إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عطية محمد سالم
  3. كتاب البيوع - باب التفليس والحجر [2]

كتاب البيوع - باب التفليس والحجر [2]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جعل الله المال قياماً لمصالح الدين والدنيا، والشريعة جاءت بأحكام تحافظ على هذه الضرورة، ومن ذلك أنها تشرع الحجر على مال الصغير والسفيه المبذر لمصلحتهما، وترغب المرأة في استشارة زوجها في مالها، وبهذه الأحكام وغيرها يصلح أمر الفرد والمجتمع.

    1.   

    شرح حديث: رد النبي عليه الصلاة والسلام ابن عمر يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

    قال المصنف رحمه الله: [وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني) متفق عليه، وفي رواية للبيهقي : (فلم يجزني ولم يرني بلغت) وصححه ابن خزيمة ].

    يقول: (عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق -والخندق كان بعد أحد بسنتين؛ لأن غزوة الخندق كانت في السنة الخامسة على الصحيح- وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني).

    أتى المؤلف بهذا الحديث في باب التفليس والحجر، ليبين أن الحجر كما يكون على المال يكون أيضاً على النفس، فالصغير يحجر عليه، والمفلس الذي زاد دينه على رأس ماله يحجر عليه، بل إنه حجر على: معاذ بن جبل وهو أعلم الأمة بالحلال والحرام، فهو كامل العقلية ومتوفر العلم والأهلية ولكن حجر عليه من جهة الإفلاس في المال.

    الحجر للسفه والصغر

    الحجر نوعان: حجر بإفلاس، وحجر بسفه، فلو أن إنساناً ما عليه ديون، ولا أحد يطالبه بشيء، لكنه يبذر ماله يميناً ويساراً، ويضيع ما معه، فهذا سفه، فهل نتركه يضيع المال أو نحجر عليه؟

    نحجر عليه، خلافاً لـأبي حنيفة ، والأئمة على أن الموسر الذي ماله كثير ولكن عقله قليل، فهو ينذر المال ويتلفه، نحجر عليه، وكأننا نضعه في حجرة.

    كان في زمن عمر رضي الله تعالى عنه رجل يدعى أسيفع ، وكان هذا الرجل مغرماً بالدعاية والفخر، فإذا جاء وقت الحج اختار أسرع الإبل من أجل أن يسرع بعد الحج ويأتي إلى المدينة قبل الحجاج، فيقال: سبق أسيفع الحجاج، وكل سنة يريد شيئاً أحسن من شيء، فتكاثرت عليه الديون، فأخبر عمر رضي الله عنه بخبره، فخطب في الناس وقال: أيها الناس! إن أسيفعاً قد رضي من دينه ومروءته أن يقال: سبق أسيفع ، وقد لحقه الدين، فمن كان له عليه دين فليأتنا غداً، وباع عمر رضي الله تعالى عنه الموجود من أمواله وسدد الغرماء، فهذا كان يضيع المال في غير محله، فهذا هو السفه، فإذا وجد إنسان كبير عمره ثلاثون أو أربعون سنة، أو أكثر أو أقل، لكنه لا يضع المال في محله ويبذره فإنه يمنع من التصرف في ماله لحفظه، قال الله: إن الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ [الإسراء:27].

    والصبي الصغير إذا كان يمتلك مالاً ميراثاً أو هبة أو غير ذلك، لو تركناه وماله سيبذر فيه، فليس عنده كامل الأهلية في التصرف في ماله، ولا يعرف ما ينفعه وما يضره فيه، فهو قاصر الأهلية في المال، فلا نتركه يضيع المال وعندما يكبر يقول: أعطوني! لا، فمن الآن نحجر عليه، فالسفيه في التصرف بالمال والصبي الصغير يحجر عليهما.

    متى يحجر على الصغير؟

    حد الصغر من الكبر سن أربعة عشر وخمسة عشر، فأربعة عشر آخر حد الصغر, وخمسة عشر في حد الكبر، ومن يحدد عمر الإنسان؟

    جاء رجل عندي في شهادة، فقلت له: كم عمرك؟ فضحك، قلت له: ماذا هناك؟ قال: تريد عمري في التابعية أو على حساب أمي وأبي؟

    قلت له: كلاهما، حتى أنظر الفرق بينهما؟ قال: في التابعية عمري تسعون سنة، وعلى حساب أمي وأبي فوق المائة! فإن كان هناك ضبط لتحديد السن قُبِل، والناس مؤتمنون على أعمارهم.

