إسلام ويب

كتاب الصلاة - باب صلاة العيدين [2]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الأحكام المتعلقة بصلاة العيدين تقديم الصلاة فيها على الخطبة، والتكبيرات في الصلاة وعددهن، والسور التي تسن القراءة بها في الصلاة، والخطبة وما تشمل عليه، إلى غير ذلك مما شرحه الشيخ في هذه المادة.

    1.   

    صفة صلاة العيدين

    تقديم الصلاة على الخطبة يوم العيد

    باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

    [ وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر يصلون العيدين قبل الخطبة) متفق عليه ] .

    قبل الكلام على الحديث ينبغي أن يعلم أن الاغتسال للعيد سنة، فيغتسل الإنسان للعيد كما يغتسل للجمعة، قالوا: إن الأحاديث في غسل الجمعة أشد تأكيداً منها في العيد، ولكن السبب مشترك، وهو اجتماع الناس في يوم عيد والجمعة، فألحقت الجمعة بالعيدين وسميت عيداً.

    وأما متى يغتسل؟ فقالوا: من الفجر إلى صلاة العيد.

    وبعض المالكية قالوا: لو اغتسل قبل الفجر فلا مانع من ذلك.

    والشافعية قالوا: ولو بعد منتصف الليل؛ لأنه يحتاج إلى إخراج الزكاة والذهاب إلى المصلى، فلو أخر الاغتسال إلى ما بعد صلاة الصبح فقد ينشغل ويتأخر عن الحضور إلى المصلى.

    وأما الحديث هنا ففيه أنه كان صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه من بعده، وعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه من بعد أبي بكر -أي: الشيخان- يصلون العيد قبل الخطبة، فالخطبة بعد الصلاة.

    والمؤلف يأتي بهذا ليبين الواقع، وليرد على ما أحدثه بعض الأمويين في المدينة، حيث كان عاملاً لـمعاوية فخطب قبل الصلاة، فقام أبو سعيد الخدري وقال: والله لقد غيّرت. كان رسول الله وأبو بكر وعمر يصليان قبل الخطبة! قال: يا أبا سعيد : الأمر لا كما تعلم. قال: والله ما أعلمه خير مما تعلمه. فقال: يا أبا سعيد ! إن الناس كانوا ينتظرون الخطبة بعد الصلاة زمن رسول الله، وأبي بكر وعمر ، فأصبحوا بعدهم لا ينتظرون، فإذا قضوا الصلاة نفروا وذهبوا.

    وقيل: إن أول من غيّر وقدم الخطبة معاوية ، وكان هؤلاء عماله في الحجاز -أي: في المدينة ومكة- فتبعوا معاوية وقدموا الخطبة؛ لأن الناس ملزمون بالبقاء للصلاة، على مذهب من يرى أن صلاة العيد فرض عين، وهناك من يرى أنها فرض كفاية، وقيل: هي سنة.

    فالمؤلف رحمه الله ذكر لنا هذا الأثر ليبين لنا السنة النبوية في أن الصلاة أولاً، كما سيأتي أنه صلى الله عليه وسلم خرج وقال: (أول عمل لنا هذا اليوم الصلاة) أي أن الخطبة بعدها، ويذكر ابن حجر أيضاً وغيره أنه صلى الله عليه وسلم بعدما صلى استقبل الناس، وقال: سنخطب، فمن أراد أن يجلس فليجلس، ومن أراد أن يذهب فليذهب.

    إذاً: فالأصل في الخطبة والصلاة في العيد أن تكون الصلاة أولاً، ثم بعد ذلك الخطبة، والخطبة تكون للمواعظ والإرشاد والتوجيه، فبعض الناس يجلس يستمع إليها، وبعض الناس يذهب عنها.

    حكم صلاة العيد وعدد ركعاتها

    [ وعن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى يوم العيد ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما) أخرجه السبعة ].

    ذكر المؤلف رحمه الله تعالى هنا بيان عدد ركعات العيدين، وسيأتي بعد ذلك بكيفية صلاتهما من حيث التكبيرات والقراءة، فـابن عباس رضي الله تعالى عنهما يروي لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي العيدين ركعتين، وهذا مجمع عليه لا خلاف فيه.

