إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عطية محمد سالم
  3. كتاب الصيام - باب الاعتكاف وقيام رمضان [1]

كتاب الصيام - باب الاعتكاف وقيام رمضان [1]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • فضل الله عز وجل بعض مخلوقاته على بعض، ففضل بعض الأنبياء على بعض، وفضل بعض الأماكن على بعض، وفضل بعض الأزمان على بعض، ومن تفضيل الأزمان تفضيل بعض الشهور على غيرها، وتفضيل بعض الأيام على غيرها وكذلك بعض الليالي، ومن الأزمان التي فضلها الله عز وجل شهر رمضان، فجعل صيامه واجباً على المسلمين، وأنزل فيه القرآن، وفيه العشر الأواخر وهي من الأيام والليالي المفضلة، وفيها ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، فمن وفقه الله لقيامها إيماناً واحتساباً نال بذلك الأجر العظيم والثواب الجزيل.

    1.   

    فضل قيام رمضان

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه.

    أما بعد:

    قال المصنف رحمه الله: [عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه].

    قال صلى الله عليه وسلم: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً) هذا جزء من حديث طويل وفيه: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)، فأما ما يتعلق بالصيام فقد تقدم، وبقي ما يتعلق بالقيام، وفي بعض روايات حديث أبي هريرة : (ولم يعزم علينا).

    قوله: (من قام)، (من) هنا شرطية تفيد العموم، والمراد بهذا القيام: القيام في الصلاة، والصلاة في رمضان مختصة بالليل كما أن الصوم في رمضان مختص بالنهار، وقيام رمضان ليس بفريضة ولا بواجب ولكنه سنة مؤكدة وهو آكد من سنة الاعتكاف؛ لأن قيام رمضان أو ما يسمى التراويح في الآونة الأخيرة أصبح شعار الأمة في صيامها، ولهذا لا ينبغي تعطيل المساجد من قيام الليل في رمضان، سواء سمينا ذلك قياماً كما هو الاسم الشرعي الأساسي أو سميناه تراويحاً؛ واسم التراويح طارئ عليه، وسببه: أنهم كانوا يصلون ويطيلون القيام إلى الحد الذي يتعبون منه، فيجلسون بين كل تسليمتين من أجل أن يستريحوا، فسمي هذا الجلوس ترويحاً بدل استراحات؛ أي: أنه تراويح بين كل صلاة وصلاة، أو بين كل ركعتين وركعتين.

    حكم قيام رمضان

    وقيام رمضان من حيث هو جاء في عموم قيام الليل طيلة السنة كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل الأول، ومن صلى الفجر في جماعة فكأنما قام النصف الثاني)، فأقل درجات قيام الليل القيام المطلق أن يصلي الإنسان العشاء في جماعة، والفجر في جماعة، ثم ما زاد بعد ذلك فهو نافلة وزيادة، ثم أصبح القيام معروفاً باختصاصه برمضان، وأول من بدأ قيام رمضان هو النبي صلى الله عليه وسلم فقد جاء: (أنه صلى ليلة ثلاثٍ وعشرين، فشعر بعض الناس الذين في المسجد بصلاته فصلوا معه، وفي الليلة التي بعدها علم بعض الناس فاجتمعوا، فصلى رسول الله فصلوا بصلاته أيضاً، وفي الليلة الثالثة عم الخبر المدينة، ولما صلوا العشاء جلسوا ينتظرون ولم يرجع أحد إلى بيته، فنظر صلى الله عليه وسلم يريد أن يخرج ليصلي كالعادة فإذا بالمسجد مليء بالناس، فقال: يا عائشة ! ما بال الناس جلوس؟ ألم يصلوا العشاء؟! قالت: بلى، ولكنهم تسامعوا بمن صلى خلفك فهم ينتظرون أن تخرج لتصلي فيصلون بصلاتك، فقال: اطوي عنا حصيرك، ولم يخرج تلك الليلة، فانتظروا وحصبوا الباب بحصباء المسجد فلم يخرج إليهم حتى الصباح، ولما خرج لصلاة الصبح، قال: والله! ما خفي علي صنيعكم البارحة، وما بت بحمد الله غافلاً؛ ولكني كرهت أن أخرج إليكم فتفرض عليكم فتعجزون)، وهذا من رحمته صلى الله عليه وسلم بالأمة، كما جاء عنه في عدة مواضع: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بكذا).

