إسلام ويب

كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة [2]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • مما يدل على أهمية صلاة يوم الجمعة أن لها آداباً وأحكاماً ينبغي مراعاتها والالتزام بها، فمن الآداب: التطيب والاغتسال والتجمل والتبكير ونحوها. ومن الأحكام: ما تدرك به صلاة الجمعة، وما ينبغي أن يتصف ويلتزم به الخطيب من كيفية إلقاء الخطبة، وتناسب مقدمتها مع صلب موضوعها، واشتمالها على معاني الترغيب والترهيب ونحوه.

    1.   

    من آداب يوم الجمعة

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    وبعد:

    الاغتسال ليوم الجمعة وحكمه

    فإن مما يتفق عليه العلماء أن للجمعة آداباً، ومن ذلك الاغتسال ليوم الجمعة، وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم : (غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم)، يعني: بلغ سن الحلم؛ لأن المحتلم بالفعل يجب عليه الغسل في أي يوم أو ليلٍ.

    وهنا بيان لمن بلغ سن الحلم أن عليه أن يغتسل يوم الجمعة، وقد جاء في بعض الروايات أو بعض الأحاديث: (حقٌ لله على كل مسلمٍ أن يغتسل يوماً في الأسبوع)، وإذا كنا نحن المسلمين نقول: إن هذا الدين الحنيف يفرض النظافة فرضاً، لأن لله حقاً على كل مسلم أن يغتسل يوماً في الأسبوع يغسل رأسه وجسمه بهذا النص؛ فهذا إلزامٌ يلزم الدين به أبناءه، فلا يمضي أسبوع إلا ويغتسل فيه نظافة لله سبحانه، وجاء سن الاغتسال في الشرع لكل ما فيه تجمع، كما جاء للعيدين، وجاء لدخول مكة، وجاء للوقوف بعرفات، إلى غير ذلك مما فيه تجمع المسلمين.

    وجاء أيضاً من رواية مسلم : (أن الناس كانوا خدمة أنفسهم قبل أن تأتيهم العلوج -أي: الأسارى في الفتوحات- فكان الواحد منهم يأتي بالعباءة فيصيبه الغبار، فيعرقون فتكون منهم الروائح، فدخل رجل على النبي صلى الله عليه وسلم فوجد منه هذا الريح -وفي رواية عائشة أن السقف كان ضيقاً منخفضاً فيضيق بهم المسجد ويعرقون- فقال صلى الله عليه وسلم: (حقٌ لله على كل مسلم أن يغتسل).

    والحديث: (غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم) تمسك به من قال بوجوب الغسل، وقال: لا تصح الجمعة إلا بالغسل).

    وبعضهم قال: الفرض في الغسل يقع في هذا اليوم قبل الجمعة أو بعدها، فالمهم هو الغسل، وأغفل الحكمة التي من أجلها شرع الغسل، فإنه إنما شرع الغسل لمن يحضر اجتماع المسلمين، فإذا لم يغتسل عند اجتماعه بهم وذهب واغتسل بعد العصر، فالأمر وإن كان مشروعاً في ذاته لكن لم يؤد الغرض منه.

    تقول أم المؤمنين: (فلما فتح الله عليهم وجاءتهم العلوج وكفتهم المئونة اكتفي بالوضوء)، وجاء في الحديث: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل)، فمن آداب يوم الجمعة الاغتسال.

    التجمل للجمعة ولبس أحسن الثياب

    ومن آدابها أيضاً التهيؤ لها بحسن المظهر، قال تعالى: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف:31] أي: التهيؤ بما هو أليق، وما فيه التجمل، وجاء عنه صلى الله عليه وسلم : (ماذا على أحدكم لو اتخذ ثوبين للجمعة -أو ثوباً للجمعة- سوى ثوبي مهنته).

    فالفلاح يكون عنده ثوب يزرع ويسقي فيه، والجزار يكون عنده ثوب يذبح ويقطع فيه، وهكذا الحداد والنجار، فكل إنسان في مهنة تتعلق بالثياب يتخذ ثوباً خاصاً بالمهنة، أما إذا جاء للجمعة، فيجب أن يكون عنده عناية بالجمعة خاصة في لباسه، وهذا مما يتحتم على المسلمين، وقد جاء عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أنه وجد حلةً عند باب المسجد تباع، فأتى بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (يا رسول الله! اشتر هذه لتتجمل بها...) وكانت عنده البردة يخطب بها الجمع والعيدين.