    فالنبي صلى الله عليه وسلم صلى العيد ركعتين، وجاء عن عمر رضي الله تعالى عنه في أثر يرويه أو يسوقه العلماء: (صلاة السفر ركعتين، وصلاة الجمعة ركعتين، وصلاة العيد ركعتين، تمام بلا نقصان).

    فالأصل الثابت في صلاة العيدين أنهما ركعتان.

    ولكن المستدرك هنا في حق من فاته العيد، فهل يصلي عيداً؟ وكم يصلي؟

    فقد روي عن علي رضي الله تعالى عنه أنه لما خرج لصلاة العيد في المصلى، قيل له: إن هناك أناساً عجزة -أي: يشق عليهم الخروج مع الناس إلى المصلى- فاستخلف من يصلي لهم، قال: (لو استخلفت لأمرت أن يصلي أربع ركعات).

    وقبل الشروع في الغرض ينبغي أن يعلم أن من فاتته صلاة العيد إن شاء صلى وإن شاء ترك، فهو إن شاء صلى هناك، وإن شاء رجع إلى المسجد، وإن شاء ترك الصلاة بالكلية؛ لأن صلاة العيدين ليست فرض عين، خلافاً لمن يقول بذلك، وأشد من يتشدد في ذلك الأحناف، فيرون أنها واجبة، والواجب عندهم غير الفرض، فالفرض ما ثبت بدليل قطعي، والواجب ما ثبت بدليل آحادي، وبقية العلماء يقولون: هي فرض كفائي، ولو تركها أهل قرية لقاتلهم الإمام عليها.

    ومنهم من قال: هي سنة مؤكدة، كما يقول الشافعية.

    ما يفعله من فاتته صلاة العيد

    ويبحثون فيمن فاتته لعذر أو لغير عذر إذا أراد أن يتدارك ذلك.

    فمنهم من يقول: يصلي. والآخرون يقولون: إن شاء ترك ولا شيء عليه؛ لأن الواجب قد أدي بغيره.

    والقائلون: إنه يصلي يختلفون، فمنهم من يقول: يصلي ركعتين، ومنهم من يقول: يصلي أربعاً، ويستدلون بحديث علي المذكور، وهو موقوف عليه، وقياساً -وإن كان القياس فيه نقاش- على الجمعة، فإن فاتته الجمعة يصلي أربعاً، ولكن هل الأربع هذه بدل الجمعة، أم الأربع هي الظهر؟ والجواب: الأربع هي الظهر، فلا علاقة لها بالجمعة.

    وجاء في الحديث: (من أدرك من الجمعة ركعة فليضف إليها أخرى)؛ لأنه أدركها مستكملة شروط الجمعة في مسجد، ومع الإمام في جماعة، وفي وقتها، (ومن لم يدرك ركعة فليصل أربعاً)، فمن لم يدرك ركعة كاملة، بأن يدرك الإمام بعد الاعتدال من الركعة الثانية بعد أن يرفع ظهره، فعليه أن يصلي أربعاً، وإن كان عند الأحناف أن من أدرك أي جزء من الركعة الثانية فإنه يصلي ركعتين، فإذا أدرك الإمام وهو في التشهد، وكبر تكبيرة الإحرام قبل أن يسلم الإمام فإنه بعد سلام الإمام يأتي بركعتين فقط، والأئمة الثلاثة يقولون: إذا لم يدرك ركعة كاملة، بأن يدرك ركوعها فإنه يأتي بأربع، فلو جاء والإمام قد رفع رأسه وقال: (سمع الله لمن حمده)، فوقف في الصف وكبر فعليه أن يأتي بأربع؛ لأنه لم يدرك ركعة كاملة.

    فقال البعض: من فاتته صلاة العيد يصلي أربعاً، قياساً على من فاتته الجمعة.

