إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عطية محمد سالم
  3. كتاب البيوع - باب المساقاة والإجارة [2]

كتاب البيوع - باب المساقاة والإجارة [2]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جعل الله الناس بعضهم لبعض سخرياً، ينتفع بعضهم من بعض، فشرع الله عز وجل المؤاجرة على الأعمال، وجعل لها شروطاً على اختلاف أنواعها، ومن أنواع الإجارة إجارة الأراضي، وقد جاء الإسلام فنهى عما فيها من الغرر الذي كان قائماً، وأجاز ما فيها من منفعة حفظاً لحقوق الطرفين، وصيانة للود بين المسلمين.

    1.   

    أحكام الإجارة

    [وعن حنظلة بن قيس رضي الله عنه قال: (سألت رافع بن خديج عن كراء الأرض بالذهب والفضة، فقال: لا بأس به، إنما كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على الماذيانات، وأقبال الجداول، وأشياء من الزرع، فيهلك هذا ويسلم هذا، ويسلم هذا ويهلك هذا، ولم يكن للناس كراء إلا هذا، فلذلك زجر عنه، فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به) رواه مسلم . وفيه بيان لما أجمل في المتفق عليه من إطلاق النهي عن كراء الأرض ].

    تعريف الإجارة

    انتقل المؤلف رحمه الله من بحث المساقاة والمزارعة إلى المؤاجرة، وهو القسم الثاني من عنوان المصنف في هذا الباب، والمؤاجرة تأخذ حيزاً كبيراً في كتب الفقه والموسوعات.

    يعرفون الإجارة بأنها: بيع المنفعة، بخلاف البيع فهو: بيع العين، فأنت تشتري الدار وتصبح ملكاً لك، تبيعها أو تهبها أو تؤاجرها أو تغلقها أو تهدمها أو تبنيها أنت حر، أما في عقد استئجار عين الدار فأنت لا تملك العين ولكن المنفعة، وما هي المنفعة التي تأتي من الدار؟ المنفعة التي ترجى من الدار هو السكنى، ولذا يقولون: من استأجر عيناً لا يجوز له استعمالها في غير ما وضعت له وإلا كان متعدياً مفرطاً، فلو استأجر داراً للسكنى، ثم حوّلها مدرسة، فلصاحب الدار الحق في أن يلغي العقد؛ لأن مضرة المدرسة بالأطفال أكثر من مضرة الساكن.. رجل هو زوجته وولدان أو ثلاثة مضرتهم على البيت ليست كمائة طالب، هذا يكسر النوافذ أو يخرب أو يستهلك ماءً أو... إلخ، وهكذا.

    فإذا استأجرها للسكنى لا يحق له أن يستعملها مستودعات للتجارة؛ لأن المستودعات يضع فيها بضائع ومنها المطعومات، فتنشأ فيها الفئران وتتربع وتسمن وتحفر في الأرض وتخرب، أما إذا استأجرها لسكناه فله الحق في أن يؤاجرها لمثله في استيفاء مثل المنفعة التي استأجر عليها.

    أدلة مشروعية الإجارة

    الإجارة أمر ضروري يقتضيه الشرع والعقل: أما الشرع؛ فقد جاءت النصوص بذلك في قضية نبي الله موسى قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا [القصص:25]، ثم قال له: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ [القصص:27]، والسنة ليس فيها إلا حجة واحدة فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ [القصص:27]، وقبل موسى وتم العقد فقال: أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ [القصص:28]، وكذلك الظئر تستأجر لترضع الطفل، وأم موسى استرجعت ولدها وصارت ترضعه وتأخذ أجرتها، وهكذا يقول صلى الله عليه وسلم: (عملت في مكة على قراريط)، وعمل لـخديجة رضي الله تعالى عنها في مالها.

    إنسان عنده أرض واسعة ولا يستطيع أن يزرعها، ماذا يفعل؟ يؤاجرها. عنده مزرعة ولا يستطيع أن يقوم عليها؛ يساقي على شجرها، أو يؤاجرها كلها وثمرها بينه وبين المستأجر.

    أقسام الأجير عند الفقهاء

    قسم الفقهاء الأجير الذي يعمل للغير إلى قسمين:

    أجير عام لكل الناس، وأجير خاص لهذا الشخص فقط؛ فالأجير العام: هو الذي يعمل لك ولغيرك على عين العمل دون دخل للزمن فيه، مثل الخيّاط تستأجره على خياطة الثوب، والصائغ تستأجره على صياغة الحلي، والنجار تستأجره على عمل الأبواب أو الدواليب، ويعمل لغيرك بجانبك.

    والأجير الخاص: هو الذي تستأجره وتملك مدة الإجارة، استأجرته يوماً أو شهراً أو سنة على حسب الاتفاق، فمدته الزمانية ملك لك، إن نومته نام، وإن شغلته اشتغل، تستغل وقته في العقد الذي آجرته عليه.

