إسلام ويب

كتاب الصيام - مقدمة كتاب الصيام [1]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • التنطع لا خير فيه، وقد زجرت عنه الشريعة وحرمته، ومن ذلك تقدم صوم رمضان بيوم أو يومين احتياطاً، فهذا لا يجوز، والشريعة مبنية على التيسير، والعبادات مبنية على التوقيف، وقد بين أهل العلم ذلك بياناً شافياً.

    1.   

    شرح حديث: (لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين)

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

    وبعد:

    قال المصنف رحمه الله: [ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه) متفق عليه.

    وعن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال: من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم. ذكره البخاري تعليقاً، ووصله الخمسة، وصححه ابن خزيمة وابن حبان ].

    كتاب الصيام من أعظم كتب الفقه دراسة وتحصيلاً وعملاً وتطبيقاً، والمؤلف ابن حجر رحمه الله ساق في هذا الكتاب نحواً من خمسين حديثاً، اشتملت على كل ما يتعلق بالصيام فرضاً أو نفلاً أداءً أو قضاءً. وبدأ هذا الكتاب بهذا المبحث، وهو: النهي عن أن يتقدم أحد رمضان بصوم يوم أو يومين من شعبان.

    وعادة العلماء أن يعرفوا الباب لغة واصطلاحاً، فقالوا: الصوم لغة: مطلق الإمساك: إمساك عن طعام، إمساك عن كلام إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا [مريم:26] ، خيل صيام وخيل غير صائمة، أي: صيام تمسك عن الجري، ويقول العرب عن الثريا: كأنها علقت بمصام في مصامها، أي: في موقفها عن الحركة والسير.

    والصوم شرعاً: مأخوذ من معنى الصوم لغة، وهو: إمساك مخصوص عن شهوتي الفرج والبطن في زمن مخصوص، ألا وهو نهار رمضان، أو غيره إن كان نافلة.

    البخاري رحمه الله بدأ في كتاب الصيام بإثبات المشروعية، ثم تكلم عن أحكام الصيام فيما بعد، وعقد فوق الستين باباً لأحكام الصيام، وخمسة أحاديث في ليلة القدر، وتسعة أبواب في الاعتكاف، ومجموعها حوالى ثمانين باباً، فما توسع أحد في باب الصوم كتوسع البخاري رحمه الله.

    متى شرع الصوم؟

    متى بدأ الصوم؟

    قالوا: أول ما شرع الصوم بعد الهجرة في يوم عاشوراء، (لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسألهم: لم تصومونه؟ قالوا: هذا يوم نجى الله فيه موسى من فرعون، فصامه شكراً لله، فنحن نصومه، فقال صلى الله عليه وسلم: نحن أحق بموسى منكم -أي: لأنكم غيرتم وبدلتم ما جاءكم به موسى، ونحن لا نغير ولا نبدل- فصامه وأمر الناس بصيامه) ، وفي بعض الروايات: (أنه صلى الله عليه وسلم لما نوى صيامه بعث إلى مياه أهل المدينة منادياً: من كان ممسكاً فليبق على صيامه، ومن أكل أو شرب فليمسك بقية يومه) ، وكان ذلك في السنة الأولى، ثم في السنة الثانية فرض رمضان، ونسخ فرضية يوم عاشوراء، وأصبح على النافلة والندب والاستحباب.

    ولا يعني سؤال النبي صلى الله عليه وسلم اليهود عن صوم يوم عاشوراء أنه صامه تبعاً لهم، لا ، فصوم يوم عاشوراء كان معلوماً عند العرب قبل الإسلام، كانوا يصومونه ويجددون فيه كسوة الكعبة، فكان معلوماً لديهم، ولكن سؤال النبي صلى الله عليه وسلم لليهود -وهم أهل كتاب- ليعلم ما هو السبب عندهم، فذكروا له نجاة موسى من فرعون، فبين لهم أنه أحق بموسى منهم فصامه.

