إسلام ويب

كتاب الطهارة - باب الوضوء [1]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد شرع الله سبحانه الفرائض، وجعل لكل فريضة مقدمة قد تكون شرطاً في صحتها، ومن هذه الفرائض الصلاة، إذ شرعها الله في سائر الأديان السماوية، وشرطها الوضوء الذي هو الطهارة والنظافة، وقد شرعه الله سبحانه في الكتاب والسنة، وأجمع العلماء على فرضيته، وأنه لا صلاة لمن لا وضوء له.

    1.   

    أحكام السواك

    الوضوء عبادة شرعية

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

    فيقول المؤلف رحمه الله: [عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء) أخرجه مالك وأحمد والنسائي ، وصححه ابن خزيمة، وذكره البخاري تعليقاً.].

    بعدما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أحكام المياه، ثم أحكام الآنية التي نحفظ فيها المياه، ثم جاءنا ببيان أنواع النجاسات، وما ينبغي إزالته عن الثوب والبدن والمكان من أجل الصلاة انتقل بعد ذلك إلى الوضوء.

    والوضوء أتى به قبل أن يدخل في كتاب الصلاة؛ لأنه جزء من الطهارة كما سيأتي بعد ذلك بتتمة مباحث الطهارة من الغسل وموجباته والتيمم.

    والوضوء شرط بإجماع المسلمين لصحة الصلاة، ولا تصح الصلاة بغير وضوء، كما بيّن صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: (لا يقبل الله صلاة من أحدث بغير وضوء).

    والوضوء يأتي بالضم (وُضوء)، وبالفتح (وَضوء)، قيل: بالضم هو المصدر، وبالفتح هو الماء الذي يتوضأ به، وقيل بالعكس، مثل: (سَحور) و(سُحور)، وبعضهم يقول: كل منهما ينوب مناب الآخر، ويقولون: الأصل في الوضوء في اللغة أنه مشتق من الوضاءة، والوضاءة: بهاء الوجه ونضرته، والأصل فيه النظافة، ولكن في الشرع هل الوضوء نظافة أم الوضوء عبادة؟

    فكونه عبادة يتوقف على النية، أي: لا يصح الوضوء إلا بنية، وكونه نظافة فالنظافة لا تحتاج إلى نية، كما أن إزالة النجاسات لا تتوقف على النية، ولكن تنتهي بإزالتها.

    والذي يدل على أن الوضوء عبادة قياس الفقهاء، والنص القرآني الكريم:

    أما قياس الفقهاء فيقولون -كما قال ابن رشد في بداية المجتهد-: هذا العمل تعبدي. أي: لا يدرك السر ولا الحكمة في تشريعه؛ لأنه -كما يقال-: (مُوجِبُهُ في غير مُوجَبِهِ)، وهذه قاعدة فقهية عندهم، بمعنى أن الذي أوجب الوضوء ليس داخلاً في أعضاء الوضوء، بمعنى أن الإنسان تخرج منه الريح، فيجب عليه الوضوء بسبب خروج الريح، فإذا أراد أن يتوضأ فإن مخرج الريح ليس داخلاً في أعضاء الوضوء، فلو كان معقول المعنى لكان سببه يدخل في فعله، فلما وجدنا الأمر كذلك حكمنا بأنه أمر تعبدي.

    الشيء الثاني: ما جاء في الحديث النبوي الشريف مما يؤكد معنى الوضاءة ومعنى التعبد، وأن الوضوء وضاءة حساً ومعنى، أي: نظافة ظاهراً وباطناً، فقد جاء في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: (إن العبد إذا توضأ فمضمض واستنثر خرجت ذنوبه من فِيه ومن أنفه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل وجهه خرجت ذنوبه من وجهه مع الماء أو مع آخر قطر الماء ...) إلخ، وهكذا اليدان والقدمان.

    وأمور النظافة ليست لها علاقة بتكفير الذنوب.

