إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عطية محمد سالم
  3. كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر والمريض [3]

كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر والمريض [3]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد رخص لنا الشارع الحكيم بجمع الصلوات إلى بعضها في السفر وجاء هدي النبي صلى الله عليه وسلم يبين لنا كيفية هذا الجمع ومدته وأسبابه، وكذلك رخص الشارع للمريض في الصلاة أن يصليها على الهيئة التي يستطيعها إما قائماً أو قاعداً أوعلى جنب.

    1.   

    الترجيح بين الأقوال المختلفة في جمع الصلاة في السفر

    قال المصنف: [ولـأبي نعيم في مستخرج مسلم : (كان إذا كان في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً ثم ارتحل) ] .

    زادنا المصنف رحمه الله أيضاً رواية أخرى في المستخرج على مسلم مثل ما جاءنا به عن الحاكم ، والحمد لله.

    قال المصنف: [وعن معاذ رضي الله عنه قال: (خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فكان يصلي الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً) رواه مسلم ].

    هذه عجيبة! فبعدما أتى بحديث أنس في الصحيحين ورواية الحاكم والمستخرج على مسلم ، جاءنا بحديث معاذ يروي: (أنه صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك كان يصلي الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً) فقوله: (جميعاً) هل هي جمع تقديم أم جمع تأخير؟!

    الجواب: يحتمل الاثنين!

    إذاً: إذا وجد احتمال بطل الاستدلال.

    ولكنهم يقولون: ومع الاحتمال فإن قوله: (صلى الظهر والعصر جميعاً) يشعر بالتأخير، (وصلى المغرب والعشاء جميعاً) يشعر بالتأخير، وبعضهم يقول: بل يُشعر بالتقديم.

    إذاً: حديث معاذ لم يعين حقيقة الجمع ما بين تقديم أو تأخير، لكنه يثبت عموم الجمع (جمع الظهر والعصر جميعاً) إن شئت قلت: تقديم أو تأخير، (والمغرب والعشاء جميعاً) إن شئت قلت: تقديم أو تأخير.

    إذا: حديث معاذ يثبت وجود الجمع بين الصلاتين.

    أدلة القائلين بمنع الجمع مطلقاً

    وهنا يسوق المؤلف حديث معاذ رضي الله عنه رداً على الإمام أبي حنيفة رحمه الله؛ لأنه يقول بمنع الجمع مطلقاً لا تقديم ولا تأخير، فإن قيل له: وهذه النصوص ما تعمل بها؟ قال: إنما كان جمعاً صورياً.

    معاذ رضي الله عنه لم يقل: أخر وقدم، أو: صلى في آخر هذه وأول هذه بل قال: (صلى الظهر والعصر جميعاً) وجميعاً تدل على أنهما مجموعتين في وقت إحداهما، وهذا هو الظاهر.

    وهنا يقال: بم استدل الإمام أبو حنيفة رحمه الله على منع الجمع مطلقاً وحمل الحديث على الجمع الصوري؟

    يقول الأحناف: الأصل في الصلوات الخمس أن تصلى في أوقاتها: (أفضل الأعمال إلى الله: إيمان بالله، والصلاة على وقتها) ، وقال تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً [النساء:103].

    وجبريل عليه السلام نزل وعلم النبي صلى الله عليه وسلم الصلوات في أوقاتها، والأعرابي الذي جاء وسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أوقات الصلاة فقال له: (صل معنا اليوم وغداً) ، وصلى، فأوقع النبي صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس في اليوم الأول على أول وقتها، وأوقع الصلوات الخمس في اليوم الثاني على آخر وقتها، إلا المغرب صلاه في اليوم الثاني في الوقت الذي صلاه في اليوم الأول، ثم قال: أين السائل عن أوقات الصلاة؟ قال: هأنذا يا رسول الله، قال: (ما بين هذين وقت) يعني: جعل كل صلاة في وقتها، وبيَّن المسافة بين أول الوقت وآخره.

    فقالوا: هذه أمور قطعية بإجماع الأمة، فالخروج عنها يحتاج إلى قطعي مثله، وهذه الأحاديث كحديث معاذ وغيره أحاديث آحاد، ولا يمكن ترك القطعي إلى الآحاد.

