إسلام ويب

كتاب البيوع - باب الشفعة [2]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جاءت الشريعة الإسلامية بحفظ الحقوق وأداء الواجبات، ومن هذه الحقوق والواجبات حقوق الجار، فقد أمر الشرع بالإحسان إلى الجار وحرم إيذاءه، ولذا أذن له بالشفعة من جاره الآخر لما قد يحصل عليه من الضرر ممن سيحل محله.

    1.   

    شرح حديث: (الجار أحق بصقبه)

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه والتابعين، أما بعد:

    فيقول المصنف رحمه الله: [وعن أبي رافع رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الجار أحق بصقبه) أخرجه البخاري والحاكم وفيه قصة] والقصة هي: أن أبا رافع قال للمسور بن مخرمة : ألا تأمر هذا -يعني: سعد بن أبي وقاص - أن يشتري مني داري -وهي قرب سعد - فقال سعد : والله! ما أزيدك على أربعة آلاف، وقال أبو رافع: لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الجار أحق بصقبه) ما بعتك بأربعة آلاف.

    هذا الحديث بقصته في صحيح البخاري، وفي القصة أن عمرو بن الشريد قال: وقفت على سعد بن أبي وقاص، فأتى أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأتى المسور بن مخرمة ، فقال أبو رافع للمسور : ألا تكلم هذا -يعني: سعد بن أبي وقاص - أن يشتري بيتي اللذين هما في داره، فقال سعد : والله! لا أشتريهما أبداً، فقال المسور مساعدة لـأبي رافع : والله! لتشترينهما، فقال: والله! لا أعطيك فيهما إلا أربع مائة -وفي لفظ: أربعة آلاف- وأربعمائة على أنها مثاقيل؛ لأن المثقال يصرف بعشرة دراهم، وأربعمائة في عشرة تكون أربعة آلاف منجمة أو مقطعة - والله لا أشتريهما إلا بأربعمائة منجمة -أي: مقسطة- فقال أبو رافع: وكيف أبيعك إياها وقد منعتها من خمسمائة دينار؟ -يعني: خمسة آلاف درهماً، بمعنى: أن سعداً نقص من قيمتها إما ألف درهم فضة ومائة دينار ذهباً -كيف أبيعك إياها بأربعة آلاف وقد منعتها من خمسة آلاف؟ والله! لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الجار أحق بصقبه) ما بعتك إياها، فباعها عليه بالأربعمائة دينار.

    هذا الحديث بنصه في صحيح البخاري على هذا العرض، وهنا دار سعد كما تقول آثار المدينة كانت بالبلاط، والبلاط ما بين المسجد النبوي ومسجد المصلى -مسجد الغمامة-، وكان سعد حريصاً على تلك الدار مع أنه كان له قصر؛ لأنه جاء في بعض الأحاديث عن الروضة: (ما بين بيتي والمصلى روضة من رياض الجنة) فحمل البعض كلمة: (المصلى) على صلاة العيد، وحملها الجمهور على أن المراد بالمصلى: المكان الذي كان يقوم فيه صلى الله عليه وسلم للصلاة جماعة وهو على ميسرة المنبر، وهذا هو الصحيح؛ لأن الرواية الأخرى في الروضة: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على ترعة من ترع الجنة).

    إذاً: الروضة مرتبطة بالمنبر وليست مرتبطة بمسجد المصلى الذي هو موضع مصلى العيد الذي هو الآن معروف بمسجد الغمامة.

    وضعية الدور في السابق

    فـسعد كانت له دار، ولـأبي رافع فيه بيتان، ومعنى بيتين: حجرتين، والدور في السابق كانت عدة حجرات شبه الدائرة وبينها فراغ يسمى الصحن أو الحوش في العرف الحاضر، يطوف عليها البنيان ولها باب واحد يدخل منه، وقد تكون الدار فيها عدة بيوت لعدة أشخاص، وكل يسكن في بيته على حدة، ويبحث الفقهاء ذلك في باب الحرز في القطع؛ لأن تلك البيوت هي في دار واحدة، فإذا أخرج شيئاً من تلك الدور إلى الصحن، فهل يكون قد أخرجه من حرزه؟ أو لا يتم الإخراج من الحرز حتى يخرجه إلى الصحن ومن الصحن إلى الخارج؟ وهذا كان عرفاً موجوداً في السابق كما كان العرف في المدينة وفي مكة تجزئة التملك ما بين الطابق الأرضي والطابق العلوي، فقد كان يتملك الإنسان دكاناً أو دكانين تحت بيت شخص آخر، فالبيت لشخص والدكان أو الدكانين لشخص أو لأشخاص آخرين، أي: تجزئة المبنى.

