إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عطية محمد سالم
  3. كتاب الحج - باب فضله وبيان من فرض عليه [4]

كتاب الحج - باب فضله وبيان من فرض عليه [4]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن المرأة مأمورة بالحج كالرجل، إلا أن الإسلام راعى ضعف المرأة، وحاجتها إلى غيرها، فأوجب عليها إن أرادت أن تسافر إلى الحج أن يكون معها محرم، فإن لم تجد فلا يجب عليها الحج، والمحرم هو كل من حُرّمت عليه المرأة تحريماً مؤبداً. ويجوز الحج عن الغير فرضاً كان أو نفلاً، بشرط أن يكون قد حج عن نفسه أولاً، والوصية بالحج تنفذ من ثلث مال الموصي، ويستحب تكرار الحج كل عام ويكره تأخيره -لمن كان مستطيعاً- أكثر من خمس سنوات.

    1.   

    اشتراط وجود المحرم مع المرأة عند خروجها للحج

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد:

    قال المؤلف رحمه الله: [وعنه رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يقول: (لا يخلُونّ رجلٌ بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، فقام رجل فقال: يا رسول الله! إن امرأتي خرجت حاجة، وإني اكتُتبت في غزوة كذا وكذا، فقال: انطلق فحج مع امرأتك) متفق عليه، واللفظ لـمسلم ].

    هذا الحديث يتناول قضية كبرى من كبريات قضايا المجتمع، ألا وهي: قضية سفر المرأة، ومفهوم سفر المرأة يقتصر على ما يسمى سفراً في العرف، بخلاف ما كان دون ذلك، كما لو خرجت المرأة من المدينة إلى قباء، فلا يقال: إن هذا سفر، أو خرجت من بيتها من ضاحية المدينة إلى المسجد النبوي فلا يقال: ذلك سفر، وإنما السفر كما يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله: (كل ما احتاج الإنسان معه إلى زاد وراحلة) هذا بالجملة، ولكن جاءت نصوص: (يوم وليلة)، (يومين)، (ثلاثة أيام)، إلى غير ذلك.

    وصدر الحديث (لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم) قضية عامة: لا يخلون رجل بامرأة، حضراً أو سفراً، والخلوة: أن يكون الاثنان معاً فقط، سواءً كان في السيارة، أو كان في الخيمة، أو كان في البيت، أو ... إلخ، إذا خلا المكان من غيرهما فهذا ممنوع؛ لأنه قد جاء في الحديث: (ما خلا رجل بامرأة، إلا كان الشيطان ثالثهما، أو معهما) وإذا كان الشيطان معهما فسيجرهما إلى الشر، ولهذا نهى صلى الله عليه وسلم عن ذلك.

    ثم جمع مع النهي عن الخلوة ما يتعلق بموضوعها أيضاً وهو السفر للحج، فالمرأة حين سألت النبي: هل تحج عن أمها؟ فقال: حجي، فعندها يأتي السؤال: كيف تحج؟ فجاء بشرط حج المرأة وسفرها: أن يكون معها محرم، ومن هنا يرى أحمد رحمه الله: أن استطاعة المرأة للحج بالزاد والراحلة والمحرم، وإذا لم يكن لها محرم كزوج، وأب أو كان محرمها فقيراً لا يستطيع الحج فلا تتم استطاعتها، والجمهور: على أن استطاعة المرأة كاستطاعة الرجل، الزاد، والراحلة، والمحرم شرط زائد عن ذلك.

    والأئمة الثلاثة رحمهم الله في حج المرأة حجة الفريضة من غير محرم يقولون: إن كانت هناك رفقة مأمونة فلها أن تخرج للفريضة فقط، وما هي الرفقة المأمونة؟! إذا كانت المرأة في جمع من النسوة مع محارمهن إلى غير ذلك، فتخرج لحج الفريضة ولا تخرج لحج النافلة.

    لما قدم المؤلف رحمه الله بيان فضل الحج، جاء بشروط وجوبه، وهي: الاستطاعة، وتفسيرها من النبي صلى الله عليه وسلم بالزاد والراحلة، ثم جاء بعد ذلك بمن يحج عن غيره، من أب أو أم، حياً أو ميتاً، نذراً أو غير نذر، ثم جاء هنا بواجب من الواجبات، أو بشرط من الشروط وهو: حج المرأة بمحرم لها.