    عمر رضي الله عنه أول من جمع الناس في صلاة التراويح على إمام واحد

    بعد أن انتهى عهد المصطفى صلى الله عليه وسلم كان الناس كل واحد يصلي لنفسه على ما جاء في حديث أبي هريرة مرفوعاً : (من قام رمضان...) فكان كل واحد يقوم بقدر استطاعته، وليس هناك تحديد عدد ولا نوعية ولا توحيد إمام، ومضى على ذلك عهد أبي بكر رضي تعالى الله عنه، وكان مشغولاً بقتال أهل الردة، وبتثبيت الدعوة، إلى غير ذلك، وكانت خلافته سنتين فقط، ولم يحدث جديداً، لكن ثبت في عهده أنهم كانوا يصلون الليل في رمضان ويطيلون القيام لأنفسهم حتى يتكئون على العصي، ويرجعون من المسجد إلى البيوت يحثون الخدم على التعجيل بالسحور خشية الفلاح، يعني: الفجر.

    ثم جاء عهد عمر رضي الله تعالى عنه فرأى الناس يصلون أوزاعاً -جماعات- يصلي كل مجموعة خلف من عنده قرآن، وكانوا يتتبعون حسن الصوت ويصلون خلفه، فلما رآهم أوزاعاً متفرقين -وهذه ليست صفة المسلمين، فالإسلام جاء ليجمّع الناس ويوحدهم، وهؤلاء تفرقوا فرقاً وأوزاعاً- قال: أرى أني لو جمعتهم على إمام واحد لكان خيراً، فجمعهم على أبي بن كعب ، وصاروا جماعةً واحدة، وجعل معه شخصاً آخر حتى يتناوبا، وجعل إماماً خاصاً للنساء أعجل منهما؛ كي ترجع النسوة إلى بيوتهن بسرعة.

    عدد الركعات في صلاة التراويح

    جمع عمر القراء واستمع إليهم، فمن كان سريع القراءة أمره أن يقرأ في الركعة بثلاثين آيةً، ومن كان بطيئاً أمره أن يقرأ بعشرين آيةً، ومن كان متوسطاً أمره أن يقرأ بخمس وعشرين آيةً، وأمره أن يصلي عشرين ركعةً ويوتر لهم بركعة فيكون الجميع إحدى وعشرين ركعةً، واستمر الأمر على ذلك باتفاق الصحابة الموجودين بما فيهم عثمان وعلي رضي الله تعالى عنهم، فهذه الصورة التي أوجدها عمر حصلت باتفاق الخلفاء الراشدين الثلاثة، عمر ، عثمان ، علي رضي الله تعالى عنهم، وبمشهد وإقرار وموافقة من بقية الصحابة الموجودين بالمدينة.

    واستمر الأمر على ذلك إلى أن جاء زمن عمر بن عبد العزيز ، فزيد فيها ستة عشر ركعة؛ لأن أهل مكة كانوا يصلون عشرين ركعة، ولكنهم كانوا يطيلون الجلسة بين الركعتين فكان النشيط منهم يقوم ويطوف بالكعبة سبعة أشواط، ويصلي سنة الطواف ركعتين، فرأى أهل المدينة أنه ليس عندهم كعبة يطوفون بها، وأرادوا المنافسة فاستبدلوا بدل الطواف ركعتين، وصلوا مكان كل ترويحة أربع ركعات، وإذا كانت الصلاة عشرين ركعة وفي كل أربع ركعات ترويحة فسيكون مجموع الترويحات خمس ترويحات، وستكون الفجوات والاستراحات بين الخمس ترويحات أربع استراحات، فقالوا: إذاً: أهل مكة فازوا بالطواف وركعتي الطواف، فنعادل الطواف بركعتين، وسنة الطواف بركعتين، فصارت أربعاً في أربع ترويحات والمجموع ستة عشر ركعة، فأضافوها إلى العشرين وصارت ستاً وثلاثين ركعة، واستمرت على ذلك إلى القرن الخامس الهجري.