    فهنا أبو رافع يقول للمسور : ساعدني على سعد، أي: كلِّمه أن يشتري مني البيتين اللذين هما لي في داره من داخل، فقال سعد: والله! لا أشتريهما أبداً، فتدخل المسور -وهو الواسطة- وقال: والله! لتشترينهما، فلما تدخل المسور وأقسم عليه، قال: إذاً: لا أعطيك بهما إلا أربعمائة مثقال.

    ولو أتينا إلى المثاقيل وإلى الأسعار فإن الباحث الاجتماعي يستطيع أن يعرف القيمة الشرائية للعقار في ذلك الوقت، ويقارن بينها وبين الأثمان والعقار في الوقت الحاضر، ومن هنا تؤخذ الأحكام بمتابعة الأحوال الاجتماعية والعامة، كما جاء في قصة الرجل الذي أعطي ديناراً ليشتري شاة.

    إذاً: القيمة الشرائية للشاة هي دينار، فما هي القيمة الشرائية اليوم بالنسبة للدينار؟

    الخلاف في أحقية الجار بالشفعة

    وإذا جئنا إلى موضوعنا فالمؤلف وغيره كما فعل البخاري ساق هذا الحديث في باب الشفعة، ما علاقة بيتين في دار بموضوع الشفعة؟ ليس هناك شركة مشاعة، إنما بيوت محددة مميزة، وكل بيت له باب، وهو مستقل بذاته، فلا علاقة للشفعة هنا؛ لأن الشفعة لا تكون إلا في شقص مشاع باعه أحد الشركاء على شخص آخر، وهنا لم يحصل بيع، وإنما صاحب البيتين يعرض على صاحب الدار أن يشتريهما منه.

    إذاً: موضوع الحديث موضوع البيع والشراء ولا علاقة له بالشفعة أبداً، ولهذا ينبه ابن حجر في فتح الباري ويقول: الحديث موضوعه البيع، ولكن الذين يقولون بالشفعة للجوار يستدلون به؛ لأنه عرض عليه أن يشتريهما، ولئن كان جاره أولى بأن يشتري منه فكذلك جاره أولى بأن يشفع عليه؛ فتكون دلالة الحديث على الشفعة من باب القياس واللزوم وليس من باب النص؛ لأنه قال هنا: (اشتر بيتي اللذين هما في دارك.

    فقال: والله! لا أشتريهما).

    إذاً: لو أنه توقف عند هذا وقال: والله! لا أشتريهما، ولم يشترهما فيكون كأنه ما حصل شيء؛ لأن الغير كان ممكن أن يشتريهما؛ لأنه قال: منعتهما من خمسمائة.

    إذاً: قد سيم عليهما، وقد جاءه زبون، ولكنه نظر إلى الحديث: وقال: لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الجار أحق بصقبه) وتقدم الكلام على كلمة: (صقب) بالصاد أو بالسين، وأما معناها فمنهم من يقول: الإحسان إلى الجار، ومنهم من يقول: المساعدة، وذكروا أموراً عديدة، حتى أن البخاري رحمه الله أتى بعد هذا الحديث في الصحيح بباب: أي الجارين أحق، وهو في باب الشفعة وما الذي نقله إلى أي الجارين أحق؟! ثم ساق حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: (قلت: يا رسول الله! يكون لي الجاران، فإلى أيهم أهدي؟...) الحديث. لأنه صلى الله عليه وسلم وصى بالجار، فقال: (وما زال جبريل يوصيني بالجار...) الحديث . والجار له حالات: جار من خلف البيت وله طريق من شارع آخر، ولكنه مجاور في البنيان من الظهر، وجار عن اليمين وبابه من شارع آخر، أو بابه من شارعك أنت، وجار عن اليسار، وجار مقابل، وبينكما الطريق، فأي هؤلاء الجيران هو الأقرب؟ وكذلك يأتي هذا البحث في دعاء الوليمة: إذا أتاك الجار ودعاك إلى وليمة، وجاء الجار الآخر فأيهما تقدم؟ أي: من أحق هؤلاء في وصف الجوار؟

