إسلام ويب

سلسلة تفسير سورة يوسف [4]للشيخ : مصطفى العدوي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • صبر يوسف عليه الصلاة والسلام في السجن، وكانت العقبى هي الوزارة والملك وإظهار براءته على الملأ بأنه سجن بلا سبب يظهر للناس، وأبدله الله بالعبودية الملك والتمكين في الأرض، إذ هو أهل لكل ذلك ولا شك، وهذه سنة الله تعالى مع كل عبد صالح.

    1.   

    رؤيا الملك وتعبيرها

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله عليه وسلم الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    أما بعد:

    فيقول الله سبحانه وتعالى: وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ [يوسف:43]، هذا يقوله ملك مصر لملئه وحاشيته، إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ ، أي: في رؤيا منامية، يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ ، أي: ضعاف هزال، وهذا منظر ملفت للنظر: أن يرى شخص رؤيا مؤداها: أن سبع بقرات هزال يأتين على سبع سمان فيأكلنهن.

    وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ [يوسف:43]، والملأ: هم الأشراف، أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ [يوسف:43]، أي: أولوا لي رؤياي وعبروها لي، إِنْ كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ [يوسف:43]، إن كنتم من أهل العلم بتعبير الرؤى، لكنهم قالوا مقولة من لا علم له بهذا الباب: قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ [يوسف:44]، ومرادهم بالأضغاث: الأخلاط، أي: أخلاط من التي تأتي المرأ في نومه، والضغث: هو الخليط، والضغث أيضاً جاء في قوله تعالى: وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ [ص:44]، وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلامِ بِعَالِمِينَ [يوسف:44]، وهذه رؤيا قد ساقها الله إلى هذا الملك لأمر يريده ويدبره الله سبحانه، فالله هو الذي يدبر الأمر من السماء إلى الأرض.

    إرسال الملك الرسول إلى يوسف

    حينئذ: وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا [يوسف:45]، أي: من الفتيين اللذين كانا مع يوسف صلى الله عليه وسلم؛ ففيه دليل على أن رؤيا يوسف عليه الصلاة والسلام قد تحققت، وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ [يوسف:45]، أي: تذكر بعد أمة، والأمة هي المدة الزمنية، وأحياناً تطلق الأمة على معانٍ أخر، منها: الجماعة من الناس، كما في قوله تعالى: فوَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ [القصص:23]، وتطلق الأمة أيضاً على الملة، كما في قوله تعالى: وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً [المؤمنون:52]، على رأي كثير من المفسرين، أي: ملتكم ملة واحدة، وتطلق الأمة كذلك على الرجل الحنيف العاقل، كما في قوله تعالى: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً [النحل:120]، وهنا تطلق الأمة على المدة الزمنية؛ فالكلمة الواحدة من كتاب الله تتعدد معانيها، وينبغي أن تفسر في كل سياق بالمعنى المناسب لها، وإلا حدنا عن طريق الجادة في التأويل والتعبير والبيان.

    قال الله سبحانه: وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ [يوسف:45]، أي: فأرسلوني إلى يوسف في السجن واسمحوا لي بزيارته، فأفاد السياق أنهم أذنوا له وأرسلوه، فانطلق قائلاً: يُوسُفُ [يوسف:46]، أي: يا يوسف! أَيُّهَا الصِّدِّيقُ [يوسف:46]، أي: يا أيها الصديق! يا من بشرتني بالنجاة، وفيه ثناء على الشخص بين يدي الطلب منه.