    وكان أمير المؤمنين رضي الله عنه يقول: (أحب لطالب العلم بياض الثياب)؛ لأن فيها النقاء، وفيها الجمال، وفيه -كما يقال- الفطرة، وجاء عنه صلى الله عليه وسلم : (من غسل واغتسل وبكر وابتكر ومس من طيب أهله..)، والأهل دائماً يحتفظون بالطيب، وقد يحتفظ الإنسان بنوع من الطيب، فهذا زيادة في التجمل، وزيادة في الرفق والإمعان، وكما جاء في الأدب المفرد للبخاري : (حسن السمت من الإيمان) أي: من علامات إيمان الإنسان عنايته بسمته وبمظهره.

    وعلى هذا تكون العناية بالمظهر يوم الجمعة في اللباس والبدن من آداب الإسلام.

    التبكير لصلاة الجمعة

    ومن الآداب التبكير إلى الجمعة في الساعة الأولى أو الثانية أو الثالثة...، وعلى هذا تكون للجمعة آداب قبلها وآداب عند حضورها.

    1.   

    ما تدرك به الجمعة

    قال المصنف رحمه الله: [وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من أدرك ركعةً من صلاة الجمعة أو غيرها فليضف إليها أخرى وقد تمت صلاته) رواه النسائي وابن ماجة والدارقطني واللفظ له، وإسناده صحيح، لكن قوى أبو حاتم الإرسال].

    هذا الحديث حكمه بالنسبة للجمعة متوافق، ولكن الإشكال في لفظة [أو غيرها]؛ لأن هذا مغاير للواقع، فإذا أدرك ركعة من العصر وأضاف إليها أخرى لم تتم صلاته، وإنما يصدق هذا على الجمعة فقط، ولفظة [غيرها] أعتقد أنها ليست في الروايات، أو أن فيها مقالاً في زيادتها أو عدم زيادتها، والذي يهمنا هنا ما تدرك به الجمعة؟ هذه هي المسألة الفقهية.

    وقد تقدم لنا أن من أدرك شيئاً مع الإمام قبل أن يسلم فقد أدرك الجماعة، بل إنه جاء في شأن آخر الوقت: (من أدرك من العصر ركعةً قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر)، وجاءت رواية: (من أدرك تكبيرة الإحرام قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر)، فالجمهور على أن من أدرك الإمام في الجماعة قبل أن يسلم فقد أدرك الجماعة، والمالكية لهم رأي في اشتراط الركعة كاملة، ولكن الجمهور على خلاف ذلك.

    وأما الجمعة فالجمهور على أن من أدرك من الجمعة ركعةً كاملة فقد أدركها وتدرك الركعة إذا أدرك الإمام في الركوع، قبل أن يرفع رأسه من الركوع فيكون قد أدرك الركعة، وهذا رأي الجمهور، بخلاف من يقول: قد فاتته القراءة، وعلى هذا الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله، فرأيهم أن من أدرك ركعةً من الجمعة فليضف إليها أخرى ويكتفي بالركعتين، وقد سقط فرض يومه وهو الجمعة.

    والخطبة تكون قبل الصلاة، وهذا لم يدرك الخطبة، فهل يكون مدركاً للجمعة أيضاً؟ والجواب: نعم؛ لأن الخطبة انتهت قبل الصلاة وانتهى الأمر، ويستدلون بما جاء عن أمير المؤمنين عمر في رواية مالك في الموطأ أنه كان يخطب، وفي أثناء الخطبة دخل رجل، فقال: أي ساعة هذه؟ قال: والله يا أمير المؤمنين ما لبثت أن سمعت النداء فتوضأت فجئت قال: والوضوء أيضاً! فقالوا: لو كان سماع الخطبة واجباً لأفهمه، كما لو كان الغسل واجباً لأفهمه، واكتفى منه بما أدرك من الخطبة، واكتفى منه بما أوقع من وضوء.

    وسيأتي حكم الغسل والوضوء للجمعة فيما بعد، ويهمنا أنهم مجمعون على أن من فاتته الخطبتان، وفاتته ركعة كاملة، وجاء وأدرك الإمام في ركوعه وركع معه، واطمأن معه بقدر ما تحسب له الركعة فإنه يقوم بعد سلام الإمام ويأتي بركعة، أي: يضيف إليها أخرى وقد تمت جمعته، وهذا هو الحد الأدنى.

    ومع ذلك فقد جاء الحث على التبكير، كما في الحديث: (من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة...) إلخ.