    اختلاط المرأة بالرجال وخلوتها بهم في السفر وفي غيره

    وفي صدر الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال -وهو يخطب على المنبر، والخطابة على المنبر قد تكون للجمعة وقد تكون لغيرها-: (لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعهما ذو محرم) هذا الجزء من الحديث -على إيجازه- يعطينا صورة كاملة على مدى الحفاظ على المرأة في الإسلام، وعلى وجوب التوقي من فتنتها؛ وذلك أن علاقة المرأة بالرجل، والرجل بالمرأة علاقة أصل بفرع، وفرع بأصله، خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا [النساء:1] فالأصل يعطف على الفرع، والفرع يحن إلى الأصل، وهذه جبلة وغريزة، والله سبحانه وتعالى حفظ الجنسين من بناء علاقة بينهما إلا ما كان في عقد نكاح، أو ملك يمين: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ [المؤمنون:6].

    فإذا جاء العقد كانت هناك رابطة أخص: هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ [البقرة:187] وقبل أن يأتي هذا اللباس فالمرأة الأجنبية محرمة على الأجنبي، وبهذه المناسبة -وقد انتشر في العالم التساهل في هذه القضية- نجد أن الله سبحانه سدّ منافذ الوصول إلى المرأة، من الحواس الخمس، عن النظر: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ [النور:30] ماذا؟ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ [النور:30] .. وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ [النور:31] فأمر بغض البصر من كلا الجانبين، وحفظ الفرج، وكذلك السماع: فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ [الأحزاب:32]، وكذلك: وَلا يَضْرِبْنَ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ [النور:31] لأن ضرب الخلخال يصدر صوتاً تسمعه الأذن ويلفت النظر، وكذلك الملامسة من باب أولى، وهنا يقول صلى الله عليه وسلم: (لا يخلون) ، بل أيضاً منع ما يثير حاسة الشم: (أيما امرأة تعطرت وخرجت من بيتها، فمرت على رجال، فوجدوا منها ريحها، فهي زانية).

    وقد يتعاظم الإنسان هذا الحكم، ولكن إذا عرفنا بأن العين تزني وزناها النظر، والأذن تزني وزناها السماع والتلذذ، والأنف أيضاً تزني وزناها الشم.. إلى غير ذلك هان الأمر علينا.

    ثم منع الخلوة أياً كانت، وهذا زيادة في الحفاظ عليها، حتى جاء في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لمن سأله : (أفرأيت الحمو يا رسول الله؟!) والحمو: أخو الزوج، يعني: يدخل في غيبة أخيه، فبيّن صلى الله عليه وسلم أنه أشد خطراً فقال: (الحمو الموت) ؛ لأن الأجنبي لا يجرؤ أن يدخل، وإذا دخل لفت الانتباه، أما أخو الزوج فيدخل بيت أخيه، وهناك تكون عدم المبالاة، فيكون هناك ما يشبه الموت.

    إذاً: في هذا الحديث يبين لنا النبي صلى الله عليه وسلم أن على الرجل أن يتوقى من المرأة، وكذلك المرأة.

    وتقدم لنا في قضية الخثعمية التي كانت تسأل النبي صلى الله عليه وسلم والفضل بن العباس رديف النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذ ينظر إليها، وأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل عن الخثعمية، ولما سأله العباس في ذلك قال: (رأيت شاباً وشابة، فخشيت عليهما الفتنة).

    حرمة سفر المرأة من غير محرم

    قوله: (ولا تسافر امرأة بغير محرم) السفر بصفة عامة يكون للحج ولغير الحج، والمؤلف ساقه فيما يتعلق بالحج؛ لأن الرجل الذي قام وسأل ربط السفر بالحج، ولا تسافر المرأة بغير محرم، والسفر ليس مطلق النقلة، بل له حدود ومسافات، وجاء مسيرة يوم وليلة، (مسيرة) في اللغة: مفعلة، تصلح مصدراً ميمياً، وتصلح: اسم زمانٍ ومكان، فعلى أنها اسم زمان يكون النهي أن تسير يوماً وليلة قطعت فيها عشرة أميال أو آلاف الأميال، ويكون النهي متعلقاً بجزء زماني وهو: اليوم والليلة، وعلى أنها اسم مكان: يكون النهي عن أن تسافر مكاناً، ومسافته تقطع عادة في يوم وليلة، حتى ولو قطعتها في ساعة واحدة.

