إسلام ويب

كتاب الصلاة - باب الحث على الخشوع في الصلاة [2]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن للصلاة مكانة عظيمة في دين الإسلام، ولذلك عظمها الشرع، وأحاطها بسور منيع من الأوامر والنواهي التي تحافظ عليها وتزيل كل ما يشوش على المسلم صلاته أثناء وقبل أدائها، ومن ذلك أنه صلى الله عليه وسلم أمر عائشة بتمزيق القرام الذي كانت علقته في الجدار؛ لأنه شغل النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته، واستبدل بخميصته المهداة إليه غيرها؛ لأن فيها تصاوير شغلته عن الصلاة، وأيضاً نهى صلى الله عليه وسلم المصلي أن يرفع بصره إلى السماء أثناء الصلاة؛ لأن ذلك ينافي الخشوع، والمسلم مطالب بالخشوع في صلاته.

    1.   

    أحكام متعلقة بالصلاة

    احترام القبلة واليمين في الصلاة

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى.

    أما بعد:

    فيقول المصنف رحمه الله: [وعنه -أي: أنس - قال: (كان قرام لـعائشة سترت به جانب بيتها، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: أميطي عنا قرامك هذا؛ فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي) رواه البخاري ].

    تقدم ما يتعلق باحترام القبلة واليمين، وتقدم كيف يكون وضع النعلين، حيث نهى صلى الله عليه وسلم المصلي إذا خلع نعليه أن يجعلهما قبالة وجهه، أو أن يجعلهما عن يمينه، وأما لماذا لا يجعلهما قبالة وجهه، ولا عن يمينه فقد قالوا: إذا جعلهما قبالة وجهه وسجد فكأنه ساجد للنعلين.

    مع أنهما ليستاً صنماً، ولا معبوداً من دون الله! ولكن الصورة والهيئة لابد أن يكون فيها ذوق وعاطفة وأدب مع الله سبحانه وتعالى.

    وأما النهي عن جعلهما عن يمينه فلقوله: (ولا عن يمينه فيؤذي بهما جاره)؛ لأن موقفه في الصف من جهة اليمين بجوار من هو على يمينه، وإذا كان هو في الصف الثاني من جهة أخرى وجاء من جهة اليمين فيكون جاره في الصف عن يساره.

    فلا يجعلها عن يساره أيضاً؛ لاحتمال أن يأتي إنسان ويقف بجواره، فتكون عن يمينه فيؤذيه بها.

    قال صلى الله عليه وسلم: (ولكن بين قدميه)، فحينما يقف يجعلها بين قدميه، فلو سجد فبين قدميه، ولو جلس للتشهد فبين ساقيه، فلن يؤذي بها أحداً.

    فلا يجعلها تجاه وجه، ولا يجعلها عن يمينه، ولا يجعلها عن يساره إن توقع مجيء أحد يصلي بجواره، وكل ذلك لئلا يؤذي بها غيره.

    وكذلك البصاق، فلا يؤذ به غيره، ولا يجعله تجاه القبلة؛ فإن ذلك من الجفاء، بل جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه عزل إمام قوم بسبب بصاقه إلى القبلة، فقد دخل مسجد قوم فرأى بصاقاً في جدار المسجد، فأخذ حجراً -وفي رواية: بيده- فحتها، وفي رواية: (أنه رأى الإمام يبصق تجاه وجهه، فلما أنهى الصلاة قال: لا يؤمنكم هذا بعد اليوم)، فعزله عن الإمامة لأنه ما عنده أدب، وفعل ما لا يليق، فإحساسه ووجدانه بالأمور المعنوية مفقود، فنهى عن الصلاة وراءه وعزله لكونه بصق في الصلاة تجاه القبلة، ويكفي أنه صلى الله عليه وسلم حتها بيده الشريفة.

    فقوله في الرواية الأخرى: (حتها بيده) قال بعض الشراح: أي: بدون حجر. والصواب أنه حتها بحجر في يده، وهي صورة واحدة على الروايتين، فتولى صلى الله عليه وسلم حتها بيده وفيها الحجر، ولم يوكل ذلك لأحدٍ ممن معه، وكان يمكن أن يقول: يا فلان! حتها. ويكون هو الآمر بحتها، ولكن لعظمة أمرها وتولى هو صلى الله عليه وسلم حتها بنفسه تأكيداً على ذلك.