    ثم يفصل الفقهاء أحكام كل نوع من الأجراء، فالأجير العام ضامن، وأول من ضَمَّن الأجراء هو علي رضي الله تعالى عنه، فإذا أعطيته قماشاً ليخيط لك ثياباً فالأصل أن القماش عنده أمانة؛ لأنه أجير يعمل فيه لحسابك، فإن تلف هذا القماش أو ضاع أو انحرق، أو... إلخ، فعلى حساب من؟! وكانت تضيع السلع على الناس، فـعلي ضمَّنهم ليحافظوا على سلع الناس، ويؤدون الحقوق كما استلموها.

    والأجير الخاص ليس بضامن لشيء إلا إذا تعدى؛ لأنه يعمل وأجرتك عليه لجهده اليومي -زمنه- فإن تعدى أو فرط فهو ضامن بتعديه أو تفريطه، لكن إذا تلف على يده شيء بدون قصد فلا ضمان عليه. مثلاً: وضع الشاي في الكأس وهو حار فانكسر الكأس، هو لا يعلم بأن الحرارة تسبب التمدد، والتمدد الداخلي يسبق التمدد الخارجي، فلا يتجاوبان معاً، فتمدد الداخل يكسر الخارج، وهذه نظرية في الزجاج: إذا كان الزجاج سميكاً -اثنين أو ثلاثة مليمترات- وكان بارداً، وصببت الحار فيه، فإن الحار يسبب تمدداً في الزجاج، فالقسم الداخلي يتمدد بسرعة، لكن الحرارة لم تنفذ إلى القسم الخارجي، فهو بطيء التمدد، ومن هنا يكسر من الداخل ليتيح فرصة التمدد، ومن هنا نجد أن ثلاجة الشاي إذا صببت فيها الحار قل أن تنكسر، لماذا؟ لأن التمدد الذي يحدث في الداخل حالاً يحدث في الخارج؛ لرقة سمك الزجاجة، فهي رقيقة كالورقة، فإذا بدأ التمدد في الداخل تجاوب معه الخارج، فليس هناك مضايقة وليس هناك انكسار.

    المهم عندنا: أن الأجير الخاص إذا لم يتعمد إتلاف الشيء فلا ضمان عليه، وهنا وردت في إيجار الأرض فقط، ولكن سيأتي بعد ذلك ما يوحي بعموم الأجير: (ثلاثة أنا خصمهم...).

    شرط الأجير والعين المؤجرة

    في رأيي أن كل نساء كان في هذا الحديث، وكل اختلاف كان في هذا الباب قد انقضى أثره، وذهب تأثيره، وانعقد الإجماع على ما عليه الناس اليوم في الإجارة في الجملة، والمنع إنما يأتي لما فيه غرر على الأجير أو المستأجر، وما سلم من الغرر في عقد الإجارة فهو ماضٍ، وسيأتي التنبيه على من الذي يصح له أن يؤاجر نفسه، وفي أي شيء يكون عقد الإجارة.

    ويشترطون في الأجير: أن يكون عاقلاً بالغاً، يملك أمر نفسه، بخلاف العبد المملوك لسيده والصبي، فالعبد لا يملك أن يؤاجر نفسه إلا بإذن السيد، والصغير ليس كامل الأهلية على أن يؤاجر نفسه.

    ويشترطون لصحة العين المؤجرة: أن لا تكون المنفعة محرمة، فإذا كانت المنفعة المستوفاة محرمة لا يصح هذا العقد، كمن أجر داره لتكون محلاً لشرب الخمر، أو محلاً لممنوع أو محرم شرعاً، فلا يجوز ذلك، أو تستأجره على أن يعصر الخمر، هذا العمل محرم، ولا يجوز له أن يعمله، ولو كان يعمله في بيته هو؛ لأن أصل العمل محرم، فكيف يباح له أن يستأجر من يعمله؟!

    1.   

    أحكام إجارة الأراضي

    وعن حنظلة بن قيس رضي الله عنه قال: سألت رافع بن خديج عن كراء الأرض بالذهب والفضة فقال: لا بأس به ].

    ورافع بن خديج فيما يخبر عن نفسه: كنا أكثر أهل المدينة حقلاً -أو زرعاً أو نخلاً- فكانت لهم الأراضي الواسعة والبساتين المتعددة، وكانوا يؤاجرون ويستأجرون، فهو أدرى من غيره بهذه الأحكام؛ لأنه يخالط ويباشر ويعامل في ما يتعلق بالموضوع وهو الإجارة؛ ولهذا وجه السؤال إليه، وما وجه لـأبي هريرة ؛ لأن أبا هريرة ما كان عنده من الأراضي والنخيل في بادئ الأمر ما يجعله يكون لصيقاً بأحكامها، بخلاف ما كان فيما بعد من إمارته على البحرين، وكان له بستان مكانه الآن على طريق الهجرة ما بين قباء ومسجد أبيار علي من جهة الجبل.

