتمع، هناك فرق بين المجتمع الصائم والمجتمع المفطر، ألم ترَ أنك حين تريد أن تصوم يوماً نافلة تجد التعب! لأنك تذهب إلى المدرسة فتجد الناس مفطرين، وتذهب إلى السوق فتجد الناس مفطرين، وتأتي إلى المنـزل فتجد الناس مفطرين، وتذهب للمسجد فتجد الناس مفطرين، فتحس بأنك الوحيد، فيجد الإنسان ثقلاً في صوم النافلة، فمن يصم نفلاً يجد صعوبة فيه.

    لكن إذا صام فريضة وجد أن أضعف الناس إيماناً يصوم؛ ويقول: الحمد لله لا أجد أي تعب؛ لأن المجتمع كله صائم؛ فهو إن ذهب إلى العمل وجدهم صائمين، أو ذهب للبيت وجدهم صائمين، في المسجد وجدهم صائمين، في السوق وجدهم صائمين، إلى أصدقائه وجدهم صائمين، كل المجتمع يصوم؛ ولهذا لا يجد الناس مشقةً في الصيام، وهذا أمر يشاهده كل إنسان، وهو أمر محسوس تماماً.

    إذاً، هذا يكشف لك عن أثر المجتمع في صلاح الفرد وإعانته على القيام بالواجبات، ولذلك يجد المسلمون الذين يصومون -مثلاً- في بلاد الغربة صعوبة؛ لأن المجتمع لا يراعيهم، فالمجتمع غير صائم، وهو لا يراعيهم في برامجه، في أوقات الدراسة، في أوقات العمل، في أي شيء، فيجدون في ذلك مشقة وصعوبة لا يجدها المسلم الذي يصوم في مجتمع صائم.

    وهذا يصدق على كل القضايا السلوكية الأخرى، فالإنسان حينما يبحر -كما يقال- ضد التيار يجد صعوبة أن يسبح ضد التيار، إذا مشى أمتاراً دفعه التيار إلى الوراء عشرات الأمتار، إذا كان المجتمع فاسداً فكيف للإنسان أن يتعفف ويتطهر ويصلح ويستقيم؟ يكف بصره عن الحرام، يكف سمعه عن الحرام، يكف لسانه عن الحرام، لا يأكل إلا حلالاً!.. أنى له بذلك والمجتمع من حوله كله يقول له: هيت لك تعال؟!

    وهذا يؤكد على أهمية أن نكون كلنا يداً تعمل على وقاية المجتمع وإصلاحه وحمايته من ألوان الفساد الذي يراد به.

    يا أخي! الذي يبذل مجهوداً بسيطا لمحاولة منع المجلة الخليعة من بقالة الحي -هذا نقول له: جزاك الله خيراً! والذي يبذل مجهوداً آخر لمحاولة منع التدخين في مكان ما -نقول له: شكر الله لك! والذي يحرص على إخراج جهاز التلفزة من البيت وقاية للأسرة -نقول له: أحسنت أحسنت! جهد مبرور! والذي يحرص على أن يكون مجتمع المدرسة -مثلاً- مجتمعاً صالحاً.. يتنفس فيه الطلاب هواءً طلقاً نظيفاً نقول له: نعم ما فعلت! ونعم ما قدمت للإسلام وللمسلمين! وهكذا ينبغي أن نكون كلنا يداً تعمل ليكون الهواء الذي يتنفسه أبناؤنا في المجتمع هواءً نظيفاً، والماء الذي يشربونه نقياً، والأكل الذي يأكلونه طيباً، وأعني بذلك أن نحرص أن يكون مجتمعنا مجتمعاً إسلامياً لا تقع عين الناشئ فيه على ما يسخط الله تعالى، وإلا فكما قيل:

    وينشأ ناشئ الفتيان فينا     على ما كان عوده أبوهُ
    .

    1.   

    العناية بصلاح الباطن

    ضرورة العناية بصلاح الباطن: فالصوم في حقيقته عبادة باطنة قبل أن يكون عبادة ظاهرة، وذلك من وجوه: أولها:

    أنه يفتقر إلى النية، فلا بد للصوم من نية، وبالنسبة للفرض لا بد أن تبيت النية من الليل خلافاً للنافلة على ما هو معروف مقرر في كتب أهل العلم، والنية عمل باطن، فلو أن إنساناً أمسك من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بغير نية لم يكن له أجر، ولم يكن هذا هو الصوم الشرعي، والنية عبادة باطنة محلها القلب.

    أمر آخر: أن الصوم سر بين العبد وربه، كما قال الله تعالى: {إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به} فلو أن إنساناً أراد أن يفطر لاستطاع أن يفطر دون أن يعلم بذلك أقرب الناس إليه، حتى زوجته لا تدري بذلك، ولكنه يمتنع حتى في خلوته فضلاً عن جلوته؛ خوفاً من ذي الجلال والإكرام، ورعايةً لحق الله تعالى.. إذاً فالصوم عبادة باطنة.

    الأمر الثالث: أن الصوم يقتضي منك تبعات، فإذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عما حرم الله عز وجل، وهذه أيضا أمور كلها تعتمد على ما في باطن الإنسان.