    إزالة كل ما يشغل عن الصلاة

    وأما حديث عائشة الذي بين أيدينا ففيه أنه ينبغي على المصلي أن يزيل أو يمنع ما يشغله في صلاته، سواءٌ أكان قبل الدخول فيها، أو بعد أن دخل فيها، فـعائشة رضي الله تعالى عنها أنها سترت سهوة بيتها بقرام والقرام: نوع من القماش مثل الستارة فيه تصاوير، فلما صلى النبي صلى الله عليه وسلم، ووقع بصره على هذا القرام بعد الدخول في الصلاة نظر إلى تصاويره فشغلته، فلما انتهى صلى الله عليه وسلم من صلاته قال: (أميطي عنا قرامك)، وفي بعض الروايات: (أن عائشة رضي الله تعالى عنها أدركت عدم رضا رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا القرام في مكانه، فأخذته)، والرواية الأخرى تُصرَّح بأمره صلى الله عليه وسلم: (أميطي عنا قرامك؛ فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي)، ومن هنا قالوا: لا ينبغي أن يكون أمام المصلي ما يشغله إذا نظر فيه.

    وجاء مثل هذا في بعض الأحاديث الأخرى، كما في صحيح البخاري في أنبجانية أبي جهم ، والأنبجانية مثل الجبة، أهداها أبو جهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو جهم هو الذي استشارت المرأة فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (أما أبو جهم فضرابٌ للنساء)، أو: (لا يضع عصاه عن عاتقه)، فأهدى هذه الأنبجانية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلنا يعلم أنه صلوات الله وسلامه عليه يقبل الهدية، وهذه من العلامات التي حرص عليها سلمان الفارسي ، ليعرف من خلالها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه قرأ في كتبهم: (لا يأكل الصدقة، ويقبل الهدية، وبين كتفيه خاتم النبوة)، وقصته طويلة، فقد بُيع واشتُري، وخلّص نفسه، حتى وصل إلى المدينة في ملك رجل يهودي، وسمع بمجيء النبي صلى الله عليه وسلم وخروج الأوس والخزرج لاستقباله، فقال: الآن أتأكد، فأخذ شيئاً من الرطب وقال: يا محمد! هذه صدقة مني عليك وعلى أصحابك، فأزاحها إلى إخوانه وقال: (كلوا أنتم، أما أنا فلا تحل لي الصدقة)، فعقد سلمان بيده واحدة، وكان هذا في قباء، ولما وصل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. جاء سلمان بطبق آخر وقال: يا رسول الله! هذا شيء من الرطب ادخرته أقدمه هدية لك. فأخذ وأكل، وأطعم أصحابه، فقال: هذه الثانية، فلما سمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: هذه الثانية، كشف عن كتفيه الشريفين وقال: (يا سلمان ! انظر الثالثة)، فاستدار سلمان ونظر فوجد خاتم النبوة فأهوى عليه وقبله.

    وبالمناسبة، فقد كان أحد اليهود يعرف حقيقة النبي صلى الله عليه وسلم ووصفه، ولما جاء عرفه بكل الأوصاف، وقال: إلا واحدة ما استطعت أن أتحققها، فعرض عليه قرضاً -ديناً- فأخذه صلى الله عليه وسلم إلى أجل، فجاء قبل حلول الأجل وقال: يا محمد! أعطني ديني. وكان النبي صلى الله عليه وسلم معسراً، فقال: أما إنكم يا بني عبد مناف قوم مطل، وأخذ يجر رسول الله صلى الله عليه وسلم بثيابه التي في عنقه ويردد كلامه، فسلَّ عمر السيف وقال: يا عدو الله! تخاطب رسول الله بهذه الصفة! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يا عمر ! كنت أحوج إلى أن تأمرني بحسن الأداء، وتأمره بحسن الطلب؛ لأنه صاحب حق)، فلما سمع ذلك أخذ الرجل عمر وقال: والله ما أردت إهانة محمد، ولكني عرفت صفاته كلها -التي عندنا- إلا هذه، وهي عفوه عمن أساء إليه، ولقد أسأت إليه فإذا به كما سمعت، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.

