إسلام ويب

كتاب البيوع - أبواب السلم والقرض والرهن [2]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جعل الله عز وجل الناس بعضهم لبعض سخرياً، ومن ذلك التسخير ما يكون بينهم من المعاملات المالية، فكل إنسان مهما استغنى بنفسه إلا أنه يحتاج إلى غيره سواء كانت حاجة جسدية أو مالية، وهذا يدخله معهم في معاملات، ومن هذه المعاملات الاستدانة، وعندها فقد يحتاج بعض الدائنين إلى ما يوثقون به ديونهم وهو ما يعرف بالرهن. وقد فرع الفقهاء عليه أحكاماً كثيرة ومسائل عديدة.

    1.   

    من أحكام القرض

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

    وبعد:

    قال المصنف رحمه الله: [وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (الظهر يركب بنفقته)].

    يتعلق بالقرض أبواب تجر إلى الربا، فلو كان القرض عيناً؛ كأن تكون اقترضت ألف دينار، أو إردباً من التمر، وتقدم بأنه لا يجوز لك إذا شفعت لإنسان شفاعة فأهدى إليك هدية أن تأخذها؛ لأنك بهذا تكون قد دخلت في باب الربا، وإذا أقرضت إنساناً فأهدى إليك بسبب القرض، فكل قرض جر نفعاً فهو ربا.

    ويختلف الفقهاء في جواز القرض في أشياء؛ لأن القرض يكون في معين: موصوف معلوم؛ ليكون عند السداد موضع وفاق، أما إذا كان القرض في شيء غير منضبط، فلا، قالوا: كل ما صح سلماً صح قرضاً، أما الجواهر والأحجار الكريمة فلا يصح السلم فيها؛ لأنه لا يمكن انضباطها، وكذا في الفيروز والياقوت والعقيق والزمرد.. لو قلت: أسلمت فيما وزنها كذا جرام، فإن شكلها وصفاءها ونعومتها تختلف، ولا يمكن انضباط ذلك، ولهذا قالوا: لا يصح السلم في الأحجار الكريمة، ولا الجواهر النفيسة؛ لأنها لا تنضبط عند التسليم، فكذلك القرض؛ لأنك عند ردها نختلف؛ هل هذا الذي اقترضت أو غيره؟ إذاً: لا يجوز القرض فيها.

    والحيوان: هل يجوز القرض فيه أم لا؟

    يختلفون: الجمهور على الجواز؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم: (استسلف بكراً ورد خياراً رباعياً)، قالوا: هذا من حسن الأداء، ونحن هنا في بيع وشراء، وفرق بين البيع والشراء عند مقاطع الحقوق وبين حسن الأداء مكارمة.

    الإماء والعبيد هل يصح القرض فيهم؟ قالوا: هذا يرجع إلى حكم القرض، هل هو عقد تمليك على القطع أم مؤقت؟ اقترضت ألف دينار، هذه الألف التي اقترضتها امتلكتها ملكاً قاطعاً تاماً أو معلقاً؟

    فمن قال: هو ملك تام مقطوع به؛ فيجوز عنده، ومن قال: هو مؤقت؛ لأنه معلق بالذمة لصاحبه، قال: لا يجوز، وقوم قالوا: يجوز في العبيد ولا يجوز في الإماء؛ لأننا إذا أقرضنا الأمة، وقلنا: هو تمليك، ربما استمتع بها وهي ليست ملكاً له على الحقيقة، لذا قالوا: يجوز قرض الأمة لمن لا يحل له وطؤها، كامرأة لا تطأ؛ أبوها، أخوها، ذو محرم منها؛ لأنه لا يتأتى المحظور.

    إذاً: هناك مباحث في القرض للتوسع فيها يرجع إلى كتب الفقه، والله أعلم.

    1.   

    شرح حديث: (الظهر يركب بنفقته...)

    قال رحمه الله: [وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهوناً، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهوناً، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة) رواه البخاري].