    الآن وصف الجوار يكون من أربع جهات: جار من الخلف وبابه من طريق آخر، وجار عن اليمين وبابه من طريق آخر أو من طريقك، وجار عن اليسار وبابه من طريقك أو من شارع آخر، وجار مقابل لك، فقال لها صلى الله عليه وسلم: (إلى أقربهما منك باباً) ومن هو الذي بابه أقرب؟ الجار الملاصق للجدار من الخلف بابه من طريق آخر، وأما الجار الذي مقابل له وبينهما الشارع فهو أقرب؛ لأنه ما بينهما إلا الشارع، ولكن لماذا قدم الأقرب؟ قدمه لأن قرب الباب يعطي معنى المجاورة أكثر، فهو يعطيه من خيره، وهو أسرع لو استنجد به، فإذا استنجد الجار بجيرانه فأسرع من يأتيه هو الذي يقابله؛ لأنه أقرب، فإذا كان الذي على يمينه أو الذي على يساره بابه في طريق واحد معه وهو أقرب فيقدم، أما إذا كان بابه المسافة إليه عشرون متراً، وهذا بابه المسافة إليه خمسة أمتار فهذا أقرب، وهكذا جعل صلى الله عليه وسلم التقديم بالنسبة لقرب الباب.

    وهذا يأتي بحثه مستوفى كما يقول ابن حجر في باب الآداب.. في حقوق الجوار، وقد جاء عن عائشة رضي الله عنها في ذلك أخبار عديدة.

    وهنا يقولون: سعد كان له بيتان متقابلان بينهما شارع مسافته اثنا عشر ذراعاً، وكان في بعض الدارين بيتان لـأبي رافع، فعرض عليه أبو رافع أن يشتري البيتين فكان هذا الأمر.

    إذاً: عرض أبي رافع على سعد أن يشتري منه البيتين من باب الأولوية في الشراء وليس من باب الشفعة في شيء، ولكنهم قالوا: إذا كان أبو رافع قدم سعداً في الشراء فكذلك يقدم في الشفعة، وهنا أبو رافع استدل بالأولوية لـسعد في الشراء بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الجار أحق بصقبه).

    إذاً: هناك اشتراك بين بيع داري أبي رافع على سعد وبين أحقية الجار بصقب جاره، وإلى هنا يكون المؤلف قد أورد مع ما سيأتي بحث مسألة الشفعة في الجار، إلا أن الآتي أسانيده ضعيفة.

    وقد قدمنا أن الجمهور على أن الشفعة لا تكون إلا في شركة مشاعة فيما يمكن قسمه، وأول الجمهور كلمة الجار في الشفعة بأنه الشريك، وهذا كما يقال: من التأويل البعيد لقرينة، واستدلوا بقول القائل:

    أجارتنا بيني فما أنت بجارة

    فسمى زوجته وهي شريكته في الحياة جارة، والبعض ينازع في استعمال اللغة كلمة (جارة) في معنى الزوجة، أو كلمة (الجار) بمعنى الشريك لبعد الدلالة في كلمة (جار) على الشريك، وقالوا: مما يؤيد البعد اللغوي القرينة، وهي ما جاء في الحديث الآخر: (فإذا وقعت القسمة، وضربت الحدود صرفت الطرق فلا شفعة) إذاً: وجود القسمة والحدود والطرق يؤكد بأن هذه الشفعة تكون في المقسوم قبل أن يقسم، فإذا ما قسم ووضعت الحدود وصرفت الطرق فقد أصبح الشريك جاراً وليس بمشارك.