    ولما كان في القرن السابع جاء الإمام أبو زهرة وهو من أئمة الحديث فتولى الإمامة في المسجد النبوي الشريف، وأراد أن يلغي ما وضعه بعض الناس من أجل السياسة فألغى الست عشرة ركعة، وقال: تبقى المدينة مثل مكة، فأراد أن يجعلها عشرين ولكن لوجود المخالفة ومن أجل أن يبقى الاتفاق أيضاً جعل العشرين في أول الليل مثل أهل مكة، وجعل الست عشرة في آخر الليل باسم القيام، وأصبحت التراويح في أول الليل عشرين ركعة، والقيام في آخر الليل ست عشرة ركعةً، إلى أن جاءت الحكومة السعودية، فألغت من الست عشرة ستاً، وجعلتها عشراً تخفيفاً على الناس، وعممتها في عموم المملكة توحيداً للعمل، واستمرت بحمد الله إلى الآن، عشرون ركعة في أول الليل وعشر ركعات في آخره.

    وعمر رضي الله تعالى عنه لما جمعهم على إمام واحد جاء إلى المسجد بعد ليلة أو ليلتين ونظر فإذا الناس في جماعة واحدة، فقال: نعمت البدعة هذه والتي تنامون عنها خير منها، أي: أن صلاة المرء في بيته في جوف الليل خير من حضور تلك الجماعة؛ لأنه إذا صلى في بيته يؤنس أهله، ويجلب البركة لبيته، وتكون هناك رحمات تتنـزل في البيت، وتكون صلاته بعيدة عن الرياء وعن السمعة.

    ثم أجمع العلماء على أن من قام رمضان بركعتين أو بأربع أو بست أو بعشر أو بعشرين أو بأربعين فإنه يجوز له ذلك، فليس في ذلك حد محدود، ولكن يكون عمله في شخصه فلا يعترض على غيره ولا يدعوا غيره إلى ما يراه لنفسه؛ لأننا أخيراً وجدنا بعض الناس يلومون على هذا العمل ويعيبونه ويقولون: هي ثمان ركعات لا يزاد عليها لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (ما زاد رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان ولا في غيره على ثمان ركعات)، ولكنها رضي الله تعالى عنها تقول: (يصلي أربعاً فلا تسل عن حسنهن وطولهن) فقد كان يقرأ في الركعة البقرة وآل عمران والنساء، ثم يركع نحواً من ذلك، أما الذين يقولون: لا نزيد على الثمان ركعات، فلا يقرءون في الركعة حتى سورة تبارك التي هي ثلاثون آيةً، كما أمر عمر القارئ السريع أن يقرأ بها، فكيف نوفق بين ذلك؟ إن قلتم: لا يزيد على الثمان، فاجعلوها كصلاة رسول الله في الطول، وإذا صليتم على تلك الكيفية فيكفي أربع، وكذلك أيضاً لابد أن تداوموا على ذلك في رمضان وفي غير رمضان، لا أن تتركوا كل ذلك طيلة العام ثم تأتون إلى رمضان وتقولون: لا تصلي إلا ثمان ركعات، ثم تجعلونها ثمان ركعات شكلية لا كالثمان التي تقدمت صفتها عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    إذاً: عمر رضي الله تعالى عنه كان يعلم الثمان، ويعلم بأن الرسول صلى في بعض الليالي ثمانياً، وفي بعضها زاد على ذلك؛ لأنه صلى في بعض الليالي إلى ثلث الليل، وفي بعضها صلى إلى نصف الليل وفي بعضها صلى إلى ثلثي الليل، حتى قيل له: (يا رسول الله! لو نفلتنا بقية ليلتنا -أي: ما دام أننا صلينا إلى الثلثين- فقال: من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له بقية ليلته).

    الرد على من يقول: إن التراويح بدعة عمرية

    فهذه الصورة الموجودة الآن على ما هي عليه لا ينكر عليها، فإذا قصرت بإنسان همته أو نشاطه أو طرأ عليه عذر ما فهذا أمر شخصي ولا ينبغي أن يجعل مقياساً للآخرين ولا أن يعترض على الآخرين، ويقول: هذه بدعة عمر -أعوذ بالله- هي بدعة لغوية وليست بدعةً شرعيةً؛ لأن البدعة في اللغة: هي الابتداع والابتكار على غير مثال سابق على حد قوله سبحانه: بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [البقرة:117]، يعني: ابتدع خلقتها وهيئتها، فهذا الجرم العظيم الذي لا يحده النظر والذي يحيط بالعالم كالقبة لم يكن له مثال قبل هذا.

