اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , سلسلة تفسير سورة يوسف [4] للشيخ : مصطفى العدوي


سلسلة تفسير سورة يوسف [4] - (للشيخ : مصطفى العدوي)
صبر يوسف عليه الصلاة والسلام في السجن، وكانت العقبى هي الوزارة والملك وإظهار براءته على الملأ بأنه سجن بلا سبب يظهر للناس، وأبدله الله بالعبودية الملك والتمكين في الأرض، إذ هو أهل لكل ذلك ولا شك، وهذه سنة الله تعالى مع كل عبد صالح.
رؤيا الملك وتعبيرها
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله عليه وسلم الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.أما بعد:فيقول الله سبحانه وتعالى: وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ [يوسف:43]، هذا يقوله ملك مصر لملئه وحاشيته، إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ ، أي: في رؤيا منامية، يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ ، أي: ضعاف هزال، وهذا منظر ملفت للنظر: أن يرى شخص رؤيا مؤداها: أن سبع بقرات هزال يأتين على سبع سمان فيأكلنهن.وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ [يوسف:43]، والملأ: هم الأشراف، أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ [يوسف:43]، أي: أولوا لي رؤياي وعبروها لي، إِنْ كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ [يوسف:43]، إن كنتم من أهل العلم بتعبير الرؤى، لكنهم قالوا مقولة من لا علم له بهذا الباب: قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ [يوسف:44]، ومرادهم بالأضغاث: الأخلاط، أي: أخلاط من التي تأتي المرأ في نومه، والضغث: هو الخليط، والضغث أيضاً جاء في قوله تعالى: وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ [ص:44]، وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلامِ بِعَالِمِينَ [يوسف:44]، وهذه رؤيا قد ساقها الله إلى هذا الملك لأمر يريده ويدبره الله سبحانه، فالله هو الذي يدبر الأمر من السماء إلى الأرض.
 تفسير قوله: (ذلك ليعلم أني لم أخنه...)
قال الله تعالى: ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ [يوسف:52]، قوله: ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ هل هو استمرار لمقولة المرأة، أي: أنها تحرص على إرضاء يوسف في غيابه؟ هذا ما قال به فريق من المفسرين، أم هو قول يوسف عليه السلام: أي أني لم أخن سيدي بالغيب في امرأته؟ وهذا له وجه كذلك، ومن العلماء من استظهر له بنماذج من كتاب الله، وأن قول يوسف عليه السلام كقول الكفار: يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ [يس:52]، أي أن الملائكة تجيبهم إذ قالوا: مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا ؟ هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ، فهنا تحول في الخطاب، وكذلك في قول الله تعالى: قالت ملكة سبأ: إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ [النمل:34]، فهل قوله: وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ من قول المرأة، أم إقرار من الله لها؟ فيه وجهان لأهل العلم، ونحو ذلك: إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ [الشعراء:34-35]، فقول: فَمَاذَا تَأْمُرُونَ هل هو من قول فرعون مستمراً في قوله، أم هو قول الملأ من قومه؟ لما قال لهم: إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ ، أجابوه بقولهم: فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ؟ على لهجة من يعظمون الملوك ويخاطبونهم بلفظ الجمع.فقوله تعالى: وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ [يوسف:52] هل هو قول المرأة أو قول يوسف؟ فيه وجهان لأهل العلم: الوجه الأول: أن المرأة تحرص على إرضاء يوسف في غيابه، وتريد كذلك أن تكون وفية أمام يوسف عليه السلام. والوجه الثاني: أنه من قول يوسف حتى يبرئ ساحته ولا يكون قد خان سيده الذي كان يعمل عنده، وكما تقدم: أن تبرئة الساحات مطلوب خاصة لمن سيتقلد عملاً من الأعمال المهمة التي تهم العموم، والله أعلم.وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ، ولا يوفق الخائن في تدبيره وسعيه، وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي [يوسف:53]، هل هو قول يوسف أو قول المرأة؟ فيه قولان كذلك: فمن العلماء من قال: لما سمع يوسف ذلك قال: وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ، ومنهم من قال: إن المرأة ما زالت مستمرة في تخطئة نفسها وإظهار براءة يوسف صلى الله عليه وسلم.إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ [يوسف:53]، وهم قليل، وغفور: أي كثير المغفرة رحيم بخلقه، فباب التوبة دوماً مفتوح، فليقبل على الله كل مذنب، وليقلع عن ذنبه، وليقبل إلى الله كل ظالم وليقلع عن ظلمه.