    واستدلوا بقول عبد الله بن مسعود وهو أكثر الناس تمسكاً بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً؛ فقد جاء عنه عند بعض أصحاب الحديث: (والذي يحلف به ما صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة لغير وقتها إلا الظهر والعصر في عرفات، والمغرب والعشاء في جمع، والصبح صلاّه في أول وقته) فأخذوا بهذا الحديث، وقالوا: هذا يحلف أنه صلى الله عليه وسلم ما صلى صلاة في غير وقتها، وأنتم تقولون: قدموا وأخروا.

    الرد على أدلة المانعين من الجمع

    والجمهور يقولون: صح من فعله صلى الله عليه وسلم بهذه النصوص الصحيحة، أنه كان يجمع بين الصلاتين.

    وقالوا:إن أحاديث الجمع بين الصلاتين تقيد المطلق من تلك النصوص القطعية التي جاءت في بيان أوقات الصلوات الخمس، فهذه خصصتها. أي: أن تلك الأوقات في الصلوات الخمس في الحالات العادية، وأن الجمع في خصوص السفر، وحالة السفر خاصة من عموم حالات الصلاة العادية، وبهذا أخذ الجمهور بجواز الجمع بين الصلاتين، ولكنهم يختلفون بين أن يكون جمع تقديم أو جمع تأخير.

    فـابن حزم قال بجمع التأخير فقط، وأحمد والشافعي قالا بالجمع في الحالتين تقديماً وتأخيراً.

    وأبو حنيفة رحمه الله ليس عنده جمع إلا في الحج، فقال: الجمع بعرفات والمزدلفة ثابت وصحيح، وقال: إن الجمع في عرفات وفي مزدلفة من مناسك الحج وليس من أجل السفر، واستدل بفعل أهل مكة معهم، فقال: أهل مكة ليسوا بمسافرين، وقال: حتى من كان يسكن في أرض عرفات فله أن يجمع مع المسلمين إن كان حاجّاً، فمن حج من أهل منى، ومن حج من أهل المزدلفة، ومن حج من أهل عرفات فله أن يجمع مع الحجاج؛ لأن الجمع نسك عند الأحناف.

    والجمهور يقولون: الجمع من أجل السفر وليس من أجل الحج.

    مذهب الإمام مالك في الجمع

    وهناك بقي علينا مذهب مالك ، فـمالك رحمه الله جاءت عنه روايات:

    أولاً: رواية كراهية الجمع، فقال: أن يصلي كل فرض في وقته في سفره أولى.

    والرواية الثانية: الجمع بدون كراهية، ولكن قال: لا يجمع إلا لحاجة، كخوف أن تفوته مصلحة.

    ورواية ثالثة: يجمع جمع تأخير فقط، كما قال ابن حزم

    ورواية رابعة يجمع جمع تقديم وتأخير بلا كراهية ولا حاجة.

    إذاً: مالك له روايتان في الجمع: رواية المنع ورواية الجواز، ومع هذا تفصيل، وهذا التفصيل ذكره عنه ابن عبد البر في التمهيد، فمن أراد أن يرجع إليه فهو في الجزء الثاني عشر، وذكره أيضاً الخرشي على خليل في تفصيل مذهب المالكية.

    إذاً: هناك من قال: هو جمع صوري ولا يوجد جمع تقديم ولا تأخير.

    وهناك من قال بجمع التأخير فقط ولا يوجد جمع تقديم عنده.

    وهناك من قال بالجمع مطلقاً تقديماً وتأخيراً.

    وهناك من جاء عنه التفصيل فيما يتعلق بالكراهية وعدم الكراهية، كما هو عند مالك .

    نقض ابن عبد البر على من قال بالجمع الصوري

    نرجع إلى من يقول: إنه جمع صوري، يقول بعض العلماء رداً على ذلك، وخاصة ابن عبد البر فقد ناقش المسألة نقاشاً دقيقاً وطويلاً، قال: إن القول بجمع الصلاتين تخفيف، وإن تحري آخر وقت الأولى وأول وقت الثانية فيه مشقة كبيرة.

    والآخرون يقولون: المسألة ليست مسألة هندسية على الصفر والزاوية، بل المسألة تقريبية في الأوقات، فإذا نزل في آخر وقت الأولى وصلاها وتحرى دخول الثانية وهو في مجلسه ففيه تخفيف من كونه يتهيأ للصلاة مرة واحدة بوضوء واحد، ويأتي إلى محل الصلاة، فإذا كانوا جماعة فإنهم يجتمعون للصلاة جماعة، ويكون اجتماعهم واحداً، ففيه أيضاً إرفاق، كما جاء في المستحاضة حيث، أمرها النبي صلى الله عليه وسلم بالجمع الصوري.