    إذاً: لما قال: نعمت، عرفنا بأنها ممدوحة، ولما قال: البدعة، عرفنا أنها اللغوية، وكيف يقره علي وعثمان وجميع الصحابة على شيء مبتدع؟! أنا أقول: إن الذي يقول: هذا بدعة عمر يؤدب؛ لأنه ينسب إلى عمر رضي الله تعالى عنه ما هو منه براء، فـعمر الذي كان الشيطان يفر من طريقه، ووافق القرآن في عدة مواطن هو أبعد الناس عن الابتداع في دين الله.

    إذاً: هذا العمل الذي أقره عليه سلف الأمة من شاء أخذ به بحذافيره ومن شاء أخذ به بقدر طاقته، ولكن كما أشرنا لا يدعو إلى قوله ولا يعيب على غيره، ولكن بقدر طاقته وما تيسر له.

    أيهما أفضل صلاة التراويح في البيت أم جماعة في المسجد؟

    إذاً: من قام رمضان، بما تيسر له، سواءً مع الإمام في المسجد، أو مع نفسه في بيته، أو مع أهله كل ذلك سواء، وبعض المالكية يقول: الذي يكون حافظاً ماهراً في القرآن وأراد أن يقوم رمضان في بيته فهو أفضل ما لم تعطل المساجد من صلاة الجماعة في رمضان؛ لأن النافلة الوحيدة في الصلوات التي تصلى جماعة هي التراويح.

    شرط الإيمان والاحتساب في قيام رمضان

    قوله: (من قام رمضان)، بهذا القيد: (إيماناً واحتساباً)، إيماناً بالله، وإيماناً بثوابها، وإيماناً بسنيتها. قوله: (واحتساباً)، الاحتساب والحساب هو: العد، أي: تحتسبها عند الله، وتعدها من أعمال الخير التي استودعتها أمانة عند الله، لا أن تكون لنشاط ورياضة ولا أن يكون الشخص شبعان ويريد أن يهضم، ولا عنده مصلحة وجاء إلى المسجد من أجلها، ولا أن يكون قد اتفق مع جماعة للحضور ولا يريد أن يتخلف عنهم، فمن عمل لذلك فليس محتسباً، ولكن عليه أن يقوم رمضان إيماناً بوعد الله، وإيماناً بسنة رسول الله، واحتساب عملها وأجرها عند الله.

    الذنوب التي تغفر بقيام رمضان

    وقوله: (غفر له ما تقدم من ذنبه) نجد العلماء رحمهم الله يقفون عند قوله: (غفر له ما)، و(ما) هنا هي للعموم سواءً كانت صيغة إجمال أو كانت موصولة، غفر له الذي تقدم من ذنبه، وهذا الذي تقدم قد تكون فيه كبيرة وقد تكون فيه صغيرة، وبعض العلماء يقول: غفر له ما تقدم من ذنبه من الصغائر، وأكثرهم يقولون: غفر له ما تقدم من صغائر وكبائر؛ لأن الصغائر قد قال الله عنها: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [النساء:31]، فالصغائر تكفر باجتناب الكبائر وبدون أعمال أخرى، إذاً: الحديث مطلق، وكما قال بعض العلماء: أحاديث الوعد والوعيد ينبغي ألا تفسر بل تؤخذ على منطوقها، والله تعالى أعلم.

    1.   

    فضل العشر الأواخر من رمضان

    قال المصنف رحمه الله: [عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر -إي العشر الأخيرة من رمضان- شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله)، متفق عليه].

    هذه الصورة التي تصفها لنا عائشة رضي الله تعالى عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في العشر الأواخر من رمضان: (كان إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله، وأيقظ أهله) ما معنى هذا في العشر دون العشرين الأول؟

    قال العلماء: كان صلى الله عليه وسلم يجتهد في رمضان ولكن اجتهاده في العشر الأواخر من رمضان أكثر من اجتهاده في بقية رمضان.

    ويعزون السبب في ذلك إلى أنه صلى الله عليه وسلم اعتكف العشر الأوائل، ثم اعتكف العشر الوسطى، ثم اعتكف العشر الأخيرة، وبين صلى الله عليه وسلم: (أنه أول ما اعتكف إنما كان يترقب ليلة القدر أن توافيه وهو منقطع فيها إلى الله، فلما اعتكف العشر الأوائل في سنة أتي فأخبر بأن الذي ترجوه أمامك -يعني: ليس في العشر الأوائل- وفي السنة الثانية اعتكف العشر الوسطى، ثم أتي فقيل له: إن الذي ترجوه أمامك، فنظر إلى الناس من خبائه وقال: من كان اعتكف معي فليظل في معتكفه فإني معتكف العشر الأواخر)، واعتكف العشر الأواخر وظل يعتكف في العشر الأواخر حتى قبضه الله.