    صلاح الظاهر لا يكفي

    لذلك نقول: أيها الأحبة.. لا يكفي صلاح الظاهر عن صلاح الباطن، ولا يكفي لأن نحكم عليك بأنك صالح -مثلاً- أن تعفي لحيتك، أو تقصر ثوبك لا يكفي هذا فقط، وإن كان هذا مطلوباً بلا شك، فمجرد الالتزام بالمظهر فحسب لا يكفي، فقد يلتزم الإنسان بمظهر طيب ويكون كذاباً! يكذب كذبات لا أول لها ولا آخر، وقد رأينا من هؤلاء أصنافاً -لاكثرهم الله- ويغتر بهم الناس لما هم عليه من صلاح الظاهر فتسير أكاذيبهم والعياذ بالله سير الشمس، وتبلغ الكذبة من أحدهم الآفاق، ويتحدث الناس بها لا يشكون ولا يرتابون في أنها حقٌ؛ لأن الذي تكلم بها ثقة، وما أدراك أنه ثقة؟! قال: ما شاء الله! تبارك الله! شكله كذا وصفته كذا، فهذا لا يكفي، الالتزام بالمظهر لا يكفي.

    وكم من إنسان قد يكون مظهره حسناً، ولكنه إذا خلا بمحارم الله تعالى انتهكها! فقد يكون والعياذ بالله مدمناً على صغيرة، وربما يكون مقارفاً لفاحشة، وربما يكون مغرماً بالدنيا وحب المال من حلال أو من حرام، فربما أكل الربا، وربما سرق، وربما غش، وربما خان، وربما أكثر من اليمين بغير حق في بيعه وشرائه، وربما... ألوانٌ وألوانٌ من المعايب، ومن أعظم ذلك الحسد والحقد الذي يأكل قلوب كثيرٍ من الناس أكلاً ولو كان ظاهرهم الصلاح.

    خطورة أمراض القلوب

    فأمراض القلوب أخطر من أمراض الأبدان بكثير، وربما تفلح بسهولة في تحويل مظهر الإنسان إلى مظهر مستقيم، ولكنك تحتاج إلى جهود مضاعفة لتحويل قلبه إلى قلب سليم! والله تعالى ما جعل النجاة في الآخرة لمن أتاه ببدن سليم أبداً، أبداً!!

    وإنما قال على لسان إبراهيم عليه الصلاة والسلام: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89].

    إهمالنا لقلوبنا

    بالله علينا أيها الأحبة.. كم منا من يتعب في إصلاح قلبه؟! وكم منا من يتعب في إصلاح قلوب الآخرين؟! وكم من خطبة ألقيت في هذا المجال؟! وكم من محاضرة؟! وكم من كتاب؟!

    أقول: قليل، بل أقل من القليل، وربما نجد أن كثيرين منا يتحمسون، ولكن لغير أعمال القلوب...!

    خذ مثالاً: -وقد هممت أن أفعل هذا الأمر- لو جمعنا الأوراق التي توزع في المساجد مثلاً، وتلصق بالأبواب وتنشر في مجتمعات الرجال والنساء.. ماذا نجد؟ سنجد أن أكثر من 90% منها تعالج أمراضاً سطحية ظاهرية، هي منكرات بلا شك، ومعالجتها مطلوبة، وبذل السبب في ذلك مطلوب، ومن فعله فهو مأجور.. ولكن لماذا لم نعطِ الجانب الثاني المتعلق بصلاح الباطن، بصلاح السريرة، بصلاح القلب، لم نعطه إلا 10% أو أقل؟!

    لماذا لا تتجه الجهود إلى تأليف الكتب وإلقاء الدروس والمحاضرات والخطب والنشرات وبذل الجهود المضاعفة في مخاطبة قلوب الناس وإصلاحها وعلاجها من أمراضها؟

    كم كتاباً رأيت في علاج الحسد أو نشرة مختصرة، أو في علاج الكذب، أو في الدعوة إلى صلاح القلب، أو فيما يتعلق بأمور السرائر والتي عليها المعول؟!

    لا قيمة للعمل الظاهر من دون صلاح القلب

    فكل عملٍ ظاهرٍ لا بد له من رصيد، وإلا لم يكن له قيمة، وقد قال الله تعالى عن الكافرين الذين فسدت بواطنهم بالمرة: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً [الفرقان:23].

    ولما سألت عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد الله بن جدعان وكان رجلاً كريماً جواداً محسناً في الجاهلية، يتصدق ويكرم الضيوف وغير ذلك، قالت: يا رسول الله أينفعه ذلك؟ قال: { لا يا عائشة! إنه لم يقل يوماً من الدهر: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين } فلا ينفعه ذلك. ولما سأل عدي بن حاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المروي عن أبيه -وكان جواداً شهيراً، وهو حاتم الطائي الذي يضرب به المثل- هل ينفعه ما فعل؟ قال: {إن أباك أراد أمراً فبلغه} أي أراد الدنيا فحصلت له الدنيا والسمعة، وما له عند الله في الآخرة من خلاق..!