    إذاً: (مسيرة) هنا تحتمل الأمرين، وقد وجدنا أن بعض العلماء يأخذها على الناحية الزمنية، فإذا سافرت أقل من يوم وليلة، -ولو قطعت مئات الأميال- لم تبلغ الحد الذي نهيت عنه، ومن حمله على المكان قال: لا تسافر تلك المسافة التي من عادتها أن تقطع في يوم وليلة، ولو سافرتها في ساعة واحدة.

    ونجد ابن حجر رحمه الله في فتح الباري يفرق فيما يتعلق بقصر الصلاة والفطر في رمضان، فيجعله من باب المكان، وعموم السفر يجعله من باب الزمان، والمسألة مشتبهة جداً وخطيرة، والغرض من ذلك: الحفاظ على المرأة من أن تخلو في سفرها؛ لأنه كما يقال: يخشى عليها من ذئاب الخلاء، وحينئذٍ إن اضطرت إلى سفر فهل تسافر أم لا؟ والنهي هنا هل هو للتحريم أو للكراهية؟

    نجد القول متشعباً ومتعدداً في هذا الأمر، ولكن عندما يأتي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا البيان، فالرجل سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن أن تسافر المرأة بغير ذي محرم، فأدرك المعنى، وهو يعلم أن زوجته خرجت للحج، وهو جالس وليس معها محرم، فقام وسأل: ماذا أفعل؟ ما هو الحكم؟ وقد اكتتبت في غزوة كذا؟ فهنا مقارنة بين أمرين: أن يصحب الزوجة لتكون ذات محرم في الحج، أو أن يذهب إلى الغزوة، فنجد النبي صلى الله عليه وسلم يقدم ذهابه مع زوجه ليحج معها، حتى لا تحج بغير محرم، فلكأن وجود المحرم مع المرأة أهم من وجوده في تلك الغزوة، والمشاركة في الغزوة بالنسبة له من باب فروض الكفاية؛ لأنهم لم يهاجموا، والقتال يكون فرض عين على كل شخص حتى النساء إذا داهم العدو البلد، ويكون فرضاً كفائياً، إذا كان بعيداً عن بلده، والقوة موجودة، والعدد متوفر، ويكون من النافلة إذا توفر العدد الكثير ولم يتوقف عليه.

    وهكذا رجح النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الحالة بين هاتين العبادتين، فقال: (اذهب وحج مع امرأتك).

    ربما يقول البعض: إن تلك المرأة التي خرجت للحج كانت برفقة أبي بكر رضي الله تعالى عنه، ولكن في النفس من ذلك شيء؛ لأن حجة أبي بكر رضي الله تعالى عنه كانت في السنة التاسعة، وفتحت مكة عام ثمانية من الهجرة، وبعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر يحج بالناس سنة تسع، وأي غزوة كانت في سنة تسع؟ لا نعرف إلا غزوة تبوك، وهي لم تكن في وقت الحج.

    إذاً: كونها في صحبة، أو رفقة أبي بكر هذا فيه نظر.

    وهنا نجد بعض علماء الحنابلة يقولون: لا تتم استطاعة المرأة للحج، ولا تلزمها الفريضة إلا باستطاعتها في ذاتها وأيضاً كونها مستطيعة لمحرم يحج معها؛ لأنها في حاجة إليه، ونفقته عليها إن لم يكن خرج للحج عن نفسه معها.

    ونجد الشافعي رحمه الله يرى أن ذلك النهي للكراهية، ويقول: إن كانت الحجة فريضة، ووجدت رفقة مأمونة من النسوة وغيرهن سافرت معهن، فهي عندما تكون في جماعة النسوة معهن المحارم، فإنها تخدم وتحفظ وتصان مع النسوة فتكون في مأمن.

    والنووي يدلل على هذا الجانب فيقول: لو أن امرأة خرجت مع محرمها، وفي منتصف الطريق مات المحرم، ماذا ستفعل تلك المرأة؟ أتبقى في مكانها في خلاء؟ أم ترجع إلى بلدها وحدها؟

    إذاً: تمضي مع الرفقة حتى تتم حجها.