    فكان حينما تأتي العشر يجدد النشاط ويشتد فيه وأول شيء: (شد مئزره)، والمئزر معروف وهو: ما يكون في وسط الرجل من السرة إلى أسفل. وقوله: (شد مئزره) هل معناه: أنه اعتزل النساء؟ أو أن معناه أنه شد حزامه كناية عن النشاط كما تقول: يا فلان! شد حيلك وشد حزامك ؟ وكما قيل أيضاً:

    أوردها سعد وسعد مشتمل ما هكذا يا سعد! تورد الإبل

    أي: أنه أورد الإبل والشملة على كتفه وهو غير مبال بها، وإيراد الإبل يحتاج إلى شد الحزام وإلى النشاط وإلى التشمير، والمراد شمر عن ساعديك يا سعد! فما هو المراد بشد المئزر؟

    قال بعضهم قولها: (شد مئزره)، هو كناية عن العزم وتجديد القوة في العشر الأواخر، وهناك من يقول: (شد مئزره)، أي: أنه تجنب النساء، ويؤيد هذا المعنى قولها: (وطوى فراشه)، يعني: ليس هناك نوم في الفراش.

    قولها: (وأيقظ أهله)، إيقاظ الأهل رغبة في الخير، وكان صلى الله عليه وسلم في بادئ الأمر يوقظ أهله ليلة سبع وعشرين ويأمرهن بالاغتسال تهيئاً وتأهباً لليلة القدر على أنها في ليلة سبع وعشرين.

    إذاً: تبين لنا أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجتهد في العشر الأواخر ما لم يجتهده فيما قبلها.

    ونحن نقول: هي عشر ليالٍ وتنتهي فهل يعجز الواحد منا أن يجتهد في هذه العشر؟

    السنة كلها (360) يوماً أيعجز فيها الإنسان عن عشرة أيام؟ لو قيل له: في كل ليلة من الليالي العشر لك عشرة آلاف ريال، فهل سينام؟ لن ينام، بل سيقف على ثلاث أصابع ويمد يديه إلى الله.

    المصطفى صلى الله عليه وسلم كان يقوم الليل في غير رمضان حتى تتفطر قدماه، فلما يأتي إلى العشر الأواخر في رمضان يجتهد أكثر مما كان يجتهد في غيرها، فمن منا قد قام حتى تفطرت قدماه؟ من ومن منا يحيي الليل كما كان يحييه صلى الله عليه وسلم؟ منا عمل بقوله تعالى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الإسراء:79]؟

    فهو صلى الله عليه وسلم مع ما وُعد به من المولى عز وجل؛ وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يقوم الليل، ولما سئل قال: (أفلا أكون عبداً شكوراً)، ثم يأتي إلى العشر الأواخر: (ويشد مئزره، ويطوي فراشه، ويوقظ أهله)، ونحن طيلة السنة نحل الإزار ونمد الفراش وننام نوماً عميقاً وبعض الناس في رمضان ليلهم نهار ونهارهم ليل، فإذا جاءت هذه الفرصة في حياة الإنسان ولم ينتهزها، فإن هذا من التفريط، ولكن أقول: التوفيق بيد الله، نحن لا نملك إلا أن نتوجه إلى المولى العلي القدير أن يوفقنا وأن يعيننا وأن يسددنا وأن يرزقنا خير هذه الأيام المباركة، وإلا فالعاجز والكسلان يضيع نفسه، وكما جاء في الحديث: (من حرمها فقد حرم الخير كله).

    نسأل الله سبحانه أن يجنبنا الكسل وأن يعطينا القوة والعافية، وأن يوفقنا ويسدد خطانا، فمهما كان عند الإنسان من عمل فهو يقدر أن يؤجله، ويقدر على أن يرجع إليه مرة أخرى، ويقدر على أن يسنده إلى غيره، فلا يفوت على نفسه هذه الفضيلة.

    إذاً: هذا من أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها بيان لحال النبي صلى الله عليه وسلم، فينبغي علينا وأخص طلبة العلم أن ننقطع للعبادة في هذه العشر، فنحن بخلاف طلبة الدنيا فقد يكون الواحد منهم مضطراً لأن يدير تجارته، ومضطراً لأن يوالي بضاعته، أو أن هذا عنده موسم دنيا، ولكن نقول له: أيضاً لا ينبغي أن يحرم نفسه، ولا أن يجعل كل همه في تجارته وصناعته وزراعته، بل يعطي نفسه ولو عشرة أيام في السنة كلها.