    العبادات شرعت لإصلاح القلوب

    لا يكفي للصلاح مجرد الالتزام بالمظهر فحسب، بل لا بد من العناية بالقلوب وإصلاحها، وتذكر أن العبادات كلها إنما شرعت لإصلاح القلوب، فالصيام مثلاً شرع لصلاح القلب، وفرقٌ بين صائم تجده صام سمعه وبصره ولسانه فهو خاشع متعبد منفق أواب قارئ للقرآن ذاكر لله تعالى غاض لبصره، وبين آخر صائم ولكنه إما نائم، أو سهران على ما حرم الله من الأصوات والصور، أو مشتغلٌ بأعراض الناس، أو يسب ويشتم، أو يرفع صوته بالبذاءة على أهله وعلى زملائه في العمل وعلى المراجعين وعلى غير ذلك، أو يهمل عمله ولا يقوم به، أو يؤذي جيرانه؛ فلا يزيده الصيام إلا سوءاً وبعداً وإعراضاً وقسوة في قلبه.

    خذ مثالاً آخر: العمرة وهي من الأعمال التي يكثر الناس من فعلها في رمضان، هناك فرقٌ بين معتمر ذهب لذكر الله تعالى والطواف بالبيت العتيق، وتعظيم شعائر الله، وتعاهد مقامات إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وذكر الله وطلباً للأجر {الصلاة فيه بمائة ألف صلاة} كما في صحيح البخاري، وبين آخر ذهب إلى العمرة فعلاً، لكن ذهب: إما للفخر، وإما عادة، وإما للترفيه والتسلية، أو ذهب مع أهله استجابة لطلب البنين والبنات! فيذهب هناك للأحاديث والكلام، وتنويع المآكل والمشارب والمطاعم، وربما يذهب الأولاد والبنات والأسرة، فيتركهم هناك في مثل تلك الأجواء التي هي فرصة بلا شك مع الإهمال لحصول لقاءات بين البنات والأولاد في الشوارع بعد صلاة الفجر: في المصاعد، في اللقاءات عبر النوافذ، عبر البلكونات، عبر الهواتف، بل عبر الركوب في السيارات، وقد رأينا وسمعنا وعرفنا من ذلك شيئاً كثيراً يندى له الجبين.

    وكثير من الآباء يذهبون ويهملون أولادهم وأسرهم هناك، وربما لا يراهم قط، وربما يمنع الأهل من الذهاب إلى الحرم ثم يتركهم في الشقة لا يدري ماذا يصنعون، ولا ماذا يعملون، ولا إلى أين يذهبون، وربما يذهبون للأسواق كثيراً؛ فالبنات يقولون: الأم لها أغراض، ونحن لنا أغراض أخرى، والشباب كذلك، والشوارع ممتلئة وكثير من شوارع مكة ضيقة أزقتها، فيحصل من جراء ذلك شر مستطير، وقد يقع في هذا بعض الخيرين والخيرات، وأقولها بلسان عربي مبين ولا أقولها عن توقع أو ظن، فما بالك بمن لم يتربوا أصلاً على أجواء طيبة؟ ولم يتلقوا توجيهاً سليماً، وقد يكون في نفوسهم مرض الشهوة، وقد يكون في قلوبهم هيجان، وقد يكون فترة المراهقة والشباب مع الإهمال والترك، فيحصل من جراء ذلك شيءٌ كثير.

    الحج أيضاً: هناك فرق بين من حج إرادة وجه الله وتطبيقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: {من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه} وقوله صلى الله عليه وسلم عن عائشة وهو صحيح: {إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله} فرق بينه وبين من يحج إما للربح المادي لأنه حج عن فلان بآلاف مؤلفة، أو من أجل الرياء والسمعة، أو للسياحة، أو للاستطلاع، أو لغير ذلك من المقاصد، فينبغي التفطن إلى أن هذه العبادات والأعمال إنما شرعت لإصلاح القلوب، وينبغي ألا تحجب عما شرعت له وأن نقبل على إصلاح قلوبنا في هذا الشهر الكريم، فهو موسم مبارك لمن أراد أن يتقرب من ربه عز وجل؛ فإن القلب يكون فيه إقبال، ويكون فيه انكسار، والنفس يكون فيها برود عن المعصية وإقبال على الطاعة، والشياطين قد سلسلوا.. فما الذي يحول بينك وبين الله عز وجل؟! فأقبل على الله تعالى؛ فإن الله تعالى يقول: يا باغي الخير أقبل وهلم، ويا باغي الشر أدبر.

    الخاتمة:

    أسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العليا الذي لا إله إلا هو، الحي القيوم الواحد الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد؛ أن يتقبلنا في هذه الليلة أجمعين، ويمحو عنا ما سلف من الذنوب والخطايا، وأسأله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى واسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب، أن يغيث قلوبنا بذكره وشكره وحبه، وأن يجعل حياتنا مليئة بجلائل الأعمال المقربة إليه، وأن يكتب لهذه الأمة النصر المبين، وأن ينقذ المستضعفين في كل مكان، وأن يفك أسر المأسورين ويرفع الضر عن المضطرين، وأن ينصر الإسلام والمسلمين في كل مكان، وأن ينصر من دعا إلى تحكيم شريعته ورفع رايته.