    ومن الناحية الطبية يحدد عمر الإنسان في نقطة واحدة فقط يقيناً قطعاً، وما عداها يكون ظناً وتخميناً، وهي سن السادسة عشرة، يقول الأطباء: هناك عظمان متقابلان يسعى كل منهما إلى الآخر، فإذا بلغ الإنسان ستة عشر سنة التقا العظمان معاً، فهما متباعدان، وكل ينمو ويمتد إلى الآخر إلى نهاية سن السادسة عشرة سنة، فيلتقي العظمان، وقبلها يعلم أنه ما بلغ ست عشرة سنة، وبعدها يعلم أنه تجاوز ست عشرة سنة، لكن كم بقي عليه حتى يصل إلى ست عشرة سنة؟ تخمين، وكم مضى عليه منذ وصل إلى ست عشرة سنة؟ تخمين.

    والمؤلف رحمه الله يسوق هذا الحديث هنا ليبين أن الصغير الذي يحجر عليه لعدم الأهلية المالية حده خمس عشرة سنة، فإذا كان عمره خمس عشرة سنة لا يحجر عليه، وإذا مات الرجل وترك من الأولاد من هم في سن أربع عشرة فأقل فهم في وصاية، ويقام عليهم وصي يتصرف في أموالهم بالحكمة لمصلحتهم، وإذا كان منهم من تجاوز الخمس عشرة سنة فليس عليهم وصاية، وعند أبي حنيفة سبع وعشرون سنة، وليس هناك وقت ابتداء للحجر بوصف الصغر، لكن قد يأتي الحجر بعد ذلك لوصف السفه. والصغير لا يعطى ماله إلا بعد البلوغ والرشد، يقول المولى سبحانه: فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ [النساء:6]، وقبل هذا قال: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ [النساء:5]، فالسفيه لا يتحكم في المال بل نحجر عليه، وإذا آنسنا من الصغار الرشد بعد التمرين والتدريب، بأن نعلمه البيع والشراء في الأشياء الخفيفة، فعند ذلك نعطيه ماله بعد البلوغ والرشد، وكنا نشاهد في المدينة في الستينات الطفل الصغير يبيع الجاز والكبريت والملح، وأشياء خفيفة ليس فيها غبن عليه.

    متى يفك الحجر عن الصبي؟

    يفك الحجر عن الصبي إذا بلغ خمس عشرة سنة، وبعد البلوغ يجري القلم عليه في العبادات، ولكن في المعاملات يربط مع السن الرشد، وما هو الرشد؟

    بعض العلماء يقولون: الرشد هو حسن التصرف في المال، وحسن التدبير في المال، والشافعي وغيره يقولون: أول صفات الرشد حفظ الدين، فينظر هل هو مستقيم في دينه أم لا؟ لأنه إذا كان مستقيماً في دينه يؤدي الصلوات ويصوم ويصدق في الحديث فسيحافظ على أمر دنياه، وهناك من يقول: لا، الدين للدين والدنيا للدنيا، فلو كان حصيفاً في ماله وسفيهاً في دينه ندفع إليه المال، والآخرون يقولون: إذا لم يكن رشيداً في دينه فسيضع المال في أي طريق كان، ولا يفرق بين حلال وحرام، ونص الشافعي على أن الصبي إذا بلغ الخامسة عشرة وهو يضيع ما بيده في اللعب فإنه سفيه لا يعطى له ماله، ومن السفه اللعب بالصواريخ النارية، فالعبرة في الحجر ليس مجرد العمر بل يشترط مع العمر وصف الرشد، وهذا نص كتاب الله: فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً ، فإذا بلغ الخامسة عشرة فقد تجاوز مرحلة اليتم، وتجاوز مرحلة الصغر، لكن ننظر هل رشد أم لا؟ فإن رشد فيكون قد اكتمل من الجانبين المادي والمعنوي، وإذا لم يكن مع البلوغ رشد فنقول: لا نعطيك مالك حتى تعقل.

