إسلام ويب

دروس الحرم [13]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    أحكام الظهار

    باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، وبعد:

    قال المؤلف رحمه الله: [وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلاً ظاهر من امرأته، ثم وقع عليها، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إني وقعت عليها قبل أن أكفر، قال: (..فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله به)، رواه الأربعة وصححه الترمذي ورجح النسائي إرساله، ورواه البزار من وجه آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما وزاد فيه (كفر ولا تعد).

    وعن سلمة بن صخر رضي الله عنه قال: (دخل رمضان فخفت أن أصيب امرأتي فظاهرت منها، فانكشف لي شيء منها ليلة، فوقعت عليها، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: حرر رقبة، فقلت: ما أملك إلا رقبتي، قال: فصم شهرين متتابعين، قلت: وهل أصبت الذي أصبت إلا من الصيام؟ قال: أطعم فرقاً من تمر ستين مسكيناً)، أخرجه أحمد والأربعة إلا النسائي وصححه ابن خزيمة وابن الجارود .

    الظهار وكفارته

    تقدم لنا أن الظهار هو تشبيه الرجل زوجته بظهر أمه، وكان هذا معروفاً في الجاهلية، وكانوا يعتبرونه طلاقاً، يقول الرجل لامرأته: أنت عليّ كظهر أمي، أي: في المحرمية، وتصبح امرأته حراماً عليه لا يصح له أن يطأها، وهذا معروف عند الجميع.

    وجاءت قضية خولة مع زوجها أوس بن الصامت الذي نزل في شأنها وشأنه سورة المجادلة: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا [المجادلة:1-2]، إلى آخر السياق.

    تقول خولة : كنت تحت ابن عمي أوس بن الصامت ، وكان رجلاً كبيراً فيه غضب، فغضب مرةً ثم قال: أنت عليّ كظهر أمي.

    فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك فقال: (ما أراكِ إلا حرمت عليه)، فتجادلت مع النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: يا رسول الله ما ذكر طلاقا، ويقول لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أراك إلا حرمت عليه)، إلى آخره، فأنزل الله سبحانه وتعالى آية الظهار.

    وفي هذا تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: سبحان الذي وسع سمعه الأصوات! هذه خولة تجادل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا معها في الغرفة، أسمع بعض حديثها ويخفى عليّ بعضه، والله يسمعه من فوق سبع سماوات.

    هذا مبدأ الظهار في الإسلام، فجعل الله سبحانه وتعالى على الذين يعودون لما قالوا: تحرير رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً.

    فأما الحديث الأول:

    قال: وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ( أن رجلاً ظاهر من امرأته ثم وقع عليها، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني وقعت عليها قبل أن أكفر، قال: فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله به).

    ولكن جاءت قصة سلمة بن صخر قال: (كنت رجلاً قد أوتيت من جماع النساء مالم يؤت غيري -أي كان به نهم على الجماع- فلما دخل رمضان تظاهرت من امرأتي حتى ينسلخ رمضان فرقاً من أن أصيب منها في ليلتي، فأتتابع في ذلك إلى أن يدركني النهار وأنا لا أقدر أن أنزع، فبينما هي تخدمني ذات ليلة إذ تكشف لي منها شيء فوثبت عليها، فلما أصبحت غدوت على قومي فأخبرتهم خبري فقلت: انطلقوا معي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بأمري، فقالوا: لا والله لا نفعل! نتخوف أن ينزل فينا قرآن، أو يقول فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالة يبقى علينا عارها، ولكن اذهب أنت فاصنع ما بدا لك.

    قال: فخرجت فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته خبري، فقال: أنت بذاك؟ قلت: أنا بذاك، قال: أنت بذاك؟ قلت: أنا بذاك، قال: أنت بذاك؟ قلت: أنا بذاك، وهأنذا فامض في حكم الله فإني صابر لذلك.

    قال: أعتق رقبة، قال: فضربت صفحة عنقي بيدي، فقلت: لا والذي بعثك بالحق لا أملك غيرها، قال: صم شهرين متتابعين، قلت: يا رسول الله! وهل أصابني ما أصابني إلا في الصيام، قال: فأطعم ستين مسكيناً، قلت: والذي بعثك بالحق لقد بتنا ليلتنا هذه مالنا عشاء).

    فلما عرف للنبي صلى الله عليه وسلم من حاله أنه لا يملك رقبة، ولا يستطيع صيام شهرين متتابعين، ولا يجد ما يطعم ستين مسكيناً، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اذهب إلى صاحب صدقة بني زريق فقل له فليدفعها إليك، فأطعم عنك منها وسقا ستين مسكيناً، ثم استعن بسائره عليك وعلى عيالك).

    والمعنى: أنها أكثر من المطلوب.

    مقدار كفارة الظهار

    وجاء في بعض الروايات أن الرسول صلى الله عليه وسلم: أتي بعرق تمر، والعرق: هو ما يسمونه المكتل، واختلفوا في مساحة هذا المكتل، وبعضهم يذكر أنه يسع وسقاً والوسق ستون صاعاً، لكل مسكين صاع.