    اللهم انصرنا على أعدائنا، اللهم انصرنا على شهوات أنفسنا، اللهم انصرنا على شياطيننا، اللهم وفقنا لما يرضيك من الأقوال والأعمال، اللهم اجعلنا ممن استهداك فهديته، واستنصرك فنصرته، واسترحمك فرحمته، وسألك فأجبته، اللهم لا تحجب دعاءنا بذنوبنا يا حي يا قيوم، اللهم اغفر لنا ذنوباً حجبتنا عن بابك، يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث، ومن عذابك نستجير، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغث المستضعفين في كل مكان، اللهم أرنا في الكافرين والمستكبرين يوماً أسود كيوم فرعون وقومه، اللهم أرنا في خصومك وخصوم دينك يوماً أسود، اللهم عجل عليهم بعذابك وبأسك يا حي يا قيوم، اللهم زلزل الأرض من تحت أقدامهم، اللهم عجل بالفرج والنصر للمسلمين في كل مكان، اللهم لا تجعلنا فتنة للقوم الكافرين، اللهم لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين، ونجنا برحمتك من القوم الكافرين، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    1.   

    الأسئلة

    أحداث الجزائر

    السؤال: وردت كثير من الأسئلة تسأل عن أوضاع إخواننا المؤمنين الصادقين في الجزائر؟ وما هي آخر أخبارهم؟ وما تعليق الشيخ على كلمات رئيسهم في حل جبهة الإنقاذ؟

    الجواب: شكر الله أخي الشيخ محمد وبارك الله فيه، وشكر الله لكم مشاعركم، وأسأل الله تعالى أن يجعلنا من المتحابين بجلاله، وأن يظلنا في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وما أحببتم إلا قلباً يحبكم، وإن كنت لا أعتقد نفسي حرياً بذلك، ولكن أقول كما قال الصديق رضي الله عنه: [[اللهم اجعلني خيراً مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون]].

    أما عن أحوال إخواننا المسلمين في الجزائر، فلعل من آخر الأنباء ما سمعتموه البارحة من قرار حل الجبهة وقد أصدر هذا القرار رجل وامرأتان ممن لا ترضون من القضاة، الذين تلقوا أوامر قبل أن تعقد الجلسة أصلاً لمثل هذا الأمر.

    ولم يكن منتظراً من قوم ضايقوا الإخوة المسلمين هناك، وضيقوا عليهم وحاصروهم، وحالوا بينهم وبين المنابر، حتى صُلِّيت الجمعة ظهراً في كثير من المواقع، وحتى امتلأت السجون بأكثر من خمسة وثلاثين ألف سجين، وفتحت لهم معتقلات في الصحراء في وسط الشمس الحارة والهجير الذي يخشى عليهم من شدته أن يصل الحال ببعضهم إلى الوفاة، وفي ظل أوضاع سيئة، وفي ظل تآمر عالمي، وصمت وتآمر عربي أيضا، كل ذلك لقيه إخواننا، ومع ذلك صبروا واحتسبوا، ونرجو الله تعالى أن يكتب ذلك في ميزان أعمالهم.

    وأقول أيها الإخوة: إذا لم نغضب لإخواننا المسلمين فسلامٌ على الدنيا وكما قيل:

    فأف على أرض تقيم بغيرها     فليس بها للصالحين مُعرَّج

    إذا لم يكن ثمة قلوب تخفق بحبهم أو تأسى لهم، أو تحزن لما أصابهم، ولم يكن ثمة ألسنٌ تلهج بالذكر والدعاء الصادق المخبت، إذا لم يكن ذلك، فهي كارثة كبرى أن تمزقت أوصال المسلمين وتقاطعوا فيما بينهم، فلم يعد أحد يشعر بمصاب آخر.

    وصور نفسك يا أخي الكريم لو أن عدواً داهمك في بيتك وفي أسرتك وفي بلدك، وحال بينك وبين المسجد -نسأل الله ألا يكون ذلك- وضايقك وصادر مالك، وقضى على إنجازاتك، وحطم جهودك، وحال بينك وبين عبادة ربك، ثم انتظرت من المسلمين الذين يقدر عددهم بألف مليون أو يزيدون -كلمة عزاء، وقفة مناصرة، مساعدة، تأييد- فلم تجد إلا صمت القبور! ماذا كنت تصنع؟! كنت تصاب بالإحباط، وكنت تقول:

    ما هؤلاء المسلمون؟

    من هؤلاء الساكتون؟

    أفهؤلاء المسلمون؟

    أبداً.. تكذبني وترجمني الحقائق والظنون!!

    ما ذا التقاطع في الإسلام بينكم     وأنتم -يا عبادَ الله- إخوانُ

    لمثل هذا يذوبُ القلب من كمدٍ     إن كان في القلب إسلام وإيمانُ

    أين نصرة المظلوم؟ مما أخذه الرسول عليه الصلاة والسلام، من حق المسلم على المسلم نصرة المظلوم، دعك من كونه داعية للإسلام، ودعك من كونه حيل بينه وبين تطبيق الشريعة. القضية قضية نصرة المظلوم، أخرجوا من ديارهم وسجنوا بغير حق إلا أن يقولوا: ربنا الله!