    تعبير يوسف لرؤيا الملك

    يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ [يوسف:46]، أي: في رؤيا مؤداها: سبع بقرات سمان، يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ [يوسف:46]، أي: هزال ضعاف، وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ [يوسف:46]، فيوسف صلى الله عليه وسلم قد علمه من قبل التوحيد وأظهر له أمر الدين والمعتقد، فالمقام حينئذٍ مقام دخول مباشر في تأويل الرؤيا، ولم يشترط يوسف للتأويل شرطاً، وهذا من كرم يوسف صلى الله عليه وسلم، وقد ورد بإسناد مرسل -والمرسل من قسم الضعيف- من طريق عكرمة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لقد عجبت والله من كرم أخي يوسف وفضل أخي يوسف، لما أتاه السائل يسأله: أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، عبر له الرؤيا، ولو كنت مكانه لاشترطت الخروج من السجن، والله يغفر له، ) .. (ولقد عجبت والله من كرم أخي يوسف وصبر أخي يوسف والله يغفر له، لما أرسل إليه الملك قائلاً: ائتوني به! قال: ارجع إلى ربك، ولو كنت مكانه لأجبت الداعي)، وهذا الخبر مرسل كما سمعتم، وسيأتي بعضه متصلاً.

    قال الصديق يوسف صلى الله عليه وسلم مفسراً الرؤيا ومعبراً لها: قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا [يوسف:47]، أي: متصلة متواصلة، تثمر فيها الأرض باستمرار طول السبع سنين، فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ [يوسف:47]، أي: فاتركوه في سنبله، وهذا من فن علم التخزين، فكتاب ربنا ما فرط الله فيه من شيء، فإن أصول العلوم في كتاب الله.. فأصل علم الحدادة في قوله: أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ [سبأ:11]، والهندسة والفواخير في كتاب الله: وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ [سبأ:13]، وكذلك قول الله تعالى: صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ [الرحمن:14]، وأصل علم الزراعة كذلك في كتاب الله، وأصول الصنائع كلها في كتاب الله، وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام.

    قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ [يوسف:47]، أي: اتركوه مخزنين له في السنبل، إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ [يوسف:47]، ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ [يوسف:48]، أي: قحط شديد، يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ [يوسف:48]، أي: تدخرون، ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ [يوسف:49]، أي: يأتيهم الغيث، وَفِيهِ يَعْصِرُونَ [يوسف:49] أي: يعصرون العنب فيصبح خمراً، ويعصرون القصب فيصبح سكراً.

    هكذا فسر يوسف صلى الله عليه وسلم هذه الرؤيا للمك: تزرعون سبع سنين متصلة، فما حصدتم فذروه في سنبله، فهو يعلمهم كذلك ولا يكتفي بالإخبار، فهل يجوز من ذلك بيان وجوه الانتفاع للكفار؟ استدل به على جواز ذلك؛ لأن يوسف عليه السلام علم الكفار ما ينفعهم وينقذهم من المجاعات، فعندئذ يجوز مثل هذا ما لم يكن الكافر محارباً، وسيأتي في ذلك مزيد بحث إن شاء الله تعالى.

    فيوسف أوَّل الرؤيا وعملهم كذلك طريقة العلاج أثناء هذه السنوات: قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ [يوسف:47-49].

    مشروعية دفع الشبهات عن النفس

    أعجب الملك بهذا التأويل إعجاباً شديداً، فأرسل ليوسف صلى الله عليه وسلم قائلاً: ائْتُونِي بِهِ [يوسف:50]، فلم يتعجل يوسف صلى الله عليه وسلم الخروج، بل قال لرسول الملك: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ [يوسف:50]، هكذا أراد يوسف صلى الله عليه وسلم أن يبرئ ساحته قبل الخروج، فأخذ من ذلك مشروعية دفع الشبهات التي ترد على الشخص، ولهذا أصل عن رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم بل أصول؛ فمن ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتته زوجته صفية بنت حيي تزوره في معتكفه، فقضت معه ساعة، ثم خرج معها يقلبها إلى دارها، وكان بيتها قريباً من دار أسامة بن زيد، فبينا هو على باب المسجد إذ مر به رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم أسرعا، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: (على رسلكما إنها صفية)، فقالا: سبحان الله يا رسول الله! فقال عليه الصلاة والسلام: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئاً، أو قال: شراً)، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يدفع الشبهة عن نفسه حتى لا يظن به أحد الظنون، فأبان للصحابيين الجليلين أن المرأة التي معه إنما هي صفية بنت حيي .