    إذاً: المؤلف رحمه الله أتى بهذا الحديث ليبين لنا الفرق بين البلوغ وعدم البلوغ، وهل البلوغ متوقف على أربع عشرة وخمس عشرة أو أن هناك علامات أخرى؟

    يوجد علامات أخرى كما في قصة بني قريظة، فمن علامة البلوغ الإنبات، فنبات الشعر في العانة علامة على البلوغ، وإذا احتلم وأمنى فهو أيضاً علامة على البلوغ، وقد يحتلم في الثانية عشرة من عمره، وكذلك الجارية إذا حاضت، وتقول عائشة رضي الله تعالى عنها: (إذا بلغت الجارية تسع سنوات فهي امرأة ) فتكون قد بلغت، ولكن من حيث التكليف الشرعي والإلزام بالفرائض فحتى تبلغ خمس عشرة سنة.

    حرص شباب الصحابة على الخير

    قال ابن عمر : عُرضت فرفضت ثم عُرضت فقبلت، ما هذا العرض؟ وما الذي جاء به حتى يعرض؟

    غلام عمره أربع عشرة سنة ويأتي ويزامل الرجال، ليس في نزهة أو رحلة، أو حفلة، بل في قتال تتطاير فيه الرءوس!

    انظروا كيف كان الشباب في ذلك الوقت! والآن صار الشباب شباب الموضة، وشباب التوليتة، لا تنسوا -يا إخوان- شباب الرعيل الأول، عمره أربع عشرة سنة ويزاحم الرجال، ويحمل السيف في القتال.

    ولما استعرض النبي صلى الله عليه وسلم أهل بدر، كان غلام يمشي على أطراف أصابع قدميه، فقال له أخوه: لماذا تفعل هذا يا أخي؟! قال: أخشى أن يراني رسول الله فيتصاغرني فيردني، وأنا أحب الشهادة، سبحان الله! يتطاول على أصابع قدميه لئلا يراه رسول الله صلى الله عليه وسلم قصيراً فيقول له: ارجع، أنت لا تصلح للجهاد، فيحتال للقتال، واستشهد فعلاً في غزوة بدر.

    هذه النوعية -يا إخوان- من أين نأتي بها؟ هل من الشباب في هذا الوقت عشرة في المائة، أو خمسة في المائة مثل تلك النوعية؟ لا، لأنهم نشئوا أول ما نشئوا على الأخلاق الفاضلة، وعلى الفروسية، وهؤلاء نشئوا أول ما نشئو على الحضارة والمدنية.

    نريد أن نغرس في نفوس أبنائنا أصالة الإسلام، وأن نوجد آثاره في حياتهم العملية، فهذا ابن عمر رضي الله تعالى عنه يعرض يوم أحد، وتعرفون كم كان عدد الكفار، والنسبة بين الطرفين، فيرد لصغره! وعرض رافع بن خديج وسمرة بن جندب في أحد، فرد أحدهما فذهب الآخر يبكي عند أبيه، قال: ماذا بك تبكي؟! قال: (أجاز النبي عليه الصلاة والسلام فلاناً وردني وأنا أصرعه، فذهب أبوه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: ولدي يقول: كذا وكذا -يا رسول الله- فأجزه، فناداهما الاثنين وتصارعا أمامه، وفعلاً صرعه فأجازه).

    1.   

    شرح حديث: (عرضنا يوم قريظة فكان من أنبت قتل...)

    قال رحمه الله: [وعن عطية القرظي رضي الله تعالى عنه قال: (عرضنا على النبي صلى الله عليه وسلم يوم قريظة، فكان من أنبت قتل، ومن لم ينبت خلي سبيله، فكنت ممن لم ينبت فخلي سبيلي) رواه الأربعة ].