    شرط تعيين الأجرة والمنفعة المطلوبة

    قال: سألت رافع عن إجارة الأرض بالذهب والفضة -يعني: بالنقد-. قال: لا بأس.

    وهنا يتحقق الشرط عند الفقهاء، وهو شرط لصحة عقد الإجارة، وهو معرفة المنفعة المطلوبة، وقيمة الأجرة المطلوبة في هذه المنفعة فتكون الأجرة معروفة محددة بدينار أو بعشرة دراهم، أو بعشرين درهماً؛ فإذا كانت الأجرة معلومة والمنفعة المطلوب استيفاؤها معلومة، فلا بأس بذلك.

    وهنا أيضاً يقال لمن منعوا المساقاة: الذي يدفع الذهب والفضة في أرض بيضاء، هل يعلم كم سيحصل له من زراعة الأرض؟ لا يعلم، فكيف صححتم عقد الإجارة والمستأجر يدفع المال ولا يعلم ماذا سيحصل عليه؟ كما أن المساقاة عقد غرس قائم، وبحكم العادة ومرور السنين نجد النخل كل سنة ينمو.

    إذاً: عقد المساقاة أضمن من عقد الإجارة؛ لأن المساقاة في أقل الأحوال الأصول موجودة، والثمار فرع عنها، بخلاف الأرض فهي أرض بيضاء؛ ستحرث ويوضع فيها الحب ويدفن ويسقى الماء ثم على بركة الله، فصاحب النخل أضمن لأجرته من صاحب الأرض البيضاء.

    فأجاز رافع إجارة الأرض بالذهب والفضة، يعني النقد.

    فلو جاء بسبيكة ذهب أو فضة لا ندري كم وزنها، ولا قيمتها لم يصح العقد؛ لأنه ربما يطرأ على العقد ما يوجب فسخه، وتصبح الأرض غير مستحقة أو يمنع منها، فيأتي المؤجر ويمنع المستأجر من العمل ويفسخ العقد، مع أن الإجارة عقد لازم، فماذا يكون الحل، نرجع للسبيكة فلا ندري كم وزنها، إذاً لابد من معرفة أجرة الأرض.

    ومثله لو قال: استأجرها بحفنة من الدراهم، أو بكيس من الدنانير، وهو لا يعلم كم فيه، لم تصح الإجارة.

    النهي عن الإجارة على شيء من الزرع في أماكن معينة

    [ سألت رافع بن خديج عن كراء الأرض بالذهب والفضة، فقال: لا بأس به، إنما كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على الماذيانات، وأقبال الجداول، وأشياء من الزرع ].

    رافع يقول: لا بأس بالذهب والفضة؛ لأنه شيء معلوم، وكلا الطرفين يمكنه أن يرجع إليه، وإنما كانت الإجارة أو المؤاجرة المنهي عنها على عهد رسول الله على ما ينبت على الماذيانات وأقبال الجداول، وهي الحياض وما يليها من الزرع الذي يكون على طرف الحوض بجوار الحد الترابي، هذا متوافرة فيه كمية الغذاء والسماد للنبات، فإذا وجد كفايته من الماء يكون الزرع في تلك الجوانب والأطراف أقوى وأكثر ثمرة مما هو في داخل الأحواض؛ لأن الذي في داخل الأحواض يتزاحم بعضه مع بعض، والذي على أطراف الجداول يمر عليه الماء مدة أطول مما هو في آخر الحوض، وأقبال الجداول أيضاً ما كان مما يلي الربيع -على ما سيأتي- يأخذ من الماء أكثر مما هو في آخر الحوض.

    فكانوا يكرون الأرض على شيء من الزرع في أماكن معينة، وبقية الأحواض تكون للعامل، المستأجر يأخذ الأرض وأجرتها، ما سيحصله من داخل الحوض أو مما سيحدده له المؤجر، فإذا كان الأمر كذلك يقول رافع : ربما صح هذا وهلك ذاك، وربما هلك هذا وصح ذاك، فبعض النباتات لا تحتاج إلى كثرة في الماء، وكثرة الماء قد تفسدها، ويكون داخل الحوض أحسن من خارجه أو طرفه، المهم قد يصيب الزرع بعض الآفات.

    فعقد الإجارة من أوسع أبواب الفقه، من حيث كيفية المؤاجرة، والعاقدان: المؤجر والمستأجر، والعين المعقود عليها، والإجارة في الفقه: عقد على منفعة العين، أو يقولون: بيع المنفعة أو منفعة الرقبة، فبيع المنفعة لا يتناول الأصل أو العين، وتقدم بيان ذلك: بأن يوجد من يشتري الدار، وآخر يستأجرها، فالذي اشتراها اشترى عينها: بناءها وأرضها وتخومها وهواءها، يتصرف فيها تصرف الملاك، والذي استأجر المنفعة ليس له في عين البناء ولا لبنة، وليس له في العين المؤجرة شيء قط، إنما يستوفي منفعته في الغرض الذي استأجر من أجله. استأجر سيارة للحمل والنقل، وبحسب أيضاً موضوعيتها، هناك سيارة لحمل الثقيل، وسيارة لحمل الآدمي؛ فكل يستعمل أو يستوفى في منفعته التي جعل لها.