    وكذلك أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجلان يقضي بينهما في مسألة العسيف المشهورة، فقال أحدهما: (يا رسول الله! إن ابني كان عسيفاً عند هذا الرجل -أي: أجيراً عنده- فزني بامرأته، وإني قد أعطيت هذا الرجل مائة شاة ووليدة -أي: أمة فداء لابنه- ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني بغير ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم -وأقسم حتى يقذف في قلبيهما اليقين بالحكم الذي سيصدر- قال: والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله تعالى: الشاة والوليدة رد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا؛ فإن اعترفت فارجمها، فاعترفت فرجمها).

    ومن ذلك أيضاً: سرور النبي صلى الله عليه وسلم الزائد؛ فقد دخل النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم مسروراً تبرق أسارير وجهه من السرور، فسألته عائشة رضي الله عنها عن سبب سروره، فقال: (يا عائشة ! أما شعرت أن مجززاً المدلجي نظر آنفاً إلى زيد وأسامة فقال: إن بعض هذه الأقدام لمن بعض)، ومجزز هذا رجل قائف، أي: يقف الآثار، ويعرف قدم هذا من قدم ذاك، ويد هذا من يد ذاك، وكان زيد بن حارثة وابنه أسامة نائمين وغطيا أجسامها وبدت أرجلهما، وكان زيد -كما هو معلوم- أبيض شديد البياض، أما أسامة فكان أسود شديد السواد، فمن ثَم كان البعض يغمز في أسامة ، فأتى مجزز المدلجي ورجل أسامة بادية وهي سوداء، ورجل زيد بادية وهي بيضاء، فقال مجزز : أشهد أن هذه الرجل من تلك الرجل، أي: أن هذا ولد لذاك، فسر النبي صلى الله عليه وسلم لدفع الشبهة عن أسامة بن زيد رضي الله عنه.

    فكهذا ينبغي للشخص -خاصة من سيتقلد منصباً كيوسف صلى الله عليه وسلم- أن يبرئ ساحته حتى لا يتهم، وأن يبعد الظنون عن نفسه، فهذا مقصد شرعي، فلذلك لما أرسل الملك رسوله قائلاً: (ائْتُونِي بِهِ)، لم يتعجل يوسف ولم يتسرع، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم مثنياً عليه في هذا الصنيع: (لو لبثت ما لبث يوسف لأجبت الداعي)، وفي رواية: (ثم أتاني الداعي لأجبته)؛ ففي هذا ثناء على يوسف عليه الصلاة والسلام، ومن العلماء من يقول: إن الشخص إذا لم يكن يتحمل السجن وأتاه الداعي فليخرج، وحمل حديث النبي صلى الله عليه وسلم على هذا.

    استدعاء الملك ليوسف

    قال الله تعالى: وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ [يوسف:50]، والناظر إلى هذه الآية الكريمة وما سلف يتبين له بوضوح وجلاء: أن جمال يوسف صلى الله عليه وسلم كان سبباً في دخوله السجن.. جماله ثم عفته وطهارته، لكن علمه الذي آتاه الله إياه كان سبباً في إخراجه من السجن، فيظهر حينئذ فضل العلم على الجمال، وكذلك في مواطن أخر يظهر فضل العلم على المال، قال الله: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا [طه:114]، وقال: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا [البقرة:269]، وقال في الدنيا برمتها وما يُؤتاه ابن آدم فيها: فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ [التوبة:38].

    فمن ثم قال الله سبحانه وتعالى: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا [طه:114]، ولا يخفاكم -معشر الإخوة- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)، وقال: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه)، ومن هنا تظهر فائدة العلم.

    قال الله سبحانه وتعالى: وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ [يوسف:50]، أي: ارجع إلى سيدك الملك، فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ [يوسف:50]، ولم يقل: فاسأله ما بال امرأة العزيز؟ فالتعميم أولى من التخصيص؛ لأن التعميم أولى وأبعد عن التجريح والإهانة من التخصيص، ومن ثم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمع من رجل شيئاً وأراد أن يخطب في الناس خطب فقال: (ما بال أقوام يصنعون كذا وكذا)، ولا يسمي هذا الشخص باسمه، عليه الصلاة والسلام.