    ونهاية البحث في هذا كما يذكر ابن القيم رحمه الله وينسبه اختياراً لـابن تيمية رحمه الله، وهو قول الجمهور أن الأصل في الشفعة أن تكون في الشركة المشاعة في العقار الذي لم يقسم وهو قابل للقسمة، فإذا كان غير قابل للقسمة فلا شفعة، ومثلوا بالحمام وبالرحى وبالدكان الصغير وبالبئر، وقالوا: لأن هذه إذا قسمت لا يؤدى بقسميها ما كان يؤدى بمجموعهما، فالحمام إذا قسم لا يكون حمامين، وكل قسم لا يصلح أن يستعمل حماماً، فيمكن أن يستعمل للسكن، أو يستعمل مستودعاً، لكن أن يستعمل حماماً على ما كان من قبل فلا يصلح، وكذلك البئر، والرحى، وكذلك الدور الصغيرة، والدكاكين الصغيرة التي لو قسمت لم يصلح أحد القسمين على حدة فلا تصح الشفعة.

    فإذا أراد الشريك أن يتخلص من الشراكة ماذا يفعل؟ قالوا: يجبر الشركاء بالبيع معه أو بشراء قسمه، فإما أن يشتروا قسمه، وإما أن يبيع الجميع وكل يأخذ حقه من الثمن، هذا رأي الجمهور.

    المرتبة الثانية: الشركة في الجوار فإذا كان هناك تبعية للشراكة بأن كان هناك طريق مشترك أو مسقى ماء مشترك، فهذه بقية شراكة يمكن أن يتأذى منها الشريك الأول من الجار أو الشريك الذي سيأتي عليه فجعل له حق الشفعة.

    المرتبة الثالثة: الجوار الملاصق بلا مشاركة، وهذه الترتيبات الثلاثة عند علماء العراق ما عدا أبا يوسف ، فإنه يقول: إذا وجد الشريك المشاع فإن يحجب الشفعة عن كل أحد شفع أم لم يشفع.

    ولكن المتأخرون يقولون: الأحناف لا يذكرون رأي أبي يوسف في هذه المسألة، ويقتصرون على رأي أبي حنيفة رحمه الله على التقسيم المتقدم: الشفعة في المرتبة الأولى للمشارك، فإذا لم يوجد فالشفعة في المرتبة الثانية للجار الذي له مشاركة في المرافق، فإذا لم يوجد فمطلق الجار المشارك، وهذا خلاصة ما جاء في النزاع في ثبوت الشفعة للجار أو عدم ثبوتها.

    1.   

    شرح حديث: (الجار أحق بشفعة جاره...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها وإن كان غائباً إن كان طريقهما واحداً) رواه أحمد والأربعة ورجاله ثقات].

    يأتي المؤلف بهذا الحديث بعد حديث أبي رافع ، وهذا الحديث بلفظ: (الجار أحق بشفعة جاره) فهذا نص صريح في ثبوت الشفعة بين الجارين، والذين يمنعون الشفعة في الجوار بمعنى الملاصق أو المجاور، قالوا: الجار أحق بشفعة جاره. بمعنى: الجار المشارك، واستدلوا بقول القائل:

    (أجارتنا بيني فما أنت بجارة)، فهو طلق الزوجة وسماها جارة

    وقالوا: إن اللغة تطلق على كل ما كان قسيماً لشيء أنه جار، فلو جئت إلى دائرة وأخذت أقطارها من المركز الذي في الوسط إلى المحيط، فكل قسم من هذا مجاور للقسم الثاني وهكذا، فهي كلها في جزء واحد مشتركة في الدائرة ولكن كل ما بين قطبين يعتبر مجاوراً للقطب الثاني أو للقسم الثاني مع أنها مشاركة له في عين الدائرة، فقالوا: كذلك كل ما كان شريكاً في شيء فهو مجاور له، وعلى كل هذا كما يقال: من التأويل والنص هنا صريح، ولذا فإن من اختيارات ابن تيمية رحمه الله: أن هذا الحديث مخصص لعموم الجار؛ لأنه قيده: (الجار أحق بشفعة جاره إذا كان طريقهما واحداً) أي: مشتركاً، فهذا يخصص الشفعة التي جاءت في: (الجار أحق بصقبه) ففي هذا الحديث عموم الجار، فقال: لكن عموم الجار قد خصص هنا؛ لأن وجود بعض شراكة في مرافق العقار تدل نوعاً ما على المشاركة، والشفعة وضعت لرفع المضرة، وقد يتضرر الجار من جار جديد، ولكن كما قدمنا أنهم يحددون الجار هنا في الطريق غير النافذ، أما إذا كان طريقاً عاماً فليس أحد أولى من أحد؛ لأن الطريق العام يمر به الجار وغير الجار، أما إذا كان الطريق غير نافذ وعليه بيتين من اليمين وبيتين من اليسار وبيت في الرأس في الآخر؛ فإن المرور من هذا الطريق محدود محصور ولا ممدوحة لأحد من هؤلاء الجيران عن أن يمر من هذا المكان، فقد يكون الشافع بالجوار في هذا المحل يؤذي بعض جيرانه الآخرين، فقالوا: ترفع المضرة عنه بالشفعة، والآخرون قالوا: مضرة الجار مع جاره أقل نسبياً من مضرة الشريك مع الشريك في الرقبة وفي عين العقار، والله أعلم.

    1.   

    شرح حديث: (الشفعة كحل العقال)

    قال المصنف رحمه الله: [وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الشفعة كحل العقال) رواه ابن ماجة والبزار وزاد: (ولا شفعة لغائب) وإسناده ضعيف].

    إسناده ضعيف لا يقاوم إسناد غيره.

    وقوله: (الشفعة كحل العقال) يعني: إذا أبقيت العقال على البعير أمسكته، وإذا حللت العقال انفلت عليك، فكذلك الشفعة إن أنت طالبت بها عقلتها ولك الحق في مطالبتك بها، وإذا تركتها أو أفلت عقالها انطلقت عنك، وقد قدمنا بأن البعض يقول: يعفى في ذلك الوقت الضروري، فإذا علم وقت القائلة وشدة الحر فليس بملزم أن يكلف نفسه ويذهب إلى المشتري ويقول: شفعت عليك، وإذا بلغه الخبر وهو يتناول الطعام فليس عليه أن يترك طعامه ويذهب يطلب الشفعة بل يتم أكل طعامه، بل قال الحنابلة: ويستريح بعد الطعام إلى أن يهضم ثم يذهب ويطلب الشفعة، هذا الذي عليه الجمهور في المبادرة وإن كان الصنعاني أو غيره يقول: الأصل ثبوت الشفعة، وأما التعجل بها أو الفورية فليس هناك دليل، ولكن الآخرون يقولون: إن لم يكن في المسألة دليل شرعي ففيها دليل عقلي، وهو: إذا كنت شريكاً والمشتري قد اشترى وشريكك قد ذهب وأنت تريد أن تشفع؛ فإن لم يكن هناك توقيت للشفعة فإنك تستطيع أن تلحق ضرراً بالمشتري؛ لأنه حينما يشتري هو لا يعلم أتشفع أو لا تشفع؟ إذا أراد أن يعمر أو أن يغرس أو أراد أن ينمي ما اشتراه توقف؛ لأنه لا يدري أيثبت له ما اشتراه أم ينتزع منه بالشفعة؟ فتكون فيه مضرة أكثر، فقالوا: ليس تحديد الزمن بأولى من زمن، فتكون على الفور.

    وبعضهم يقول: إن كان غائباً فيعطى مهلة ثلاثة أيام إن كان سفره قريباً، أما إذا كان بعيداً فليس بملزم أن يقطع سفره ويأتي ويعلن الشفعة، ويقول مالك رحمه الله: إذا كان مسافراً سفراً بعيداً، فإنه حينما يعلم في غيبته بالبيع يشهد أنه شافع، فإذا رجع إلى بلده تقدم بطلب الشفعة وقدم الإثبات على أنه قد طالب بالشفعة منذ علم، وحينئذ يكون له الحق ولو طال الزمن، فإذا طال الزمن والمشتري قد بنى وغرس فماذا يكون حكم البناء والغرس الجديد؟

    قالوا: يأخذ الشافع الأرض بقيمتها التي اشتراها المشتري ويقدر ما عليها من البناء والغرس الذي أقامه المشتري؛ لأنه حقه فلا يظلم فيه؛ فإن استعد ودفع ثمن الأرض وما لحقها من بناء وغراس فله الحق، ونكون بهذا قد حفظنا على المشتري حقه، ورددنا عليه قيمة الأرض ورددنا عليه ما أنفق في غرس وبناء فلم يقع عليه ظلم.