    ولكن يجاب عن هذا بأن القياس كائن مع الفارق؛ لأن من فاتته الجمعة انتقل إلى فرض آخر وهو الظهر، والظهر أربع، والأربع التي يصليها ليست عوضاً عن الجمعة، إنما هي فرض مستقل بذاته، وهنا يأتي المؤلف ليبين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي العيدين ركعتين، ولذا فالجمهور على أن من فاتته صلاة العيد وأراد أن يصلي فإنه يجزئه أيضاً ركعتان، سواءٌ أصلاها في المصلى أم ذهب إلى المسجد، أم صلاها في بيته، فكل ذلك يجزئه، والأمر فيه سعة. والله تعالى أعلم.

    ومما يتعلق بمن فاتته صلاة العيد أنه إذا كان معه آخرون هل يصلون جماعة أم فرادى؟ وهل يأتون بالخطبة كما جاء بها الإمام في صلاة العيد في المصلى أم لا؟

    والجواب عند العلماء أنهم إن كانوا قليلين لا تقوم بهم الجمعة، أو كانوا متخلفين أشتاتاً، وأرادوا أن يصلوا صلاة العيد، أو يقضوا صلاة العيد فلا يعيدون الخطبة، ولو أن الإمام خرج إلى المصلى وهناك من ضعفة الناس من استخلف لهم ليصلي بهم فإن المستخلف لا يعيد الخطبة، فيصلي بلا خطبة؛ لأن الخطبة أساساً مع الإمام، وهؤلاء ليس لهم عيد مستقل، إنما هم أهل أعذار يصلون عوضاً عما فاتهم مع الإمام؛ لأنهم لو تركوا الصلاة بالكلية فليسوا آثمين؛ لأن صلاة العيد ليست فرضاً عينياً كالظهر والعصر، وغاية ما تكون أنها فرض كفائي، والفرض الكفائي قد أدي بمن خرج مع الإمام، وعلى هذا فمن فاتته صلاة العيد، وأراد أن يصلي فليست عليه خطبة، سواءٌ أكان وحده أم كان معه جماعة.

    لا أذان ولا إقامة في صلاة العيد

    [وعنه رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى العيد بلا أذان ولا إقامة). أخرجه أبو داود ، وأصله في البخاري . ].

    هذا الحديث يتعلق بهيئة وكيفية وآداب صلاة العيدين، فيذكر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى العيد -والعيد هنا اسم جنس يراد به العيدين، أي: عيد الفطر أو الأضحى- بلا أذان ولا إقامة.

    وبالتأمل نجد أن كل صلاة لم يشرع لها أذان إلا الصلوات الخمس، فصلاة الاستسقاء ليس فيها أذان، وصلاة الكسوف ليس فيها أذان، والتراويح والجنازة والصلوات العامة التي تؤدى فرادى وجماعة لم يشرع لها أذان.

    قصة مشروعية الأذان في الإسلام

    الأذان من خصائص الصلوات الخمس، وكانوا في بادئ الأمر يعلم بعضهم بعضاً حينما يأتي وقت الصلاة، ويخرج المبكر ويمر على بيوت الآخرين في الطريق يقول: جاء وقت الصلاة، والثاني من جهة، والثالث من جهة، ثم كثر الناس وثقل هذا الأمر، فاجتمعوا ليختاروا وسيلة إعلام بدخول الوقت، فقوم اقترحوا الناقوس، فقال صلى الله عليه وسلم: هذا للنصارى، وقوم اقترحوا البوق، فقال: هذا لليهود، وقوم اقترحوا أن يشعلوا ناراً، فقال: هذا للمجوس.