    والعالم كله لم يذكر للجبهة الإسلامية للإنقاذ لم يذكر لها ذنباً، اللهم إلا ذنباً واحداً أنها فازت في الانتخابات؛ لأن الشعب الجزائري أيدها وعرف أنها تدعو إلى تحكيم الشريعة، وهو ما ضحى إلا من أجل تحكيم الشريعة:

    وعيرني الواشون أني أحبها     وتلك شَكَاةٌ ظاهرٌ عنك عارُها

    لكن أيضا هناك تعليق على قضية حل الجبهة، يقول أحد زعماء الجبهة وقد سمعته: الإسلام أكبر من الجبهة وقبل الجبهة وبعد الجبهة، إن حلوا الجبهة، فإنهم لا يستطيعون أن يحلوا الإسلام، الإسلام والمطالبة بقيام دولة إسلامية في قلب كل مسلم -لا أقول: في الجزائر- بل في بلاد العالم كلها، والإسلام الآن منذ أربعة عشر قرنا وهو يقاوم العوادي جاء الصليبيون بقضهم وقضيضهم، وأقاموا في هذه البلاد.. فماذا صنعوا؟ ما هي إلا فترة حتى استعاد المسلمون قوتهم فواجهوهم في مواقع ضارية وجعلوهم عبرة؛ حتى أسروا رئيسهم وهو الفرنسيس أو غيره، ووضعوه في دار معروفة بـالمنصورة في مصر، فكان شاعرهم يقول:

    قل للفرنسيس إذا جئته     مقالةً     من ناصحٍ بَرٍّ فصيحْ

    دارُ ابن لقمان على حالها     والقيدُ باقٍ والطواشيُّ صبيحْ

    أي إذا رغبتم فعاودوا، فالذي صنعناه بكم في الأمس نصنعه بكم اليوم، وجاء التتار بقوة مذهلة وأعداد كأنهم البحر الهادر، لا يعرف أولهم من آخرهم، قوة متوحشة اجتاحت ما وراءها، جاءت من بلاد الترك ومن وراء بلاد الترك، فكانوا يقضون على الأخضر واليابس، وأصيب المسلمون باندهاش من جراء تلك القوة، ولكن ما هي إلا سنوات حتى استيقظ المسلمون واستعادوا قوتهم، فنازلوا التتار في مواقع حتى أن التتار أنفسهم أسلم منهم عدد كبير، كما قال محمد إقبال رحمه الله:

    باغتت التتار فأدركتها     من الإيمان عاقبة الأمان

    فأسلم منهم من أسلم، ثم قام المسلمون عليهم وانتصروا عليهم نصراً مؤزراً في معارك تاريخية فاصلة معروفة أيضاً.

    الإسلام الذي بعث به محمدٌ عليه السلام عمره الآن أربعة عشر قرناً وزيادة، ونود أن نخبر خصوم الإسلام في كل مكان أن الإسلام دين معمر إلى قيام الساعة...!!

    احشدوا ما أردتمو من بنودٍ     وارفعوها على حراب الجنودِ

    ثم سوقوا لنصرها زمر الأنـ     ـعام من كل جاهل وحَقودِ

    فالأباطيل للزوال وإن أمهـ     ـلن والحقُّ وحدَه للخلودِ

    وإنه لموعد غيب لم نره، ولكنه آتٍ قريب ولتعلمن نبأه بعد حين!

    المقدم:

    سلمانُ! كنتُ أرى الأبياتَ قد عجزتْ     عن الثناء وهاهي اليوم قد قالتْ

    يا شيخنا كم حباك الله من أدبٍ     معين وعلم يشفى الساكتْ

    الغربة

    السؤال: فضيلة الشيخ! كلنا يعلم قول النبي صلى الله عليه وسلم: {بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء!} هل نحن الآن في غربة الإسلام؟ أي هل عادت غربة الإسلام في وقتنا الحاضر؟ كما أرجو حث الحاضرين على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟

    الجواب: أما الغربة فنعم:

    وهذا زمان الصبر من لك بالتي     كقبض على جمر فتنجو من البلا

    فهذا زمان الغربة، وهذا زمان من أزمنة غربة الدين، ولكن يلاحظ في ذلك أمور:

    أولاً: أن هذه الغربة قد تندفع كما اندفعت الغربة الأولى، والذي أخبرنا بأن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً أخبرنا -عليه الصلاة والسلام- بأن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها، وهناك خط اسمه خط الغربة، ويقابله خط آخر اسمه خط التجديد... هذه واحدة..

    ثانياً: أن الغربة درجات وليست درجة واحدة، وكما أن الليل يأتي تدريجياً حتى تظلم الدنيا ويستحكم، فكذلك النهار فإنه ينبثق شيئاً فشيئاً، وما يزال الإسفار حتى تشرق الشمس على الدنيا كلها، فالآن نحن في زمن غربة لكن لم تستحكم الغربة استحكاماً تاماً، فإن الغربة تستحكم، كما قال بعض أهل العلم: "إن هذا الدين ينتهي بواحد كما بدأ بواحد".