    1.   

    الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان

    قال المصنف رحمه الله: [وعنها رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله عز وجل، ثم اعتكف أزواجه من بعده)، متفق عليه].

    تخبر رضي الله تعالى عنها في هذا الحديث أنه صلى الله عليه وسلم: (كان يعتكف العشر الأواخر حتى توفاه الله) وقد اعتكف صلى الله عليه وسلم العشر الأول، ثم اعتكف العشر الوسطى ولكن لم يكررها، ثم اعتكف العشر الأخيرة وداوم عليها حتى توفاه الله، ثم تقول رضي الله تعالى عنها: (ثم اعتكف أزواجه من بعده) وسيأتي أن بعض زوجاته أردن أن يعتكفن معه ولكنه منعهن من ذلك، ثم كن يعتكفن من بعده.

    إذاً: ليس الاعتكاف خاصاً في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وليس خاصاً به صلى الله عليه وسلم، بل له وللأمة كلها، ونقل عن مالك أنه قال: تأملت في هذا الأمر فما وجدت كثيراً من الصحابة يعتكفون فنظرت فإذا هو عندي كالوصال.

    ولكن الذي يهمنا هنا أن الاعتكاف مسنون، وسنيته باقية ودائمة لم يعترها نسخ ولا تعطيل، واعتكاف أزاوجه رضي الله تعالى عنهن من بعده هذا عمل خير لهن؛ ولأن المسجد ليس بعيداً عنهن، وسيأتي بيان صحة اعتكاف المرأة في أي مسجد ولو في مسجد بيتها على ما قاله الإمام أبو حنيفة رحمه الله.

    1.   

    متى يبدأ وقت الاعتكاف؟ ومتى يدخل المعتكف معتكفه؟

    قال المصنف رحمه الله: [وعنها رضي الله تعالى عنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه)، متفق عليه].

    يسوق لنا المؤلف رحمه الله تعالى حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يعتكف إذا صلى الغداة دخل معتكفه)، وهذا عند العلماء فيه بيان لأول وقت يدخل فيه المعتكف محل اعتكافه.

    وهنا تقول: أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها: إنه صلى الله عليه وسلم كان يدخل معتكفه إذا صلى الغداة، والغداة: الصبح، وفي هذا الحديث نص على أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد الاعتكاف يوماً فأكثر يبدأ زمن اعتكافه من بعد صلاة الصبح، وهذا قول سفيان الثوري وغيره.

    وأما الأئمة الأربعة رحمهم الله فإنهم يقولون: إذا كانت مدة الاعتكاف يوماً فأكثر فينبغي أن يدخل معتكفه قبل أن تغرب شمس ليلة اليوم الأول، فمثلاً: إذا أراد الإنسان أن يعتكف وأول اعتكافه يوم السبت، فإنه يدخل معتكفه آخر النهار من يوم الجمعة قبل أن تغرب الشمس وتدخل ليلة السبت، هذا ما عليه الأئمة الأربعة، ويذكره علماء الحديث والفقهاء وغيرهم.

    وكيف يجيبون على حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان يدخل معتكفه بعد صلاة الصبح)، وهناك فرق بين الدخول بعد صلاة الصبح وبين الدخول قبل غروب الشمس؟

    يجيب الأئمة رحمهم الله: بأن الليلة تابعة لليوم، فإذا نوى أو أراد أو نذر الاعتكاف في يوم السبت فعليه أن يضم الليل مع النهار، ولا يتأتى ضم الليل مع النهار إلا إذا دخل المعتكف قبل أن تغرب الشمس بقليل، ويقولون: إن حديث عائشة رضي الله تعالى عنها يفسر على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في المسجد وليس في بيته، ودخوله معتكفه بعد أن يصلي الغداة تريد المكان الذي حدده للاعتكاف فيه، فقد كان صلى الله عليه وسلم يوضع له سرير خلف اسطوانة التوبة ليعتكف ويستريح عليه، وربما ضربت له خيمة على سريره ليستتر به عن الناس، فيكون مراد أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها بدخوله معتكفه المكان المحدد المخصوص له صلى الله عليه وسلم لا عموم المسجد.