    ثم افترقوا ولم يتفقوا على شيء، وإذا بـعبد الله بن زيد يرى في منامه أنه رأى رجلاً يلبس بردين أخضرين يحمل ناقوساً على كتفه -وفي بعض الروايات: عوداً على ظهره- قال: أتبيع هذا الناقوس؟ قال: ماذا تفعلون به؟ قال: نؤذن به للصلاة قال: ألا أدلك على خير من ذلك؟ قال: وما هو؟ قال: تقولون: (الله أكبر ..) أربع مرات، ثم ذكر ألفاظ الأذان كاملة، ثم تنحى عنه، ثم قال: ثم تقولون: (الله أكبر الله أكبر..) وذكر الإقامة كاملة، فاستيقظ وجاء فرحاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقص عليه ما رأى، فقال: إنها رؤيا صدق، قم فألقه على بلال ؛ فإنه أندى منك صوتاً، فقام بلال يؤذن وقت الصلاة، فإذا بـعمر يأتي يجر رداءه مسرعاً فقال: يا رسول الله! والله لقد رأيت مثلما سمعت، رأيت في النوم مثل هذا الذي سمعته من بلال ! قال: قد رأى عبد الله مثل ذلك.

    وقد يقال: إن الأذان إعلام بدخول وقت الصلاة وهي فريضة وركن الإسلام الأكبر، والرسول صلى الله عليه وسلم يأتيه الوحي ليلاً ونهاراً، فكيف لا ينزل عليه الوحي ويترك ليراه صحابي في النوم! مع أن الوحي قد جاءه صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة وفي نعليه أذى ليقول له جبريل: اخلع نعليك يا محمد؛ فإن فيهما أذى، فكيف لا يأتيه بالأذان؟

    والذي يبدو لي أن هذا هو عين الحكمة؛ لأن الأذان فيه أعظم منقبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعظم شرف ومكانة، وذلك حين يقرن اسمه صلى الله عليه وسلم بـ(لا إله إلا الله)، فيقول المؤذن بأعلى صوت: (أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله) فلما كان فيه تكريم لرسول الله إلى هذا الحد ترك المجيء به عن طريق الوحي إلى أن يراه شخص من الناس، فيقول: رأيت فيما يرى النائم. ويذكر الأذان.

    فحينما يُعلم بهذا على المنائر لا يمكن لمنافق رغم أنفه أن يأتي ويقول: إن محمداً صلى الله عليه وسلم يمدح نفسه على المنائر فيقرن نفسه مع (لا إله الله)، فالوحي تخلى عن ذلك وتركه حتى يأتي لفظ الأذان مشروعاً على لسان رجل من عامة الناس.

    وليس التشريع لرجل من عامة الناس! ولكن لما سمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنها لرؤيا حق) فأقرها، وحينما قال: (رؤيا حق) دخلت بذلك في التشريع، فنقول: شرعها رسول الله. أي: صادق عليها. فكان الأذان أساساً لإعلام الناس وهم متفرقون في بيوتهم للصلاة، ولكن يوم العيد ليس الناس فيه بحاجة إلى من يناديهم، فكلهم مجتمعون منذ الصباح، فقد مضت أيام وهم ينتظرون مجيء العيد، فهم متواعدون على الاجتماع قبل أن يأتي وقته، فلا حاجة إلى هذا النداء، وهذا أمر.

    والأمر الثاني وهو أدق -أن المؤذن ينادي ويقول: (حي على الصلاة)، ومعنى ذلك: أقبلوا يا سامعين، فيتعين على كل من سمع أن يقبل، وصلاة العيد لا تتعين على كل من يسمع.

    إذاً: فلما لم تكن صلاة العيد متعينة لم يكن النداء عاماً يشمل الجميع، وعلى هذا كانت صلاة العيدين في واقع أمرها في غنى عن أن يشرع لها أذان أو إقامة.

    هل ينادى لصلاة العيد بغير الأذان؟

    وأما المناداة بما فيه تنبيه للناس فبعضهم يقول: لا مانع أن نقول: الصلاة الصلاة، ولكن لا حاجة لذلك؛ لأن في العيدين إشعاراً أكبر، وهو سنة التكبير، فالتكبير للعيدين من شعائر الإسلام، ويكبر لصلاة عيد الفطر من غروب شمس آخر يوم من رمضان، فالليلة التي هي ختام أيام رمضان محسوبة من شوال، فيبدأ التكبير من غروب شمسها، فالنداء من قبل من الليل، فيكبر الناس في الطرقات، وفي المسجد، وفي البيوت، وفي كل مكان، فلا حاجة أيضاً إلى النداء إليها، ويستمر التكبير حتى يخرج الإمام ليعلو المنبر ويخطب.