    مشروعية مؤاجرة الإنسان نفسه

    عارض بعض الناس في جواز إيجار الإنسان نفسه، مع أن الكتاب والسنة جاءت بتقرير جواز تأجير الإنسان نفسه، كما جاء في قصة نبي الله موسى عليه السلام مع والد زوجته: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ [القصص:27]، وكما قال صلى الله عليه وسلم: (رحم الله موسى؛ آجر نفسه على عفة فرجه وإطعام فمه)، فهذه إجارة ثابتة في كتاب الله سبحانه وتعالى، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من نبي إلا وقد رعى الغنم. قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: وأنا رعيتها على قراريط لأهل مكة -أو: قراريط بمكة-) .

    والناس يختلفون في كلمة (قراريط) وهي جمع قيراط، والعرف السائد في مجتمعات الناس: أن القيراط جزء من مجموع، وبعضهم يجعل هذا المجموع هو الأربعة والعشرين؛ لأنه العدد الذي يمكن أن يؤخذ منه جميع الأسهم في الفرائض الواردة في كتاب الله: ثمن وسدس وثلث ونصف وثلثين، كل هذه الكسور الاعتيادية يمكن إخراجها من الأربعة والعشرين بدون كسر، فاتفقوا على هذا حتى في الذهب وما يخلط معه من المعادن الأخرى، وهو -كما يقولون- الشبه، وهو نوع من الصِفر يشبه الذهب، يقول: هذا عيار أربعة وعشرين، عيار واحد وعشرين، فإذا كان عيار أربعة وعشرين يكون ذهباً خالصاً ليس فيه خلط، وذهب أربعة وعشرين لا يصلح للصياغة؛ لأن الذهب في أصله لين، ولابد أن يضاف إليه معدن آخر يعطيه نوع صلابة؛ ولهذا لصياغته يضاف إليه قيراطان من النحاس الصلب، فتجد من يقول: عيار واحد وعشرين، يعني: الذهب الخالص في هذا الجرم من الحلي واحد وعشرين قيراط، وباقي الأربعة والعشرين -ثلاثة قراريط- من النحاس، أو عيار اثنين وعشرين، وهي أعلى نسبة في الصياغة.

    فهنا بعض العلماء يقول: معنى (على قراريط) يعني: على نسبة معينة من الدنانير أو الدراهم.

    والبعض يقول: لا هذا ولا ذاك، القراريط اسم مكان في مكة. ويجاب عن هذا بأن أهل مكة لا يعرفون بقعة فيها تسمى (قراريط)، وقائل هذا يقول: إن العرب لم تكن تعرف النسبة بالقيراط. وأعتقد أن هذا القول فيه نظر.

    فقد جاء الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: (أن الله سبحانه قال: من يعمل لي من أول النهار إلى الظهر وله قيراط. فعملت اليهود، ثم قال: من يعمل لي من الظهر إلى العصر وله قيراط. فعملت النصارى، ثم قال لهذه الأمة: تعملون من بعد العصر إلى غروب الشمس ولكم قيراطان. فغضبت اليهود والنصارى، قالوا: كيف يكون عملنا أكثر وأجرنا أقل؟! قال: وهل أنقصتكم من حقكم شيئاً؟ قالوا: لا. قال: هذا فضلي أوتيه من أشاء)، ولهذا قال العلماء: إن كل ما يحصل عليه العبد من الأجر على عمل الطاعات هو فضل من الله ليس بكسبه بذاته. وهذه حقيقة تحتاج إلى رجوع إلى الوراء والتأمل فيها قليلاً، أنت صمت. بم صمت وذاك مريض لا قدرة له على الصيام؟ وأنت صليت. بم صليت وغيرك منصرف عن الصلاة أو كسلان عنها؟ أنت حججت. بم حججت وغيرك يملك الملايين ولم يحج؟ إذاً: صومك بطاقة الصحة فضل من الله، والله الذي أعطاك الطاقة في بدنك لكي تستطيع أن تصوم، والله الذي منحك الهدى والتوفيق لتؤدي الصلاة والقدرة عليها، والله الذي جعل لك استطاعة على الحج بالمال والبدن.

    فقوله هنا: (من يعمل لي) يبوب عليه البخاري رحمه الله: باب الأجرة على نصف النهار، رداً على من يقول: لا تصح إجارة الإنسان إلا يوماً كاملاً، ولكن هذا ليس بلازم، فقد تستأجر الإنسان الساعة والساعتين، ويوجد في بعض نظم العمل الأجر بالساعة، وكما يقولون في الأعمال العادية (over time) يعني: ساعات زيادة على العمل الرسمي، ويحاسب عليها.