    هذا شروع من المؤلف في مباحث الرهن، والرهن في اللغة: الحبس، كما جاء في الحديث : (الميت مرهون في قبره بدينه)، أي: محبوس فيه، والرهن في اصطلاح الفقهاء: توثيق دين بعين يمكن الاستيفاء منها، وقد بين سبحانه أنه عند عدم وجود الكاتب أو الكتابة يكون الرهن: فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ [البقرة:283]، سواء كان ذلك في السفر لتعذر الكتابة، أو كان في الحضر.

    والرهن عقد جائز؛ وإذا وقع فهو لازم، وذلك: إذا كان إنسان مديناً بدين لآخر، لكنه لا يثق في المدين لوفاء الدين، فيقول له: أحضر لي رهناً توثيقاً للدين، فيقدم إليه الرهن، وكما يقولون: كل ما جاز بيعه سلماً جاز رهنه؛ لأن العين المرهونة عند نهاية أجل الدين يردها المرتهن للراهن، فإذا حصل فيها خلاف أو نزاع، لابد أن يرجع إلى ما صح سلماً؛ أي: بالوصف.

    شرط العين المرهونة

    العين المرهونة لابد أن تكون معلومة للطرفين، حتى إذا ما جاء وقت السداد، ورد العين المرهونة لصاحبها لا يكون هناك نزاع.

    والرهن بمجموع أمره لا يجوز للمرتهن أن يستفيد منه على حساب الدين، والدين قد يكون قرضاً حسناً، أو ثمن مبيع، أو أجرة عين متأخرة، فتأخذ رهناً عليها، أو بعته عيناً والثمن مؤخر فتأخذ رهناً منه إلى التسليم اقترضت منه ألفاً أو عشرة آلاف وطلب رهناً، فلا مانع من ذلك، وهذه كما يقولون: من العقود المكملة والمتممة لعقد البيع؛ لأنه توثيق للثمن المؤجل، وكل عين جاز الانتفاع بها جاز رهنها على ما تقدم في أوصاف السلم.

    ويشترط في الراهن: أن يكون جائز التصرف؛ لأن غير جائز التصرف لا يحق له أن يرهن؛ لأن الرهن تسليط المرتهن بالعين المرهونة.

    حكم الاستفادة من العين المرهونة

    إذا رهن إنسان شيئاً كان له غنمه وعليه غرمه، وبعض الناس ربما اتخذ عقد الرهن وسيلة للانتفاع مقابل القرض الذي أقرضه، طلب منه قرض عشرة آلاف وهو لا يقدر أن يقول له: على أن تردها ومعها مائة، أو ومعها إردب من التمر، أو ومعها كذا، أو تعمل لي كذا؛ لأنه ربا صريح، فيقول: ترهن لي البيت، أو السيارة، أو كذا، فيقول: أرهن لك، فحينما يقدم إليه العين المرهونة يأخذها ويستفيد منها، داراً يسكنها، سيارة يستعملها، أشياء من هذا القبيل، فما استفاده من عين الرهن لا يحق له أن يأخذه؛ لأنه بمثابة -على ما سيأتي- قرض جر نفعاً بواسطة الرهن، حتى الهدية لا يقبلها إلا إذا عاوض عنها، فإذا كان للعين المرهونة نفقة، ومنها منفعة, فلها وعليها، على ما يأتي تفصيله، وإذا كانت لا تحتاج كلفة كالدار، والأرض الزراعية، فيرهنه إياها يأخذها ويزرعها، ويستغل زراعتها، فيتعين عليه أن يحتسب كم حصل من زراعتها، كم من حصل من سكنى الدار، فيحسبها ويخصمها من الدين التي هي مرهونة فيه، فلما كان الرهن لا يجوز للمرتهن أن يستغله لحسابه زائداً عن الدين الذي له، جاء هذا التنبيه: (الرهن يركب، والضرع يحلب، وعلى الراكب وعلى الحالب - أو الشارب- النفقة) .