    البلوغ يحصل إما ببلوغ خمس عشرة سنة، وإما بنبات الشعر في العانة، وهذه علامة بارزة ترتبط بسن البلوغ وبدء الأهلية، وعلامة الإمناء قد تكون مبكرة عن هذا الحد، فبعض الفتيات قد تحتلم، في تسع سنوات، وبعض الشباب في سن اثنتي عشر قد يحتلم ويكون بالغاً من الناحية الجنسية، وليس بالغاً من الناحية الأهلية، وبالله تعالى التوفيق.

    1.   

    شرح حديث: (لا يجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها)

    قال رحمه الله: [وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يجوز للمرأة عطية إلا بإذن زوجها، وفي لفظ: لا يجوز للمرأة أمر في مالها إذا ملك زوجها عصمتها) ].

    هذا الحديث يشعر أن الزوجة إذا ملك الزوج عصمتها حجر عليها أن تتصرف في مالها إلا بإذن زوجها، وهذا هو مذهب مالك رحمه الله، فعنده أن المرأة إذا تزوجت لا تتصرف في مالها إلا بإذنه، وعند غيره أن المرأة لها حق التصرف في مالها ما لم يكن هناك سفه، أو هناك تضييع، والمقصود بمالها: المملوك لها خاصة سواء كان ميراثاً عن أبيها أو أمها، أو هدية أو تجارة، بخلاف مال زوجها فإنها لا تملك فيه إلا التصرف بالمعروف كإعطاء السائل، وإعارة المتاع واسترجاعه، والجمهور على أن هذا من باب الإرشاد، واحتياطاً لقوله تعالى: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ [النساء:5]، وقالوا: إن المرأة قد لا تحسن التصرف في المال، وقد جاءت النصوص المشهورة في تصرف المرأة بمالها بغير إذن زوجها؛ فمن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب في يوم عيد، ثم أتى النساء فوعظهن وحثهن على الصدقة، فجعلت المرأة تتصدق بقرطها، أو بخاتمها، أو بسوارها، وتلقي من حليها الذي معها في حجر بلال رضي الله تعالى عنه، ولم تستأذن زوجها في هذا التصرف، وكان الرجال في جهة والنسوة في جهة.

    وكانت خديجة رضي الله تعالى عنها تقدم المال لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت تنفق عليه صلوات الله وسلامه عليه، وكون المرأة إذا تزوجت وأصبحت في عصمة رجل؛ لا تتصرف في مالها، هذا مذهب المالكية، وبعضهم يحد ذلك بسنتين إلى أن يعرف حصافتها في مالها، وحسن تدبيرها فيه، وعلى كلٍ، فهذا الحديث للإرشاد.

    واتفقوا على أنه لا يحق للمرأة إذا دخلت في أشهر الحمل الأخيرة أن تتصرف في شيء من مالها، قيل: إذا أنهت الشهر السادس، وقيل: إذا أخذها المخاض، فإذا أخذها المخاض فلا يحل لها بيع ولا شراء ولا وصية؛ لأنها في حالة يخشى عليها فيها من الموت، وتكون كمن وقف في الصف في المعركة، فإنه لا يحل له أن يوصي بأكثر من الثلث؛ لأن المال معرض لأن ينتقل منه إلى الورثة، وكذلك المريض مرضاً مخوفاً فلا يحق له التبرع ولا الوصية إلا في حدود ما سمح به الشارع، وهو ثلث المال، فالمرأة إذا أخذها المخاض تمنع من التصرف في مالها مطلقاً، وإذا أنهت الشهر السادس كان ذلك على سبيل الكراهية، وإذا كانت غير حامل وكانت في عصمة رجل فإن أمرها قد انتقل من أمر أبيها إلى زوجها، وهذا مما يعظم حق الزوج على الزوجة، حتى إنه يتحكم في مالها الذي لا يخصه، وغير مالك جعل ذلك للإرشاد، ولها أن تتصرف في مالها، ولها أهلية التصرف في المال كغيره من الأمور التي لها الحق فيها، والله تعالى أعلم.

    1.   

    شرح حديث: (إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة ...)

    قال رحمه الله: [وعن قبيصة بن مخارق رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عيه وسلم: (إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: لقد أصابت فلاناً فاقة فحلت له المسألة) ].