    وجاء أيضاً عنه صلى الله عليه وسلم: (من صلى على الجنازة فله قيراط، ومن شيعها حتى تدفن فله قيراطان، ومن اقتنى كلباً غير كلب صيد أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراط).

    إذاً: القيراط معروف كجزء من الأجر متداول عند الناس، والرسول يخاطب الناس بما يعلمون، إذاً: (على قراريط) جمع قيراط، وهو الجزء من عدد معين، وتختلف البلدان في هذا العدد من حيث هو، وعند المسلمين والعرب في حساب الفرائض هو أربعة وعشرون.

    وكما قالت ابنة شعيب: يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ [القصص:26]، إذاً: الأجرة قديمة، وهذا نبي من أنبياء الله يؤاجر نفسه.

    وعلي رضي الله تعالى عنه لما جاء المدينة مر على تراب ومعه تبن مخلوط، ثم مر عليهم في الغد فإذا هو على ما هو عليه، ومر عليه في الغد فإذا هو على ما هو عليه، فسأل: لمن هذا التراب المخلوط بالتبن؟ قالوا: لفلانة، لم تجد من يمتحُ لها الماء لتعجنه، فقال لها: أنا أمتح لك، كم تعطيني؟ قالت: على الدلو تمرة. فمتح لها ستة دلاء وأخذ ست تمرات.

    إذاً: المؤاجرة على الأطيان والمساكن والحيوانات والآدمي جائزة.

    حكم استئجار غير المسلم

    هنا مسألة يعقد لها البخاري باباً: استئجار المسلم لغير المسلم. فهل يجوز للمسلم أن يستأجر مشركاً أو يهودياً أو نصرانياً؟

    يذكر ابن حجر أن هناك من يمنع من هذا كلية، ولا يجوز التعامل معهم، ويذكر للجمهور القول بالجواز، ويذكر عن مالك الجواز عند الحاجة، وما هي الحاجة؟ إذا لم يجد عنه بديلاً مسلماً في عمل من الأعمال -كما يقولون- الفنية، أو التخصصات النادرة فلا مانع، وساق قصة ابن أريقط الذي استأجره أبو بكر رضي الله تعالى عنه للدلالة على طريق الهجرة، قال: استأجراه -الرسول صلى الله عليه وسلم وأبا بكر - وكان رجلاً خريتاً من بني دؤل مشركاً على دين قومه، وهنا شرف الكلمة، وأمانة الأجير: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ [القصص:26]، فهذا مشرك على دين قومه، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن ينتقل خفية من قومه، ومع ذلك يأتمنه؛ لما عرف عنه من الأمانة، فأعطاه أبو بكر راحلتين، وواعداه الغار بعد ثلاثة أيام، فجاء على الموعد، فدلهم على الطريق، ويختلف الناس بعد ذلك: هل أسلم أو لم يسلم؟ وابن حجر يرجح أنه أسلم بعد هذا.

    يهمنا أنه عند العقد كان مشركاً، ولهذا يقول والدنا الشيخ الأمين -رحمة الله تعالى علينا وعليه- في تفسير قوله تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24]، يقول: التدبر في آيات كتاب الله والعمل بها تقتضينا أن نأخذ بالصناعات وبالفنون وبالعلوم ولو من غير المسلمين ما دام في ذلك خدمة لديننا، ولا تتعارض مع الدين في شيء، وذكر الطبيب غير المسلم، والفنيين أو أرباب الصناعات أو غير ذلك مما المسلمون بحاجة إليهم.

    إذاً: الاستئجار يكون للعين من الجمادات: الدور والبساتين، وللحيوانات وما استحدث الآن من السيارات والطيارات، والآن يوجد تاكسي طائرة في أوروبا لأصاحب الأعمال يستأجرونها للتنقل عليها، البواخر... إلى غير ذلك من وسائل النقل الحديثة، وكذلك إجارة الإنسان.

    والبحث عندنا الآن فيما كانت الإجارة عليه، وهو: الأراضي. والمدينة كانت زراعية، وكانت الإجارة فيها إما مساقاة أو مزارعة أو استئجار البستان بكامله، وكذلك الأرض البيضاء يستأجرها الإنسان ليزرعها، كيف كنتم تصنعون في مزارعكم يا رافع ؟ قال: إما استئجارها بقدر معلوم من ذهب وفضة فلا بأس: هذه قطعة أرض مائة في مائة متر، خمسين في خمسين، ألف في ألف، أستأجرها منك بدينار، أو بعشرة، أو بمائة، لا بأس في ذلك، وهو الذي يعنيه الفقهاء بقولهم: لابد من تعيين الأجرة لئلا يكون هناك نزاع فيما لو حصل فسخ للعقد، أو حصل ما يوقف الاستفادة من الأرض، فيكون المستأجر له حق الرجوع على المؤجر بحصته من الأجرة التي دفعها.