    فـأبو جهم أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم إنبجانية فلبسها، وقام يصلي فإذا فيها تصاوير، فلما أنهى صلاته خلعها وقال: (اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم ، وائتوني بخميصة أبي جهم)، فما معنى قوله: اذهبوا بخميصة أبي جهم هذه التي أهداها إليّ، وائتوني بخميصته التي يلبسها؟ ولماذا يستبدل؟ ولماذا لم يرد الهدية إذا لم تكن أعجبته؟!

    قالوا: لأن أبا جهم ما أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا محبة له، فإذا رد هديته عليه، فكيف يكون الحال؟ وماذا سيقول أبو جهم ؟! فلعله يقول: ردها لسخطة عليّ، أو لإساءة مني، أو لتقصير في حقه. فلكي يرفع عن أبي جهم تلك الظنون. قال: (ائتوني بخميصته)، فيكون طلب الخميصة الخاصة بـأبي جهم مقابل رد الخميصة التي أهداها إليه وردها عليه، أي: لئلا يقال: لم يقبل هديتك يا أبا جهم! .

    ولذلك يقول العلماء: لا ينبغي للإنسان أن ينصب أمام وجهه -وهو في الصلاة- ما يشغله، وكذلك لا يصلي على شيء فيه ما يشغله، وأكدوا على التصاوير، وعلى الصليب، وعلى الأشياء الأخرى اللافتة للنظر.

    وذكروا في ذلك أنه لو أن في البساط الذي تصلي عليه صورة أتصح الصلاة عليها أم لا؟

    فذكر النووي رحمه الله أنه تصح الصلاة عليها؛ لأن الصورة في البساط ممتهنة؛ لأنها توطأ بالقدمين، ولكن لا يتعمد وضع الجبهة في السجود على الصورة، وكذلك الصليب، فقد توجد الصلبان في بعض الصناعات، ولكن يصلى؛ لأن الصليب ممتهن، لكن لا يتعمد أن يجعل جبهته في السجود على صليب من الصلبان التي في الفراش.

    وأما موضوع الصور فإن عائشة رضي الله تعالى عنها لما جاء لعن المصورين، وكان القرام فيه صور قالت: (فأخذته فشققته فجعلته وسائد) أي: (مخدات)، قالوا في ذلك: لأن القرام إذا كان طوله مترين أو ثلاثة ربما تكون فيه الصورة كاملة، فإذا ما قُطِّع تقطعت أشكال الصور، ولم يبق إلا أجزاء مختلفة، وتكون في الوسائد ممتهنة، بخلاف المعلقة؛ إذ إنها تكون للجمال، وتكون للزينة، وتكون للتكريم، وتكون لغير ذلك، فإذا ما قطعت تقطعت الصورة إلى أجزاء، وخرجت عن محظور قوله: (من صور صورة أمر يوم القيامة أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ)، فإذا قطعت لم تُعد صورة، فقطعة فيها رأس، وقطعة فيها أرجل، وقطعة فيها صدر، فالرأس وحده لا ينفخ فيه روح، والأرجل وحدها لا ينفخ فيها الروح، والصدر وحده لا ينفخ فيه الروح، ومن هنا قال العلماء: جزء الصورة للحاجة لا بأس به.

    ونحن الآن وجدنا الاضطرار إلى جزء الصورة في البطاقة الشخصية حفاظاً على الأمن، والبطاقة الشخصية لها أصل في تاريخ الإسلام؛ لأننا وجدنا في غزوة الأحزاب أنه أرسل النبي صلى الله عليه وسلم حذيفة فقال: اذهب فأتني بخبر القوم فذهب ودخل في القوم، فإذا بـأبي سفيان ينادي في عسكره: ليعرف كلٌ منكم جليسه، أي: حتى لا يدخل فيكم من ليس منكم فيكتشف أسراركم يقول حذيفة : فبادرت من بجانبي وقلت: من أنت؟ قال: أنا فلان. وسكت ولم يسألني.

    فقوله: (فمن أنت) هو التعريف بالبطاقة الشخصية التي فيها اسمه، واسم أبويه، وميلاده، ومكان الميلاد، ورقمه الخاص الذي تحمله البطاقة، فـ(من أنت) تتضمن هذا كله.