    وهنا يقول ابن عبد البر -ولم أره لغيره أبداً- إن القول بالجمع الصوري يتبعه منع الجمع الصوري في غير هذه الصور.

    فمثلاً: إذا قلتم: إن الجمع الصوري للتخفيف، وحقيقة الحال أن كل صلاة وقعت في وقتها، فيجوز أن يؤخر العصر لآخر وقتها، ويقدم المغرب لأول وقتها، ويجمع بينهما جمعاً صورياً، وسيوقع كل صلاة في وقتها، وأنتم تمنعون ذلك، فلم المنع؟

    فإن قلتم: لأنها لا تشترك معها في الوقت؟ قلنا: نحن لم نجمع حتى تقولوا ذلك، وطالما أنكم قلتم إن الجمع صوري فندعها على الصورية هذه، وما دام أن كل صلاة وقعت في وقتها فلا جمع، والإنسان لو أخر صلاة العصر إلى آخر وقتها، ولم يبق عن غروب الشمس إلا مقدار ركعتين، فصلاته أداء، فإذا دخل وقت المغرب صلاه في أول وقته وأنتم تقولون: إذا أخر صلاة العصر لشغل أو نسيان كما لو نام وقام قبل الغروب بما يسع ركعة فإنها تعتبر أداء وليست قضاءً، فلماذا هنا لا تتركونه يأتي بالمغرب في أول وقتها والعصر في آخر وقتها؟

    قالوا: هذه بعذر، ولماذا يأتي بها في أول الوقت بدون عذر؟

    ونحن هنا لا نناقش المسألة، لكن نورد كلام ابن عبد البر ، وهو كلام دقيق جداً، فإذا كانت القضية ستدور على الجمع الصوري وكل صلاة ستقع في وقتها، فما الذي يمنع أن يجمع جمعاً صورياً بين العصر والمغرب، وأنتم تمنعون ذلك بالإجماع؟!

    إذاً: الجمع الصوري لا قيمة له، ولا يتمشى مع هذه النصوص الموجودة، لأنه لو كان على الصورة فالصورة تقع في غيرها، وأنتم لا تقولون بذلك.

    إذاً: الجمع الصوري لا وجود له في الحالات العادية، أما المستحاضة فلمرضها، وسيأتي التنبيه على هذه القضية؛ فالمرض أو الحاجة في حديث ابن عباس يأتي فيما بعد إن شاء الله.

    إذاً: الجمع بين الصلاتين في السفر جائز أم ممنوع؟

    جائز جاءت به السنة، وله صور ثلاث:

    الأولى تقديم، والثانية تأخير، والثالثة صوري، والذي قال بجمع التأخير فقط ابن حزم وشيخه داود ، وقال بجمع التقديم والتأخير معاً أحمد والشافعي، والذي منع من الجمع وقال بالجمع الصوري أبو حنيفة ، ومالك رحمه الله جاءت الرواية عنه مختلفة.

    حكم الجمع للمسافر إذا أقام مدة معلومة أو مجهولة

    قبل أن ننتقل من مسألة الجمع نقول: إلى متى يجمع، ومتى يُكف عن الجمع؟

    هناك من يقول: الجمع لا يكون إلا عند جد السير، أما إذا نزل في طريقه يوماً أو يومين أو ثلاثة أو أربعة على ما قلنا في قصر الصلاة بنية إقامة محددة أربعة أيام، أو بإقامة غير معلومة إلى عشرين يوماً، فهل يجمع في إقامته تلك مع قصر الصلاة أم يقصر فقط؟

    هناك من يقول: لا يجمع إلا إذا جد به السير، وهذا القو لـمالك ومن وافقه كـالشافعي وغيره.

    وهناك من يقول: يجمع سواءً جد به السير أو نزل نزولاً مؤقتاً.

    ومن رجع إلى موطأ مالك وجد حديث معاذ بن جبل ، وفيه بعض الروايات في غزوة تبوك تدل على ما يستدل به من يقول: يجمع ويقصر سواء جد به السير أو نزل نزولاً مؤقتاً على ما تقدم في التوقيت بنية الإقامة، أو لانتظار قضاء حاجته، فمدة وجود رخصة القصر تكون رخصة الجمع. والله تعالى أعلم.