    قال: أما بشيء معلوم ذهب وفضة فلا بأس.

    إذاً: هذه قاعدة عامة عند جميع المسلمين، تستأجر بيتاً، بستاناً، أرضاً بيضاء، آلة نقل أياً كانت بنقد معين فلا بأس.

    إسناد الصحابة الحكم للعهد النبوي

    يقول رافع : (أما بالذهب والفضة فلا بأس، وإنما -أداة للحصر- كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم) فكلمة (على عهد رسول الله)، كأنه يسند ذلك إلى رسول الله، وهل رسول الله حضر العقود، والمزارع؟ لا، إنما رافع يذكر الصورة الواقعة، ولماذا قال: (على عهد رسول الله)؟ لأن هناك قاعدة: ما كان الله سبحانه وتعالى ليقر الناس على خطأ ورسول الله موجود، فكونه على عهد رسول الله يعني: أقره رسول الله، أو أقره الله في حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فيكون مسنداً إلى رسول الله، فإسنادهم الفعل لعهد رسول الله إشعار بأن الرسول وافق عليه، وقد تكون هناك أيضاً أشياء هو لم يطلع عليها لكن تسند إليه؛ لأنه لو كان منكراً لنُبه عليه، كما جاء في موضوع من خواص البيوت، وأعمق ما يكون اختفاءً قال: (كنا نعزل والقرآن ينزل) والعزل شيء بين الرجل وامرأته، يعزل عنها الماء حتى لا تحمل منه، فعملية العزل هذه من يحضرها؟ حتى الرجل لا يرى هذا بعينه، وإنما هي عملية تلقائية بين الرجل والمرأة، قال: (والقرآن ينزل، فلو كان شيئاً ينهى عنه لنهانا عنه القرآن)، فعدم نهي القرآن لهم عن العزل اعتبروه تقريراً لهذا الفعل.

    ويأتي بعض العلماء يناقش: وهل علم رسول الله أو لم يعلم؟ ليس بلازم أن يعلم مباشرة، المهم كونهم أقروا على ذلك والقرآن ينزل، وما قال: يا محمد! نبهم ألا يفعلوا ذلك. فاستدلوا على هذا العمل في هذا الوقت على جواز العزل، وأغفلوا النصوص الأخرى؛ لأنه لما أخبر بأنهم يعزلون وكان هذا في بعض الغزوات، وذلك لما طالت عليهم العزوبة، فقالوا: نطأ السبايا ونعزل، قال: (أو تفعلون! إنها الموءودة الصغرى)، وهذا نهي عن العزل، فقوله: (نعزل والقرآن ينزل) إنما هو بالمضمون والمفهوم وباللازم، ولكن هنا بصحيح العبارة (أو تفعلون! إنها الموءودة الصغرى)، إذاً: أي الأمرين يقدم؟ احتمال أنه يعلم ولم ينههم عن ذلك، أو كون القرآن ينزل ولم يأتِ نهي، أم التصريح منه صلى الله عليه وسلم مشافهة: (أو تفعلون! إنها الموءودة الصغرى)، والموءودة الصغرى لا يقرون عليها؟ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ [التكوير:8] سواء كبرى كانت أو صغرى.

    منع الشرع من المؤاجرة على جزء معين من الأرض

    ذكر رافع صور الإجارة التي كانت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وتلك الصور العقل يأباها؛ لأنها غير عادلة وفيها غرر: كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على الماذيانات، وأقبال الجداول).

    يعني: يؤاجرون ويجعلون أجرة الأرض التي تزرع ما ينبت على الماذيانات وأقبال الجداول، وما معنى هذا؟ قالوا: إذا طاب الزرع جاء المستأجر وحصد ما نبت على الماذيانات وأقبال الجداول وجمعه وقدمه لصاحب الأرض أجرة على أرضه، ويبقى للمستأجر عموم ما داخل الحوض.

    إذاً الزراعة انقسمت إلى قسمين: قسم لصاحب الأرض، وقسم للمستأجر. وهل القسمان متساويان في النبات؟ وهل هما متساويان في الإنتاج والثمرة؟ لا، فيصح هذا ويهلك ذاك.. يصح ما على الماذيانات وأقبال الجداول، ويهلك ما بداخل الحوض، لأنه يأته ماء كافٍ، وقد يكون العكس: يصح ما بداخل الحوض، ويهلك ما على الماذيانات وأقبال الجداول لكثرة الماء، فالزرع في بعض الأحيان لا يقبل كثرة الماء، ويحتاج إلى ماء بمقدار، وأنواع الزراعات كالذرة والشام مثلاً إذا زرع بعلياً وطلع لابد أن يشرب على عدد إحدى وعشرين يوماً، أما إذا شرب على تسعة عشر أو على اثنين وعشرين ما أفاد، بل لابد أن يشرب على إحدى وعشرين يوماً من يوم أن زرعته ودفنته في التراب، ثم بعد ذلك على عدد معين يسمونها السقية الثانية؟

    إذاً: قد يصح هذا ويهلك ذاك، ويهلك هذا ويصح ذاك؛ فحينئذ حينما يقع الهلاك على الماذيانات ورءوس الجداول ماذا استفاد صاحب الأرض، تكون المصلحة كلها للمستأجر، وإذا صح ما على الماذيانات وأقبال الجداول وهلك ما في داخل الأحواض فأين أجر الأجير المسكين؟ لا شيء.