    ثم جاءوا واستدلوا أيضاً بحديث الظعينة التي تسير بين يثرب والحيرة لا تخاف على راحلتها السرق، قالوا: فهذه ظعينة تسير وحدها، وأجاب الآخرون: بأن هذا إخبار -في الجملة- عن استباب الأمن، ولكن ليس فيه جواز مسير المرأة بغير محرم، ولا ينبغي أن ننصب التعارض بين هذين الحديثين، ولا سيما مع طول الزمن وفساد الحال.

    المحرم الذي تسافر معه المرأة في الحج

    من هو المحرم الذي يكون للمرأة في الحج؟

    قالوا أولاً: الزوج.

    ثانياً: من كانت المرأة تحرم عليه تحريماً مؤبداً، أما إذا كان زوج أختها، أو زوج خالتها، أو زوج عمتها، فهي لا تحل له، لئلا يجمع بين الأختين، ولا تنكح المرأة مع عمتها أو خالتها، لكن هذا التحريم مؤقت، لأنه إذا ماتت الأخت أخذ أختها، وإذا ماتت البنت أخذ خالتها، وهكذا يمكن أن يأخذ الواحدة منهن على انفراد، وقد يطلقها في الطريق، وتحل له هذه بعد طلاقها وخروجها من العدة، فالمقصود بالتحريم أن يكون مؤبداً.

    والعجيب أن نجد قولاً لـمالك رحمه الله، يستثني من هذا التحريم المؤبد الأخ من الرضاع، وولد الزوج، فالأخ من الرضاع محرم على التأبيد، وولد الزوج محرم؛ لأنها زوجة أبيه، ويعلل ذلك بفساد الزمن، فإذا كان في زمن مالك يمنع أن يكون ولد الزوج محرماً في السفر مع زوجة أبيه لفساد الزمن، فماذا نقول في وقتنا الحاضر؟

    إذاً: المسألة تحتاج إلى تحفظ واحتياط.

    ولكن للأسف فإننا نشاهد مجيء المرأة بدون محرم في حلها وترحالها، عند ركوبها السيارة، عند نزولها، وعند وجودها في منى، وعند وقوفها في عرفات، فلو أرادت أن تشرب ماءً، أو أن تريق ماءً، فإنها في حاجة إلى من يكون معها، ويأخذ بيدها إلى قضاء حاجتها.

    إذاً: إذا كان المولى سبحانه أعفى المرأة ولم يوجب الحج عليها إذا لم يكن لها محرم، فلا حاجة أن تغرر بنفسها، ولا حاجة أن نشجعها على مخالفة السنة النبوية المطهرة، لكن إذا حدث وجاءت فهل نردها؟ لا نملك ذلك، وسنقع في المحظور، ولكن ينبغي أن يُعرف هذا الحديث ويحفظ ويعلّم ويدرس قبل أن تخرج المرأة من بيتها، وأنتم الآن وقد علمتم ذلك، فقد حملكم الله الأمانة، وحملكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فقال: (ألا فليبلغ الشاهد الغائب فرب مُبَلغ أوعى من سامع)، وقال: (رحم الله امرأً سمع مقالتي، فوعاها، فأداها كما سمعها، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه).

    إذاً: هذه قضية عامة ينبغي أن تراعى.

    ونجد بعض الناس يقول: المرأة إن كانت شابة فتمنع؛ لأنها موضع الفتنة، وإن كانت عجوزاً فلا مانع، ونجد الآخرين يقولون: لكل ساقطة لاقطة، فالعجوز لها عجوز أيضاً، ولكن: آخر ما يمكن أن يقال: سددوا وقاربوا، والله تعالى أعلم.

    1.   

    شرح حديث: (حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة)

    قال المؤلف رحمه الله: [ وعنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يقول: (لبيك عن شبرمة ، قال: من شبرمة ؟ قال: أخ لي، أو قريب لي، فقال: حججت عن نفسك؟ قال: لا. قال: حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة) رواه أبو داود وابن ماجة ، وصححه ابن حبان والراجح عند أحمد وقفه ].

    الحج عن الغير وشرطه

    هذا الحديث تتمة لما تقدم بيانه من أن المرأة الخثعمية سألت: (فريضة الله في الحج، أدركت أبي شيخاً كبيراً).

    وهكذا ثبتت صحة حج الإنسان عن الغير عند الجمهور، وكذلك الحج عن الميت إن أوصى أن يحج عنه، وهذا عند مالك فقط، إذن: يجوز أن يحج إنسان عن غيره، لكن ما هو المشروط في هذا النائب في حجه عن الغير؟ وللجواب على ذلك جاء المؤلف رحمه الله بهذا الحديث.