    تقدم وجوب التعفف عن المسألة وأن: (من سأل وعنده أوقية أتى يوم القيامة وليس على وجهه مزعة لحم)، وقد ذكرنا قصة الشاب الذي جاء يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: (أراك قوياً جلداً! قال: ليس عندي شيء وعندي عجوز في البيت، قال: ماذا عندك في البيت؟ قال: حلس نفترش نصفه، ونلتحف بنصفه، وقعب نأكل ونشرب فيه، فقال صلى الله عليه وسلم: علي بهما، فأخذهما صلى الله عليه وسلم وقال: من يشتري هذا؟ فقال رجل: بدرهم، فقال: من يزيد؟ قال رجل: بدرهمين، فباع ذلك عليه وأعطى الشاب الدرهمين وقال: اشتر طعاماً لأهلك، واشتر بدرهم فأساً وحبلاً وأتني بهما، فجاءه بالفأس والحبل، فأخذ الفأس ووضع فيها عوداً وقال: اذهب واحتطب، ولا أرينك خمسة عشر يوماً، فذهب يحتطب ويبيع ويستغني بما يعود عليه من هذا العمل، ثم جاء بعد الموعد ووقف على النبي صلى الله عليه وسلم في ثوب جديد ومعه دراهم، فقال صلى الله عليه وسلم: لأن يأخذ أحدكم فأساً وحبلاً فيحتطب فيبيع فيستغني؛ خير له من أن يتكفف الناس السؤال) وقال عليه الصلاة والسلام: (ومن يصبر يصبره الله) وقال: (ما أعطي أحد عطاءً خيراً وأوسع من الصبر) فالصبر على الحاجة أولى من مد اليد.

    وهنا في باب الحجر يبين المؤلف متى يجوز للإنسان أن يسأل، والواجب أن يكف الإنسان عن المسألة، والمسألة بمعنى السؤال، والسؤال والمسألة يأتيان اصطلاحاً في سؤال استفسار كما يسأل طالب العلم أو المستفتي في مسألة نازلة به ويطلب حكمها، قال الله: لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ [المائدة:101]، وهذا من باب المسألة في العلم سواءً ما يتوقع أو لا يتوقع، وتكون المسألة بمعنى سؤال الحاجة، وطلب العون، سواءً كان نقداً أو متاعاً أو مساعدة كشفاعة بجاه إنسان عند إنسان آخر، وهذه المسألة هي المرادة بقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تحل المسألة إلا لإحدى ثلاثة)، والمراد بالثلاثة هنا: الجنس، وليس ثلاثة أشخاص فقط، ولكن ثلاثة أصناف من الناس هم الذين تحل لهم المسألة.

    جواز السؤال لمن تحمل حمالة

    قال عليه الصلاة والسلام: (رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك).

    رجل تحمل حمالة أو امرأة، وذلك بأن تكون هناك خصومة بين الناس، أو نزاع، ويشتد الأمر بين الطرفين، ويحتاج الأمر إلى تدخل من يصلح بينهما، ويكون النزاع على مال، فيأتي إنسان خير ذو مروءة فيتحمل الشيء الذي تنازعوا عليه، وكل يدعيه لنفسه، فهذا تحمل حمالة لغير منفعته الخاصة، ولكن للإصلاح بين الناس.

    وسيأتي في هذا الكتاب باب الصلح وحكم الجوار، ويبين فيه أقسام الصلح، وهذا الباب من أهم أبواب الفقه، قيل: إن جبريل عليه السلام أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن الملائكة تتمنى أن تكون من أهل الأرض لكثرة ما ترى من ثواب عملين، وهما: الإصلاح بين الناس، وسقي الماء، فالذي يتحمل حمالة فهو ساع للإصلاح بين المتنازعين، وإن كان أصل النزاع على مال أو نفس تحمل الغرم، كما قيل:

    سعى ساعياً غيض بن مرة بعدما تبذل بين العشيرة بالدم

    تحمل ديات الفريقين، وأصلح بينهما، فالذي تحمل هذا لمصلحة الطرفين وجبت مساعدته، ولا نتركه يتحمل من ماله، فله أن يأخذ من الزكاة، وله أن يسأل ولو كان وفير المال؛ لأنه لم يتحمل لمصلحة شخصه، وإنما توسط مروءة وإصلاحاً، فلو تركنا كل إنسان يتدخل بالإصلاح بين الناس ويتحمل ما يدفعه للإصلاح من عين ماله، لأحجم الناس عن هذا التدخل، وتركوا هذا العمل الخير، وبقي النزاع بين الناس، ولكن ما دام أنه تحمل الغرم لمصلحة الآخرين، فعلى الآخرين أن يساعدوه، وأن يعطوه ما سأل حتى يبلغ ما تحمله، فإن كانت القضية تحتاج إلى تحمل ألف، أو مائة ألف، أو مائتين ألف ريال أو أكثر أو أقل، فإذا أصاب بمسألته ما يوفي عنه حمالته كف عن المسألة؛ لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فما دامت الحمالة موجودة فله حق في السؤال، وما دامت قد زالت وارتفعت فليس له حق، ووجب عليه أن يكف عن المسألة.

    جواز السؤال لمن أصابته جائحة

    وقوله: (ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش).

    مثلاً: إنسان صاحب تجارة، وله سفن في عرض البحار، تحمل تجارته ورأس ماله، فجاءت(أمواج عاتية، ورياح صاخبة، فأغرقت تلك السفن، فهذه جائحة أصابت ماله، وبقي لا مال عنده، فهل نتركه على هذه الحالة؟ لا، بل تحل له المسألة، وهل يسأل حتى يحصل على ما فات عليه؟

    لا، فقد يكون فات عليه الشيء الكثير جداً، ولكن كما قال عليه الصلاة والسلام: (حتى يصيب قواماً من عيش)، أي: المال الذي يقيم حياته ومعيشته على نمط أمثاله في حياتهم، ولا نقول: ينبغي أن يكتفي بأقل ما يمكن أن يعيش به إنسان، فإذا كانت له عائلة، وله أولاد، وله التزامات، فإن له أن يسأل (حتى يصيب قواماً من عيش)، حتى يكون كأمثاله في حياتهم اليومية، لا أن يستمر في المسألة حتى يستعيض كل ما افتقده من تجارته، فقد يكون افتقد الشيء الكثير.

    ومثل ذلك إذا أصيب ماله بحريق أو بغرق أو بلصوص، المهم أي جائحة عامة اجتاحت ماله، كان بالليل غنياً فأصبح فقيراً كما قيل:

    وما يدري الفقير متى غناه وما يدري الغني متى يعيل

    وما يدري الفقير متى غناه، فالغني أمر بيد الله، وما يدري الغني متى يعيل: يعيل بمعنى: يفتقر:

    وما تدري وإن ذمرت سقباً يكون لك أم لغيرك ذا الفصيل

    إذا كانت لك ناقة حامل، وذمرت سقبها، فلا تدري: أيكون لك هذا الفصيل، وتعيش حتى يكبر وتستمع به أم تتركه مع عنايتك به لغيرك؟ فهذه أمور غيبية لا يعلمها إلا الله، ولا يقدر قدرها إلا الله، فإذا كان إنسان صاحب مال واجتاحت ماله جائحة، فتجب مساعدته من باب التعاون الإسلامي، أو كما يقولون: التضامن الاجتماعي، فأخوة الإسلام تجعل المسلم مع المسلم كالجسد الواحد، وأي فرد آخر أصيب بمثل ذلك فيساعده الجميع، فهو أخوهم قد أصيب بهذه الجائحة، فمن حقه عليهم أن يساعدوه، (وله أن يسأل حتى يصيب قواماً من عيش).

    جواز السؤال لمن أصابته فاقة

    وقوله: (ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: لقد أصابت فلاناً فاقة فحلت له المسألة).