    لكن حينما نقول: تزرع الأرض على جزء مما يخرج منها: ماذياناتها مع جداولها مع حياضها، حصدنا الجميع دون استثناء وصفيناه، وكان العقد على ربع الثمرة أو ثمن أو ثلث أو نصف الثمرة، إن صح شيء صح للجميع، وإن هلك شيء هلك على حساب الجميع، وهكذا لا يكون في ذلك غرر ولا غبن.

    [ (ولم يكن للناس كراء إلا هذا، فلذلك زجر عنه) ].

    ولهذا زجر عن هذا النوع من الإجارة، فزجر عن إجارة الأرض على جزء معين محدد مما ينبت في أجزاء من الأرض، لا على نسبة مشاعة في جميع الزرع، فلما فيه من الغرر نهى عنه.

    فائدة رواية الحديث كاملاً

    في بعض الروايات: (أن رافعاً أتى أهل قباء وقال: يا أهل قباء! لقد جئتكم من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر كانت لكم فيه مصلحة، ولكن طاعة رسول الله أولى، نهى عن المزارعة)، وذكر هذا الأمر.

    وجاء عن زيد بن ثابت قال: (رحم الله رافعاً ، والله إني لأعلم بالحديث منه، إنما جاء رجلان يختصمان في أرض استأجرها أحدهما من الآخر-وذكر الصورة، فقال: أو تفعلون ذلك! فنهى عن الإجارة حينئذ) .

    وهنا يقول الصنعاني : رافع اقتصر هنا على جزء من الحديث فأخل بالمقصود، لأنه قال: نهى. فهل نهى ابتداءً أو نهى لسبب المنازعة والخصومة؟ نهى لسبب النزاع والخصومة في تلك الصورة التي لم يكن لهم إجارة إلا هي ، وهنا التنبيه على أن طالب العلم لا يأخذ جزءاً من الحديث ويترك الباقي، قد يكون في هذا الجزء ارتباط وثيق قوي بأوله، وقد يكون أول الحديث علة لآخره، أو تمهيداً له، أو سبباً فيه، فلابد من جمع أطراف الحديث كما قال علي رضي الله تعالى عنه: (لا ينبغي للمحدث أن يحدث بالحديث حتى يجمع أطرافه). ومن هنا كان التأليف في باب (أطراف الحديث)، والبخاري رحمه الله قد يقطع الحديث في مواطن متعددة، ولكن يأتي بالجملة من الحديث على قدر معنى الباب، وقد يعيد الحديث بعينه ولفظه مراراً لعدة معانٍ فيه، وفي كل مرة يورد الحديث لجزء منه، كما في حديث: (من عمل لي إلى الظهر)، قال: باب من استأجر إلى نصف النهار. وساق الحديث، ثم عقب عليه: باب من عمل إلى العصر. وساق عين الحديث الأول؛ لأن الحديث يشتمل عليهما.

    يهمنا في هذا: أن طالب العلم عندما يحدث بجزء من حديث يتعين عليه أن يقف على تمام الحديث؛ ليربط آخره بأوله.

    معنى قوله: (فأما شيء معلوم...)

    [ فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به ].

    فنهى عن ذلك لأن هذا يفسد وهذا يصح، فهو غرر. (أما شيء معلوم)، وكلمة: (شيء) كما يقول علماء اللغة والمنطق: أعم العمومات، لا يخرج منها شيء، حتى رب العزة،كما قال الله: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:88]، فكلمة (شيء) أعم العمومات في اللغة.

    (أما شيء معلوم) دينار ذهب .. درهم فضة .. فلوس نحاس .. طعام .. لباس... أي شيء من هذا كله داخل في: (شيء معلوم)، فعندما يأتي إنسان ويقول: استأجرت منك الدار عشر سنوات بنخلي. هذا شيء، فهو يملكه النخيل على أن يستأجر منه الدار عشر سنوات، أو استأجرت منك الدار ببعير، بسيارة نوع كذا، تعال انظر واكشف عليها، بشاة.