    إذاً: حينما يكون الرهن يعطي ويأخذ، فإن ما يعطيه يحاسب به فيما يأخذه؛ أي: من النفقة، فإذا كان يعطي ولا يأخذ؛ كالدار مثلاً، تعطي سكنى ولا تأخذ شيئاً، اللهم إن كانت صيانة خفيفة أو كذا فتحسب.

    موقف العلماء في الاستفادة من الرهن

    هناك من يقول: تحريك الرهن المتحرك قد يكون واجباً وقد يمتنع، إذا كانت السيارة مرهونة عندك وأنت لا تستعملها، ومدة الدين ستة أشهر، هل تظل السيارة واقفة في محلها ستة أشهر أم أنه ينبغي عليك ما بين فترة وأخرى أن تشغلها وتحركها بما يمنع مفسدتها؟ لأن طول مدة وقوفها قد تؤدي إلى الإضرار بها.

    إذاً: لابد من الحركة لمصلحتها لا لمصلحتك أنت، كذلك إذا رهن عنده فرساً أو بعيراً في غنى عنه، لكن طول مكثه في مكانه الزمن الطويل قد يؤذيه، ولابد أن تحركه، سواء راكباً أو قاعداً، على ما فيه مصلحته، لكن إذا كانت لك حاجة في هذا الرهن؛ بأن تقضي حاجتك عليه، وهذا يتطلب منك نفقة؛ نأتي أولاً للراهن: أنت يا صاحب البعير، هل تتعهد بالنفقة لرهنك عند المرتهن أم أنك تتركه وتذهب؟ فإن تعهد بنفقته فلا يحق للمرتهن أن يركبه لمصلحته، لكن يمشيه لمصلحة البعير، أما إن كان الراهن ترك البعير عند المرتهن، ثم سافر، أو لم يرجع؛ هنا البعير يحتاج إلى نفقة، وإذا تركناه تلف، وهو أمانة في يد المرتهن، ماذا يفعل؟

    يقول العلماء هنا: إذا كان في البلدة حاكم يعرض الأمر عليه: هذا رهن في يدي، وصاحبه تركه لي، ويحتاج إلى نفقة، وليس هناك من ينفق عليه، فيستأذن الحاكم في ركوبه بنفقته، وقيل: بدون إذن الحاكم، أنفق على البعير أو على الرهن بنية الرجوع على صاحبه، وإذا جاء صاحبه رجع عليه، أما إذا أنفق بدون نية الرجوع، على أنه متبرع، ويريد أن يخرج من عهدة حبس الحيوان وتجويعه وتعطيشه، فإن أنفق متبرعاً فلا يرجع؛ لأن: (العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه)، وإذا أنفق بنية أن يرجع على صاحبه فله الحق في الرجوع، فإذا كان البعير صالحاً للركوب وهو في حاجة إليه، ننظر كم علف البعير في اليوم؟ إن قدرناه بعشرة ريالات، فبكم سيركب البعير في حاجته المتقطعة، بما يساوي خمسة، وعلى هذا يحسب متوسط هذا المجموع فيما يحصل له من فائدة ركوب البعير، فإذا كان ما يحصل عليه من ركوب البعير في مصلحته يتساوى مع الإنفاق عليه، فقد انتهت المسألة، أما إذا كان ما ينفقه على البعير أكثر مما يحصل عليه من مصلحة البعير، فيحتسب ويرجع بالباقي على صاحبه، وإن كان ما يحصل عليه أكثر من نفقته فلا مانع من ذلك، ويحتفظ بالزائد لصاحب البعير، ويخصمه من الدين الذي هو عليه عند الوفاء، هكذا الارتفاق والانتفاع بالرهن. أما أن ينتفع به لمصلحته، ولا يحسب ذلك على صاحبه؛ فهذا هو النفع الذي جاء بسبب القرض وأنه هو ربا.

