اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كتاب الحج - باب فضله وبيان من فرض عليه [4] للشيخ : عطية محمد سالم


كتاب الحج - باب فضله وبيان من فرض عليه [4] - (للشيخ : عطية محمد سالم)
إن المرأة مأمورة بالحج كالرجل، إلا أن الإسلام راعى ضعف المرأة، وحاجتها إلى غيرها، فأوجب عليها إن أرادت أن تسافر إلى الحج أن يكون معها محرم، فإن لم تجد فلا يجب عليها الحج، والمحرم هو كل من حُرّمت عليه المرأة تحريماً مؤبداً.ويجوز الحج عن الغير فرضاً كان أو نفلاً، بشرط أن يكون قد حج عن نفسه أولاً، والوصية بالحج تنفذ من ثلث مال الموصي، ويستحب تكرار الحج كل عام ويكره تأخيره -لمن كان مستطيعاً- أكثر من خمس سنوات.
اشتراط وجود المحرم مع المرأة عند خروجها للحج
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد:قال المؤلف رحمه الله: [وعنه رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يقول: (لا يخلُونّ رجلٌ بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، فقام رجل فقال: يا رسول الله! إن امرأتي خرجت حاجة، وإني اكتُتبت في غزوة كذا وكذا، فقال: انطلق فحج مع امرأتك) متفق عليه، واللفظ لـمسلم ].هذا الحديث يتناول قضية كبرى من كبريات قضايا المجتمع، ألا وهي: قضية سفر المرأة، ومفهوم سفر المرأة يقتصر على ما يسمى سفراً في العرف، بخلاف ما كان دون ذلك، كما لو خرجت المرأة من المدينة إلى قباء، فلا يقال: إن هذا سفر، أو خرجت من بيتها من ضاحية المدينة إلى المسجد النبوي فلا يقال: ذلك سفر، وإنما السفر كما يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله: (كل ما احتاج الإنسان معه إلى زاد وراحلة) هذا بالجملة، ولكن جاءت نصوص: (يوم وليلة)، (يومين)، (ثلاثة أيام)، إلى غير ذلك.وصدر الحديث (لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم) قضية عامة: لا يخلون رجل بامرأة، حضراً أو سفراً، والخلوة: أن يكون الاثنان معاً فقط، سواءً كان في السيارة، أو كان في الخيمة، أو كان في البيت، أو ... إلخ، إذا خلا المكان من غيرهما فهذا ممنوع؛ لأنه قد جاء في الحديث: (ما خلا رجل بامرأة، إلا كان الشيطان ثالثهما، أو معهما) وإذا كان الشيطان معهما فسيجرهما إلى الشر، ولهذا نهى صلى الله عليه وسلم عن ذلك.ثم جمع مع النهي عن الخلوة ما يتعلق بموضوعها أيضاً وهو السفر للحج، فالمرأة حين سألت النبي: هل تحج عن أمها؟ فقال: حجي، فعندها يأتي السؤال: كيف تحج؟ فجاء بشرط حج المرأة وسفرها: أن يكون معها محرم، ومن هنا يرى أحمد رحمه الله: أن استطاعة المرأة للحج بالزاد والراحلة والمحرم، وإذا لم يكن لها محرم كزوج، وأب أو كان محرمها فقيراً لا يستطيع الحج فلا تتم استطاعتها، والجمهور: على أن استطاعة المرأة كاستطاعة الرجل، الزاد، والراحلة، والمحرم شرط زائد عن ذلك.والأئمة الثلاثة رحمهم الله في حج المرأة حجة الفريضة من غير محرم يقولون: إن كانت هناك رفقة مأمونة فلها أن تخرج للفريضة فقط، وما هي الرفقة المأمونة؟! إذا كانت المرأة في جمع من النسوة مع محارمهن إلى غير ذلك، فتخرج لحج الفريضة ولا تخرج لحج النافلة.لما قدم المؤلف رحمه الله بيان فضل الحج، جاء بشروط وجوبه، وهي: الاستطاعة، وتفسيرها من النبي صلى الله عليه وسلم بالزاد والراحلة، ثم جاء بعد ذلك بمن يحج عن غيره، من أب أو أم، حياً أو ميتاً، نذراً أو غير نذر، ثم جاء هنا بواجب من الواجبات، أو بشرط من الشروط وهو: حج المرأة بمحرم لها.