    إذاً: أقبال الجداول والماذيانات شيء ولكنه ليس معلوماً، وهنا نهى صلى الله عليه وسلم عن الإجارة بالشيء غير المعلوم، أما شيء معلوم بعينه ومقداره.. صاع من تمر أو بر، إلا عند مالك : فإذا كانت العين تستأجر لنوع من الطعام، فلا يجوز -عنده- أن تكون الأجرة من عين هذا الطعام. استأجرها ليزرعها ذرة، لا يصح -عند مالك - أن تكون الأجرة ذرة؛ لأن المستأجر يكون قد اشترى ثمرة الزرع الذرة بقدر الأجر الذرة الذي دفعه، فيكون ذرة بذرة مع النسيئة والتفاضل، أما إذا كان سيزرعها قمحاً، والأجرة ذرة أو أرزاً فلا مانع.

    إذاً: كلمة (شيء) من العمومات، فإذا وقعت الإجارة وليست خاصة هنا بالأرض الزراعية فقط، بل كل عين مؤجرة إذا كانت الأجرة شيئاً معلوماً معيناً فلا بأس، ولا يجوز أن يأتي ويقول: آجرني بعيرك غداً. ويسكت عن الأجرة، بل لابد أن يعين.

    وكذلك يزيد الفقهاء نوع العمل، وبعضهم يقول: تعيين العمل ليس بلازم والعرف يحدد، فشعيب لما قال لموسى عليه السلام: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ [القصص:27]، قال: موافق. هل عين له عين العمل الذي سيعمله؟ المدة عرفناها: ثمان أو عشر، لكن ما نوع العمل؟ سيبني، سيحرث، سيرعى الغنم، سيتجر، ماذا يفعل؟ لم يبين له؛ لكن عرف من الحال أنه لرعي الغنم، ويقوم بمهام شعيب التي كانت تقوم بها بناته، فيكفيه المئونة في ما كانت تعمله بنات شعيب، وبنات شعيب ماذا كن يعملن؟ كن يرعين الغنم: وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ [القصص:23]، فيأتي موسى يحل محلهما في رعي الغنم.

    وقدمنا بأن الأجير على قسمين: أجير خاص لك زمنه، تشغله كيفما شئت في ما يستطيعه ويعرفه، مرة جعلته يستقبل الطلبات من السوق، ينظف البيت، يساعد البنائين في البنيان. ما يستطيع فعله فلك فعله ولك الزمن، بخلاف الأجير العام، الآن يتعاقدون مع الشغالات في البيوت هل يكتبون لها ماذا تعمل؟ تنظيفات أو مطبخ أو كذا؟ أبداً، عمل البيت معروف بالجملة عرفاً، لكنهم لا يكلفوها بأن تخيط؛ لأن الخياطة عمل مستقل، ولا أن تصير ممرضة، فالتمريض عمل مستقل.

    إذاً: هناك من يقول: تعين للعامل الذي استأجرته نوع العمل، كما تحدد له نوع الأجرة.

    وبعضهم يقول: تحديد العمل ليس بلازم، إنما يحدده العرف.

    [ وفيه بيان لما أجمل في... ].

    يقول المؤلف تعقيباً على الحديث: وفيه بيان لما أجمل من إطلاق النهي عن كراء الأرض؛ لأن الأحاديث جاءت مطلقة تنهى عن كراء الأرض، وجاء هذا الحديث، وهل نهى مطلقاً أو عن صورة معينة؟ عن صورة معينة، وأباحها في صورة معينة، إذاً: الأحاديث الواردة المطلقة في النهي عن كراء الأراضي يخصصها هذا الحديث، ويبين بأن عموم النهي ينصب على عقد الإجارة الذي فيه غرر وجهالة، أما عقد الإجارة على شيء معلوم مضمون فلا بأس، فقد بين هذا الحديث ما أجمل في الأحاديث التي جاءت بالنهي.

    صورة المزارعة التي نهى عنها الشارع

    [ وعن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المزارعة وأمر بالمؤاجرة)، رواه مسلم أيضاً ].

    هذا تأييد لما تقدم من أن إجارة الأرض -على الشرط المتقدم- بشيء معلوم مضمون لا بأس به. أما قوله: (نهى عن المزارعة)، فهذا مما تقدم الكلام عليه، وحمل هذا على أنهم كانوا في أول الأمر يزارعون ما لا يستطيعون القيام بزرعه، فيقولون؛ جمعاً بين المزارعة في خيبر والمساقاة: كان المراد بذاك النهي الإرفاق: (من كانت عنده أرض فليَزرعها أو يُزرعها غيره)، لديك أرض زائدة عنك، وعاجز عن زراعتها، أعطها لغيرك يزرعها، وكان ذلك في بادئ الأمر عند مجيء المهاجرين إلى المدينة، فكان فيه حث على مشاركة المهاجرين لمن عنده أرض عاجز عن زراعتها يقول له: أعطها له يزرعها، من باب المواساة، ثم بعد ذلك لما وسع الله على المسلمين أصبحت المزارعة والمؤاجرة والمساقاة سواء.