    وفي عيد الأضحى يبدأ التكبير من عشية يوم عرفة، ولكن يستمر إلى نهاية أيام التشريق الثلاثة؛ لأنها أيام عيد أيضاً، أو تبع للعيد، فيستمر التكبير فيها، وبعضهم يقول: يترك التكبير، أو تترك التلبية عند رمي جمرة العقبة، ثم هو بالخيار، فيسبح، أو يحمد، أو يكبر، أو يهلل.

    فالعيدان في غنىً عن الأذان، وفي غنىً عن أي إشعار آخر؛ لأن الأذان للإعلام؛ ولإخبار الناس المتفرقين، وهم عالمون ومجتمعون، فلا حاجة إلى الأذان.

    كيفية التكبير في العيدين

    والتكبير يكون فرادى ويكون جماعة، ومعنى (جماعة) أن يكون الجميع في وقت واحد يقولون: (الله أكبر الله أكبر)، ويكون بالدور، فقوم يكبرون والآخرون يرددون تكبير هؤلاء القوم، وربما سمعنا، أو نشرت الصحف قول بعض من يعترض ويمتنع، بل هناك من تقدم إلى المحراب، وأخذ وآلة تكبير الصوت من يد الذي يكبر وقال: هذه بدعة.

    وهذه والله جرأة، ولا ينبغي هذا أبداً؛ فالتكبير بالتدوير موجود في الزمن السابق، ويذكر العلماء عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، أنه كان يكبر منذ أن يخرج من بيته إلى المصلى والناس يكبرون بتكبيره، وعمر كان يكبر في منى وهو في مكانه، ويسمع الناس تكبيره فيكبرون بتكبيره حتى ترتج منى بالتكبير.

    فالتكبير بالدور لا مانع منه، والتكبير بالصيغ المعروفة التي ألفها الناس وورد النص بها، وترديدهم هذا التكبير في أنفسهم، أو بصوت يسمعه الآخرون، لا مانع منه.

    حكم التنفل قبل صلاة العيد وبعدها في المصلى أو في المسجد

    [وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يصلي قبل العيد شيئاً، فإذا رجع إلى منزله صلى ركعتين). رواه ابن ماجة بإسناد حسن ].

    الصلوات الخمس كل صلاة منها لها نافلة قبلها أو بعدها، أو قبلها وبعدها، وهذه تسمى الرواتب، أو النافلة الراتبة، فللصبح ركعتان قبلها، وللظهر قبلها وبعدها ركعتان وركعتان، أو أربع وأربع، وللعصر قبلها أربعٌ، وللمغرب بعدها ركعتان، ويستحب أيضاً ركعتان قبل المغرب، لحديث: (صلوا قبل المغرب ...) والعشاء لها ركعتان بعدها.

    فهذه نوافل راتبة مع الصلوات الخمس، واختلف في الجمعة: هل لها نافلة راتبة قبلها أم لا؟

    فبعضهم يقول: راتبتها قبلها هي راتبة بديلة عن التي قبل الظهر، ولكن جاء الحديث: (من غسل واغتسل، وبكر وابتكر ثم صلى ما كتب له ...) الحديث، فليس هناك عدد معين قبل الجمعة، أما بعدها فهناك حديث: (إن شاء صلى بالمسجد أربعاً، أو صلى بالبيت اثنتين)، فبعضهم يقول: هذه راتبة الجمعة، والتحقيق أنها ليست راتبة كراتبة الصلوات الخمس؛ لأن الحديث قبلها: (وصلى ما تيسر له) أي: ركعتين، أو أربعاً، أو ستاً، أو أكثر من ذلك.

    وعدد رواتب الصلوات الخمس جاء فيها حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنه، أنه قال: (حفظت عن رسول الله اثنتي عشرة ركعة في اليوم والليلة)، وجاء عنه صلى الله عليه وسلم: (من حافظ على اثنتي عشرة ركعة ضمنت له الجنة).

