إسلام ويب

الشباب بين الحماسة والكياسةللشيخ : علي بن عمر بادحدح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الأمور التي خص الله عز وجل بها الشباب: الحماسة، والحماسة سلاح ذو حدين، إن استخدم باتزان وتعقل نفع، وإن استخدم بتهور وطيش ضر وأفسد، ولهذا كان لزاماً على الشباب أن يربطوا حماستهم بشريعة الله عز وجل، حتى لا تحصل أمور لا تُحمد عقباها في الدنيا والآخرة، وواجب كذلك على الآباء والعلماء والدعاة وغيرهم توجيه وترشيد وتهذيب هذه الحماسة عند الشباب، حتى تؤتي ثمارها بإذن الله تعالى.

    1.   

    اختيار الموضوع وإشكاله

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله الذي أتم النعمة وأكمل الدين، وجعل الحجة على كل أحد لكتابه المبين، وجعل العصمة في كل أمر لرسوله الكريم، نحمده سبحانه وتعالى، لا إله غيره، ولا رب سواه، لا يخيب من رجاه، ولا يضل من استهداه، ولا يحرم من استعطاه، من توكل عليه كفاه، ومن التجأ إليه وقاه، له الحمد كما يحب ويرضى على آلائه ونعمه التي لا تُعد ولا تُحصى.

    والصلاة والسلام التامان الأكملان على المبعوث رحمة للعالمين، خاتم الأنبياء والمرسلين، سيد الأولين والآخرين نبينا محمد، وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    أما بعد:

    فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يكتب هذا الكلام في موازين حسناتنا، وأن يجعله حجة لنا لا علينا، وأن يجعل لنا به أجراً، وأن يجعل لنا من ورائه نفعاً.

    إن اختيار هذا الموضوع لم يكن بطلب من أحد ولا بتحديد منه، وإنما كان بمبادرة مني، وإذ أعترف بذلك فإني أقر بأن الموضوع مشكل، وكان بعض الأساتذة يقولون: إنه موضوع شائق. فقلت: هو بالكاف لا بالقاف. فهو شائك، وربما بين طرفي الموضوع يغضب من قد يظن أنه انتُقِصَ شيءٌ من تلك الحماسة، أو تكون لفئة أخرى غضبة مقابلة إن رأوا أنه قد جاء الحيف على الكياسة، وبين الأمرين دائماً يكون شيء من التوازن المطلوب الدقيق الذي لا يؤمن أن يكون فيه شيء من الخلل، فنسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد.

    وأول ما نبدأ به من حديثنا حديثنا عن عنوان هذا الموضوع، ولا شك أننا سنحاول أن نجعل حديثنا في نقاط محددة وفي تعليقات مختصرة؛ لأن الموضوع رحب الجوانب متعدد الشعاب كثير الفروع دقيق المآخذ، مما يجعل الاسترسال في بعض فروعه يحيف باستكمال الموضوع في بقية جوانبه.

    1.   

    تعريف الشباب

    في معاجم اللغة يقولون: الشباب: الفتاء والحداثة.

    وذكر صاحب تاج العروس عن محمد بن حبيب تحديدات للفئة العمرية التي تتصل بالشباب، ومن محاسن ما ذكره أنه قد وسع في بعض الأحوال فجمع من هم في المصطلح العام خارج دائرة الشباب، فقد نقل عن محمد بن حبيب أن الشباب يمتد من سن السابعة عشرة حتى الحادية والخمسين، وبعد ذلك هو شيخ، لكنه أردف بعد ذلك الأقوال الأخرى، فمما قاله: إنه من البلوغ حتى يكمل الثلاثين. وقيل: ابن ست عشرة سنة إلى ثنتين وثلاثين، ثم هو كهل.

    لكننا باقون على العهد الأول لنكون جميعاً شباباً إن شاء الله، ولنا عود إلى معنى الشباب في بعض نقاطنا الأخرى.

    1.   

    تعريف الحماسة

    أما الحماسة فهي في اللغة تدل على الشدة، والحماسة: الشجاعة والشدة. والتحمس هو: التشدد، ويقولون في اللغة: حمس بالشيء إذا تعلق وتولع به. والأحمس: هو الورع من الرجال المتشدد في دينه.

    وكذلك جاء في لسان العرب أن الأحمس هو الشديد الصلب في الدين والقتال.