    وهذا شخص ثالث، فالأول: تحمل حمالة لغيره، فيأخذ حتى يسترد ما تحمل، ولو كان عنده مال؛ لأنه فاعل خير لغيره، فوجب تعاون المسلمين معه، والثاني: ماله موجود، ولكن اجتاحته جائحة فأصبح معدماً، وهذا من حقه على إخوانه المسلمين أن يتعاونوا معه، وإذا سأل حلت له المسألة (حتى يصيب قواماً من عيش) ولا نتركه -بعد أن كان ذا مال وفير- يتكفف الناس السؤال؛ لأن هذا أصعب ما يكون عليه، وهذا أصعب عليه من ضياع ماله واجتياحه؛ لأنه ما تعود هذا، بخلاف الشخص الذي نشأ على المسألة، فلا يهمه أن يسأل أعطوه أو طردوه، عبسوا في وجهه أو استبشروا في وجهه؛ لأنه تعوّد على ذلك فلا يضيره، بخلاف الشخص العفيف المستغني بماله الذي لم يتعود المسألة، فإنه إذا اضطر إلى قرضة من المال، توقف وأحجم أن يطلب من أحد قرضاً، مع أنه سيقترض ويرد؛ لأن القرض يشعر بالحاجة، فمن حقه على المسلمين أن يعطوه ويساندوه (حتى يصيب قواماً من عيش).

    وقد جاء عن أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: لو أن رجلاً مات جوعاً في محلة قوم لألزمتهم ديته، لأنه كان يجب عليهم أن يطعموه، ومن هنا يحق للمسلم أن يعلن للعالم: أن ما تدعونه من الضمان الاجتماعي هو موجود في الإسلام بأكثر مما لديكم، ولا ننسى فريضة الزكاة، فهي ضمان إجباري: وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ [المعارج:24-25]، فيجب أن يتميز المجتمع الإسلامي بالتعاطف والتراحم، كما قال صلى الله عليه وسلم: (كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) يعني: أحس بشكوى العضو، ولو كان في أقصى العالم، وقال: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً)، فهذا الأول والثاني.

    والثالث: لم يتحمل حمالة لغيره، ولم يك ذا مال فاجتاحت ماله جائحة ولكنه ضعيف الحال، فقير أصابته فاقة، ودخله بقدر حاجته، ولكنه في بعض الظروف تعطلت روافد مصرفه، مثلاً: كانت له تجارة فتعطلت، أو كانت له تجارة فخسر فيها، أو كانت له زراعة فقل دخلها، فأصابته فاقة بأي سبب، ومهما كانت الأسباب فمادام أنه قد أصابته الفاقة، وهو في حالة الحاجة والاضطرار؛ فحينئذ له الحق أن يسأل، وإلى متى؟

    (حتى يصيب قواماً من عيش).

    شهادة ثلاثة لمن أصابته فاقة وشروطهم

    الثالث الذي أصابته الفاقة لابد أن يشهد له ثلاثة من ذوي الحجا بأنه قد أصابته فاقة، والأصل في الشهادة كما قال الله: ذَوَى عَدْلٍ [الطلاق:2]، ولو شهد اثنان على إنسان في قتل نفس لقتل، فيقتل المسلم بشهادة رجلين، وهنا يشترط صلى الله عليه وسلم أن يقوم ثلاثة من ذوي الحجا، والحجا هو: العقل، فيشهدون بأن فلاناً هذا قد أصابته فاقة، والموجب لكون الشهادة هنا ثلاثة أشخاص، مع أنه يكتفى في الجنايات بشاهدين: أن الشاهدين في الجناية يشهدان في أمر ظاهر عياناً، فهما مثلاً رأياه يقتل بآله حادة أو يخنق، وشهدا على أمر ظاهر واضح، أما من أصابته الفاقة فهو في بيته، وهو في أمره وشأنه، فلا نعلم حقيقة مدخله وحقيقة معيشته؛ ولهذا يشترط في هؤلاء الشهود: أن يكونوا من محلته التي يسكن فيها، وأن يكونوا من ذوي الحجا ممن يدركون ويعرفون مداخل الرجل، ويقارنون بين دخله وبين نفقته؟

    الموظف قد يكون فقيراً

    لو أن موظفاً له راتب شهري، ولكن لوازم حياته ومستلزماته أكثر من هذا الراتب، فهل يكون غنياً أو فقيراً؟