    وأما العيدان فيقول العلماء: إن كان سيصلي الإمام بالناس في المصلى فلا صلاة، فيأتي ويجلس، وليس للإمام أن يأتي قبل وقت الصلاة، وإنما يأتي من مكانه، ويخرج على الناس حينما يحين وقت الصلاة، ويبدأ بالصلاة حالاً.

    وإذا كان مكانه بعيداً ويريد أن يأتي مبكراً فلا يأتي إلى مكانه الذي سيصلي فيه، بل يجلس جانباً وحينما يحين وقت الصلاة يأتي إلى مصلاه، فليس هناك سنة قبل الصلاة في المصلى.

    وأما إن كانت صلاة العيد في المسجد فبعضهم يقول: لا صلاة؛ لأن الرسول كان يصلي العيد مباشرة، ولا يصلي قبلها. فقالوا: عند المجيء إلى العيد ليس هناك صلاة.

    وبعضهم يقول: ما دام العيد في المسجد فمن جاء إلى المسجد فعليه تحية المسجد، فإن كانت صلاة العيد في المصلى فباتفاق أنه لا صلاة قبلها ولا بعدها، وإن كانت صلاة العيد في المسجد فهناك الخلاف، فمن يقول: الحكم مطرد يقول: ليس لها صلاة قبلها ولا بعدها، وهناك من يقول: هذا حق في جانب وهذا حق في جانب آخر، فلو جئت بعد صلاة الصبح قبل طلوع الشمس فليس هناك صلاة تحية ولا غيرها، وإن جئت بعد بزوغ الشمس، والإمام تأخر فلم يأت بعد، فإنك تؤدي تحية المسجد.

    والحديث هنا أنه كان صلى الله عليه وسلم إذا جاء لصلاة العيد لا يصلي قبلها ولا بعدها، ولكن إذا رجع إلى بيته صلى ركعتين، فإن شئت فعلت كذلك، اقتداء بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم فصليت ركعتين، والمهم عندنا في هذا الباب فقهه، وهو أنه ليس هناك نافلة راتبة للعيد قبله ولا بعده.

    ما يفعله الإمام بعد الصلاة وهيئة المستمع للخطبة

    [ وعنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، وأول شيء يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس والناس على صفوفهم، فيعظهم ويأمرهم) متفق عليه. ].

    في هذا الحديث أنه كان صلى الله عليه وسلم يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، وأول شيء يبدأ به الصلاة، والخطبة بعد الصلاة، وفيه أنه كان ينصرف من مكانه الذي كان يصلي فيه، فكان يصلي مستقبل القبلة، ثم ينصرف عن القبلة إلى المصلين والناس على صفوفهم جالسين فيعظهم ويأمرهم وينهاهم بالإرشاد والتوجيه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما يراه مناسباً، والموعظة من أساس الخطبة، سواءٌ كانت هذه الموعظة وهذا الأمر هو الخطبة أم غير ذلك، فإن الوعظ وقع بعد الصلاة.

    وهذا حديث طويل اختصره البخاري ، وتتمته أنه صلى الله عليه وسلم بعدما صلى خطب الناس بما فيه الموعظة، وبما فيه الأمر، وبما فيه النهي، والناس على صفوفهم وهو مستقبل الناس، فسنة الخطبة أن الإمام يستقبل الناس، لا أن يستقبل القبلة وظهره إلى الناس، وكذلك المصلون يستقبلون الإمام بوجوههم.

    وقد يكون هذا الأمر عادياً في غير المسجد النبوي، ولكن في المسجد النبوي في الطرفة من باب السلام إلى الحجرة الشريفة يكون الناس أمام المنبر، والإمام يخطب، وجلستهم العادية أنهم يكونون مستدبرين الإمام مستقبلين القبلة، فإذا بدأ الإمام بالخطبة ينبغي أن يستقبلوه بوجوههم، وكذلك من كان في أقصى الصف، الآن المسجد يمتد إلى ألف تقريباً من الشرق إلى الغرب، ومن كان في وسط الصف محاذياً للمنبر لا يعادل مكان من كان في طرف الصف شرقاً أو غرباً، فيلتفت بوجهه إلى الإمام ليسمع الخطبة.