    ويمكن أن يقال من جانب آخر: كان النبي صلى الله عليه وسلم أول ما جاء المدينة مهاجراً يحب أن يوافق اليهود من باب المسايرة، وليبين أنه أتى بما جاء به الأنبياء قبله، فكان يصلي ستة عشر شهراً من أول مقدمه المدينة مستقبلاً لصخرة بيت المقدس، حتى أن اليهود استدلوا بذلك على أنه تابع لهم، وكانوا يحتجون بصلاته صلى الله عليه وسلم إلى قبلتهم، ويقولون: يصلي إلى قبلتنا ويعيب ديننا!! فكره ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يقلب وجهه في السماء يتطلع إلى تغيير هذا الحال، ويحب أن يوجه في صلاته إلى الكعبة، فجاء قوله سبحانه: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا [البقرة:144] ، وتم بذلك استقلالية الإسلام بكامله في معناه وفي شكله عما يتعلق باليهود.

    أيضاً لما رآهم النبي صلى الله عليه وسلم يصومون يوم عاشوراء صام، ولكن لم يكن صيامه متابعة لهم حاشا وكلا، بل كان يُصام قبل ذلك، ويقولون: إن يوم عاشوراء رست فيه سفينة نوح على الجودي، وهو اليوم الذي أخمدت نار النمرود التي رمى فيها الخليل إبراهيم عليه السلام، وهو اليوم الذي نجى الله فيه موسى من فرعون، وهو اليوم الذي أخرج الله فيه ذا النون من بطن الحوت، ويذكرون في التاريخ أحداثاً عديدة، والله تعالى أعلم، والذي يهمنا ما جاء ثابتاً، وهو سبب صوم اليهود إياه؛ لأنه يوم نجى الله فيه موسى من فرعون.

    وهنا نقطة أرجو أن ننتبه لها، وأن نأخذها بعين الاعتبار، فيوم نجى الله فيه موسى من فرعون يوم مبارك ومناسبة سعيدة ففيه نصرة الحق على الباطل، فحينما تتجدد للمسلمين نعمة كهذه فإنها تستحق الشكر، ويغبط الإنسان فيها، فمن شكرها أن تقدم للمولى سبحانه طاعة، لا أن تجعلها يوم لهو ولعب، وتخرج عن الآداب الإسلامية.

    ذكر ابن هشام في السيرة: أن النجاشي لما هاجر إليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وكان من أمرهم ما كان، وأعطاهم الأمان والحرية في بلاده، فإذا في يوم من الأيام يستدعيهم، فخافوا ما الذي حصل؟! فلما دخلوا الديوان أذن لهم في الدخول عليه في المجلس الخاص الذي هو فيه، فلما دخل أصحاب رسول الله على النجاشي، وكانوا يظنونه في الهيئة والهيبة والسلطة والسلطان؛ فهو ملك، فإذا بهم يجدونه جالساً على التراب، لابساً المسوح، والمسوح نوع من اللباس خشن يتخذه بعض العباد للعبادة، ابتعاداً عن ترف القطن والكتان والحرير المحرم، زيادة في الخشوع والخضوع بين يدي الله، ورءوه حاسراً رأسه، فلما رءوا هذا المنظر ظنوا أن الملك قد وقعت به مصيبة، فقال: أتدرون لم دعوتكم؟!

    قالوا: لا -والله- عجِّل، لماذا دعوتنا؟

    قال: في هذا اليوم أتاني خبر بأن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم قد لقي عدوه من المشركين في أرض يقال لها: بدر، كثيرة الأراك، ترعى فيها الإبل، ونصره الله على عدوه، وقد جاء عن عيسى عليه السلام أنه قال: إن الله يحب من عبده إذا أنعم عليه نعمة أن يظهر منه التواضع، فلهذا تجدونني على ما أنا عليه على تراب بدون فراش، وفي مسوح لا في لباس الملك، حاسر الرأس لا ألبس عمامة، فمظاهر الذلة والخضوع إلى الله كلها تجمعت فيه.

    وهكذا: إذا تجددت للمسلمين نعمة فيها نصر الحق على الباطل، كنعمة نجاة موسى من فرعون، وقد يقول إنسان: لقد تجددت النعم في الإسلام زمن رسول الله، فهذا يوم بدر يوم الفرقان، جعله الله فتحاً، وجعله الله فرقاناً بين الحق والباطل، فإذا كان الأمر كذلك فهل الرسول صام يوم بدر؟ نقول: لا، هذه أمور يتوقف فيها على الشرع، إثباتاً أو نفياً، فهو مقدم على كل رأي، وما لم يكن فيه نص، ولم يكن فيه أمر أو نهي، وكان مجرد تجدد نعمة؛ فإن على الإنسان أن يشكر الله على هذه النعمة بالقيام بطاعة لله، لا كما نجعل بعض المناسبات أعياداً بلعب وبطرب وبلهو!! لا، ليس هذا من باب التعبير عن شكر النعمة، بل التعبير الحقيقي عن شكر النعمة وشكر المنعم سبحانه هو أن نذل إليه، ونخضع بنوع من أنواع العبادات التي يحبها، والتي قد شرعها.