    تستحكم الغربة تماماً في آخر الزمان حين لا يبقى إلا أفراد قلائل، إن قالوا لم يسمع لقولهم، وإن أمروا لم يطاعوا، وإن نهوا لم يطاعوا، وإن دعوا لم يستجب لهم، أي لم يستجب الناس لدعوتهم، فحينئذٍ يرحمهم الله تعالى فيقبض أرواحهم، فلا يبقى إلا شرار الناس، فعليهم تقوم الساعة، فذلك هو زمان الغربة المستحكمة التامة التي أخبر عنها الرسول عليه الصلاة والسلام أيضاً في أحاديث.

    أما مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهي أحد الوسائل لدفع الغربة، وقد تكلمت عن هذا الموضوع في كتاب سيخرج إن شاء الله في نهاية هذا الشهر عنوانه "من وسائل دفع الغربة"، وخصصت فيه فصلاً مطولاً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو من أقوى وسائل دفع الغربة، لأننا إذا سكتنا عن المنكرات استحكمت وصارت عرفاً مألوفاً معروفاً ينشأ عليه الصغير ويهرم عليه الكبير، فمن أنكره قيل له: "أنكرت مألوفاً معروفاً" أو "أنكرت السنة" أيضاً؛ لأن الناس تعودوا عليه وعرفوه، ولكن نقاومه حتى لو لم نستطع إزالته.

    بعض الناس إذا تكلم خطيب عن الربا قال له: يا أخي! لماذا تتكلم عن الربا وهذه البنوك ببناياتها الضخمة ومؤسساتها وموظفيها وأعمالها تحارب الله تعالى ورسوله، وهي ضاربة الجذور في التربة ومأذون بها، بل محروسة بقوة السلطان وبقوة السلاح وبقوة الإذن، فلماذا تتكلم؟

    لا! يا أخي تكلم ولو لم يأتِ من كلامك إلا أن يظل الناس يعرفون أن هذا الربا حرام، لكان ذلك مسوغاً للكلام وعدم الصمت، فضلاً عن أنه كما قال الله تعالى: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ [الأنفال:42].

    نصيحة للنساء

    السؤال: إحدى الأخوات تقول: أرجو توجيه نصيحة إلينا نحن النساء، وكذلك أرجو توجيه أزواجنا على عدم إشغال أوقاتنا في رمضان بتنويع الأكل حتى لا يذهب الوقت علينا هدراً؟

    الجواب: أما بالنسبة للنصيحة فإنني أقول: إن كل كلام يوجه إلى الرجل، فالمرأة فيه شريكة الرجل، وقد جاء في الحديث الذي رواه النسائي وغيره -وسنده حسن- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إنما النساء شقائق الرجال} والله تعالى يقول: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [الأحزاب:35] فكلُّ ما يؤمر به الرجل تؤمر به المرأة أيضاً.

    ونحن ندعو أخواتنا المؤمنات -فقد أصبحنا نسمع ونعلم بحمد الله تعالى أن الصحوة قد فشت فيهن وانتشرت مثلما هي عند الرجال، وربما أكثر من ذلك- إلى مضاعفة الجهد في الدعوة إلى الله وإصلاح البيوت ونشر الخير في أوساط النساء من بنات جنسهن؛ فإن المرأة هي أحد المعابر التي يخطط الغرب لاستخدامها في تخريب المجتمع وإفساده، وقد كانوا يقولون: "إن كأساً وغانية تصنع بالشعوب ما لا تصنعه الجيوش" ويقصدون بالغانية المرأة، وفعلاً لو تأمل الواحد منا رجلاً أو امرأة لوجد أن المجتمع إذا فسدت النساء من الصعوبة بمكان أن يستقيم الرجل، كيف يستقيم الشاب -مثلاً- إذا كان يرى المرأة متبرجة في كل مكان وهي تقول له كما سبق: هيتَ لك!!

    الصعوبة حينئذٍ كبيرة وهو يسبح ضد التيار كما أسلفت، ولذلك فإن المرأة على ثغرة كبيرة جداً في المجتمع وينبغي أن ينبري للدعوة إلى الله مجموعة من النساء الفاضلات العاملات الداعيات همهن الدعوة إلى الله وجمع بنات جنسهن على الخير، تعليم القرآن وتحفيظه، تربية النساء، الدخول إلى البيوت، عقد المجالس، إقامة حلقات تحفيظ القرآن، نشر الكتاب، نشر الشريط... إلى غير ذلك من الوسائل.

    وأيضاً تستطيع أن تقوم بدور آخر كبير، وهو مواصلة الدعاة، والخطباء، وطلبة العلم، والمحاضرين، والمشايخ بكل ما يوجد في مجتمعات النساء مما يحتاج إلى كلام، أو يحتاج إلى حديث، أو يحتاج إلى حكم أو بيان؛ حتى يكونوا على علم، وحتى يساعدوا في إصلاح هذه الأوضاع وتقويم معوجها بقدر ما يستطيعون.

    أما ما يتعلق بعمل المرأة في البيت:

    أولاً: ينبغي أن تعلم أنه حتى عملها في منـزلها هو جزءٌ من طاعتها لربها ومقربٌ لها إلى الله عز وجل، و{إذا أطاعت المرأة زوجها، وصامت شهرها، وأدت فرضها؛ دخلت جنة ربها} كما وعد بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم.