    كذلك لو رهن عنده شاة أو بقرة فيها حليب.. تريد أن تأكل وتعطي حليباً، فإن تركناها دون حلبها تضررت، وإن منعنا الأكل عنها تلفت، إذاً: لابد من مراعاة المصلحة، وكما يحافظ عليها في نفقتها وسقيها يحافظ عليها أيضاً فيما تحتاجه؛ من محل مبيتها، وربطها، وتمشيتها في بعض الأحيان حتى لا تتألم أرجلها أو شيء من هذا، ثم عليه أن يعرف: كم تعطي حليباً؟ وكم تأخذ نفقة في اليوم؟ وإذا نظرنا بالمقاصة: وجدنا أنها تعطي حليباً بخمسة عشر، وتأخذ نفقة بعشرة، حينها له على صاحبها كل يوم خمسة، فإذا جاء الأجل وجاء المدين بالدين خصم من مجموع الدين مجموع الأموال التي توافرت عنده على مدار الأيام من قيمة حليبها؛ لأنه حق لصاحبها.

    إذاً: الرهن لا ينتفع به أبداً لمصلحة المرتهن إلا إذا حسب ذلك من الدين الذي له، فإذا كان الرهن يعطي ويأخذ فتحصل هناك المقاصة، وإن كان يوجد حاكم استأذنه وقدر له النفقة، وإن لم يوجد عمل ذلك لمصلحة الرهن، ثم تحاصى مع صاحبه عند الوفاء، والله تعالى أعلم.

    1.   

    شرح حديث: (لا يغلق الرهن من صاحبه...)

    قال رحمه الله: [وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه وعليه غرمه)، رواه الدارقطني، والحاكم ورجاله ثقات، إلا أن المحفوظ عند أبي داود وغيره إرساله].

    هذه أيضاً ناحية كانت تقع ولا زالت عند كثير من الناس؛ يقترض الدين إلى أجل، ويقدم المقترض الرهن، فإذا جاء الأجل ولم يسدد امتلك المرتهن الرهن، ويجيء صاحبه بعد فترة ويقدم الدين، فيقول له: أنت لم تسدد، والرهن صار مكان الدين. هذا لا يجوز، فمهما طال الزمن لا يغلق الرهن، ولا ينسد عليه باب تسديد الدين واسترجاع العين المرهونة، فإذا طال الزمن وجاء الموعد قال له: هذا ملكك رهن، ولي عندك الدين، فإن عندك استطاعة أن تسدد ديني وتأخذ رهنك، فنعم، وأنا ما طلبت الرهن إلا توثيقاً لحقي. ماذا نفعل؟

    يعرض المسألة على الحاكم، والحاكم يكلف من يبيعه بالمزاد العام على ملأ من الناس حتى لا يكون هناك هضم للحق، ولا تواطؤ فيه، كم دينك؟ مائة. بكم بيع الرهن؟ مائتين، إذاً: خذ حقك ورد الباقي لصاحبه، الدين مائتان والرهن بيع بمائة، كم بقي لصاحب الدين؟ مائة، إذاً: الرهن نزلت قيمته ولم يسدد الدين، أيضاً لا نقول: إن قيمة دينك في الرهن، لا. بل نبيع الرهن بما يساوي في يوم السداد، إن زاد عن الدين دفعنا الزيادة لصاحبه، وإن نقص عن الدين صار في ذمة صاحبه؛ إما أن يدفع أو أن يكون ديناً عليه. هذا معنى قوله: (لا يغلق الرهن).

    أما ما ينص في بعض الكتابات والعقود: إذا لم تسدد فيكون الرهن ملكاً لي، ولا حق لك في الرجوع فيه، فكل ذلك باطل؛ لأنه يأكل مال الغير بغير حق، الرهن يساوي ألفاً، ودينك مائة، لم تأكل تسعمائة؟ ليس لك حق في هذا، لك الذي يوثق دينك، والرهن موجود لتوثيق الدين، لا ضرر ولا ضرار.