    فأساس البحث في الصورة هل هو في ذات الجسم الذي له ظل، كالتماثيل المشخصة، أو ما كان بالريشة؟ ومن أراد التفصيل الوافي في هذه المسألة فليرجع إلى نيل الأوطار يجد ما يتعلق باللباس، والصور ونوعها، والتحريم والرخصة في ذلك، ويهمنا في بابنا هذا الحث على الخشوع في الصلاة، فلا ينبغي للإنسان أن يصلي في ثوب يكون فيه من الألوان أو الرسوم ما يشغل باله، ويلفت نظره عن خشوعه في الصلاة، والله تعالى أعلم.

    النهي عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة

    قال المصنف رحمه الله: [وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة، أو لا ترجع إليهم)، رواه مسلم ].

    يذكر المصنف رحمه الله تعالى في (باب الحث على الخشوع في الصلاة) هذا الحديث، وفيه النهي عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة.

    قوله(لينتهين أقوام) (ينتهين)، أي: يمتنعن. (أقوام): جمع قوم، وهو خاص بجماعة الرجال وضعاً، ويدخل فيه النسوة تبعاً، ويستشهدون لذلك بقول الشاعر:

    أقوم آل حصن أم نساء

    فجعل النساء قسيمات للقوم،

    وقوله: (لينتهين أقوم) يشمل الأفراد كذلك، فإذا كان النهي للجماعة فهو يشمل أفراد الجماعة واحداً واحداً، كما تقول: لينتهين بنو فلان عن أذية فلان فـ(بنو فلان) تشمل مجموعهم، وأفرادهم ضمناً.

    قوله: (لينتهين أقوام عن رفعهم أبصارهم إلى السماء)، جاء هنا بلفظ: (في الصلاة)، والحديث جاء تارة مطلقاً وفيه: (عن رفعهم أبصارهم إلى السماء)، وجاء هنا مقيداً بكونه في الصلاة، وهذه الرواية: (في الصلاة) هي المناسبة لإيراد هذا الحديث في باب الحث على الخشوع في الصلاة.

    والنظر بالبصر إلى السماء يكون فيه -غالباً- الانصراف عن معنى الصلاة؛ لأنه لا يخرج عن أحد أمرين: فإما أن يكون عبثاً فهو عين المقصود في النهي عنه، وإما أن يكون للتأمل، كمن كان في الليل يتأمل زينة السماء بهذه الكواكب، ويفكر في قدرة الله وفي مصنوعاته، فهذا باب والصلاة باب آخر، فيكون قد خرج عن مناجاة ربه إلى موضوع آخر وهو العظة والاعتبار بقدرة ربه، وفرق بين المناجي -وهو مستحضر لمن يناجيه رغبةً ورهبة- وبين من يفكر في مصنوعات الله وفي قدرته سبحانه وتعالى.

    وقد قال الله تعالى: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ [آل عمران:191]، فهذا ذكر مستقل، ثم قال في التفكر: وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [آل عمران:191]، فجعله قسيماً للذكر.

    فرفع البصر إلى السماء يتنافى مع الخشوع في الصلاة، ولو كان للتدبر في الآيات والقدرة الكائنة في هذا الخلق العظيم، وقالوا: من أدب الصلاة ألا يتعدى بصر المصلي سترته التي بين يديه؛ لأن ذلك أدعى لاجتماع حسه وحواسه لتتجاوب مع لسانه ومع قلبه فيما يتلو، وفيما يناجي به ربه سبحانه وتعالى.

    وفي رفع البصر إلى السماء جاء هذا الوعيد الشديد: (أو لا ترجع إليهم)، يعني تخطف أبصارهم، وهذا وعيد شديد بعقوبة عظيمة على الإنسان، ومن هنا قال من قال: إن نظر المصلي إلى السماء في الصلاة يبطلها؛ لأنه عمل خارج عن موضعها، وجاء الوعيد الشديد في حقه.

    فلا يجوز لإنسان أن يفعل ذلك، وبعض العلماء حمل ذلك على العموم في الصلاة وفي غير الصلاة، وقالوا: فعله في الصلاة يتنافى مع الخشوع، وفي غير الصلاة، لا يفعله حياءً من الله، وكما أن المصلي لا يبصق أمامه حياء من الله وتعظيماً لوجه الله فلذلك هنا.