    فهؤلاء الذين هم أمام المنبر عليهم أن يستقبلوا الإمام عند الخطبة.

    وأما إذا لم نسمع الإمام بذاته، ولم نره بأعيننا، وكان هناك آلات تكبير الصوت في جدار المسجد القبلي وأتانا صوت الخطيب من أمامنا، فهل نعتبر أنفسنا مستقبلين للخطيب، أم نستدبر هذا الصوت ونستقبل المنبر؟

    والجواب أن هذه مسألة جديدة تحتاج إلى فتوى.

    وعندي أنه إذا كنت في الصف الأخير والمنبر بعيداً فسماعي من الإمام مباشرة أحسن مما أسمع من السماعة، وإن كنت عند الجدار في آخر الصف، والصوت فوق رأسي، وإذا التفت لا أرى الإمام ولا أسمعه مباشرة، وسيأتيني الصوت عن طريق السماعة فالسماعة هذه أولى.

    والمهم عندنا أنه صلى الله عليه وسلم بعد أن أدى الصلاة قال: (صلينا، وسنخطب، فمن شاء جلس، ومن شاء انصرف) وسماع الخطبة يوم العيد ليس كسماعها يوم الجمعة، والذين قدموها رأوا أن الناس ما كانوا يجلسون إلا وهم يستمعون، والرسول أباح لمن يريد أن ينصرف أو يجلس، ولكن الأولى والأفضل أن يجلس؛ لأنه لن يعدم الوصية بالخير والنصيحة والتوجيه، ومع جماعة المسلمين تشمله كلمة (آمين) في الدعاء.

    موعظته صلى الله عليه وسلم للنساء

    ومن تتمات هذا الحديث أنه صلى الله عليه وسلم بعد أن وعظ الرجال انصرف إلى النساء، فالنساء لم يختلطن بالرجال، فالرجال في جهة والنسوة في جهة متميزة عن الرجال، فأتى إليهن في مكانهن، ومعه بلال يتوكأ عليه، وأخذ يعظهن ويخوفهن ويأمرهن بالصدقة، فأخذن يلقين من أقراطهن ومن فواتخ أيديهن -الخواتم- في حجر بلال .

    وقد جاء في هذه الخطبة للنساء أنه صلى الله عليه وسلم قال: (تصدقن؛ فإني رأيتكن أكثر أهل النار) فقامت امرأة منهم تستفسر عن ذلك، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تكثرن اللعن وتكفرن العشير).

    وكون المرأة تتصرف في مالها في غيبة زوجها فالجمهور على جوازه ما دامت تملكه لنفسها، أما لو كان ملكاً للزوج وهو عندها أمانة تتزين به فلا يحق لها ذلك، والمالكية يقولون: لا يحق للمرأة المتزوجة أن تتصرف في مالها الخاص إلا بإذن زوجها؛ إذ قد يكون مالها من دواعي رغبته فيها، فإذا عريت عن المال، وعريت عن الحلي أصبحت هناك مشكلة.

    والذي يهمنا في ذلك أن النسوة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذن يلقين في حجر بلال من حليهن.

    عدد التكبيرات في صلاة العيد، والسنة فيما يقرأ

    [ وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهم قال: قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: (التكبير في الفطر سبع في الأولى وخمس في الأخرى، والقراءة بعدهما كلتيهما) أخرجه أبو داود ، ونقل الترمذي عن البخاري تصحيحه. ]

    بدأ المؤلف رحمه الله في تفصيل كيفية صلاة العيدين، فذكر هنا حديث: التكبير في الفطر سبعاً في الأولى.