    وبقي هنا أبحاث في باب الشفعة لأنها كما أشرت سابقاً واسعة، منها: إذا كان الشركاء متعددين، أو كان المشترون من الشريك الواحد متعددين، فمثلاً: الدار لخمسة أولاد ورثوها من أبيهم، فكل واحد له الخمس، فجاء واحد من الخمسة وباع سهمه، فكيف يكون حظ الشفعة للأربعة؟ لو قام واحد من الأربعة ليشفع على مشتري الخمس فالطريق واضح، فله أن يأخذ بالثمن الذي بيع به ويضمه إلى خمسه الأول ويصير له خمسان، والثلاثة الإخوة الآخرون لكل واحد منهم الخمس.

    لكن لو قام الأربعة يطلبون الشفعة في الخمس الذي باعه أخوهم، فلمن نعطيه منهم؟ قالوا: نعطيه للأربعة؛ لأنهم كلهم متساوون في الحق، فإذا أعطيناهم الشفعة، ورددنا الخمس إليهم وهم أربعة فكم لكل واحد منهم في هذا الخمس؟ قالوا: نقسم الخمس الذي بيع على الموجودين بحصصهم، وأصبح الملك الآن لأربعة؛ لأنهم أربعة أشخاص لكل واحد منهم ربع الخمس الذي بيع.

    وإذا كان العكس: اثنان مشتركان بالنصف وباع أحد الشريكين نصيبه على أربعة أشخاص، فجاء الشفيع صاحب القسم الثاني وشفع، أيشفع على واحد من الأربعة أم على الجميع؟ الجواب: على الجميع، فلو شفع على واحد فقط فيقال له: لا، إن فيه مضرة، والمبيع جزء واحد، فاشفع في هذا المبيع كله بصرف النظر عن المشترين، فإذا قال: لا، أنا آخذ حصة واحد فقط، فيقال له: لا، إما أن تأخذ كامل الشقص الذي بيع بصرف النظر عمن اشتراه، واحد أو اثنان أو أربعة وإما أن تتركه كله، فحينئذ إن أراد بأن يشتري الشقص كاملاً من الأربعة يلزم أن تكون الشفعة عليهم جميعاً.

    حكم المطالبة بالشفعة، وهل تورث؟

    وهنا السؤال: هل القيام والمطالبة بالشفعة واجب أم جائز؟

    المطالبة بالشفعة جائزة؛ فإن شاء قام وطالب بها وإن شاء تركها، بل بعض العلماء يقول: الأحسن أن يتركها، لكن إن علم الشريك القديم من المشتري ما يضره في دينه بأن كان يجاهر بالمعصية وسيأتي إلى حصته في الدار ويسكن ويجاهر بما حرم الله، فهل يتركه يأتي ويدخل عليه بهذا الشر أم يتعين عليه أن يشفع ويدفع عن نفسه المضرة في دينه؟!

    وإذا كانت المطالبة بالشفعة على الجواز، فهل هذا الحق بالمطالبة يورث، وهل الورثة يستحقونه أو لا يورث ما دام مجرد جواز؟

    وقالوا: إذا كان الشريك الأول وهو الذي يستحق المطالبة بالشفعة مات بعد أن باع شريكه حصته، فهل لأولاد الشريك الأول أن يقوموا مقام أبيهم ويطالبون بالشفعة؛ لأنهم حلوا محله في الملك أو ليس لهم ذلك؟