    الرسول صلى الله عليه وسلم يسمع إنساناً يطوف بالبيت قائلاً: (لبيك اللهم عن شبرمة ) اسم علم، قال: من شبرمة هذا؟ أي: ماذا يكون لك؟ قال: أخ لي، أو صديق لي، أو قريب لي، الشك من الراوي؛ لأن الملبي سمى واحداً فقط، لكن الراوي التبس عليه أي الألفاظ قال.

    يهمنا أنه حاج عن غيره، فسأله صلى الله عليه وسلم: (أحججت عن نفسك؟ -أنت الآن تحج عن شبرمة ، فهل حججت عن نفسك أنت؟- قال: لا، قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة).

    وعلى هذا فعند الجمهور: من لم يحج عن نفسه لا يتأتى منه أن يحج عن الغير، لكن لو قدر أن وقع ماذا يكون؟ هذا هو الفقه.

    مدلول النصوص قد يستوي في إدراكه الكثيرون، ولكن فقه الحديث قد يختص به العلماء وسلف الأمة رضوان الله تعالى عليهم، فلو وقع وجاء إنسان ولبى عن غيره، وهو لم يحج عن نفسه، قالوا: تقع الحجة عن نفسه، وإن كان قد أخذ أجراً من ولي أمر الذي يريد أن يحج عنه، فما أخذه دين في ذمته، فإن شاء حج في السنة التي تليها عمن أراد، وإن شاء رد الأجر على أهله.

    حكم الإجارة في الحج

    وعلى هذا يأتي بحث الإجارات في الحج، وهل هذا الرجل حج عن شبرمة متطوعاً أو بأجرة؟ لم يسأله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، ولكن كلمة (أخ) وكلمة: (صاحب) تشعر بأنه متطوع ومتبرع، وما كان يعرف في الزمن السابق أن إنساناً يأخذ أجرة على الحج، والآن أصبح طريقاً من طرق الكسب، والله المستعان.

    ويبحث العلماء عن حكم أخذ الأجرة على الحج عن الغير، فمن العلماء من يمنع ذلك بالكلية، قال: لأن الحج عبادة، والعبادة لا يؤخذ عليها الأجر، وقوم قالوا: هناك فرق بين أمرين: من حج ليأخذ، ومن أخذ ليحج، فمن أخذ ليحج أي: أنه لا يريد أن يتمول، ومستعد أن يحج عن الغير، وقد حج عن نفسه، لكنه لم يستطع أن يقوم بلوازمه بنفسه، فأخذ من ولي النائب عنه ما يحججه، بمعنى: يأخذ على الوصول، ولو أن ولي من ينوب عنه أخذه في صحبته بسيارته، أو أسكنه معه في خيمته وتكفل بأكله وشربه، حتى أدى المناسك ورده إلى بيته، أجزأه، ولا مانع في ذلك.

    ولكن من ليست له رغبة في الحج في البدء، ولما عرض عليه الولي الأمر، وجعل له مبلغاً من المال لفت نظره، فحج ليأخذ هذا المبلغ، فهذا حج ليأخذ ولم يأخذ ليتبلغ، فهو يأخذ هذا المبلغ ويحج منه، وما زاد فله، بخلاف الذي يحج على البلاغ، فإنه لو لم يصحبه معه، وأعطاه مبلغاً فأنفق منه بالمعروف، على ما ينفق على مثله، ولو زاد شيء من المال رده لصاحبه، وإذا نقص عليه شيء استوفاه من صاحبه؛ لأنه على البلاغ، وهكذا، من حج ليأخذ فلا يحق له، ومن أخذ ليستعين به على الحج فلا مانع.

    ثم إن الشافعي رحمه الله قال: من أخر الحج بعد الاستطاعة بالزاد والراحلة، ومات قبل أن يحج، فإن الواجب على ورثته أن يخرجوا من رأس مال التركة قبل قسمتها، وليحجوا عنه من تركته ومن بلده.