    والشافعية أيضاً يقولون: لا يحق لإنسان أن يجمع جمع تقديم إلا إذا كان ذلك عند صلاة الأولى، ولا جمع تأخير إلا في وقت الثانية، وأن ينوى تأخيرها إلى التي بعدها قبل أن يحل وقتها، فإذا أخرها وصلاها كانت أداء ولا إثم عليه بالتأخير، وإذا لم ينو حتى خرج وقتها كان آثماً بتأخيرها، ولكن صلاته صحيحة.

    1.   

    حديث: (لا تقصروا الصلاة في أقل من أربعة برد)

    قال المصنف: [عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تقصروا الصلاة في أقل من أربعة برد من مكة إلى عسفان) رواه الدارقطني بإسناد ضعيف، والصحيح أنه موقوف، كذا أخرجه ابن خزيمة . ].

    عوداً على ما تقدم من المسافة التي تقصر فيها الصلاة، ولعل المؤلف رحمه الله أتى بهذا النص هنا عقب الجمع ليبين لنا أن السفر الذي تقصر فيه الصلاة هو السفر الذي تجمع فيه الصلاة.

    وحديث: (لا تقصر الصلاة في أقل من أربعة برد) يروى مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم لكن بسند ضعيف، والتحقيق عند علماء الحديث وفي موطأ مالك رحمه الله أن هذا من قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.

    وهل ابن عباس يشرع للناس ويؤقت؟

    يقول العلماء في مثل هذا -أي: ما يتعلق بالتشريع والعبادات وبالصلاة أهم أمر الإسلام-: إنه لا يقال فيه بالرأي، ولا يكون ابن عباس قال ذلك إلا عن سماع من النبي صلى الله عليه وسلم، لكن ابن عباس لما قال ذلك لم يقل: سمعت رسول الله، ولم يقل: قال رسول الله كما في الخبر الذي تكلم فيه ابن عباس ، ولم يرفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم باللفظ، فنأخذه عن ابن عباس موقوفاً عليه، ويحكم له بالرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

    وقد تقدم الكلام في الأربعة البرد.

    1.   

    حديث: (خير أمتي الذين إذا أساءوا استغفروا)

    [عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله لعيه وسلم: (خير أمتي الذين إذا أساءوا استغفروا، وإذا سافروا قصروا فأفطروا) أخرجه الطبراني في الأوسط بإسناد ضعيف، وهو في مسند سعيد بن المسيب عند البيهقي مختصراً. ].

    هذا الحديث لا أدري كيف ساقه المؤلف على الضعف الذي فيه، ولكن بعضهم يقول يشهد لهذا المعنى العام، فقوله: (خير أمتي الذين إذا أساءوا استغفروا) يشهد له قوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ [الأعراف:201]، فهذا يتذكر إذا أصابه لمم من الشيطان، وقوله: (مبصرون) بمعنى: استغفر وتاب.

    وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: (إذا أساء العبد أو أخطأ فاستغفر غفر الله له)، أو الحديث القدسي: (غفرت له على ما كان منه ولا أبالي) كمافي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.

    أما قوله: (إذا سافروا قصروا وأفطروا) فهذا موضع النزاع، وضعف الحديث يوجب ألا يعول عليه في الاستدلال على قضية كهذه.

    1.   

    صلاة المريض

    جواز القعود للمريض في الصلاة إن عجز عن القيام

    قال المصنف: [ وعن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: (كانت بي بواسير، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فقال: صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب) رواه البخاري ].

    بدأ المؤلف بالشطر الثاني من العنوان: (صلاة المسافر والمريض) ونبهنا في الأول على أنه جمعهما لجامع رفع المشقة، لأن قصر الصلاة وجمعها تخفيفاً على المسافر ورفعاً لمشقة السفر، وكذلك التخفيف على المريض في أداء الصلاة.

    وفي الحديث أن الرجل اشتكى إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أن عنده بواسير -عافانا الله وإياكم- وهي قد تحول دون القيام أو الركوع، وهذا كمثال فقط، وإلا فمراحل هذا المرض عياذاً بالله متفاوتة، فقد يكون في بدايته لا يعيق الإنسان عن أي شيء، وقد يكون مشتداً، وقد يؤدي إلى نزيف.