    كما أنه قد ينفرد الوضوء عن النظافة، فلو أن إنساناً دخل الحمام واتخذ كل وسائل النظافة، وعندما أراد أن يتنشف مس فرجه، فإن عليه أن يتوضأ، مع أنه في غاية ما يكون من النظافة والوضاءة حساً.

    فالوضوء عبادة، وعليه فتشترط فيه النية، وكذلك الغسل، وإن كان عند الأحناف مناقشة في ذلك، حيث يشترطون النية في التيمم ولا يشترطونها في الوضوء والغسل، ويقولون في التيمم: إنه أمر تعبدي، فلا ندري الكنه ولا الغرض من كون الإنسان يعفّر وجهه ويديه بالتراب، فإذا عقلنا الحكمة في الوضوء وفي الغسل لم نعقل حكمة تعفير الوجه بالتراب، فيشترطون النية في التيمم، ولا يشترطونها في الغسل.

    فالوضوء أمر تبعدي، وهو عبادة.

    الوضوء من سنن المرسلين

    يتفق العلماء على آية الوضوء: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ .. [المائدة:6] إلى آخرها مدنية نزلت بالمدينة، ولكنهم يقولون: الصلاة شرعت بمكة، وما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة بغير وضوء، فقالوا: كان الوضوء مشروعاً قبل نزول الآية، وكان على الندب، فجاءت الآية وأوجبته، فبعد أن كان مندوباً صار واجباً.

    وبعضهم يقول: كان مشروعاً زمن إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وكان صلوات الله وسلامه عليه يتوضأ بمكة على شرع من قبلنا، وثبت وضوؤه صلوات الله وسلامه عليه بمكة في الحديث الذي فيه أن فاطمة ابنته رضوان الله تعالى عليها دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهي تبكي، فقال: ما يبكيك يا ابنتي؟ قالت: سمعت أنهم يتآمرون عليك ليقتلوك، قال: أوفعلوا؟! ائتيني بوضوئي -أي: بالماء الذي يتوضأ به- فتوضأ وصلى ودعا الله عليهم.

    فهذا إثبات للوضوء قبل المدينة.

    ويقول بعض العلماء: إن جبريل عليه السلام صبيحة ليلة الإسراء والمعراج -لما فرضت الصلوات على النبي صلى الله عليه وسلم، ونزل من صبيحتها لصلاة الظهر، وهي أول صلاة أقيمت بعد الإسراء- علّم رسول الله صلى الله عليه وسلم الوضوء، فتوضأ بتعليم جبريل وصلى.

    ويهمنا أن مشروعية الإيجاب كانت بالمدينة، وأن عملية الوضوء كانت في مكة، وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم ما يبين أن الوضوء كان في الأمم الماضية، وذلك حينما توضأ فغسل أعضاء الوضوء مرة مرة، فغسل وجهه مرة واحدة، ويديه مرة واحدة، ومسح رأسه وغسل قدميه مرة واحدة، وقال: (هذا الوضوء الذي لا يقبل الله الصلاة بدونه)، ثم توضأ فغسل الوجه مرتين، واليدين مرتين، ومسح مرة -لأن المسح لا يكرر على ما سيأتي- ثم غسل القدمين مرتين، ثم قال: (وهذا وضوء من كان قبلنا)، ثم توضأ ثلاثاً ثلاثاً وقال: (وهذا وضوئي ووضوء أمتي)، فأخذوا من هذا أن الوضوء مشروع من قبل.

    ويمكن القول بأن جميع أركان الإسلام كانت موجودة من قبل، فقد قال تعالى لبني إسرائيل: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43]، وقال تعالى عن عيسى عليه السلام: ?وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً [مريم:31]، وقال تعالى لإبراهيم: وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [الحج:26]، فوجدنا أن الصلاة سابقة.

    وفي الصيام يقول تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:183]، وفي الحج يقول تعالى: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً [الحج:27]، وهذا النداء لإبراهيم.

    ثم يصرح صلوات الله وسلامه عليه فيقول: (كأني بموسى بن عمران على جمل أورق رحاله الليف يجأر إلى الله بالروحاء بالتلبية).