    وفي بعض الروايات: فيه خمسة عشر صاعاً، فيكون الصاع لأربعة أشخاص.

    وفي قصة خولة التي نزلت فيها سورة المجادلة، قال صلى الله عليه وسلم لما أخبرها: (ليعتق رقبة قالت: لا يملك، قال: يصوم شهرين متتابعين، قالت: شيخ كبير لا يستطيع، قال: يطعم ستين مسكيناً، قالت: والله ليس عنده ما يتصدق به، فأتي بمكتل تمر فقال: خذي هذا ليطعمه، قالت: وأنا سأعينه بمثله)، فيكون المكتل خمسة عشر صاعاً، ومكتل آخر من زوجته خمسة عشر صاعاً، فيصير ثلاثين صاعاً، إذن يعطى للشخص الواحد نصف صاع.

    وعلى هذا: اختلفت الأقوال في مقدار الكفارة للشخص الواحد من صاع إلى نصف إلى ربع، وهو المد النبوي.

    وقد وقع بين الإمام مالك رحمه الله وشخصٌ من غير أهل المدينة مناظرة، فقال للإمام مالك : إن الإطعام على الشبع، يعني: أطعم ستين مسكيناً كل واحد ما يشبعه، فقال مالك : نعم على الشبع، فقال: لا يشبع الواحد عندنا إلا الصاع، فقال مالك: ونحن يشبع الواحد عندنا نصف الصاع؛ لأننا قد دعا لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبارك لنا في صاعنا ومدنا، وأنتم لم يدع لكم: (اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا)، فالإمام مالك رحمه الله استعمل هذه الدعوة المباركة في مقدار ما يشبع الشخص من الكفارة.

    أقوال العلماء في صور الظهار

    وصور الظهار أن يقول الرجل لامرأته: أنت عليّ كظهر أمي؛ هذا هو الأصل.

    وفرعوا على ذلك مسائل: منها لو ذكر عضواً غير الظهر، كالفخذ والبطن.. ونحوها، والراجح أن كل عضو في الأم يحرم عليه من أجنبية، فإن شبه زوجته بهذا العضو فهو ظهار، فلو قال: أنت علي ككتف أمي.. كذراع أمي.. كفخذ أمي أي: في المحرمية؛ فهو ظهار.

    ومعلوم أن الكتاب والسنة ذكرا الأم، فإذا شبه زوجته بغير أمه كالأخت أو البنت أو الخالة أو العمة، فهل يكون ظهاراً أو لا؟

    القول الأول: قول ابن حزم فقد قصر الظهار على ظهر الأم، وما سوى ذلك فليس بظهار.

    القول الثاني: أن من شبه زوجته بمن تحرم عليه تحريماً مؤبداً أو مؤقتاً فهو ظهار.

    ومن هنا تأتي قضية تقدمت لنا في تحريم المرأة قبل أن يتزوجها، كقول القائل: كل امرأة أتزوجها فهي طالق، هنا في الظهار: هل يصح الظهار من امرأة لم يتزوجها إن تزوجها؟ أو هل يصح تعليق الظهار على زواجه بامرأةٍ معينة أو بامرأة مطلقة؟ كما تقدم لنا في الطلاق، كأن يقول: كل امرأة أتزوجها فهي طالق، أو إن تزوجت فلانة أو امرأة من القبيلة الفلانية أو البلد الفلاني أو الأسرة الفلانية؛ فهي طالق.

    فرق بين التعميم والتخصيص، ويقولون: التفريق استحسان، والحنابلة الذين يقولون بالتفريق في الطلاق، يقولون: لا يصح الظهار معلقاً على امرأة إن تزوجها؛ لأن الله قال: يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ [المجادلة:3]، ومن كانت غير زوجة فليست من نسائهم.

    ومن هنا أيضاً: ذهب العلماء إلى عدم صحة الظهار من الأمة.

    ومباحث الظهار عند الفقهاء متعددة، يذكر ابن رشد وغيره في بداية المجتهد مسألة: هل للمرأة أن تظاهر من زوجها؟

    اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة مذاهب، فمنهم من يقول: لها أن تظاهر، وإذا مكنته من نفسها فعليها كفارة ظهار، وهو خلاف ما عليه أصحاب المذاهب الأربعة الذين لا يقولون بصحة ظهار المرأة من زوجها، لأنها أصلاً لا تملك حق منع نفسها عنه، وبعضهم يوجب عليها كفارة يمين قبل أن تمكنه من نفسها.

    ثم الظهار يكون مؤقتاً بوقت أو مطلقاً، فإن كان مؤقتاً بأقل من أربعة أشهر -كالذي ظاهر من امرأته شهر رمضان- فتنتظر الزوجة حتى تنتهي المدة، وإن كان الظهار مؤقتاً بأكثر من أربعة أشهر؛ فإن مضت مدة أربعة أشهر ولم يكفر، فالمرأة لها أن تصبر أو أن ترفع أمرها للحاكم، وكذا إن كان الظهار مطلقاً.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.