    وهنا لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (صل قائماً) لاحظوا في الجواب.. هو شكا إليه يطلب التخفيف أو الرخصة، فيأتيه صلى الله عليه وسلم بالمبدأ ويبني عليه، فيقول: (صل قائماً) أي: هذا هو الأصل، فإن لم تستطع القيام فصل قاعداً، فإن لم تستطع قائماً ولا قاعداً فعلى جنبك.

    يقولون باتفاق: يصلي على جنبه الأيمن مستقبلاً القبلة، فإن لم يستطع على جنبه فمستلقياً على ظهره، وإذا كان مستلقياً على ظهره فقدماه إلى القبلة ورأسه إلى عكسها؛ لأنه إذا كان القدمان إلى القبلة فاستطاع أن يجلس أثناء الصلاة سيستقبل القبلة، والله تعالى أعلم.

    زيارة النبي صلى الله عليه وسلم للمرضى

    قال المصنف: [وعن جابر رضي الله تعالى عنه قال: (عاد النبي صلى الله عليه وسلم مريضاً فرآه يصلي على وسادة، فرمى بها وقال: صل على الأرض إن استطعت، وإلا فأومئ إيماءً، واجعل سجودك أخفض من ركوعك) رواه البيهقي وصحح أبو حاتم وقفه ].

    وهذا الحديث أيضاً في صلاة المريض، فقد عاد النبي صلى الله عليه وسلم مريضاً لم يسمه الراوي لنا، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يعود المرضى، ولم يقتصر ذلك على أصحابه رضوان الله عليهم، بل عاد خادماً له كان يهودياً كما جاء في الخبر: أنه تأخر عنه غلامه اليهودي فسأل عنه، فقالوا: إنه مريض، فقال: قوموا بنا نعوده، وذهب صلى الله عليه وسلم ومن معه إلى هذا الغلام الخادم، فوجده في ساعته الأخيرة، فجلس إلى جنبه وقال: (يا غلام! قل لا إله إلا الله محمد رسول الله، فنظر الغلام إلى أبيه اليهودي عند رأسه، فقال اليهودي لولده، يا بني! أطع أبا القاسم، فنطق بالشهادتين ومات في الحال، فقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: تولوا أنتم أمر صاحبكم).

    انظر إلى عظمة الإسلام! في آخر لحظة من حياته، وفي آخر نفس من أنفاسه، ينطق بالشهادتين، فتثبت له الصحبة لرسول الله صلى الله، والأخوة للمسلمين، وانقطع ما بينه وبين أبيه.

    المانع عظيم جداً: (تولوا أنتم أمر أخيكم) متى كان أخي وهو يهودي! ولكن: بـ(لا إله إلا الله محمد رسول الله) صار أخاً لنا، وانظروا كم في هذه الزيارة من البركة، حيث أنقذ الله بها إنساناً من النار ونقله إلى الجنة، ولم يركع ركعة ولم يسجد سجدة لله.

    إذاً: كان صلى الله عليه وسلم يعود المرضى، وهذا منه صلى الله عليه وسلم فيه تألف لغير المسلمين، وبيان مكارم أخلاقه صلى الله عليه وسلم.

    يذكر ابن شبة في تاريخ المدينة: أنهم أول مجيء المهاجرين في الهجرة كانوا إذا مرض الواحد من المسلمين واشتد به المرض واحتضر، آذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه إلى بيته، وحضر تغسيله وصلى عليه، ثم يذهب معهم لدفنه، فقالوا: لقد أكثرنا على رسول الله وشققنا عليه، لو أننا تركنا إخباره وقمنا على ميتنا فجهزناه ونقلناه إلى رسول الله يصلي عليه في بيته، فتركوا الإخبار، وكانوا يجهزون الموتى ويأتون بهم، ويضعون الجنازة في الجهة الشرقية من المسجد -وتسمى إلى الآن: مصلى الجنائز، ودرب الجنائز.. أي: الطريق الذي يأتي من قبلي المسجد- وتوضع في فرش الحجر، وهو السور الموجود الآن حالياً ما بين باب جبريل وباب البقيع الجديد، فكانوا يأتون ويضعون الجنازة ويخبرون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيخرج ويصلي على ميتهم.