    والكلام في هذا يطول، وخلاصته التي يمكن أن نخلص بها إلى تعريف محدد أو واضح أن الحماسة: تعلق وولع بالأمر يدعو إلى التشدد فيه، والجرأة والشجاعة في إنفاذه. فهو يبدأ بشعور وعاطفة وتعلق ينبثق منه حينئذ تغير وسلوك نفسي يتولد من خلاله جرأة تترجم إلى شجاعة في إنفاذ الأمر وعدم التساهل أو الترخص فيه.

    1.   

    تعريف الكياسة

    وأما الكياسة فهي أصل يدل على ضم وجمع، ومنه الكيس الذي تجمع فيه الأشياء، والكيس في الإنسان ضد الخرق أو ضد الحمق؛ لأنه -كما قال ابن فارس في معجمه- مجتمع الرأي والعقل، والكياسة: هي خلاصة الرأي والعقل، ولذلك يقولون: الكيس: العقل والفطنة والفقه. والكيس في الأمور يجري مجرى الرفق فيها، والكَيّس هو: الظريف الخفيف المتوقد الذهن، ورجل كيس الفعل: أي: حسنه.

    ومن هذه الومضات أيضاً ننتهي إلى خلاصة نقول فيها: إن الكياسة هي عقل وفطنة تقود إلى الرفق في الأمور والإحسان في أدائها دون حمق.

    وإذا نظرنا إلى هذه المعاني فسيتبين لنا أنها ليست متقابلة، بمعنى: ليست متضادة، وإنما كل منها يعطي دلالة في جانب من الجوانب، فجانب الحماسة متعلق بالعاطفة والشعور والحمية، وجانب الكيس والكياسة متعلق بالعقل والرفق والرشد، ولا يعني أن يكون العاقل ليست له عاطفة، ولا يعني كذلك أن يكون المتحمس طائشاً لا عقل له ولا رشد عنده، وهذا هو الذي نريد أن نعالجه، أو هذه -إذا صح التعبير- هي المعادلة التي نحب أن يكون في طرفيها اتزان كما هو شأن المعادلات كلها.

    1.   

    الصلة بين الشباب والحماسة

    عندما نخص العلاقة بين هذه العناصر الثلاثة المجتمعة في عنواننا لابد أن يثور السؤال: ما صلة الشباب على وجه الخصوص بالحماسة؟

    والجواب أن الشباب فيه قوة وفتوة، ونحن نرى ونعلم جميعاً أنه إذا ذكرت الحماسة جاء في الذهن الشباب، وأنه إذا ذكرت الكياسة جاء في الذهن الشيوخ، وهذا انطباع تغليبي، ولكنه ليس إقصائياً كما أشرت من قبل.

    وأما لماذا يتحمس الشباب، وهل الحماسة في الشباب عيب أو شيء طارئ أو أمر غريب فنقول: إن الحماسة في الشباب أمر طبيعي، لعناصر كثيرة، منها أن الشباب فيه حيوية وقوة، والله سبحانه وتعالى قال: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً [الروم:54] ، فالشباب قوة بين ضعفين، وانطلاقة بين هدوءين أو سكونين، وحركة واندفاع بين جانبين فيهما من الهدوء والسكينة ما فيهما، حتى من الناحية الطبية نعلم أن الفئة العمرية في فترة البلوغ ما تزال الخلايا والأعضاء تزيد فيها وتنمو وتعظم وتتكاثر، وهذا أمر بين، وإذا رجعنا إلى اللغة فإنها تسعفنا بهذه المعاني بشكل واضح؛ لأن الاشتقاق اللغوي للأصل (شب) يبين أن مادة الشين والباء في اللغة تدل على نماء الشيء وقوته في حرارة تعتريه، وهذا يدلنا على طبيعة الامتزاج بين الحيوية والحرارة والقوة وطبيعة الشباب، ومن ذلك قولهم: شبت النار. أو: شبت الحرب. ويقول ابن فارس : ثم اشتق الشباب منه، وهو النماء والزيادة في قوة جسمه وحرارته.

    ولذلك نرى هذا الأمر واضحاً، ونرى أن من طبيعة الشباب الفطرية -بل والخلقية البدنية أو ما يسمى بالبيلوجية، أي: الطبيعية الفيزيائية- أنه بطبيعة خلقته في هذه الفترة العمرية فيه نمو وزيادة، وهذا مما يزيده قوة وحماسة، ومن هنا فالحماسة قرينة الشباب بدون أن يكون هناك افتعال لها أو تكلف فيها أو تقلب لأسبابها، بل هي قرينة الشباب من هذا الوجه.