    ولكن قوله تعالى: وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [آل عمران:191] يدل على أن ذلك غير ممنوع؛ إذ لا يكون التفكر إلا بالرؤية التي يعملها الإنسان في ذهنه لنقل الصورة التي يراها بعينيه، والقرآن الكريم يسجل لنا قوله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا [البقرة:144]، فكان صلى الله عليه وسلم يتطلع وينتظر أن الله سبحانه وتعالى يوليه إلى استقباله الكعبة، ليستقل عن اليهود، كما قال تعالى: سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنْ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمْ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا [البقرة:142]، وكانوا يقولون: عجباً له يعيب ديننا ويستقبل قبلتنا! فكان يتطلع صلى الله عليه وسلم إلى الاستقلال الكلي.

    ولهذا جاءت النصوص في أن المسلم لا يحق له التشبه باليهود والنصارى في عباداتهم ومعاملاتهم، أي: الخاصة بهم، بخلاف التعامل المشترك كالبيع والشراء وتبادل المنافع، فهذا أمر تقتضيه الحياة، وليس من التشبه المحرم، ومما يدل على جواز التعامل مع اليهود والنصارى أنه صلى الله عليه وسلم خرج من الدنيا ودرعه مرهونة عند يهودي، في آصع من طعام، فهل كان المهاجرون والأنصار عاجزين عن أن يقدموا لرسول الله آصعاً من طعام؟ لا والله، لقد حكّموه في أموالهم وفي أنفسهم، حتى في حقوقهم الأدبية، ولما جاء إلى قباء قال: (مالي لا أرى فلان بن فلان؟ قالوا: بينه وبين القوم ثأر لا يستطيع أن يأتي)، وبعد فترة في منتصف الليل إذا به عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (يا أبا فلان! كيف جئت وبينك وبين القوم كذا وكذا؟ قال: يا رسول الله! ما كان لي أن أسمع بمجيئك وأقعد عنك، فقال لبني عوف: أجيروه)، فإذا أجاروه أصبح آمناً يأتي في كل وقت، (قالوا: أجره أنت يا رسول الله!)، فهذه حقوقهم الخاصة يحكمونه فيها، ويتنازلون عنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فهل -يا ترى- كانوا عاجزين عن أن يقدموا آصعاً من طعامٍ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وبدون رهن؟

    ولكن أعتقد -والله تعالى أعلم- أنه لما جاء النهي، وجاء التحذير من اليهود، وقال صلى الله عليه وسلم : (لا يجتمع دينان في جزيرة العرب) فهم من ذلك المقاطعة الكلية، حتى في الأمور الدنيوية، فتأتي هذه الحادثة لتدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان يتعامل معهم في البيع والشراء، وهكذا الدنيا اليوم، فيها أسواق عالمية، أوروبية وأمريكية، وأسواق الشرق الأوسط، والشرق الأقصى، والشرق الأدنى، وأسواق عالمية تتبادل فيها السلع بين الدول، فهذه أمور تعامل أو معاملات لا غبار عليها، وتقتضيها الحياة، كما قيل:

    الناس للناس من بدو وحاضرة بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم

    فالتعاون من هذا القبيل لا شيء فيه.

    فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يقلب وجهه في السماء ابتغاء تحويله إلى قبلة مستقلة للمسلمين، وكان تحوله إلى الكعبة بعد قوله تعالى: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [البقرة:144].

    فالنهي هنا في قوله صلى الله عليه وسلم: (لينتهين أقوام) جاء مطلقاً بلا قيد، وجاء مقيداً بالصلاة، والقاعدة عند الأصوليين أنه إذا جاء حديث في قضية مطلقاً، وجاء حديث في عين القضية مقيداً حُمل المطلق على المقيد. كما يمثّل الأصوليون بالكفارة في القتل والكفارة في الظهار، فإن عتق الرقبة في الطهارة جاء غير مقيد بالإيمان، وجاء هناك مقيداً بالإيمان، فحُمل عتق الرقبة في جميع الكفارات على قيد الإيمان، ولا تجزئ رقبة في كفارة إلا بقيد الإيمان، وهنا كذلك، ففي هذا الحديث: (في الصلاة)، فيحمل عموم النهي بغير القيد على ما جاء في هذا القيد، ومن رفع بصره إلى السماء في غير الصلاة لا يكون داخلاً في هذا النهي، والله تعالى أعلم.