    ومالك يروي أمراً غريباً لم نعرف سره، فعن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه نزل من منى إلى مكة، فمر بواد يقال له: وادي سرر، وبه سرحة -شجرة كبيرة-، وعندها رجل يعرفه جالس عندها، فقال: ما الذي أنزلك هنا؟ قال الرجل: أستظل. فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (بوادي سرر سرحة سُرّ تحتها سبعون نبياً)، وبعض العلماء يقول: (سُرّ) معناه: قطع حبل سرته، وولد هناك، فما الذي جمّعهم، وفي أي زمن؟ الله أعلم.

    وبعضهم يقول: (سُرّ) بمعنى السرور، أي: جاءته النبوة تحت هذه الشجرة، فحصل له السرور بذلك. والله تعالى أعلم، وهذا الأثر موجود، والشراح حاروا في فهمه أو كنهه، والذي يهمنا قوله: (سبعون نبياً).

    كذلك الزكاة، فهي أخت الصلاة. ونقرأ في قصص القرآن قصة أصحاب الجنتين حيث قال تعالى عنهم: إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلا يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ [القلم:17-19].

    وفي الحديث قصة صاحب السحابة مع الرجل الذي كان يمشي في فلاة من الأرض، فسمع صوتاً في السحاب: اسق حديقة فلان. فإذا به يمشي في ظل تلك السحابة إلى أن جاءت إلى أرض حرة صلبة وأمطرت، وتجمع الماء في شرجة، فتبعه فإذا به يجد رجلاً يحول الماء في أحواض له، فقال: سلام الله عليك يا فلان. فنظر إليه وقال: كيف عرفتني وأنت لست من أهل هذه البلدة؟ فمن أين جئت؟ قال: جئت من كذا. قال: ما الذي أعلمك باسمي؟ قال: أخبرني أولاً ماذا تصنع في مزرعتك؟ قال: حتى تخبرني. فأخبره فقال: إن يكن فإني إذا حصدتها قسمت الغلة ثلاثة أقسام، قسم لي ولعيالي، وقسم أرده فيها، وقسم أتصدق به.

    وقضية النفر الثلاثة الذين ابتلاهم الله سبحانه وتعالى، وهم الأقرع والأعمى والأبرص دليل على أن الزكاة كانت مشروعة فيمن قبلنا، فالزكاة موجودة، والحج موجود، والصيام موجود، والصلاة موجودة، والوضوء كان موجوداً.

    وهناك حديث: (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من قبلي، قال: وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً).

    قالوا: وكذلك قضية الراهب الذي اتهمته امرأة، فمكنت راعياً منها فحملت، ثم ألقت هذا الحمل عند صومعة الراهب، وتعرفون قصته لما جاءته أمه تناديه كان يقول: يا رب! أمي وصلاتي. فلم يجبها حتى أنهى الصلاة، وفي ثلاثة أيام تأتيه وهو في الصلاة، ولا يرد عليها من أجل أنه في الصلاة، فقالت: لا أماتك الله حتى ترى وجوه المومسات، فوقع ذلك، فلما اتهموه بالزنا وهدموا صومعته قال: أمهلوني. فتوضأ وصلى ركعتين، وسأل الله أن يبرئه، ثم جاء ونخس الطفل بإصبعه وقال له: من أبوك؟ قال: الراعي فلان، فرجعوا وتأسفوا وقالوا: نبنيها لك من ذهب وفضة، قال: لا، ردوها كما كانت.

    والذي يهمنا ما ذكره العلماء من أن الوضوء كان مشروعاً في الأمم الماضية كما هو مشروع عندنا.

    سماحة الشريعة الإسلامية

    المؤلف هنا -رحمه الله- بدأ الوضوء بأمر غريب، ألا وهو أمر السواك، وهل السواك نظافة أيضاً أم عبادة؟ وهل هو سنة مستقلة، أم من سنن الوضوء؟ وكيف يكون السواك ومتى ولماذا؟ وما هي فضائله؟ وما هي آلته؟

    هذه كلها أبحاث مستوفاة في كتب الحديث، وأوسع ما وجدت إلى الآن في ذلك مؤلف لـابن دقيق العيد، وهو كتاب: (الإمام شرح الإلمام)، وهو مخطوط إلى الآن.