    كنا نسمع في بعض الأقطار المجاورة: أنهم يتخذون طرقاً للاستفادة من الدين، وحقيقة الأمر أنه دين جر نفعاً للدائن بلا شك، وله صور مختلفة، وقوالب متنوعة، وبحجة خيار الشرط والرهن؛ يأتي إلى إنسان ويقول: أبيعك هذه الدار، ولي الخيار سنة، فيأخذ البائع ثمن الدار، ويستلم الدار المشتري، ويسكنها مدة الخيار، فإذا انقضت السنة جاء البائع وقال للمشتري: أنا اخترت أن أرد البيع. ليس هذا خيار الشرط، أنا اخترت وفكرت واشترطت سنة، فوجدت أن البيع غير نافع لي، ففسخ البيع، خذ ما دفعت ورد علي الدار، اشتراها المشتري بألف وبعد سنة رد الألف واسترد الرجل داره، وسكنى الدار سنة استغلها المشتري بتواطئ بينهما، كأنه أقرضه ألفاً واسترجعه بعد سنة، ومع القرض سكن الدار، وكان عليه أن يقدر بكم تؤجر الدار في السنة، ويخصمها من الألف.

    كذلك الرهن: أرهنك البستان، الدار، السيارة، أي شيء له دخل، ومدة وجود الدين سنة أو سنتين أو أكثر أو أقل والمرتهن يستغل العين بفوائدها. وكنا نشاهد هذا في الأراضي الزراعية، والبيوت؛ فلان رهن بيته، أو أرضه، وإذا بقيت في يد الراهن لا مانع، لكن تكون ممنوعة من البيع والشراء. أما إذا سلمت للمرتهن وصار يستغلها فتلك الغلة هي المنفعة التي جرها القرض، لكنهم ما جعلوها في صورة قرض جر نفعاً، لا؛ بيع ورهن وسداد الرهن، واسترجاع العين، ولفة طويلة، وكلها تصب في: (قرض جر نفعاً).

    وهناك مباحث عديدة في موضوع الرهن والقرض، وتجدون ذلك في كتب الفقه الموسعة؛ وهي: التحذير من كل ما يمكن أن يقصد به المدين نفع الدائن بسبب الدين من الهدايا، أو أن يعمل له ما يجامله به، من أن يساعده في شيء ما كان يساعده فيه من قبل، ولذا كان يقول بعض السلف: لو أقرضت إنساناً ألف دينار، وأهدى إليك حمل تبن فلا تقبله. وكان بعض السلف إذا أقرض إنساناً قرضاً يكره أن يجلس في ظل بيته، خشية أن يكون هذا من منفعة القرض، وهل ظل البيت يبذل فيه صاحب البيت شيء؟ لكن يقولون: الشحيح لا يرضى لإنسان أن يستظل في ظل بيته، والأولاد الصغار يفعلون هذا؛ إذا تخاصموا لا يدع الآخر يجلس في ظل بيتهم، فإلى هذا الحد كانوا يتورعون من أن يستفيدوا أدنى فائدة ممن أقرضوه مخافة أن تكون تلك الفائدة -على ضآلتها- قرضاً جر نفعاً، وكل هذا كان تورعاً، من روائح الربا الكريهة.

    ولكنهم يقولون: إن كان بينك وبين المقترض علاقة سابقة؛ مثلاً: كان صديق لك، وجاء يقترض منك، وكنت قبل القرض تتبادل معه الزيارة، وتتناول عنده الطعام على حسب الضيافة أو الصداقة، ثم صار القرض، هل تمتنع؟ وقد كنتم من قبل تتبادلون الهدايا في المناسبات، فأهدى إليك هدية في مناسبة، هل تمتنع عنها؟ قالوا: يأخذها بحكم الصداقة حتى لا يقطع الصلة التي بينهم أو يسيء علاقته بصديقه، ولكن لابد أن يكافئ عليها، إما بهدية تعادلها، وإما بتقديرها وحسابها من الدين الذي له عليه، والبعض يقول: إذا أقرضته لا تدخل بيته ولا تأكل طعامه، لأنه يكارمك ويوسع لك ويخجل ويعمل ويتكلف بسبب الحمل الذي على ظهره، قالوا: هذا لا يجوز، لكن إذا كان قبل القرض هناك صلة والملاطفة والمزاورة موجودة، وتبادل الهدايا والمكارمة قائمة، فلا مانع في ذلك مادام سيحسبه ويعاوضه عليه، أما أن يأخذها هكذا ويسكت، لا. فهذا قرض جر نفعاً.