    الوصية بالحج وكيفية تنفيذها

    ومن أوصى بحجة من تركته، تعلقت الوصية بالثلث، فريضة كانت أو نافلة؛ لأنه له الحق في التصرف في الثلث: (إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة في أجوركم) فلو أوصى وقال: فأوصى: حججوا عني، نظرنا كم يحتمل؟ ثلث التركة فإن احتمل من يحج عنه من بلده تعين إنفاذ الوصية، وإن احتمل من يحج عنه من نصف الطريق اكتفينا، وإن لم يحتمل إلا أن نأخذ من مكة فيكتفى بذلك، وهكذا، فتتعلق الوصية بالحج بثلث التركة، ومن حيث احتمل الثلث أخذنا من يحج عنه، وبالله تعالى التوفيق.

    ثم إنهم اتفقوا على أن من حج عن أحد تطوعاً، كأحد أبويه، أو قريب له، أو صديق، فإن له من الأجر كأجر الذي حج عنه، والله تعالى أعلم.

    1.   

    شرح حديث: (إن الله كتب عليكم الحج...)

    قال المؤلف رحمه الله: [وعنه رضي الله عنهما قال: (خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن الله كتب عليكم الحج، فقام الأقرع بن حابس فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟! قال: لو قلتها لوجبت، الحج مرة، فمن زاد فهو تطوع) رواه الخمسة غير الترمذي ، وأصله في مسلم من حديث أبي هريرة ].

    استحباب تكرار الحج

    أخيراً: يأتي المؤلف رحمه الله ببيان ما يلتبس على الناس، لأن الحج يأتي كل سنة، ورمضان يأتي كل سنة، والصوم في رمضان كلما جاء رمضان واجب، فهل كلما جاء الحج وجب على المستطيع؟

    فخطب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (إن الله كتب عليكم الحج) (كتب) بمعنى: ألزم، وهي صيغة تكليف مؤكدة، وتأتي في الأمور الهامة: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ [البقرة:178]، كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ [البقرة:180]، كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ [البقرة:183].

    (إن الله كتب الحج) أي: أوجبه بكتابه، وجاء في الكتاب الكريم: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [آل عمران:97] فقام : الأقرع بن حابس -وهو سيد في قومه- وقال: (يا رسول الله! كتب الله علينا الحج، والحج يأتي كل سنة، أفي كل سنة نحج؟) أي: يكون التكرار بتكرار موجبه كما في رمضان؟ فرمضان جاء فيه: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185]، فكان إلزاماً لكل من شهد الشهر بأن يصومه، ولكن هنا قال: مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران:97].

    فكان جواب النبي صلى الله عليه وسلم: (لو قلت: نعم، لوجبت، ولم تستطيعوا) وفي بعض الروايات: (دعوني ما تركتكم، إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه).

    ثم بين صلى الله عليه وسلم أن الحج في العمر مرة واحدة، وما زاد عن المرة فتطوع، ومتى يكون؟ لم يحدد، فإذا كرر الحج كل سنة، فهو طيب.

    تكرار الحج أفضل من التصدق بنفقته

    وقال بعض العلماء: تكرار الحج أفضل من التصدق بنفقته؛ لأن فيه منافع كثيرة؛ ولكن جاء هناك تحديد في قوله صلى الله عليه وسلم كما في الحديث القدسي: (لا يحل -أو لا يحق- لعبد عافيته في بدنه، وأوسعت له في رزقه، أن يهجر البيت فوق الخمس)، إنسان مستطيع وثري، والطريق آمن، فما ينبغي أن يهجر البيت أكثر من خمس سنوات، والرسول صلى الله عليه وسلم سماه هجراً: (أن يهجر البيت) فإذا كان يستطيع لأقل من الخمس فهو المطلوب، وإن وفاها إلى الخمس فلا ينبغي أن يتجاوزها، وهكذا الحج في العمر مرة، والنافلة لا حد لها، ولا ينبغي لمستطيع أن يجاوز الخمس سنوات، وكيف وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم: (من أراد خيري الدنيا والآخرة فليؤمنّ هذا البيت)، من أراد أن يوسع الله في رزقه فليؤمن هذا البيت، ففي الحج فوائد كثيرة.

    ويكفي عموم قوله سبحانه: لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُم [الحج:28] واتفق علماء البلاغة على أن التنكير في مثل هذا للعموم: منافع دنيوية شخصية، واجتماعية، واقتصادية، ومنافع أخروية.

    إذاً: الحج مرة في العمر، ونافلته لا تنحصر، ولا ينبغي تركه أكثر من خمس سنوات، والله تعالى أعلم.