    والسواك يطلق على المصدر العملي، وعلى الآلة التي يستعمل بها، والحديث هنا يحتمل المعنى المصدري العملي أكثر من اسم الآلة، فالمعنى: لأمرتهم بأن يسوكوا أفواههم؛ لأن الغرض في الوضوء هو أثر السواك في الفم، وجاءت أحاديث بعض العلماء فهم منها أنه للنظافة؛ لأن من أوقاته: عند القيام من النوم، وعند الوضوء، وعند القيام للصلاة، وعند طول الصمت، وعند شدة الجوع، وعند كثرة الكلام، فهذه أوقات يذكرون استحباب استعمال السواك عندها.

    وجاءت النصوص في الندب إلى السواك، سواءٌ مع الوضوء أم مع الصلاة أم مطلقاً عن هذه الأوقات، فجاء عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها أنها سئلت: ماذا كان يبدأ به صلى الله عليه وسلم إذا دخل البيت؟ قالت: (كان أول ما يبدأ به السواك)، وليس هناك وضوء ولا صلاة.

    وأما الحديث هنا: (لولا أن أشق على أمتي) فإن (لولا) حرف امتناع لوجود، فيمتنع جوابها لوجود مانعه، تقول: لولا وجود زيد لهلك عمرو، فامتنع هلاك عمرو لوجود زيد، وكذلك قوله: (ولولا أن أشق.. لأمرت)، فامتنع الأمر لوجود المشقة، وكونه لم يحصل الأمر لم يلغ السواك، فالذي لم يحصل هو الإيجاب الذي يترتب عليه حصول المشقة، فبقي ما بعد المشقة وبعد الوجوب، وهو الندب، وكأن الحديث في عمومه يقول: السواك مطلوب، ولولا المشقة لأوجبته عليكم، فقال: (لولا أن أشق)، فأسند فعل المشقة إلى نفسه صلى الله عليه وسلم، وهل هو الذي يأتي بالأحكام من عنده، فيشق على الناس أو يخفف؟

    قالوا: نعم، له حق التشريع مستقلاً، وهو كما وصفه سبحانه بقوله: (بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128].

    ومن الأمثلة في تشريعه صلى الله عليه وسلم مع كتاب الله: حينما بين سبحانه وتعالى المحرمات في النكاح فقال: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ [النساء:23] فأضاف إليه صلى الله عليه وسلم فقال: (لا تنكح المرأة مع عمتها ولا مع خالتها)، فالقرآن ما جاء بهذا، ولكن جاء به صلى الله عليه وسلم.

    ولذا قال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي [آل عمران:31] فالله أعطاه حق التشريع، قال تعالى: وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ [الحشر:7] وسواء أتانا به من عند الله أو أتانا به من عنده فقد قال تعالى: وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى [النجم:3]، فقوله: (لولا أن أشق) أي: بما أعطاه الله، سواءٌ أكان وحياً مكتوباً أم وحياً إلهاماً.

    يقولون: أصل المشقة من (الشق)، فعندما تمشي في أرض مشققة يصعب عليك أن تتفادى الخطأ فيها من كثرة شقوقها، فإذا ما كانت ملتئمة سهل المشي عليها، فكذلك المشقة، فكأنك تجاهد تلك الشقوق في الأرض حينما تسير عليها، والمشقة هي ما يصعب على الإنسان، ولهذا يقول الشاعر:

    لولا المشقة ساد الناس كلهـم الجود يفقر والإقدام قتال

    وأعظم مناقب العرب ومفاخرهم في الكرم والشجاعة، وكلا الأمرين فيه مشقة؛ لأن الجواد فقير، كما قيل:

    لا تنكري عطل الكريم من الغنى فالسيل حرب للمكان العالي

    فالكرماء لا يبقى عندهم شيء؛ لأن ما بيده لغيره، والإقدام قتال، فإذا أقدم في الجيش بالشجاعة قتل، وكلاهما فيه مشقة.