    فمن ثم قال يوسف عليه الصلاة والسلام معمماً غير مخصص: فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ أي: ما شأنهن، إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ [يوسف:50]، فسألهن الملك كما أفاده السياق، قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ [يوسف:51]، أي: ما شأنكن إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ [يوسف:51]، مظهرة للحق ومجلية له، ومعترفة بالذنب: الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ [يوسف:51]، اعترفت هذه المرأة بالحق الذي كان من أمرها مع يوسف صلى الله عليه وسلم، وهكذا ينصر الله سبحانه وتعالى الفضيلة، وهكذا ينصر الله الفضلاء، فهي تثني على من امتنع عن فعل الفاحشة معها، وثَم نساء يلعنَّ من فعل الفاحشة معهن، وثم نساء وفتيات يتلذذن لحظة من اللحظات بالفاحشة، ثم بعد ذلك يلعن من ارتكب معهن الفاحشة في الدنيا قبل أن يأتي يوم القيامة، يوم يقوم الناس لرب العالمين، لكن ينصر الله الفضيلة، ويعز الله أهلها دائماً.

    تبرئة الله للصالحين في كل موطن

    قالت امرأة العزيز مبرأة ليوسف صلى الله عليه وسلم: الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ [يوسف:51]، أي: وضح الحق وتبين، أَنَا رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ [يوسف:51]، مفاد كلامها: أنها هي التي من الكاذبين، فحينئذ أظهرت الحق جلياً واضحاً، وكل ذلك بإذن الله، وكل ذلك نصرة من الله للمظلوم، وتبرئة من الله سبحانه وتعالى للمظلوم، وهكذا ينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم، فليهدأ بالاً كل مظلوم فإن الله سبحانه وتعالى سيبرئه، كما برأ مريم مما اتهمت به، إذ قال لها قومها: يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا [مريم:27]، يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا [مريم:28]، فبرأها لله وأنطق لها وليدها في المهد قائلاً: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا [مريم:30-31]، وكما برأ الله سبحانه وتعالى عائشة رضي الله عنها مما اتهمت به من الإفك والبهتان في حديث الإفك في آيات تتلى في المحاريب.

    وبرأ الله جريجاً العابد كذلك؛ فقد أتته إحدى المومسات، وقالت لقومها: لأفتنن جريجاً ، فذهبت إليه تدعوه إلى البغاء معها، فأبى عليها وامتنع، فأمكنت نفسها من راعي للغنم، فحملت منه وولدت، فأتاها قومها وقالوا لها: من أين جئت بهذا الولد؟ قالت: من جريج ! فجاءوا إليه وأنزلوه من صومعته وضربوه وآذوه، وهدموا الصومعة، فقال: ائتوني بالطفل، فأتي به، فقال له: يا غلام من أبوك؟ قال: أبي الراعي! وبرأ الله جريجاً بذلك، فبنوا له صومعته وقالوا: إن شئت أن نبنيها من ذهب فعلنا، فقال: لا أعيدوها كما كانت.

    وبرأ الله سبحانه وتعالى زيد بن أرقم لما نقل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم مقولة أهل النفاق؛ إذ قال عبد الله بن أبي ابن سلول : لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ [المنافقون:8]، فجاء ابن أبي وأنكر ذلك أمام الرسول صلى الله عليه وسلم، فشق ذلك على زيد بن أرقم ، فأنزل الله تبارك وتعالى: يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ [المنافقون:8]، وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى زيد بن أرقم يقول له: (إن الله قد صدقك يا زيد)، وبذلك كانت الأنصار تفتخر فتقول: (ومنا الذي أوفى الله له بأذنه) أي: صدق الله له أذنه.