    إذاً: كان صوم يوم عاشوراء هو بداية الصيام، ثم فرض صوم رمضان ونسخ فرضية عاشوراء، وبقي صيامه على الندب.

    وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه أراد مخالفة اليهود في صوم هذا اليوم، فندب إلى صوم اليوم التاسع مع اليوم العاشر؛ ليكون مغايراً في الصورة والهيئة لما كان عليه اليهود في صومهم.

    ولما شرع الصوم في قوله سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:183] بين أنه كتب على من قبلنا ثم بين عدده: أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ [البقرة:184]، فبعض العلماء يقول: أياماً معدودات هي سوى رمضان، كما جاء في الأحاديث: صوم الثالث والرابع والخامس عشر من كل شهر، أو صوم ثلاثة أيام من كل شهر على ما في رواية أبي هريرة ، ومالك يقول: ثلاثة أيام من كل شهر، من كل عشرة أيام يوم: يوم واحد، ويوم إحدى عشر، ويوم إحدى وعشرين، والحسنة بعشر أمثالها.

    والبعض يقول: (أياماً معدودات) هي بعينها شهر رمضان، ولكن جاء التكليف أولاً بصورة التخفيف: (أياماً معدودات)، عليك الصيام، فتقول: سيكثر الصيام؟ قال: لا، لا، بل أيام، فيستقبله المكلف في صورة التقليل؛ لأن الأيام جمع قلة، فتهون عليه، كما في قصة يوسف: وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ [يوسف:20] ، ثم لما اطمأنت النفوس، وأحبت الصوم جاءهم بكماله: شهر رمضان ، وبين سبحانه أحكام هذا الشهر وفضله.

    إذاً: كانت بداية الصوم بالتخفيف والتدريج، ثم أكمل الشهر وأكملت الفرائض، وانتهى الأمر كما جاء في قوله سبحانه في ختام عمره صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [المائدة:3] ، ومن هنا يقول مالك رحمه الله: ما كمل لا يحتمل زيادة، ولا يجوز فيه النقص؛ لأنك إذا زدت عليه كأنك تقول: الخبر بالإكمال غير صحيح، فبقي عليه هذه حتى يكتمل اكتمالاً تاماً، فهذا خطأ، ولهذا كان مالك يقول: من سن سنة وظن أنها حسنة فقد زعم أن محمداً خان الرسالة؛ لأن الله يقول: وأكملت ، وهذا يأتي ويقول: بقي هذه، فهذه الذي جئت بها أنت هل محمد صلى الله عليه وسلم يعرفها أو لا يعرفها؟ إن كان يعرفها ولم يخبرنا بها فيكون قد كتم، وإذا كان لا يعرفها، فشيء لم يعرفه محمد بن عبد الله هل تعرفه أنت؟!

    إذاً: شهر رمضان لا يقبل نقصاً ولا يقبل زيادة، ومن هنا افتتح المؤلف مبحث باب الصيام.

    حرمة تقدم رمضان بصيام يوم أو يومين احتياطاً

    يقول صلى الله عليه وسلم: (لا تقدموا -أو لا تتقدموا، المعنى واحد- رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه) مثلاً: كان لك أمر مهم جداً، ونذرت لله إن قضاه الله لك فثاني يوم تصوم، ولا تدري متى يأتي، ولا متى يقضى، فقضي لك يوم السابع والعشرين من شعبان، ففي الغد سيكون يوم ثمان وعشرين، وفي الحديث: (لا تقدموا رمضان بيوم أو يومين)، لكن يجوز لك الصيام بصفة خاصة؛ لأنك ستصوم قبل رمضان بيوم أو بيومين لا لرمضان، وإنما لنذرك الأول الذي التزمت به، فلا دخل لصومك مع رمضان.