    وهو صلوات الله وسلامه عليه في منهجه في التشريع ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما؛ لأن هذه الشريعة السمحة ما جاءت مؤقتة لنتحملها وقتاً قليلاً ونصبر عليها، وإنما جاءت أبدية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فإذا كان الأمر كذلك فلما قيل: إذا أردت أن تطاع فأمر بما يستطاع.

    ومن هنا -كما قال الفقهاء-: كانت (المشقة تجلب التيسير)، فكل ما سمعت أو رأيت من مشقة في تكليف شرعي تجد بجانبها الرخصة والتخفيف.

    ففي الوضوء إذا شق على إنسان استعمال الماء خفف عنه واستعمل التيمم، وإذا شق على إنسان القيام في الصلاة خفف عنه وجلس، والصيام إذا شق على إنسان مريض أو مسافر خفف عنه، كما قال تعالى: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184]، وهكذا الحج على المستطيع، والجهاد، قال تعالى: لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ [النور:61].

    فلعدم وجود الأمر صار السواك مندوباً، ولو أمر صلى الله عليه وسلم لكان واجباً، ومن هنا يقول العلماء: الأمر يقتضي الوجوب؛ فإنه بين هنا أنه لولا المشقة لأمر، إذن الأمر يقتضي الفعل ولو جلب المشقة، لكنه لم يأمر دفعاً للمشقة، فبقي على الندب.

    لفظ (الأمة) والمعاني الواردة فيه

    قوله: (لولا أن أشق على أمتي) يقولون: (الأمة) تطلق على عدة معان، منها الجماعة، ومنها الراية، ومنها الشخص القدوة، كما قال تعالى: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً [النحل:120]، وتطلق على الراية لأنها الأم والكل يتبعها، وتطلق على المدة من الزمن لأنها مجموعة، وتطلق على الجماعات التي يجمعها وصف عام أو ترتبط بمبدأ، فيقال مثلاً: أمة العلماء، أمة الصناع، أمة التجار، وهكذا في المخلوقات الأخرى، فذوات الجناح أمة، وذوات الأربع أمة، والأمة الإسلامية هي أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

    وفي اصطلاح العلماء الأمة قسمان:

    أمة دعوة تشملها الرسالة المحمدية، فمن آمن ومن لم يؤمن مدعو بها.

    وأمة الإجابة التي استجابت لله وللرسول، فقوله هنا: (لولا أن أشق على أمتي) هل يشمل الأمة بكاملها -أي: أمة الدعوة- أم أنه قاصر على أمة الإجابة؟

    الجمهور على أنها أمة الإجابة؛ لأنها محل الأمر والنهي.

    وأما أمة الدعوة فقالوا: هي داخلة في الأوامر والنواهي، ولكن لا يقبل منها شيء حتى تدخل في أمة الإجابة، كما قال تعالى: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً [الفرقان:23]، وقال تعالى: فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [الكهف:110]، فقوله: (أمتي) يحمل على أمة الإجابة، وهي محل الشفقة ورفع المشقة.

    قوله: (لأمرتهم)، الأمر -كما يقولون-: هو ما صدر من أعلى إلى أدنى، وإذا كان من أدنى إلى أعلى فهو دعاء، كقول المؤمنين: رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا [البقرة:286]؛ فإن (واعف) صفة أمر، لكنه موجه من الأدنى إلى الأعلى، فهو دعاء وطلب العفو من الله سبحانه وتعالى.

    وإذا كان من المساوي فهو التماس.