    ونحن نعلم جميعاً أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد لقوله: (ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع) على خلاف سيأتي المؤلف ويشير إليه فيما بعد.

    إذاً: متى يدخل المعتكف معتكفه؟

    الحديث الذي عندنا فيه أنه بعد صلاة الغداة، ورأي الأئمة الأربعة باتفاقهم على: أنه قبل غروب الشمس، ولكون الأئمة رحمهم الله قد اتفقوا على ذلك فلا يمكن أن نلغي اتفاقهم، ولكن ننظر ما هو تخريجهم وتوجيههم للحديث؟

    وجهوا الحديث وقالوا: إن المراد بقولها: (معتكفه) أي: المكان المعد المخصص له دون عموم المسجد، والله تعالى أعلم.

    أقل حد للاعتكاف وأكثره

    وأما قول من يقول: إن الاعتكاف لا حد لأقله، ففي هذه المسألة خلاف:

    فهناك من يقول: لا اعتكاف أقل من عشرة أيام، وهذا القول مروي عن مالك رحمه الله.

    وهناك من يقول: لا اعتكاف أقل من يوم وليلة، وهذا القول منقول عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله، وهو رواية عن أحمد .

    وهناك من يقول: لا حد لأقله فيصح ولو نصف ساعة ولو ربع ساعة وهذا قول الشافعي رحمه الله، وإن كان الأفضل عنده: ألا يقل عن يوم وليلة.

    وقد جاء عن بعض السلف أنه قال: كنت أدخل المسجد لا لصلاة ولا لشيء ولا لأجلس وإنما للاعتكاف، يعني: أنه كالمار، وقالوا: إن ذلك يشبه الوقوف بعرفة؛ لأن الوقوف بعرفة مكث في مكان معين، ويجزئ الحاج أن يقف بعرفة ولو ساعة، حتى بالغ البعض وقال: ولو مروراً بها من شرقها إلى غربها، وهو يعلم أنها عرفة، والبعض قال: ولو لم يعلم.

    فقالوا: إن الوقوف بعرفة هو عبارة عن مكث في مكان معين في زمن محدود، فقالوا: وكذلك الاعتكاف هو عبارة عن مكث في مكان معين لعبادة فلا يتقيد بزمن كما أن الوقوف بعرفة لا يتقيد بزمن، مع أنهم يقولون في عرفة: من أمكنه الجمع بين ليل ونهار فترك ذلك فعليه دم مع صحة حجه؛ لأنه ترك واجباً، ولو أن مريضاً بالمستشفى كان محرماً بالحج فأخذوه في سيارة ووصلوا به إلى عرفات ثم ردوه إلى المستشفى في وقته فإنه يكون قد أدرك الحج وأدرك الوقوف بعرفة.

    إذاً: مدة الاعتكاف يختلفون في أقلها ولا يختلفون في أكثرها، فله أن يعتكف شهراً أو شهرين أو أكثر، وسيأتي عند بحث الصوم أن الذين قالوا: لا حد لأقله، يستدلون بقصة عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: (كنت نذرت اعتكاف ليلة عند الكعبة في الجاهلية، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي: أوفِ بنذرك)، قيل: كان هذا السؤال في الجعرانة عند رجوعهم من الطائف.

    فكونه يعتكف ليلة والليلة ليست يوماً كاملاً، وذكر ابن حجر في فتح الباري أن هناك من يروي (يوماً) فيقول: عمر كان نذر يوماً، ومن روى (ليلة) فأراد مع نهارها، ومن روى (يوماً) أراد النهار مع الليل، ولكن رواية: (نذرت أن أعتكف يوماً) يقول: إنها شاذة، والمحفوظ: (نذرت اعتكاف ليلة)، فقال الشافعي رحمه الله: الليلة ليست يوماً كاملاً، والليل ليس موضع صيام فليس الصوم شرطاً في الاعتكاف.

    إذاً: نحن في مبحث متى يدخل المعتكف معتكفه؟ فإن كان زمن اعتكافه يوماً فأكثر فعلى ما تقدم، فرأي الأئمة الأربعة رحمهم الله: أنه يدخل معتكفه قبل غروب شمس اليوم الذي قبله، والحديث محمول على أن المراد بمعتكفه المكان الذي كان صلى الله عليه وسلم يخصصه لجلوسه ونومه واعتكافه. والله تعالى أعلم.

    وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. والحمد لله رب العالمين.