    إذاً: لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين إذا كان نافلة في شعبان، فهذا ممنوع؛ لأنه إذا فتح باب النوافل قبل رمضان بيوم أو يومين، واستمر الناس على ذلك؛ سيظن الناس بعد زمن طويل أن اليوم واليومين من رمضان، فيزيدون فيه، والزيادة مرفوضة، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا) ، لا يتطوع من نصف شعبان، من خمسة عشر شعبان إلى رمضان لا يتطوع، إلا إذا كانت له نافلة ثابتة، كان يصوم الإثنين والخميس، والإثنين والخميس ستأتي في الأسبوع الأخير من شعبان، فيصوم؛ لأنه صامه على نافلة سابقة، أما إذا كان لا يصوم الإثنين والخميس، ولا كان يصوم نوافل، ويوم أن انتصف شعبان قال: أريد أن أصوم، نقول له: لا.

    وقد جاء التشديد كما سيأتي في الحديث الذي بعد هذا: من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم، ونبقى مع حديث: (لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين) .

    جميع أركان الإسلام محفوفة بزمن، فمثلاً: الصلاة قال الله عنها: لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ [الإسراء:78] ، كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء:103] فلا يصح أن تصلي قبل دخول الوقت، ولا يجوز لك أن تؤخرها حتى يخرج الوقت، فإن خرج الوقت تكون قضاءً وليست أداءً، كذلك الحج قال الله: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ [البقرة:197] ، وكذلك الزكاة وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ [الأنعام:141] ، وفي الحديث: (إذا حال عليه الحول) ، وبعض العلماء يقول: لا يجوز إخراج الزكاة قبل حولان الحول؛ لأنها لم تجب، ومالك يقول: يجوز تقديمها لما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم استسلف من العباس زكاة سنة مقبلة، فأخذ منه زكاة السنة المقبلة لحاجة طرأت، وهذه على غير العادة. فجميع الأركان محددة ومقيدة بزمنها، فرمضان مقيد بالزمن، وقد حدث في الأمم الماضية أنهم صاموا اليوم واليومين المنهي عنهما هنا، وقالوا: نصوم يوماً قبله احتياطاً له، ونصوم يوماً بعده احتياطاً له، فكان الصوم الرسمي ثلاثين، وقالوا: للاحتياط نصوم يومين: يوم في الأول، ويوم في الآخر، ومضى الزمن، وطالت المدة، فدخل الاحتياطي في الأصل، وصار الصوم الرسمي اثنين وثلاثين، ثم جاء من بعدهم وهم لا يعلمون بدخول الاحتياطي، وظنوه أنه رسمي، فقالوا: نصوم قبله يوماً احتياطاً، ونصوم بعده يوماً احتياطاً، فصاموا أربعة وثلاثين يوماً، اثنين وثلاثين رسمي، ويومين احتياطاً، فطال الزمن حتى دخل الاحتياطي الثاني في الرسمي، وظن الناس أن الصوم أربعة وثلاثون يوماً، فقالوا: فلنحتاط، فصاموا يوماً قبله ويوماً بعده، وهكذا خمس مرات، حتى زادوا عشرة أيام.

    والأهلة تدور مع فصول السنة، فرمضان تارة يأتي في الربيع، وتارة يأتي في الشتاء في شدة المطر، وتارة يأتي في الصيف، وأذكر في هذه البلدة المباركة أن الناس مرة كانوا يصومون ستة عشر ساعة، كان النهار طويلاً والليل قصيراً في شدة الحر. وبعض الأمم السابقة زادوا في رمضان حتى صار أربعين يوماً، فجاءهم في شدة الحر، فعجزوا عن الصيام، فقالوا: الحر شديد، ونحن لسنا قادرين على صيامه، فننقل الصوم عن الأشهر القمرية إلى الأشهر الشمسية، ونزيد عشرة أيام، فصار خمسين يوماً، وجعلوا الصيام عن أشياء معينة عن كل ما فيه الروح: الغنم والدجاج والسمك، والأشياء النباتية يأكلونها، يعني: صيام لعب، يأكل من النباتيات، ويأكل من الخبز، ويأكل من الفاكهة، فكيف هذا الصيام؟!