    فأين الأخت التي تشعر وهي تجهز البيت لزوجها، أو تعد له الطعام، أو حتى تتجهز له بنفسها، لتبعده عما حرم الله، وتشبع بصره ورغبته التي ركبها الله تعالى فيه أنها تمارس بذلك عملاً دنيوياً وفي الوقت نفسه هي تتقرب به إلى الله تعالى وترجو به جنات الله تعالى ورضوانه؟!

    هذا لا بد منه، لكن الله تعالى يحب العدل في كل شيء، فلا يجوز أن يكون رمضان بالنسبة لنا كما قال بعض الصالحين: "أنتم تشربون الأسطال، وتأكلون الأرطال، وتعملون عملاً بطال، وتزعمون أنكم أبطال".

    هذا لا يكون أبداً، فرمضان فرصة للاعتدال في الأكل وفي الشرب وفي غير ذلك، ونحن لا ندعو إلى مزيد من التقشف ولا نلزم الناس به.. لا! ولكننا نقول: إن الله تعالى يحب العدل، وكون المرأة مثلاً منذ طلوع شمسها إلى الغروب، وربما إلى هزيع من الليل وهي مشتغلة بإعداد الإفطار، ثم بإعداد العشاء، ثم بإعداد السحور وألوانه ووجباته، ولا بد أن تغير، فتطبخ اليوم ما لم تطبخه بالأمس، واليوم ضيوف، وغداً كذا، وبعد غد كذا! أين وقت الصلاة؟! أين وقت الذكر؟! أين وقت قراءة القرآن؟! ثم إذا كان عندها أطفال أيضاً! إلى غير ذلك، فالعدل مطلوب في مثل هذه الأمور، وينبغي أن يتفاهم الزوجان في ذلك على أمر وسط لا إفراط فيه ولا تفريط.

    المستوصفات النسائية

    السؤال: كما لا يخفى على فضيلتكم فقد أنشئ بحمد الله مستوصف خيري في البدائع خاص بالنساء، ولا يدخله الرجال مطلقاً، ولكن الشائعات قد انتشرت عنه، ويتكلم فيه حتى بعض الأخيار وللأسف! فما تعليق فضيلتكم على ذلك؟

    الجواب: الحقيقة نحن سمعنا بهذا الخبر منذ شهور، فقلنا هنيئاً للإخوة في البدائع ما سبقوا إليه، فإنهم هم السابقون ونحن -إن شاء الله- على الأثر لاحقون، ومثل هذا المشروع مشروع عملي؛ تكلمنا كثيراً وتكلم الخطباء والدعاة والمصلحون عن أوضاع المستشفيات، وما فيها من مآسٍ يندى لها الجبين.

    وعندي والله رسائل يعجب الإنسان إذا قرأها ولم تدمع عينه، سيقال: إن في قلبه قسوة.

    آخر رسالة وصلتني؛ امرأة تقول: إنها بينما كانت في حالة الوضع وقد شرط زوجها ألا يأتيها إلا نساء فوافقوا له على ذلك، ففي أثناء الوضع وهي لا تستطيع أن تتحرك إذا بالطبيب رجل يأتي وقد كشفت عن سوءتها تماماً، فهي كيوم ولدتها أمها!! تقول: كاد أن يغمى عليها، لكن ليت القضية انتهت عند هذا الحد! بل بعد قليل إذا بمجموعة من طلاب المعهد يأتون؛ لأنهم مع هذا الدكتور حتى يتدربوا على بعض الأعمال الطبية، ولا بد من تدريب عملي، فيقفون في مثل هذا الموضع الصعب العسير!!

    قضايا وأمور في الواقع تنادي علينا أننا أشباه الرجال ولا رجال! لأن المسألة ليست مسألة كلام يقال، المسألة مسألة تطبيق عملي ومؤسسات، وإذا كانت وزارة الصحة تقول: إن إنشاء مستشفى خاص بالنساء أمر متعذر أو متعسر، فنحن نقول: إن همم الرجال تزيل الجبال!!

    أين الأثرياء؟! أين الإداريون؟! أين الأطباء؟! أين أصحاب الهمم؛ حتى يقيموا مستوصفات ومستشفيات نسائية 100%؟!

    ونحن مستعدون وكل الناس أن يدفعوا أموالهم حفاظا على أعراضهم:

    أصون عرضي بمالي لا أدنسه     لا بارك الله بعد العرض بالمال

    وستجد هذه المستشفيات إقبالاً كبيراً من الناس مهما كانت الأسباب، ومهما كانت الظروف.

    أما تلك الأقاويل فإنه لا يلتفت إليها، وينبغي أن يُعْرَف أن أي مشروع سيتعرض لقيل وقال وهمزات! حتى يقوم على قدميه ويستوي على ساقه ويصبح أكبر من أن تعلق به الشائعات والأقاويل والكلمات التي ترمى من هنا ومن هناك.