    والحد الأدنى الذي ذكرناه في إدراك الجمعة قال به مالك والشافعي وأحمد ، وقال الأحناف: تدرك الجمعة بما تدرك به الجماعة. فمن أدرك الإمام قبل أن يسلم ودخل معه في الصلاة فقد أدرك الجمعة، فليقم وليصل ركعتين، بل هناك قولٌ عندهم بأنه لو قدر أن الإمام سها في صلاته وسجد للسهو، وجاء المتأخر فأدرك الإمام في إحدى سجدتي السهو قبل أن يسلم أدرك الجمعة، ولكن هذا الحديث الذي صححه ابن خزيمة أو النسائي وغيره فيه: (من أدرك من الجمعة ركعة فليضف إليها أخرى)، فهل الذي لم يدرك من الجمعة ركعة له حكم من أدركها؟ فمفهوم المخالفة أن من لم يدرك ركعةً كاملة لا يكفيه أن يضيف إليها أخرى؛ لأن الحديث يقول: (من أدرك من الجمعة ركعة)، فهذا الحديث دليل للجمهور، وهو خاص بموضوع الجمعة.

    فإذا لم يدرك الركعة فالأئمة الثلاثة يقولون: إذا أتى والإمام قد رفع من الركوع في الركعة الثانية فإنه يدخل معه، وإذا أتى في التشهد يدخل معه، ولكن يقوم فيأتي بأربع ركعات.

    والمشكلة أنه إذا دخل مع الإمام في صلاة الجمعة ونوى جمعة، فالجمعة لم تحسب له، وإن نوى ظهراً غاير نية الإمام، وهذا إشكال، ولذا قال الأحناف: أنتم أتيتم بهذا الإشكال، فدعوه يدركها بالتشهد أو بغيره.

    والجمهور يقولون: هي عبادة توقيفية، فيدخل معه موافقة له في نية الجمعة، فإذا سلم الإمام انفصل عنه وجدد نية الظهر.

    وهناك مسألة يثيرها بعض الناس، ونسمع التساؤل عنها كثيراً، وهي: مسألة من لم يحضر الجمعة كمريض ومسافر ونسوة في البيوت، ومن العجب أن نسمع بعض الناس يقولون: نصلي ركعتين؛ لأنهما فريضة اليوم، فأخذوا بهذا وتركوا لوازم الجمعة الأخرى كالجماعة والخطبة، ولهذا أجمع الأئمة الأربعة ومن وافقهم على أن من لم يصل الجمعة مع الإمام في المسجد، فإن فريضته صلاة أربع بنية الظهر.

    وأما هل الجمعة نيابة عن الظهر، أو الظهر نيابة عن الجمعة؛ فقد قدمنا بأن الأئمة الأربعة يقولون: إن الجمعة هي فرض يومها.

    فإن قيل: كيف يصلي هؤلاء الظهر على أنه فرض يومهم؟ فيقال: من توفرت فيه شروط الجمعة صار فرضه الجمعة، ومن لم تتوفر فيه شروط الجمعة بقي على الأصل، والأصل هو الظهر، ولا نزاع في ذلك ولا خلاف، والله تعالى أعلم.

    1.   

    آداب خطبة الجمعة وصفتها

    قيام الخطيب في خطبة الجمعة

    قال المصنف رحمه الله: [وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائماً ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب قائماً، فمن نبأك أنه كان يخطب جالساً فقد كذب) أخرجه مسلم ].

    هنا بيان صحيح صريح في كيفية الخطبة أو الهيئة، وهو أنه صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائماً، ثم يجلس، ثم يقوم ويخطب، وهنا يقولون: هل خطبة الجمعة خطبتان، أم أنها خطبة واحدة مفصولة بجلسة خفيفة؟

    والصحيح أنهما خطبتان كل خطبة منها مستقلة، أي: يشترط في الثانية استيفاء شروط الخطبة كما يشترط في الأولى. وقالوا: هذا الخبر إنما هو إخبار عن فعله صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذا القائل رأى بعض الخطباء -وكان خليفة من الخلفاء- يخطب قاعداً، فنظر إليه وكلّمه وقال: كيف تخطب قاعداً؟ فمن أنبأك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب قاعداً فقد كذب على رسول الله وكذب عليك!

    وابن مسعود رضي الله عنه لما رأى خطيباً يخطب وهو جالس قرأ الآية: وَتَرَكُوكَ قَائِماً [الجمعة:11] وهذا استدلال بما وقع من القرآن الكريم يحكي حالة أداء النبي صلى الله عليه وسلم للخطبة، وهو أنه كان قائماً.