    فعندما أخطئوا بالزيادة في رمضان، وعجزوا عنه، تحيروا ماذا يفعلون؟ فانتقلوا إلى الأشهر الشمسية فضاع عليهم الشهر، فخوفاً من أن تقع الأمة في مثل هذه الخطيئة وضع لرمضان سياج؛ لا أقول: من حديد أو من فولاذ، بل أقوى من ذلك كله، في أوله لا يمكن أن تتخطاه، ممتد إلى السماء، وآخره لا يمكن أن تزيد فيه، فجعل اليوم الذي يشك فيه محرم صومه، فلا يصام المتردد بين شعبان ورمضان، وجعل في نهايته يوم العيد، ويحرم بالإجماع صوم يوم العيد، إذاً: سلم رمضان من الزيادة في أوله، وسلم من الزيادة في آخره، ولهذا -أيها الإخوة- بفضل من الله ونعمة من الله أنه قد تكرر رمضان أكثر من ألف وأربعمائة سنة، ويأتي وكأنه شرع، لا زيد فيه ساعة، ولا نقص منه ساعة، وإنما حفظ بهذه السنة النبوية الكريمة فلا يتقدم بصوم، وكذلك لا يتبع بصوم، ولابد أن يفصل بين رمضان وغيره كما جاء في حديث: (من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال) ، ليست متابعة ملازمة، بل لابد أن يفصل بينهما، وأقل شيء بصوم يوم العيد، وإن زاد الفصل فلا مانع، ويهمنا أن هذه السنة النبوية جاءت حفظاً لرمضان عن أن يدخله زيادة في أوله، أو يتبعه زيادة في آخره، (لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين، إلا رجل كان له صوم فليصمه) ؛ لأنه إذا كان له صوم يصومه فهو في هذه الحالة سيصوم يوم ثمانية وعشرين أو تسعة وعشرين من شعبان، ولا دخل له في رمضان، إنما يصومه لصومه الذي التزم به، كالنذر يصادف هذا اليوم الثامن أو التاسع والعشرين من شعبان، وبهذا حفظ رمضان، ونحن على هذا النعمة، ولله الحمد.

    حرمة صوم يوم الشك

    الحديث الثاني: (من صام اليوم الذي يشك)، يقول علماء المنطق: التشكيك هو دوران المعنى على أمرين متساويين، انظر إلى توءمين متشابهين، أقول: هذا علي، لا، هو أحمد، تساويا في الشكل، والذي لا يعرفهما حقيقة كالأم والأب يتردد، لأن بين أحمد وعلي مائة في المائة تشابه، لكن لو كانت هناك قرينة فلا إشكال، فإن ناداه: ما اسمك؟ قال له: علي. زال الشك، وتميز، فإذا كان الشيء لا يحتمل إلا أمراً واحداً فهذا علم، أي: أن المعلوم لا يحتمل إلا معنىً واحداً، فحينما نظرنا إليه دون أن نسأله عن اسمه، كنا مترددين شاكين بين علي وأحمد، فنميز بالتدريج، فإذا تكلم وكان الصوت بينهما متفاوتاً، فلما سمعنا الصوت بدا لنا أنه علي، لوجود قرينة، فوجود القرينة في أحد الجانبين المتساويين تجعل أحدهما ظناً، والثاني وهماً، لما سمعنا صوته، وكنا نعرف صوت علي الذي نعرفه، لكن ما زالت الشبهة قائمة، فكونه علياً هذا ظن، والظن قريب من العلم، وكونه يحتمل أن يكون أحمد هذا وهم، فقوي جانب كونه علياً، إذاً: القرائن ترجح أحد الطرفين، وترفع الشك، ويكون الراجح ظناً، والمرجوح وهماً.

    وإذا لم يكن هناك اشتباه فلا إشكال: من هذا؟ هذا صبري، ليس له توءم، ولا نختلف فيه، فصبري هو صبري، فهذا هو علم.