    وكذلك كانت ثَم جارية زمن عائشة رضي الله عنها تأتي عائشة فتقول:

    ويوم الوشاح من تعاجيب ربنا ألا إنه من بلدة الكفر نجاني

    وكانت تكثر من ذلك، فسألتها عائشة رضي الله عنها عن سبب قولها لهذا البيت، فحكت لها ما هذا معناه: أنها كانت عند قوم، ففقدوا وشاحاً من ابنتهم، فاتهموا به الجارية، قالت: ففتشوا كل شيء فيّ حتى فتشوا قبلي، قالت: وبينما هم كذلك إذ جاءت حديّة فألقت الوشاح علي وهم يفتشونني، فأظهر الله عز وجل براءتي. وهكذا ينجي الله المتقين، وهكذا يبرئ الله ساحة المظلومين، وإن كان هذا في الدنيا فهو في الآخرة آت يقيناً لا محالة، فربنا سبحانه ينصر أولياءه ويبرئ ساحاتهم.

    تفسير قوله: (ذلك ليعلم أني لم أخنه...)

    قال الله تعالى: ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ [يوسف:52]، قوله: ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ هل هو استمرار لمقولة المرأة، أي: أنها تحرص على إرضاء يوسف في غيابه؟ هذا ما قال به فريق من المفسرين، أم هو قول يوسف عليه السلام: أي أني لم أخن سيدي بالغيب في امرأته؟ وهذا له وجه كذلك، ومن العلماء من استظهر له بنماذج من كتاب الله، وأن قول يوسف عليه السلام كقول الكفار: يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ [يس:52]، أي أن الملائكة تجيبهم إذ قالوا: مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا ؟ هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ، فهنا تحول في الخطاب، وكذلك في قول الله تعالى: قالت ملكة سبأ: إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ [النمل:34]، فهل قوله: وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ من قول المرأة، أم إقرار من الله لها؟ فيه وجهان لأهل العلم، ونحو ذلك: إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ [الشعراء:34-35]، فقول: فَمَاذَا تَأْمُرُونَ هل هو من قول فرعون مستمراً في قوله، أم هو قول الملأ من قومه؟ لما قال لهم: إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ ، أجابوه بقولهم: فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ؟ على لهجة من يعظمون الملوك ويخاطبونهم بلفظ الجمع.

    فقوله تعالى: وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ [يوسف:52] هل هو قول المرأة أو قول يوسف؟ فيه وجهان لأهل العلم:

    الوجه الأول: أن المرأة تحرص على إرضاء يوسف في غيابه، وتريد كذلك أن تكون وفية أمام يوسف عليه السلام.

    والوجه الثاني: أنه من قول يوسف حتى يبرئ ساحته ولا يكون قد خان سيده الذي كان يعمل عنده، وكما تقدم: أن تبرئة الساحات مطلوب خاصة لمن سيتقلد عملاً من الأعمال المهمة التي تهم العموم، والله أعلم.

    وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ، ولا يوفق الخائن في تدبيره وسعيه، وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي [يوسف:53]، هل هو قول يوسف أو قول المرأة؟ فيه قولان كذلك: فمن العلماء من قال: لما سمع يوسف ذلك قال: وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ، ومنهم من قال: إن المرأة ما زالت مستمرة في تخطئة نفسها وإظهار براءة يوسف صلى الله عليه وسلم.

    إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ [يوسف:53]، وهم قليل، وغفور: أي كثير المغفرة رحيم بخلقه، فباب التوبة دوماً مفتوح، فليقبل على الله كل مذنب، وليقلع عن ذنبه، وليقبل إلى الله كل ظالم وليقلع عن ظلمه.

    1.   