 المحرم الذي تسافر معه المرأة في الحج
من هو المحرم الذي يكون للمرأة في الحج؟ قالوا أولاً: الزوج. ثانياً: من كانت المرأة تحرم عليه تحريماً مؤبداً، أما إذا كان زوج أختها، أو زوج خالتها، أو زوج عمتها، فهي لا تحل له، لئلا يجمع بين الأختين، ولا تنكح المرأة مع عمتها أو خالتها، لكن هذا التحريم مؤقت، لأنه إذا ماتت الأخت أخذ أختها، وإذا ماتت البنت أخذ خالتها، وهكذا يمكن أن يأخذ الواحدة منهن على انفراد، وقد يطلقها في الطريق، وتحل له هذه بعد طلاقها وخروجها من العدة، فالمقصود بالتحريم أن يكون مؤبداً. والعجيب أن نجد قولاً لـمالك رحمه الله، يستثني من هذا التحريم المؤبد الأخ من الرضاع، وولد الزوج، فالأخ من الرضاع محرم على التأبيد، وولد الزوج محرم؛ لأنها زوجة أبيه، ويعلل ذلك بفساد الزمن، فإذا كان في زمن مالك يمنع أن يكون ولد الزوج محرماً في السفر مع زوجة أبيه لفساد الزمن، فماذا نقول في وقتنا الحاضر؟ إذاً: المسألة تحتاج إلى تحفظ واحتياط.ولكن للأسف فإننا نشاهد مجيء المرأة بدون محرم في حلها وترحالها، عند ركوبها السيارة، عند نزولها، وعند وجودها في منى، وعند وقوفها في عرفات، فلو أرادت أن تشرب ماءً، أو أن تريق ماءً، فإنها في حاجة إلى من يكون معها، ويأخذ بيدها إلى قضاء حاجتها.إذاً: إذا كان المولى سبحانه أعفى المرأة ولم يوجب الحج عليها إذا لم يكن لها محرم، فلا حاجة أن تغرر بنفسها، ولا حاجة أن نشجعها على مخالفة السنة النبوية المطهرة، لكن إذا حدث وجاءت فهل نردها؟ لا نملك ذلك، وسنقع في المحظور، ولكن ينبغي أن يُعرف هذا الحديث ويحفظ ويعلّم ويدرس قبل أن تخرج المرأة من بيتها، وأنتم الآن وقد علمتم ذلك، فقد حملكم الله الأمانة، وحملكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فقال: (ألا فليبلغ الشاهد الغائب فرب مُبَلغ أوعى من سامع)، وقال: (رحم الله امرأً سمع مقالتي، فوعاها، فأداها كما سمعها، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه).إذاً: هذه قضية عامة ينبغي أن تراعى. ونجد بعض الناس يقول: المرأة إن كانت شابة فتمنع؛ لأنها موضع الفتنة، وإن كانت عجوزاً فلا مانع، ونجد الآخرين يقولون: لكل ساقطة لاقطة، فالعجوز لها عجوز أيضاً، ولكن: آخر ما يمكن أن يقال: سددوا وقاربوا، والله تعالى أعلم.
شرح حديث: (حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة)
قال المؤلف رحمه الله: [ وعنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يقول: (لبيك عن شبرمة ، قال: من شبرمة ؟ قال: أخ لي، أو قريب لي، فقال: حججت عن نفسك؟ قال: لا. قال: حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة) رواه أبو داود وابن ماجة ، وصححه ابن حبان والراجح عند أحمد وقفه ].
 الوصية بالحج وكيفية تنفيذها
ومن أوصى بحجة من تركته، تعلقت الوصية بالثلث، فريضة كانت أو نافلة؛ لأنه له الحق في التصرف في الثلث: (إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة في أجوركم) فلو أوصى وقال: فأوصى: حججوا عني، نظرنا كم يحتمل؟ ثلث التركة فإن احتمل من يحج عنه من بلده تعين إنفاذ الوصية، وإن احتمل من يحج عنه من نصف الطريق اكتفينا، وإن لم يحتمل إلا أن نأخذ من مكة فيكتفى بذلك، وهكذا، فتتعلق الوصية بالحج بثلث التركة، ومن حيث احتمل الثلث أخذنا من يحج عنه، وبالله تعالى التوفيق.ثم إنهم اتفقوا على أن من حج عن أحد تطوعاً، كأحد أبويه، أو قريب له، أو صديق، فإن له من الأجر كأجر الذي حج عنه، والله تعالى أعلم.
شرح حديث: (إن الله كتب عليكم الحج...)
قال المؤلف رحمه الله: [وعنه رضي الله عنهما قال: (خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن الله كتب عليكم الحج، فقام الأقرع بن حابس فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟! قال: لو قلتها لوجبت، الحج مرة، فمن زاد فهو تطوع) رواه الخمسة غير الترمذي ، وأصله في مسلم من حديث أبي هريرة ].
 تكرار الحج أفضل من التصدق بنفقته
وقال بعض العلماء: تكرار الحج أفضل من التصدق بنفقته؛ لأن فيه منافع كثيرة؛ ولكن جاء هناك تحديد في قوله صلى الله عليه وسلم كما في الحديث القدسي: (لا يحل -أو لا يحق- لعبد عافيته في بدنه، وأوسعت له في رزقه، أن يهجر البيت فوق الخمس)، إنسان مستطيع وثري، والطريق آمن، فما ينبغي أن يهجر البيت أكثر من خمس سنوات، والرسول صلى الله عليه وسلم سماه هجراً: (أن يهجر البيت) فإذا كان يستطيع لأقل من الخمس فهو المطلوب، وإن وفاها إلى الخمس فلا ينبغي أن يتجاوزها، وهكذا الحج في العمر مرة، والنافلة لا حد لها، ولا ينبغي لمستطيع أن يجاوز الخمس سنوات، وكيف وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم: (من أراد خيري الدنيا والآخرة فليؤمنّ هذا البيت)، من أراد أن يوسع الله في رزقه فليؤمن هذا البيت، ففي الحج فوائد كثيرة.ويكفي عموم قوله سبحانه: لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُم [الحج:28] واتفق علماء البلاغة على أن التنكير في مثل هذا للعموم: منافع دنيوية شخصية، واجتماعية، واقتصادية، ومنافع أخروية.إذاً: الحج مرة في العمر، ونافلته لا تنحصر، ولا ينبغي تركه أكثر من خمس سنوات، والله تعالى أعلم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كتاب الحج - باب فضله وبيان من فرض عليه [4] للشيخ : عطية محمد سالم

http://audio.islamweb.net