    وهنا ناحية أخرى، وهي أن المشهور عند الناس أن الخطبة تحتاج إلى شيء من إيقاظ الضمير أو النفس، أو التأكيد على الموضوع الذي يتناوله الخطيب، فيحتاج إلى أهبة، ومن هنا كان عندهم أن الخطيب يكون على نشز من الأرض مرتفع؛ لأن ذلك أدعى لانتشار الصوت، أو على راحلة، وأيضاً يعتمد إما على عصا وإما على قوس.

    فالخطبة لا تتأتى مع الجلوس؛ لأن القاعد لا يملك حماس القائم، ولا يعطي صورة الاهتمام بالموضوع كالذي يقوم يتكلم وهو قائم.

    ومن العجائب أنه زارنا أخ مسئول في بعض دول أفريقيا، فسألته عن طالب كان في الجامعة وذهب إلى هناك قائلاً: كيف حال فلان؟ فنهض قائماً، فقلت: ما بالك؟ قال: لا يحق لي أن أتكلم عن فلان وأنا جالس، بل أقوم قائماً لأتحدث عنه، فقلت في نفسي: هذه مسألة على الفطرة، فالقيام في الخطبة دليلٌ على الاهتمام بالموضوع، ولهذا نبه هذا الرائي من رآه من الخلفاء يخطب قاعداً.

    ويقولون -والله تعالى أعلم-: أول من خطب قاعداً معاوية رضي الله عنه، ويعتذرون له بثقل جسمه وكبر سنه، والله تعالى أعلم.

    من صفات خطيب الجمعة

    قال المصنف رحمه الله: [وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم، ويقول: أما بعد؛ فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة) رواه مسلم .

    وفي رواية له: (كانت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة يحمد الله ويثني عليه، ثم يقول على أثر ذلك وقد علا صوته)، وفي رواية له: (من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له)، وللنسائي : (وكل ضلالة في النار) ].

    لقد كان صلوات الله وسلامه عليه يخطب في مناسبات عديدة، فكان يخطب في الجمعة، وفي العيدين، وفي الاستسقاء، وفي غير ذلك، ومنها ما هو للتوجيه والإرشاد، وإذا حدث شيء جديد قال: (احضروا المنبر) ، فيجتمعون عند المنبر فيخطبهم فيما يريد أن يبين لهم.

    وهنا يبين لنا جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خطب يوم الجمعة احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه.

    فهذه الصفات الثلاث مجموعة تدل على الحماس وعلى الانفعال مع موضوع الخطبة، وبدونها يقل الحماس ويقل الانفعال، وكما قالوا: كلما كان الخطيب متفاعلاً مع موضوعه كان ذلك أدعى لانتباه السامع، فيتفاعل معه.

    وأضف إلى ذلك ما تقدم من أنه كان يخطب على منبر، وكان يخطب قائماً، وكان يتكئ على عصا أو على قوس، فإذا اجتمعت الهيئة من القيام فوق منبر، والاتكاء على عصا أو على قوس، مع كونه تحمر عيناه ويعلو صوته ويشتد غضبه، فماذا يظن أن ينتظر السامع؟

    إنه يوقن بأن الأمر جد؛ لأن المتكلم أخذ الأهبة بصعود المنبر، والاتكاء على ما يشعر بالقوة من عصا أو قوس، ثم يتفاعل حتى تحمر عيناه، واحمرار العينين -كما يقولون- مرتبط بالقلب وبالدماء، فإذا ما علا الدم في القلب ظهر أثره في العينين، ثم نتيجة لذلك الغضب واحمرار العينين من شدة الغضب يرتفع الصوت، ولا يمكن لإنسان أن يكون شديد الغضب يتكلم بصوت منخفض؛ فإنه يصطحب مع شدة الغضب ارتفاع الصوت.

    ولهذا لما تشاح رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم وغضب أحدهما فاحمرت عيناه وانتفخت أوداجه وعلا صوته، قال صلى الله عليه وسلم : (إني لأعلم كلمات لو قالهن لذهب عنه ذلك، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، فلما سمعها شخص أو صحابي ذهب إليه وقال: قل كذا، قال: لست بمجنون، والذي حمله على هذا الرفض شدة غضبه.

    ولا نقول لكل خطيب إن عليه أن يغضب وأن تحمر عيناه وأن يعلو صوته، بل نقول: إن الخطيب مع موضوع الخطبة يجب أن يكون متفاعلاً، أما إذا لم يكن متفاعلاً معه، بمعنى أن يخطب الناس في موضوع هو لا يوقن به، أو لا يرغب فيه، أو لا يؤمن بنتائجه فهذه خطبة فاشلة، أما إذا كان موقناً بها، ويسعى إلى تحصيلها، ويتمنى حصولها وتنفيذها فإنه يتكلم من قلبه، وما كان من القلب وصل إلى القلب.