    مع أنني أقول: إن النقص من طبيعة البشر، والكمال أمرٌ صعب، والوصول إليه أيضاً لا يتم بين يوم وليلة، فعلينا حين نقوم بمثل هذه المشاريع وهذه الأعمال -وإن شاء الله سوف تقام مثل هذه المشاريع في أكثر من مكان- أن ندرك أنها سوف تسير قدماً إلى الأمام، وتتلافى النقص يوماً بعد آخر، وهي ترحب دائماً وأبداً بأي نقدٍ بناء هادف أو ملاحظة صحيحة مدروسة موضوعية، بعيداً عن التشهير والتجريح، وبعيداً عن دعايات المغرضين الذين قد ينشرون الأقاويل لغرض أو لآخر.

    ونحن ندرك أن مثل هذا العمل له أعداء وخصوم كثيرون في كل مكان وسيتكلمون عنه، لكن هؤلاء لهم شأن آخر، أما المخلصون الناصحون فباب المناصحة مفتوح من خلال الملاحظات الموضوعية، والحقائق والأشياء التي يقترحونها ويرون أن الحاجة إليها ماسة.

    وأنا على ثقة أن الإخوة القائمين على مثل هذا المشروع هنا، والقائمين على مثل هذا المشروع في أماكن أخرى، -فإن له نظائر في عدد من البلاد- أنهم من أحرص الناس على الوصول إلى الكمال، وعلى تلافي أية ملاحظة وتكميل أي أمر يرى أن مثل هذه المؤسسات بحاجة إليه.

    وأنا لا أملك إلا أن أزجي الشكر والدعاء للإخوة القائمين على هذا المشروع فهم سباقون، وهذا فخر لهذا البلد وسابقة تشكر لهم.

    ثم إنني أقول: ينبغي أن نكون كلنا أعواناً لمثل هذا المشروع؛ من استطاع أن يعين، فعليه أن يعين وأنا أعتبر أنه من العون الإقبال على هذا العمل، الإقبال عليه إعانة له ودعم، وشكر القائمين عليه دعم، والدفاع عنه دعم، ومساعدته بكل وسيلة دعم.

    وينبغي أن تكون داعماً لكل عمل خيري، لا تقف أمام العمل الخيري! كن مساعداً له بالقول أو بالفعل، وإن لم تساعد بالفعل فساعد بالقول، وإذا لم تساعد بالقول فأقل ما نريده منك أن يسلم منك الخير، وأن تسلم منك الأعمال الخيرية، فلا تنتقدها ولا تنتقصها بشيء.

    مشروع الشريط والكتاب

    السؤال: فضيلة الشيخ! قد أنشئ أيضاً بـالبدائع مشروع الدعوة إلى الله عز وجل بتوزيع الكتاب الإسلامي، وقد وزعنا منه حتى هذا اليوم أكثر من مليون ونصف كتاب في داخل المملكة وخارجها، ونعلم أن جميع إخواننا وفقهم الله يفرحهم هذا ويثلج صدورهم، ولكننا نريد منهم دعماً مادياً ومعنوياً، فالمشروع يكاد يتوقف إن لم يسرعوا بالتبرع، وإيداع المال في حساب هذا المشروع، ومادمنا في زمن شهر رمضان، في شهر الخيرات والبركات فنطلب من فضيلة الشيخ أن يحث الإخوة على التبرع في هذا الأسبوع وجزاكم الله خيراً.

    الجواب: أيضاً هذا المشروع اطلعت عليه وعلى بعض آثاره وثماره، وهو مشروع رائد حقاً؛ لأنه يخاطب المسلمين في كل مكان، ومشروع رائد؛ لأنه يهتم بنشر الكتاب والشريط، والله يا إخواني! -الحديث كما يقال ذو شجون- لو تساءلنا الآن: كم مؤسسة تنصيرية في العالم تشتغل لنشر كتاب الإنجيل والكتب التنصيرية، في البلد الواحد؛ بل في بلادنا؟

    اليوم وصلتني ورقة وزعت في المستشفيات أيضاً تدعو للتبرع لمؤسسة تنصيرية في الفلبين، أما نحن فحتى الآن لا أعلم أن هناك مؤسسة مهمتها نشر الكتاب والشريط الإسلامي وتوزيعه في أنحاء العالم الإسلامي كعمل خيري! لا أعلم أن هناك مؤسسة تخصصت لهذا الغرض!

    وإن كان المشروع الذي ذكره الشيخ محمد يعتبر بداية ناجحة وأيضاً خطوة رائدة في هذا السبيل، وأنا أدعوكم أيها الإخوة إلى المشاركة بطباعة الكتب والأشرطة أو مساعدة الإخوة بالمال، والكتب التي يطبعونها كتب مفيدة ونافعة وتوزع في أنحاء العالم الإسلامي، كما إنني أقول للإخوة: إنني أيضاً من خلال المكتب الذي يعمل فيه عدد من الإخوة المتعاونين على استعداد للتعاون مع هؤلاء الإخوة في مثل هذا المشروع، سواء بإمدادهم بالكتب والأشرطة أو ببعض ما يحتاجونه من المال، وأقول هذا حثاً للإخوة الآخرين على المشاركة والمساهمة في مثل هذا المشروع الخيِّر: {ولأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم}.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.