    المراد بالسواك فعلاً وآلة

    السواك قيل: هو الفعل. وقيل: هو الآلة التي يستاك بها، أما الفعل فإنهم يقولون: إنه يستحسن أن يسوك أسنانه عرضاً، فيبدأ بالأيمن فالأيسر، وقيل: بالأعلى إلى غير ذلك من الصور، وكيفما كان فقد حصل المقصود، أما الآلة فإنهم يقولون: بأي عود كان، لكن يستثنى من ذلك الريحان والقصب؛ لأنه يؤثر على اللثة ويجرحها، ويستحبون عود الأراك لأنه أكثر استعمالاً، وكيفما كان أجزأ، بل إنه -كما عند الشافعية- لو لم يجد عوداً وأخذ خرقة خشنة كصوف ونحوه ولفه على إصبعه ودلك به أسنانه أجزأ ذلك، وإذا لم يجد الخرقة ودلك بإصبعه جاء، كما جاء في الحديث: (يشوص أسنانه بإصبعه).

    فعلى هذا يكون السواك من حيث الآلة إنما هو أي شيء يستعمله الإنسان، وكأني بإنسان يريد أن يسأل عن الفرشاة أهي داخلة في هذا المعنى أم لا؟

    والجواب: إذا نظرنا إلى الغرض من استعمال السواك، وهو كما في الحديث: (مطهرة للفم مرضاة للرب) فأي شيء طهر الفم فإنه يؤدي المهمة، ولكن ما كان عليه السلف فهو أولى وأصح طبياً.

    وأحب أن أحذر من استعمال الفرشاة، فإن لها أنواعاً من النايلون وأنواعاً من الشعر، والتي من النايلون إذا كان النايلون فيها صلباً فإنه يجرح اللثة، وبعض الأشخاص يخطئ فيغسلها بالماء الحار، والماء الحار يقلص هذا النايلون فيعود على اللثة بالجراح، أو يفقد الصلاحية، بل يغسلها بالماء البارد حتى لا يؤثر على شعيراتها.

    أما عود الأراك فإنه قد اتفق طبياً الآن بأن في قشره ما يسمى عندهم: (حمض التنّيك) فهذا الحمض من طبيعته أنه يقلص اللحم، فإذا ما جاء إلى اللثة يجعلها تتقلص وتعتصر فتخرج الرطوبة منها، خاصة إذا كان جديداً، والكل يجرب هذا، فإذا أخذ عوداً من الأراك جديداً وقضمه بأسنانه فإن ما يتحلل من القشرة في فمه ويصل إلى اللثة يجعل اللثة تتقوى بإخراج الرطوبات الموجودة فيها.

    ووجدت في كتاب (القرى لقاصد أم القرى)، وفي (تهذيب الآثار) للطبري بأن من فوائد عود الأراك أنه لو طبخ وشربته المرأة قرب مجيء الدورة الشهرية يوقفها، وكان النساء يستعملنه في الحج مخافة مجيء الدورة قبل طواف الإفاضة فتحبس أصحابها، وفعله جملة من النسوة برفقة عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما.

    حكم السواك

    قال (لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء) وفي رواية: (عند كل صلاة).

    الرواية عندنا هنا: (مع كل وضوء)، يقولون: كان الوضوء في السابق لكل صلاة أحدث أم لم يحدث، إلى أن طاف النبي صلى الله عليه وسلم بالكعبة عام الفتح، فصلى عدة صلوات بوضوء واحد، فسأله عمر رضي الله تعالى عنه، فقال: (يا رسول الله! رأيتك تفعل شيئاً ما كنت تفعله من قبل، قال: عمداً فعلته يا عمر) أي أنه جمع عدة صلوات بوضوء واحد، وأصبح الأمر كما في الحديث: (لا يقبل الله صلاة من أحدث إلا بوضوء)، وأصبح الوضوء لمن أحدث، أما إذا توضأ وبقي على وضوئه ولم يحدث ناقض للوضوء فإنه يصلي بالوضوء الواحد عدة صلوات.

    فكان في السابق كل صلاة لها وضوء، فيبقى قوله: (مع كل وضوء) و(مع كل صلاة) متلازمان، وينبه بعض العلماء أن ظاهر هذا النص أن الشخص لو توضأ للطواف، أو توضأ لقراءة القرآن، أو توضأ لذكر الله، أو توضأ لنافلة وهو متطهر يشمله هذا الحديث: (مع كل وضوء).

    فالسواك مطلوب مع كل وضوء، سواءٌ أكان هذا الوضوء لصلاة أم لذكر.