    1.   

    شرح حديث: (خيار الناس أحسنهم قضاءً)

    قال رحمه الله: [وعن أبي رافع رضي الله عنه : (أن النبي صلى الله عليه وسلم استسلف من رجل بكراً، فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره، فقال: لا أجد إلا خياراً رباعياً، فقال: أعطه إياه، فإن خيار الناس أحسنهم قضاء)، رواه مسلم].

    المؤلف يأتي بعد حديث: (الرهن يركب بنفقته، والضرع يشرب بنفقته)، وسيأتينا: (كل قرض جر نفعاً؛ فهو ربا)؛ فالزيادة في الوفاء في الدين نفع: أقرضته ألفاً وردها ألفاً وصاعاً من تمر، هذا نفع أم لا؟ نفع.

    والمؤلف هنا يعطينا صورة ليست من صور النفع الذي جره القرض، ولكن من صور مكارم الأخلاق في شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم، كما جاء عن عبد الله بن عمرو : (أمرني أن أجهز جيشاً؛ فكنت آخذ البعير بالبعيرين).

    وهنا: (استسلف)، والهمز والسين والتاء للطلب، مثل: استغفر، استقدم، واستسلف: أي: طلب سلفة.

    (بكراً)، البكر: البعير الصغير، ثم جاء الرجل في الموعد يطلب بكره، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا رافع بالقضاء من إبل الصدقة، فبحثوا فيها عن مماثل للقرض، وهو البكر نظير البكر، قال: لم أجد إلا خياراً رباعياً، والخيار يزيد عن البكر، وكان من حق المقاصة لو دفع إليه الرباعي أن يأخذ منه فرق الرباعي من البكر؛ بكرك الصغير لا يوجد عندي، وعندي ما يزيد عنه، كما لو وجد أقل من البكر ودفع له النقص، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم لما لم يجد النظير المعادل المطابق ووجد ما هو خير منه قال: (أعطه إياه، خيار الناس أحسنهم قضاء)، إذاً: هذا من باب الإحسان، وليس من باب الربا، وليس مشروطاً في العقد من قبل؛ أنا أقرضك بكراً لكن بشرط أن ترد لي أحسن منها. إن جاء الشرط في البداية بهذا بطل العقد، لكن إن جاء عن طيب نفس المقترض فالجمهور يقولون: لا بأس.

    وهنا يأتي النزاع في كون المقرض يقبل زيادة في الدين أو لا يقبل؟

    فنجد الجمهور يقولون: إن كانت الزيادة جاءت من المقترض بعد سداد الدين؛ بأن كان الموعد في يوم واحد رجب، فسدد الدين، ثم سافر المقترض وجاء بهدية ودفعها للمقرض، وقد انتهى من السداد من عشرين يوماً يردها أم يأخذها؟

    البعض يقول: لا يأخذها؛ لأنها امتداد لخيط القرض.

    والبعض يقول: خيوط القرض انتهت بالدفع والسداد، وهذا شيء دفعه إليه عن طيب نفس منه، قدمه لمن أسدى إليه معروفاً فأكرمه، فنجد النزاع في هذا. ومن أراد التحقيق فيها فليرجع إلى نيل الأوطار للشوكاني، فقد ساق نصوصاً عديدة في هذا.

    لكن الجمهور يقولون: لا يقبل الزيادة عند السداد، وهل بعد السداد يقبل المكارمات؟ هذا محل النزاع.