تمكين الله ليوسف في الأرض
لما سمع الملك هذه الشهادة الطيبة من هؤلاء النسوة عموماً، ومن امرأة العزيز على وجه الخصوص، كل ذلك لما سمعه الملك بوضوح وجلاء، وبلا تدليس وغش، قال على إثر ذلك: ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي [يوسف:54]، أي: أجعله مستشاراً خاصاً بي أستشيره في أموري، فَلَمَّا كَلَّمَهُ [يوسف:54]، إن يوسف عليه السلام قد رفع الله قدره في الدنيا فضلاً عن الآخرة.. أتى يوسف إلى الملك من سجنه، وكلم يوسف الملك، وكلم الملك يوسف صلى الله عليه وسلم إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ [يوسف:54]، أي: عندنا ممكن أمين، أي: لك مكانة ووجاهة ومستأمن. وحينئذٍ سأل يوسف صلى الله عليه وسلم عملاً عند هذا الملك -وهو كافر- لمصلحة عامة يراها صلى الله عليه وسلم، ولأمر يريده الله سبحانه وتعالى.
 أعطاء الله الملك ليوسف وتدبيره له
يوسف عليه السلام كان ينتظر سبعاً شداداً وقبلها سبعاً سماناً، فكان يحتاج إلى تدبير الأمور، وقد علمه الله ذلك، فحينئذٍ ليس هناك مانع في أن يظهر ما عنده من الكفاءات، وليس هذا من باب الرياء بل للصالح العام، وجائز أيضاً مساعدة من هم على غير الإسلام في كرب سيقعون فيه ما لم يكونوا من المحاربين.فأجابه الملك إلى طلبه، فهو عنده كما ذكر من قبل: مكين أمين، قال الله سبحانه وتعالى وهو الذي يولي الناس المناصب، وهو الذي ينزعها منهم، وهو الذي يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، وما الملك إلا سبب، قال تعالى: وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فالذي مكن له في الحقيقة هو الله وليس الملك، فما الملك إلا سبب من الأسباب، قال تعالى: وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ [يوسف:56]، أي: ينزل منها حيث أراد.نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ [يوسف:56]، أي: نتفضل برحمتنا على من نشاء، ونصيب بفضلنا من نشاء، كما قال تعالى في السحاب المسخر الذي ينزل على أنه غيث فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء، فالله يرزق من يشاء، ويعطي من يشاء، ويمنع من يشاء: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران:26]، فإذا علم الناس ذلك فعليهم أن يأتوا البيوت من أبوابها، ويطرقوا باب ربهم سبحانه وتعالى الذي لا يغلق، فإليه المنتهى في كل شيء: وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى [النجم:42]، فخزائن كل شيء بيديه، والأمر في كل شيء ينتهي إليه سبحانه وتعالى.قال سبحانه: وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف:56]، فالمحسن لا يذهب إحسانه عند الله سدى، بل الله له شاكر، قال تعالى: وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ [البقرة:158]، فالله لا يضيع أجر المحسنين أبداً، بل يثيبهم على أجرهم، ويعجل لهم بالخيرات أحياناً، ويدخر لهم كامل الثواب أحياناً أخرى.فليفهم ذلك الفاهمون، وليعمل لذلك العاملون، وليحسن في الأبواب كلها المحسنون، وليس هذا في الدنيا فحسب؛ بل قال تعالى: وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يوسف:57]، فلنحتسب الأجور عند الله، ولنقدم على عمل الصالحات والإحسان؛ فربنا رب شكور غفور وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ [البقرة:158].وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , سلسلة تفسير سورة يوسف [4] للشيخ : مصطفى العدوي

http://audio.islamweb.net