    وعلى هذا فاليوم الذي يشك فيه هو اليوم الدائر باحتمالين متعادلين بين كونه نهاية شعبان أو كونه بداية رمضان، ويوضح هذا أنه معلوم بالإجماع أن الشهر القمري لا ينقص عن تسع وعشرين يوماً، ولا يزيد عن ثلاثين، فإذا تيقنا دخول شعبان، ورأينا الهلال يوم واحد شعبان، ومشينا معه إلى أن أكملنا تسعة وعشرين من شعبان، فلما أكملنا تسعة وعشرين من شعبان فاليوم الذي من غد، يمكن أن يكون ثلاثين شعبان، ويمكن أن يكون واحد رمضان، فيكون عندنا شك، ولكن متى يقع الشك؟ هل كل يوم ثلاثين شعبان يحصل فيه شك؟ لا، يكون الشك إذا كان ليلة الثلاثين من شعبان فيها غيم، ولم نر الهلال، فلو رأينا الهلال لكان يوم غد رمضان يقيناً، وارتفع الشك، فإذا كان في ليلة الثلاثين من شعبان الجو صحو لا غيم فيه، فنحن بين أحد أمرين: إما أن نرى الهلال ولا شيء يحجبه، وإما ألا نراه، فإن رأيناه فلا شك عندنا، وإن لم نره فلا شك عندنا؛ لأن السماء صحو، فإن قدر وجود الهلال رؤي، فلا يكون هناك شك، وإن لم يظهر الهلال علمنا أن الغد تتمة شعبان، وليس عندنا شك.

    إذاً: إذا كانت السماء صحواً ليلة الثلاثين من شعبان فلا شك؛ لأنه إما رمضان بالرؤية، وإما شعبان لعدم الرؤية.

    إذاً: ليلة الثلاثين من شعبان إذا كانت صحواً فلا شك، فإذا كانت ليلة الثلاثين من شعبان فيها غيم يحجب السماء، فيمكن أن الهلال ظهر ولكن يحجبه السحاب، ويمكن أنه لما يظهر، فالاحتمال متعادل، فهنا يكون الشك، فإن رئي زال الشك، وإن لم ير بقي الشك على ما هو عليه، ففي هذه الحالة ماذا نفعل غداً؟ هل نصوم أو نترك الصوم؟ إن صمنا غداً نكون قد صمنا يوم الشك، ومن صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم، يا سبحان الله! عبادة ويكون من يقوم بالعبادة عاصياً! نعم؛ لأنه لم يوقعها في محلها؛ لأنه أتى بها على غير ما شرعت، والعبادة إذا لم تكن مشروعة فهي باطلة.

    فأعظم ذكر لله هو قراءة القرآن، وما عبد الله بشيء أحب إليه مما خرج منه، فهو كلام الله، وأقرب ما يكون العبد إلى الله وهو ساجد، فهل يجوز لك وأنت أقرب ما تكون إلى الله أن تتعبد الله بالقرآن وأنت ساجد؟ أليس أحب شيء إلى الله كلامه؟ لكن نهيت عن قراءة القرآن في السجود، فإذا قرأت القرآن في السجود، فهل تقول: أنا أعبد الله بأحب شيء إليه؟! لا، أنت جئت بما يكره، فيجب أن تكون العبادات على قاعدة التوقيف كما قال الفقهاء، يعني: نتوقف فيها إلى أن يأتي النص: افعل، لا تفعل. فهنا: (من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى) ، وهل عصى أميراً أو مأموراً أو ملكاً أو وزيراً؟ عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [النساء:80] أي: ومن عصى الرسول فقد عصى الله، وطاعة الرسول من طاعة الله وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7] .

    إذاً: لماذا هذا التشديد، وجعل العبادة معصية؟ لئلا يدخل في رمضان ما ليس منه، هذا تقرير المبدأ، ولكن نحن كطلبة علم، قد نرجع إلى المكتبة ونجد أقوالاً أخرى، ونقرأ في الموسوعات فنجد أن البعض يقول: يصام اليوم الذي يشك فيه احتياطاً لرمضان، وقال بعض السلف: لأن أصوم يوماً من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوماً من رمضان، إذا جئنا إلى الفلسفة العقلية يمكن أن نجد لها مجالاً، ولكن لا، حتى العقل يردها، فأنت أتريد أن تجعل احتياطاً لرمضان؟ جزاك الله خيراً، وبارك الله فيك، فهل أنت أشد حرصاً على رمضان من رسول الله؟

    إذاً: العقل يقول لك: لا، أنت غلطان؛ لأن الرسول أشد احتياطاً منك، والرسول أشد حرصاً على رمضان منك، وقد نهاك أن تصوم هذا اليوم احتياطاً كما تقول، إذاً: لا نحتاط بصيامه.