    فهذا ما يدل عليه هذا الحديث، والجمهور على أن السواك سنة في الوضوء، وذهب بعض العلماء -من غير الأئمة الأربعة- فقال: هو واجب. وقيل: واجب في ذاته، وقيل: واجب في الوضوء وشرط في صحة الصلاة، فمن لم يستعمل السواك عند الوضوء لا تصح صلاته، وهذا -كما قالوا- شاذ وغريب، ولكنه مع ظاهر النص.

    والجمهور على أن السواك مندوب إليه لهذا الحديث؛ فإنه لولا المشقة لأوجبه صلى الله عليه وسلم عليهم، فإذا انتهى الوجوب لوجود المشقة بقي الندب، والله تعالى أعلم.

    استحباب السواك للصائم

    مباحث السواك طويلة، فقوله: (مع كل وضوء) وإخبار عائشة رضي الله عنها بأن أول ما كان يبدأ به عند دخوله البيت السواك يدلان على عدم ترديد السواك بوقت، فإذا قلنا: أن الوضوء كان لكل صلاة فيتكرر خمس مرات، وأما دخوله صلى الله عليه وسلم البيت فليس هناك تحديد لوقته.

    ومن هنا أخذ الجمهور أن السواك مندوب للصائم، وأن الصوم لا يمنع السواك؛ لأنه عند كل وضوء، والوضوء قطعاً كان خمس مرات؛ لأنه ما جمعت الصلوات بوضوء واحد إلا عام الفتح، وعام الفتح سنة ثمان، ولم يخالف في هذا إلا الشافعي رحمه الله، وذلك لوجه نظر إليه الشافعي من جانب، والجمهور نظروا إليه من جوانب أخرى:

    أما الجانب الذي نظر إليه الشافعي رحمه الله فهو ما يأتي في كتاب الصيام في فضائل الصوم، حيث يقول صلى الله عليه وسلم: (لخلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك)، فيقول الشافعي رحمه الله: الخلوف هو ما يصعد من المعدة من الأبخرة، ولخلوها تكون هناك رائحة هي الخلوف، وهذه الرائحة تستقذر عند الناس جميعاً، فهذا الخلوف المستقذر عند الناس هو عند الله أطيب من ريح المسك، فيقول الشافعي رحمه الله: ما دام الأمر كذلك اتركه. والجمهور يقولون: ما دامت مهمة السواك مطهرة للفم من هذا الخلوف وأمثاله فإنه يستعمل؛ لأنه يتغير فمه إذا قام من النوم، وإذا طال صمته عن الكلام، وإذا أكل شيئاً له رائحة، ثم إنه مرضاة للرب.

    ويدل على ذلك عموم الأحاديث في السواك، كقوله: (عند كل وضوء)، و(مع كل صلاة)، واستياكه صلى الله عليه وسلم إذا دخل البيت، وجاء في مجمع الزوائد أن عثمان رضي الله تعالى عنه -أو غيره- لما سئل عن السواك بعد الزوال قال: (لم يأمرنا الله أن ننتن أفواهنا).

    وجاء في الأثر: (الفم طريق القرآن -أو مجرى القرآن- فطيبوا مجاريه)، وجاء: (إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنسان)، وأن الإنسان إذا قرأ القرآن جاء الملك ووضع فاه عند فيه يتلقى القرآن، فيتأذى إذا وجد خلوفاً أو رائحة غير طيبة.

    وقال الجمهور: استعمال السواك عند الوضوء لا يقطع الخلوف؛ لأن الخلوف ليس من بقايا الطعام بين الأسنان، فهذا يذهب في أول مرة، ولكنه الأبخرة المتصاعدة من المعدة إلى الفم، ففي كل لحظة يتنفس فيها يأتي الخلوف، فإذا استعمل السواك لصلاة الظهر فبعد لحظات يجيء الخلوف، وإذا استعمل السواك لصلاة العصر فبعد لحظات يجيء الخلوف، ويبقى ريح المسك، ويجمع بين الحسنيين.

    وبالله التوفيق.