    تمكين الله ليوسف في الأرض

    لما سمع الملك هذه الشهادة الطيبة من هؤلاء النسوة عموماً، ومن امرأة العزيز على وجه الخصوص، كل ذلك لما سمعه الملك بوضوح وجلاء، وبلا تدليس وغش، قال على إثر ذلك: ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي [يوسف:54]، أي: أجعله مستشاراً خاصاً بي أستشيره في أموري، فَلَمَّا كَلَّمَهُ [يوسف:54]، إن يوسف عليه السلام قد رفع الله قدره في الدنيا فضلاً عن الآخرة.. أتى يوسف إلى الملك من سجنه، وكلم يوسف الملك، وكلم الملك يوسف صلى الله عليه وسلم إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ [يوسف:54]، أي: عندنا ممكن أمين، أي: لك مكانة ووجاهة ومستأمن.

    وحينئذٍ سأل يوسف صلى الله عليه وسلم عملاً عند هذا الملك -وهو كافر- لمصلحة عامة يراها صلى الله عليه وسلم، ولأمر يريده الله سبحانه وتعالى.

    حكم العمل عند الكافر لمصلحة

    وهنا يرد بحث: هل يسوغ لمسلم أن يؤاجر نفسه من مشرك؟

    والجواب فيه تفصيل: فإن كان هذا العمل عند المشرك فيه إهانة لدين المسلم، فلا يسوغ له أن يعمل عنده. أما إذا لم يكن فيه إهانة وكان العمل في نفسه مشروعاً، فلا بأس بهذا العمل، فقد أورد البخاري في صحيحه باباً: (هل يؤاجر المسلم نفسه من مشرك في أرض الحرب؟) وأورد حديث خباب بن الأرت قال: كنت قيناً في الجاهلية، فعملت للعاص بن وائل ، ثم جئت أتقاضاه فقال: لن أقضيك حتى تكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، ومعنى قيناً: أي حداداً، والعاص بن وائل هو العاص بن وائل السهمي والد عمرو بن العاص ، قال: فقلت له: لا والله لا أكفر بمحمد حتى يميتك الله ثم ييحيك، قال: أو أنا ميت ثم حي؟ قلت: نعم، ستموت ثم تحيا، قال: فعند ذلك أعطيك حقك؛ فأنزل الله تعالى: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا * أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا * كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا * وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا [مريم:77-80]، ففي قوله: (كنت قيناً فعملت للعاص بن وائل) ما يدل على الجواز.

    وقد ورد في هذا الباب أثر عن علي ينظر في إسناده: أنه كان جائعاً ذات يوم فعمل عند يهودي على استخراج ماء من بئر كل دلو بتمرة، فاستخرج إلى أن استجمع تمرات تكفيه، ثم ترك العمل. وهذا لم أبحثه بعد، ثم هو موقوف إن صح على علي رضي الله تعالى عنه.

    ما يشترط توفره في الأجير والعامل

    قال يوسف عليه السلام: اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ [يوسف:55]، لِم؟ قال: إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف:55]، ومن هنا يؤخذ شيء يتعلق بالفقه في العامل الذي يستأجر للعمل، فالعامل الذي يستأجر للعمل ينبغي أن يكون قوياً على هذا العمل، والقوة بحسبها، وينبغي أن يكون أميناً، قال تعالى: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ [القصص:26]، فلزاماً في الأجير أن يتوافر فيه الشرطان: القوة والأمانة، القوة بحسبها، والأمانة معروفة.

    وكشاهد آخر لهذا المعنى الذي ينبغي أن يكون في المستأجر: قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ [النمل:39]، وقال تعالى في شأن جبريل عليه السلام وهو السفير بينه وبين رسله: ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ [التكوير:20]، أي: قوي له مكانة، مطاع هناك في الملأ الأعلى، وأيضاً هو أمين، فَوُصف جبريل بالقوة والأمانة كذلك.

    وهنا يوسف عليه السلام يقول: إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف:55]، حفيظ الأمانة، عليم القوة، وكما سلف فالقوة بحسبها، فقوة الطبيب لا تكون في بدنه بالدرجة الأولى؛ إنما تكمن في قدرته على تشخيص الأمراض، ووصف العلاج المناسب للداء، وقوة المهندس لا تكمن في بدنه بالدرجة الأولى بل في عقله وذكائه وقدرته على التخطيط، وقوة المدرس تكمن في علمه وإيصاله المعلومة إلى طلابه، وقوة العالم تكمن في حفظه وذكائه وعلمه بأحوال الناس، وإعطاء الفتيا المناسبة لكل حال من الأحوال، وهكذا فالقوة بحسبها وبمنزلتها، فقد يكون الشخص قوياً في دينه لكنه لا يصلح في جانب آخر من الجوانب.