    والتكبير في العيدين من شعار العيدين، ومن خصائص الإسلام، والتكبير -كما يقولون- تكبير عام وتكبير خاص، فالتكبير العام: ما يكون من الليل، وفي البيوت، وفي الطرقات ونحو ذلك، والتكبير الخاص: ما يكون في الصلاة وما يكون في الخطبة، وما يكون عقب الصلوات، فهنا يبين لنا المؤلف رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (التكبير في الفطر). وكلمة في (الفطر)، بعضهم يقول: لا مفهوم لها، فالتكبير في الأضحى كالتكبير في الفطر، وبعضهم يقول: التكبير في الفطر مخصوص، والأضحى أقل من ذلك أو أكثر، فبدل السبع تسع أو خمس.

    وهنا ينص على أن الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر التكبير المختص بالصلاة التي هي صلاة العيدين؛ لأن هناك تكبيرات في الصلوات الخمس، كتكبيرة الإحرام، وتكبيرات الانتقال عند الركوع، وعند الرفع من السجود، وعند القيام للركعة الثانية التي تليها، فهذه تكبيرات تسمى تكبيرات الانتقال.

    فالتكبيرات التي هي من صلاة العيدين في الأولى سبع، وهناك من يقول: إنها سبع من غير تكبيرة الإحرام، وهناك من يقول: هي سبع مع تكبيرة الإحرام، فيكبر تكبيرة الإحرام لتنعقد بها الصلاة، ثم يأتي بعدها بست تكبيرات، وبعضهم يقولون: التكبيرة الأولى للدخول في الصلاة، ولا تعتبر من تكبيرات الصلاة، وتكبيرات الصلاة في الركعة الأولى سبع.

    وأما هل يأتي بها سرداً: الله أكبر .. الله أكبر .. الله أكبر، أو يفصل بينهن بالأذكار نحو: (الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً)، فالجواب أن من شاء جاء بها سرداً، ومن شاء جاء ببعض الأذكار بين كل تكبيرة وأخرى، فإذا أنهى التكبيرات قرأ.

    وسيأتي الحديث بعد هذا يبين كثرة ما كان صلى الله عليه وسلم يقرأ به في العيدين، وهذا على سبيل البيان، وليس إلزاماً، ويتعين ولا يحاد عنه، ففي الركعة الأولى يكبر سبعاً بعد تكبيرة الإحرام، وبعد ما ينتهي من التكبيرات يقرأ الفاتحة وبعدها سورة (ق) أو غيرها، أو على ما سيأتي النص عليه في الحديث الذي بعده، ثم يركع ويرفع ويقوم للركعة الثانية، وعند قيامه للركعة الثانية يكبر، فتلك تكبيرة الانتقال لا يحسبها، ويبدأ فيكبر خمساً.

    ففي الأولى يكبر سبعاً لا يحسب معهن تكبيرة الإحرام، وفي الثانية خمساً لا يحسب معهن تكبيرة الانتقال التي هي معهودة في الصلوات الخمس، ثم يقرأ في تلك الركعتين بعد التكبيرات السبع أو الخمس.

    القراءة بـ(ق، واقتربت) في صلاة العيد

    قال المؤلف:[ وعن أبي واقد الليثي رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الفطر والأضحى بـ(ق) واقتربت) أخرجه مسلم . ].

    لما ذكر في الحديث الأول أنه يكبر ثم يقرأ في كلتا الركعتين بعد التكبير، جاء هذا الحديث ليبين ماذا كان يقرأ صلى الله عليه وسلم، وهم يتفقون على أنه لا تعيين ولا تحجير، فما رآه الإمام ليقرأ به قرأ، ولكن روي أنه كان صلى الله عليه وسلم يقرأ بسورة (ق) وبسورة اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر:1]، وكلتا السورتين فيها المواعظ وفيها التذكير، وفيها الحث على فعل الخير.

    فهنا يبين لنا المؤلف رحمه الله ماذا كان يقرأ، ويهمنا هنا أن مقدار سورة (ق) ليس مثل مقدار سورة الضحى، ولا (ألم نشرح) فالإمام يقرأ بما يراه مناسباً للحاضرين، فإن شاء طول بـ(ق) وأمثالها، وإن شاء اختصر بالضحى و(ألم نشرح)، إلى غير ذلك من قصار السور.