    إذاً: كان صلى الله عليه وسلم يذهب إليهم في بيوتهم، وهذا فيه من جبر الخاطر وتطييب النفس الشيء الكثير.

    صفة جلوس المريض إذا صلى قاعداً

    [وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي متربعاً). رواه النسائي وصححه الحاكم ]

    أتى المؤلف رحمه الله بحديث عمران بن حصين في صلاة المريض، وعرفنا كيف يصلي قاعداً، وعلى جنبه، أو مستلقياً على ظهره.

    وقوله: (صل قاعداً): القعود له عدة صور وحالات:

    قعود في الصلاة للتشهد، وبين السجدتين، وقعود في غير الصلاة متربعاً متوركاً، فعلى أي الحالات يصلي العاجز عن القيام قاعداً؟! يأتي المؤلف رحمه الله بحديث عائشة رضي الله عنها: (بأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى قاعداً متربعاً).

    متى صلى قاعداً؟ في النافلة خاصة، وفي مرضه، وتقول: كان يقوم ويقرأ ما تيسير من القرآن، فإذا تعب جلس أو ركع ثم جلس، وسجد من جلوس، المهم عندنا: أنه في حالة صلاته جالساً يكون متربعاً.

    والتربع: وضع كل من الساقين تحت الأخرى.

    وهل يضم في الصلاة كما لو كان قائماً أم يضع يديه على فخذيه؟

    هناك من يقول: يضع يديه على صدره، قالوا: هذه صورة القيام، وهناك من يقول: يضع يديه على فخذيه، وقالوا: هذه صورة التشهد، قالوا: لكن هي الأقرب.

    وبعضهم يقول: إن المالكية أخذوا السدل في الصلاة من صلاة الجالس وأنه لا يقبض ويضع يديه على فخذيه، لكن الشأن في القياس أن يستوي الأصل والفرع في الحكم، وهذان لا يستويان، فهذه نافلة وهو قاعد، وتلك فريضة وهو قائم.

    إذاً: القياس هنا ليس له محل، لكن هذه الصورة اختارها كثير من العلماء.

    والبعض قال: يجلس جلسة التشهد؛ لأنها جلسة من ضمن الصلاة، فإذا عجز عن القيام فإنه يصلي قاعداً على حالته التي يقعدها في الصلاة لجزء من الصلاة وهو التشهد.

    وبعضهم قال: يجلس متوركاً كما في التشهد الأخير، وباتفاق: أنه كيفما جلس وصلى قاعداً على الحالة التي يستريح إليها فصلاته صحيحة؛ لأنه ما رخص له في الصلاة قاعداً إلا لرفع المشقة عنه، وهي رخصة له، فإذا كان تربع وهو بدين ومتين وساقاه ثقيلان، فذلك سيؤلم أعصابه، وإذا لم يستطع التربع ولا جلسة الصلاة فليمد رجليه وهو جالس، ولا مانع من ذلك.

    إذاً: يأخذ بما هو الأيسر له، وبالله تعالى التوفيق، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

    حكم الجمع للمريض

    وهناك حديث تركه المؤلف هنا أو لم يأت به بالكلية، وهو حديث ابن عباس : (أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بالمدينة من غير خوف ولا مطر) ويقول ابن عبد البر : جاءت الرواية: (من خوف ولا سفر).

    وتتمة لهذه الفائدة أو لهذا الموضوع يذكر العلماء الشيء الكثير في هذا.

    فبعضهم يقول: قد نسخ، ولا ينبغي الجمع في الحضر أبداً، وبعضهم يقول: للمطر والبرد الشديد والطين والوحل.

    وبعضهم يقول: هذا في المغرب والعشاء فقط كما قال مالك ؛ لأن فيها المشقة.

    وبعضهم يقول: هذا خاص بالمسجد النبوي فقط؛ لأن الناس تحرص على الصلاة فيه لفضله، ويأتون إليه من بعيد، وتلحقهم المشقة إذا جاءوا لجميع الصلوات.

    وأحب أن أقول: إن هذا الجمع في الحضر يكون للمريض الذي لا يجد من يوضئه في الأوقات كلها، وكذلك الآن من كان مقدماً على إجراء عملية في وقت الأولى، وسيظل في البنج إلى الثانية فله أن يقدم الصلاة الثانية حتى لا تضيع عليه.

    والحمد لله رب العالمين.