    فعلى سبيل المثال: أبو ذر رضي الله عنه في دينه أقوى من خالد بن الوليد رضي الله عنه، وقد قال النبي في أبي ذر : (ما أقلت الغبراء -أي: الأرض- ولا أظلت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر)، ولكن في الإمارة يقول له النبي صلى الله عليه وسلم: (يا أبا ذر ! لا تتأمرن على اثنين، ولا تتولين مال يتيم)، وخالد كان يتولى الإمارة ويؤمره النبي صلى الله عليه وسلم على عدد هائل من فضلاء الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

    قال يوسف عليه السلام: اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف:55]، أي: عليم بتسيير الأمور بإذن الله، فالسنوات القادمة سنوات شدة ومجاعة تحتاج إلى حفظ وعلم بالإدارة كذلك.

    حكم تولي الإمارة وتزكية النفس

    وهنا يرد سؤالان: السؤال الأول: كيف سأل يوسف عليه السلام الإمارة ونبينا محمد عليه الصلاة والسلام يقول: (إنا لا نولي هذا الأمر أحداً سأله أو حرص عليه)، ويقول: (يا عبد الرحمن! لا تسأل الإمارة، فإنك إن سألتها وكلت إليها، وإن أعطيتها بغير مسألة أعنت عليها)، فكيف إذاً يسأل شخص الإمارة والنبي نهى عن ذلك؟

    والجواب: أن المقامات تختلف، فإذا كان المقام مقام ظلم متفش، وبتوليك للإمارة ستصلح ما أفسد غيرك من الناس، وترى في نفسك القدرة على ذلك؛ فلا بأس حينئذ بطلب الإمارة، وقد طلبها يوسف الصديق صلى الله عليه وسلم.

    والسؤال الثاني الذي يطرح نفسه: وهو قوله: إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ، فكيف زكى نفسه ورب العزة يقول: فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى [النجم:32]، ويقول: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا [النساء:49]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم -وقد أثنى رجل على رجل فأطرى وبالغ في الثناء-: (ويحك! قطعت عنق أخيك، قطعت عنق أخيك، قطعت عنق أخيك، إن كان أحدكم لا محالة فاعلاً فليقل: أحسب فلاناً كذا وكذا والله حسيبه، ولا أزكي على الله أحداً) .

    فكيف نوفق بين هذه النصوص وبين سؤال يوسف وبين تزكيته لنفسه؟

    والجواب: أن المقام مقام يحتاج إلى بيان القدرات، وهذا من بيان القدرات، وليس من باب التعالي على الخلق، وأيضاً قد زكى النبي قوماً من صحابته كي تحفزهم هذه التزكية على ممارسة العمل ابتغاء وجه الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم في شأن عثمان : (ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة)، وقال في شأن علي : (لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، ثم قال: أين علي ؟)، وقال في شأن أبي بكر : (آمن بي إذ كذبتموني، وأعطاني إذ منعتموني)، وقال في شأن عمر : (ما لقيك الشطان سالكاً فجاً إلا سك فجاً غير فجك يا ابن الخطاب ، إن الشيطان ليفر منك يا عمر)، وقد قال عثمان يوم أن حوصر -وقد أشرف على الناس-: أناشدكم الله ولا أناشد إلا أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام: هل سمعتم النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من حفر بئر رومة فله الجنة)، فحفرتها؟ قالوا: اللهم نعم، قال: أناشدكم الله ولا أناشد إلا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: هل سمعتم النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من جهز جيش العسرة فله الجنة)، فجهزته؟ فقالوا: اللهم نعم. فقال: فبم يقتلونني؟ فأظهر بعض مناقبه حتى يدفع هؤلاء الأشرار الذين أرادوا قتله، ولكن ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، فقد قتله الثوار الخوارج لا جزاهم الله خيراً.