    ويبين لنا جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في الخطبة كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم، ومنذر الجيش شخص يطلع على جيشٍ قادم على قومه فيسبق الجيش، ويأتي إلى القوم، ولضيق الوقت يقول: صبحكم ومساكم، أي: إما أن يصبح عندكم أو يمسي عليكم، وهذا من باب الاختصار والإيجاز؛ لأن الوقت لا يتسع لأن يطيل الكلام فيخبرهم بأن الجيش الفلاني عدده كذا، ويأتي من جهة كذا، ويصل في وقت كذا، وسرعته كذا، فلا مجال لهذا، ولكن يكفي أن يقول: صبحكم الجيش، أو: مساكم الجيش.

    فهذه الحالة يذكرها لنا جابر رضي الله عنه فيما كان يظهر على النبي صلى الله عليه وسلم حال الخطبة.

    ثم يأتينا بما سمع في بعض الخطب، أو ما كان يسمع مما يرد عنه صلى الله عليه وسلم في افتتاح الخطبة.

    وكما يقول علماء البلاغة أو علماء الأدب: يجب أن تكون للخطبة مقدمة تنبئ عن موضوعها، فإذا كان يريد أن يحث الناس على عمارة مسجد فليأت بحمد الله والثناء عليه، ثم ببيان فضيلة المساجد، فيقول: الحمد لله...إلخ، وأشهد أن لا إله إلا الله القائل: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ [التوبة:18]، وأصلي وأسلم على النبي المختار الذي قال: (من بنى لله مسجداً...)، ثم يدخل إلى الموضوع.

    وموضوع الخطبة أولاً وآخراً عماده الوصية بتقوى الله والنصيحة، أما المواضيع الخاصة فتكون في غير خطبة الجمعة، فإذا اعتمدها الخطيب ورأى أن يدعو الناس إليها لما فيها من مصلحة عامة دينية وأخروية فذلك جائز، لا أن تكون دنيوية، فإذا كانت دنيوية ولها اتصال بما تئول إليه من ثواب وعقاب فلا مانع من ذلك.

    فإذا كانت الخطبة ذات مواضيع خاصة لا تكون في الجمعة، كما جاء عنه صلى الله عليه وسلم في قضية بريرة لما جاءت وطلبت من عائشة أن تعينها، فقالت لها: (إن شئت دفعت لأهلك القيمة كلها وأعتقتك ويكون ولاؤك لي! قالت: أشاور. فذهبت ورجعت وقالت: إنهم يأبون إلا أن يكون الولاء لهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد حضر، فأخبرته عائشة رضي الله عنها تعالى عنها فقال: (اشتريها وأعتقيها واشترطي لهم ما شاءوا، فكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل)، ثم خطب الناس فقال: (ما بال أقوامٍ يقولون كذا وكذا، كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ولو كان مائة شرط).

    وبالمناسبة ليس المراد بكل شرط ليس في كتاب الله عين هذا الشرط، فليس في كتاب الله اشتراط أهل بريرة على أن يكون الولاء لهم، ولكن المعنى: كل شرط خالف ما جاء في كتاب الله فهو باطل، وهو ليس في كتاب الله، ولكن الشرط الذي جاء به كتاب الله مما فيه استيفاء الحقوق لا مانع منه، وجاء في الحديث: (إن أحق ما استوفيتم من الشروط ما استحللتم به الفروج)، و(كل شرط جائز إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً)، فكل شرط أحل حراماً فليس في كتاب الله، وكل شرط حرم حلالاً فليس في كتاب الله؛ فهو باطل.

    فالخطبة تستعمل للتوجيه العام وللتوجيه الخاص، وخطبة الجمعة الهدف الأول منها الوصية بتقوى الله، والموعظة، وإحياء القلوب، وبيان ما هو أنفع للناس، وتذكيرهم بعد النسيان، وهذا من خصائص الإسلام.

    فالإسلام بذاته يدعو ويذكر، ومن هذا التذكير خطبة الجمعة، فإنها مفروضة على الأمة، فالدعوة والوعظ والإرشاد من لوازم هذا الدين، وألزم ما يكون فريضة يوم الجمعة، ويشترط لها الخطبتان، وبعضهم يقول: الخطبة الأولى إنما هي للموعظة والوصية على ما سيأتي في بيان أركان الخطبة إن شاء الله، والخطبة الثانية إما أن تكون تتمة وتفصيلاً لما أجمل في الأولى، وإما أن تكون بالدعاء لعامة المسلمين، ودعاء الله سبحانه لولاة الأمور بالصلاح والفلاح.