    وبعض من يقول: إنها جائزة قالوا: هذا حق لا يملك بالميراث، وهؤلاء متملكون جدد ليس لهم الأسبقية، وآخرون يقولون: لهم الشفعة، والقول الوسط: إن كان أبوهم أو مورثهم حينما علم بالبيع في حياته سكت عن الشفعة فيكون قد أسقطها؛ لأنه هو الأصيل، فلا حق للورثة بالمطالبة بها؛ لأن صاحب الحق الأصلي قد ترك، أما إذا كان قد علم في حال حياته فطالب بالشفعة وفي أثناء المطالبة والمفاهمة توفي، فحينئذ يكون صاحب الحق الأصلي قد طالب به؛ فورثته أحق بها تبعاً لمورثهم، فيرثون مطالبة المورث بالشفعة.

    1.   

    الشفعة في مدة الخيار

    ويقولون: من شروط الشفعة: أن ينتقل الجزء المبتاع للشافع بنفس ثمن المبايعة، وأن يستقر البيع ويستقر الملك للمشتري، فإذا باع الشريك حصته على إنسان واشترط المشتري الخيار... فهل للشريك القديم أن يقوم ويطالب بالشفعة قبل مضي الشهر أو ليس له ذلك؟

    هنا يقولون: إن كان اشتراط الخيار للمشتري والبائع قد أسقط حقه في الخيار، فهل يكون البائع قد أمضى البيع أم لا؟ من جانبه أمضاه؛ فحينئذ يكون للشريك الحق في القيام بالمطالبة بالشفعة؛ لأنه يشفع على الشريك والشريك قد أمضى البيع وأصبح في حقه لازماً، أما إذا كان البائع هو الذي اشترط الخيار والمشتري أمضى البيع فإنه لا يحق للشريك أن يطالب بالشفعة؛ لأن الشفعة مبناها على إتمام البيع، وإتمام البيع متوقف على المالك وليس على المشتري وهنا البيع لم يتم.

    1.   

    الإقالة في الشفعة

    وهنا مسألة أخرى: الشريك باع والمشتري استلم، والشريك القديم لم يطالب، ثم إن المشتري وجد في نفسه أنه غبن، ووجد عيباً أو جد شيئاً ندم بسببه على الشراء، فرجع إلى البائع وقال: أقلني بيعتي، وطلب الإقالة، فقام الشريك الأول حينما تمت الإقالة ورجع الشقص لصاحبه كما كان، هل يحق له أن يشفع عقد الإقالة الجديد أو لا يحق؟

    سنأتي ونقول: هل الإقالة فسخ أو بيع؟

    الجمهور على أن الإقالة فسخ للعقد الأول، والمالكية يقولون: هي عقد من جديد؛ ولذا يجوز له أن يقيله بزائد على الثمن أو بأنقص؛ لأنه بيع. والجمهور يقولون: لا. إذا أقاله لا يأخذ منه درهماً ولا ينقصه من حقه شيئاً، فإذا اشتراها بألف وقال له البائع: أنا أقيلك وأرد لك تسعمائة فأنقص من حقك مائة فلا. وبموجب ماذا ينقص؟ قالوا: لأنه عقد بيع ومساومة، فإذا جاء البائع وطلب الإقالة، وقال: أنا ندمت أني بعتك، أنت اشتريت مني بألف، أنا أعطيك ألف ومائة ورده عليّ، فهنا الزيادة والنقص في عقد الإقالة يجعلها بيعاً.

    فإذا حكمنا بأن الإقالة فسخ للعقد الماضي، إذاً: لم ينتقل الملك انتقالاً جديداً فلا شفعة.

    وإذا حكمنا على الإقالة بأنها بيع ووقعت في صورة البيع بزيادة أو بنقص، مساومة من جديد قلنا: فيه الشفعة، والله تعالى أعلم.

    وأوصي الإخوان أن يراجعوا هذا الباب في تلك المراجع التي ذكرناها سابقاً، وهناك رسالة ماجستير لرجل مغربي عمل مقارنة في الشفعة بين المذاهب الأربعة وفي القوانين، فلو اطلع إنسان عليها فهي مفيدة؛ لأنه تعمق في البحث تعمقاً كبيراً. والله تعالى أعلم.

    والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.