    إذاً: معشر الإخوة! تجوز التزكية أحياناً بحسب الاحتياج إليها، فقد يكون في التزكية -أحياناً- دفع للهمم وشحذ لها؛ لمواصلة العطاء، أما إذا كان في التزكية قطع للأعناق وتملق وتكلف، فتذم حينئذٍ التزكية، وينبغي أن ننزل الأمور المنزلة اللائقة بها، وهذا هدي نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.

    وجاء عدي بن حاتم الطائي وهو معروف بكرمه وببذله للإسلام وبعطائه، وقد ارتد قومه بعد وفاة الرسول وثبت هو، وحارب قومه إلى أن يسلموا، فجاء إلى عمر رضي الله تعالى عنه فوجد أمير المؤمنين عمر معرضاً عنه، فناداه: يا أمير المؤمنين! أما تعرفني؟ فقال عمر : أعرفك وكيف لا أعرفك؟ أنت الذي أسلمت وثبت إذ كفروا، أنت الذي أعطيت إذ منعوا، أنت عدي بن حاتم ، فقال: إذاً لا أبالي يا أمير المؤمنين!

    فأحياناً يحتاج الشخص إلى إظهار مناقبه وبيان قدراته لعمل يوكل إليه.

    أعطاء الله الملك ليوسف وتدبيره له

    يوسف عليه السلام كان ينتظر سبعاً شداداً وقبلها سبعاً سماناً، فكان يحتاج إلى تدبير الأمور، وقد علمه الله ذلك، فحينئذٍ ليس هناك مانع في أن يظهر ما عنده من الكفاءات، وليس هذا من باب الرياء بل للصالح العام، وجائز أيضاً مساعدة من هم على غير الإسلام في كرب سيقعون فيه ما لم يكونوا من المحاربين.

    فأجابه الملك إلى طلبه، فهو عنده كما ذكر من قبل: مكين أمين، قال الله سبحانه وتعالى وهو الذي يولي الناس المناصب، وهو الذي ينزعها منهم، وهو الذي يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، وما الملك إلا سبب، قال تعالى: وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فالذي مكن له في الحقيقة هو الله وليس الملك، فما الملك إلا سبب من الأسباب، قال تعالى: وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ [يوسف:56]، أي: ينزل منها حيث أراد.

    نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ [يوسف:56]، أي: نتفضل برحمتنا على من نشاء، ونصيب بفضلنا من نشاء، كما قال تعالى في السحاب المسخر الذي ينزل على أنه غيث فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء، فالله يرزق من يشاء، ويعطي من يشاء، ويمنع من يشاء: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران:26]، فإذا علم الناس ذلك فعليهم أن يأتوا البيوت من أبوابها، ويطرقوا باب ربهم سبحانه وتعالى الذي لا يغلق، فإليه المنتهى في كل شيء: وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى [النجم:42]، فخزائن كل شيء بيديه، والأمر في كل شيء ينتهي إليه سبحانه وتعالى.

    قال سبحانه: وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف:56]، فالمحسن لا يذهب إحسانه عند الله سدى، بل الله له شاكر، قال تعالى: وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ [البقرة:158]، فالله لا يضيع أجر المحسنين أبداً، بل يثيبهم على أجرهم، ويعجل لهم بالخيرات أحياناً، ويدخر لهم كامل الثواب أحياناً أخرى.

    فليفهم ذلك الفاهمون، وليعمل لذلك العاملون، وليحسن في الأبواب كلها المحسنون، وليس هذا في الدنيا فحسب؛ بل قال تعالى: وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يوسف:57]، فلنحتسب الأجور عند الله، ولنقدم على عمل الصالحات والإحسان؛ فربنا رب شكور غفور وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ [البقرة:158].

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.