    الفقهاء حددوا المسكين بأنه من كان دخله أقل من نفقته، والفقير من لا دخل له، كما في الآية: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ [الكهف:79]، كان عندهم سفينة يعملون في البحر، ويكرونها، ومع ذلك سماهم مساكين؛ لأن دخلهم من السفينة لا يكفي نفقة عوائلهم، وكذلك قد يكون حال صاحب وظيفة، صاحب معرض، صاحب سيارة، صاحب مزرعة، صاحب عمارة، صاحب أي سبب من الأسباب التي يتعاظمها الناس، وينظرون إليها نظرة إعجاب، فقد يكون الدخل مع عظم المورد لا يفي بالحاجة، وهذا أشق ما يكون في المجتمع؛ لأن من لا شيء له ظاهر: لا مزرعة، ولا معرض، ولا وظيفة، ولا شيء، فالكل يقول عنه: مسكين ليس عنده شيء، ويتعاطفون معه، لكن هذا يرون مظهره، ويرون دخله، فيرون أشياء عظيمة، ولا يعلمون بحاله!

    فالمورد قد لا يكفي، بل قد يكون له وقت معين، كما سئل أحمد عن رجل له مزرعة، وزرع فيها، ونبت الحب ونما وجف، ولم يبق عليه إلا الحصاد، وليس عنده ما يحصد به، وليس عنده نفقته، فهل يعطى من الزكاة؟ قال: يأخذ من الزكاة مع أنه بعد الحصاد سيكون لديه المال الوفير، لكن في هذه الساعة ليس عنده شيء.

    وأجمعوا أنه إذا كان الرجل يملك منزلاً كبيراً يسعه ويسع غيره معه، وليس عنده نفقة، فله أن يأخذ من الزكاة؛ لأنه لن يأكل من هذا البيت الكبير! ولا يكلف ببيعه والسكن في بيت صغير، وهذا مستوى حياته.

    فمن أصابته فاقة بأي سبب، وشهد له بالفاقة ثلاثة من ذوي الحجى، فله أن يسألها، وكان الشهود ثلاثة لأن المشهود به أمر خفي، وما كل إنسان حتى من الجيران يعلم بحقيقة أمره، ولن يقول له: كم راتبك؟ وكم مصرفك؟ وكم نفقة عيالك؟ وفي هذه الآونة الأخيرة خاصة، تنوعت وتوسعت مرافق الحياة، فالولد في المدرسة يحتاج، والمريض في المستشفى يحتاج، ونفقات المرافق العامة تحتاج، مثل فواتير كهرباء، وفواتير ماء، وفواتير هاتف، وكلها لوازم شهرية، وأنت تنظر إليه كل يوم في ثياب طيبة، ذاهب إلى الدائرة، وراجع من العمل، وتظن أنه يذهب خماصاً، ويرجع وقد ملأ جيوبه من المال! وهو راتب والله سبحانه وتعالى أعلم بحاله، ومعظم الموظفين -لا أقول: خمسون بالمائة بل الأكثر- ربما لا يأتي عليهم نهاية الشهر إلا وقد استدانوا.

    إذاً: هذا الصنف من الناس يجب التنبه لهم؛ ولذا جعل الشارع ثلاثة من العقلاء الأذكياء الذين لهم بصيرة، ويعرفون حقيقة حياته وحقيقة معيشته، فيشهدون بأن فلاناً أصابته فاقة فعلاً، يعني: ليس عنده ما يكفي حاجته في هذه الحالة، ولا نقول له: يطير في السماء! ولكن نقول: له الحق أن يسأل ويأخذ حتى يسد حاجته، وفي هذا الحديث بيان وجوب التعفف، وإعطاء الفرد المسلم حقه بما يسد حاجته، وتعاون المجتمع في مثل هذه الحالات.

    ومن هنا -يا إخوان- تجدون في المحاكم إذا ادعى إنسان إعساراً، وادعاء الإعسار لا يكون إلا في المدين، سواءً أعسر في نفقة شرعية، أو أعسر في نفقة سفه، أو أعسر في أمر مما يخصه هو، فيطلب منهم في المحاكم تقديم ثلاثة شهود، واثنان يزكيانهم، ويشهدان على صدقهم وأمانتهم ومعرفتهما بهم، وبالله التوفيق.