    مالك رحمه الله يقول: نعم؛ لحديث: (خيار الناس أحسنهم وفاء)، وإذا كان الحسن في الوفاء ذاتي وليس خارجياً، كالصورة التي معنا؛ الزيادة الموجودة في الرباع الخيار ذاتية، وكما يقولون: نماء متصل، فمالك يقول: إن كان الحسن في ذات الدين فلا بأس، كما في قضية البكر والخيار، أما إذا أتى له ببكر ومعه عنز، العنز هذه زيادة خارجية، مالك يقول: لا، هذه خارجة عن الموضوع ولا يحق له أن يأخذها، ولو كانت الزيادة في الخيار الرباعي أكثر من العنز مرتين لا مانع؛ لأنه وصف للدين، وقد أحسن المقترض في سداد قرضه إلى من أقرضه.

    وعلى هذا: من أقرض إنساناً شيئاً ففي مدة القرض لا يحق له أن يقبل منه شيئاً، كما قيل: ولا عوداً من أراك، إلا إذا كان العهد بينهما قبل القرض تبادل الهدايا، يقبلها ويعوضه عنها، سواء قبل أن يسدد القرض في مناسبات تأتي أو بعد أن يسدد، وإذا انتهى القرض وسدد المدين دينه، ثم جاء المدين في مناسبة وقدم لمن كان أقرضه هدية، يقبلها أم لا؟

    هناك من يقول: إنها من توابع القرض فلا يقبل، وهذا هو التورع.

    وهناك من يقول: لا. القرض انتهى، والدين سدد، وانقطعت العلاقة، وهذا جاء متبرعاً محسناً، فلا ينبغي أن تردها.

    وهذه النقطة نقول فيها: الله تعالى أعلم.

    عند سداد الدين هل يقبل زيادة في القرض بعينه؟

    الجمهور يقولون: لا، ومالك يقول: إن كانت الزيادة متصلة من عين المقرض أو القرض الذي قدمه فلا بأس، هذا بكر وهذا خيار رباعي، وإن كانت خارجة عنه من غير جنسه فلا يقبلها تطبيقاً للحديث في هذه القضية بالذات، والله تعالى أعلم.

    1.   

    شرح حديث: (كل قرض جر منفعة فهو ربا)

    قال رحمه الله: [وعن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (كل قرض جر منفعة فهو ربا)، رواه الحارث بن أبي أسامة، وإسناده ساقط].

    هذه هي القاعدة العامة التي أخذ بها جمهور الفقهاء، وإن كان الحديث متكلم في سنده ولا ينهض للاحتجاج وحده، لكن تشهد له قرائن أخرى؛ ما هو الربا؟ الربا زيادة عن الدين، وهذا القرض إن جر نفعاً اتفق مع الربا في الصورة، ولا يحتاج هذا حتى إلى نص أو حديث في المسألة.

    (نفعاً)، نفعاً هنا: نكرة، مطلق يعني: كل ما ينتفع به الشخص، كما قال بعض العلماء: ولو عوداً من أراك، ولو أن يستظل في ظل حائطه، ولو حمل تبن، فإن له قيمة، لكن عود الأراك، أو الظل في جداره؟ كل ذلك يقول: لا يحق له أن يأخذه؛ لأنه ربا، (كل قرض) أي قرض أياً كان، وإذا كان الأمر في القرض نقداً فإنه ينجر على كل دين، مثلاً: مدين في ثمن مبيع، أو في أجرة بيت، فلا يوجد قرض، فلكون الدين موجوداً لا يجوز أن تنتفع من وجود دينك عليه لأي منفعة كانت، لك دينك فقط، أو ثمن مبيعك أو أجرة العين، أو نقد القرض الذي أقرضته أياً كان، وهذه أصبحت قاعدة عند الفقهاء معمول بها دون منازعة، أجمعوا على العمل بهذه القاعدة : (كل قرض جر نفعاً فهو ربا)، سواء صح السند، أو كان فيه اضطراب، أو فيه ضعف، فإن العلماء تقبلوه بالقبول، ورتبوا عليه هذه الأحكام، وأصبحت معمولاً بها عند الأئمة رحمهم الله، وبالله تعالى التوفيق.