    1.   

    الشباب والتحدي

    هناك جانب آخر في طبيعة الشباب في مقتبل العمر، وهو قضية إرادة التحدي، فإن من طبيعة هذه الفترة العمرية أن فيها عزيمة صلبة وإرادة قوية.

    ومن خصائص الشباب قبول التحدي، بل والتعرض له والبحث عنه والثبات عليه، وسوف نأخذ أمثلة على ذلك، والأمثلة ستكون دائماً محدودة؛ لأننا لو تشعبنا فيها سيطول المقام عن ذكر ما وراء ذلك، ومن هذه الأمثلة قصة لـابن مسعود رضي الله عنه، كان ابن مسعود من صغار الصحابة وشبابهم، وكان حين ذلك نحيل الجسم، دقيق الساقين، وكان الصحابة يضحكون من دقة ساقيه، وكان ذلك في الفترة المكية العصيبة التي كانت فيها المواجهة قاسية وشديدة وشاملة من قريش ضد المسلمين، وفي جلسة بين بعض المسلمين كانوا يتحدثون فيما بينهم عمن يمكن أن يقرأ القرآن ويصدع به في منتدى قريش، وهي عملية تحدٍ كبيرة، وعملية تحتاج إلى قوة إرادة وصلابة عزيمة، فانتدب لذلك ابن مسعود الشاب النحيل، وذهب إلى منتدى قريش في البيت الحرام وصدع بآيات القرآن، وقام يقرؤها بين ظهرانيهم، ولم يكن هو يظن أن ذلك سيعجبهم، بل كان يعرف ما قد يترتب على ذلك، فعمدوا إليه وضربوه وأثخنوه بالجراح، ولعلنا نقول بعد هذا الحدث: إنه قد أخذ درساً كافياً. لكن ما الذي حصل؟ في اليوم الذي يليه عندما تداول المسلمون تلك الحادثة قال: (أما لو شئتم لأعاودنهم بها).

    فهي طبيعة الإرادة القوية والتحدي؛ لأن نفس الشاب دائماً فيها هذه الحيوية التي تأبى في الجملة أن تلين أو تهادن أو تتراجع، بل تريد دائماً أن تثبت نفسها، وأن تظهر قوتها، وأن تصر على رأيها، وأن تثبت على مبدئها، وأن تكون نموذجاً ينسجم مع طبيعة التفاعلات والمشاعر النفسية والعواطف الجياشة التي تمر بها النفس.

    1.   

    الأمل والطموح عند الشباب

    هناك سمة ثالثة، وهي الأمل والطموح؛ لأن الشباب هو في مقتبل العمر، فما زالت الصورة ممتدة والأفق واسعاً، وقد يرسم طريقاً في تخيله في آماله وطموحاته في مجال العلم، وأنه سيحصل فيه كذا، وأنه سيكون له كذا وكذا وكذا، وقد يرسم طريقاً في مجال حياته الاجتماعية أو في حياته العملية، لكن لو أننا تصورنا المرء في الخمسين أو في الستين فلا شك أن الأمل موجود لكنه قطعاً سيكون محدوداً، ولن يكون له مثل طبيعة هذا الأمل الممتد العريض كالشباب في حياتهم وطموحاتهم.

    ولو أردنا أن نأخذ أمثلة لوجدنا أن النبي عليه الصلاة والسلام كان في جملة تربيته لأصحابه يعرف كيف يصقل هذه النفوس، وكيف يزكي تلك الآمال، وكيف يشحذ تلك الهمم، فهذا ربيعة بن كعب كان يبيت إلى جوار بيوت النبي صلى الله عليه وسلم، حتى إذا قام النبي صلى الله عليه وسلم من الليل قام يصب له وضوءه عليه الصلاة والسلام، فأراد النبي أن يكرمه فقال: (يا ربيعة ! سلني ما شئت -والقائل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم المجاب الدعوة-. فقال: أنظرني يا رسول الله) إننا عندما نقول الآن للشاب ماذا تريد؟ وما هو أملك؟ وما هو رجاؤك؟ اطلب ما سنحققه لك ويكون رهن إشارتك وبين يديك فربما نعرف اليوم أنه ربما يطمح إلى هذا أو ذاك من أمور الدنيا وشئونها، لكن ربيعة بعد أن تريث وتأنى قال مقالة عظيمة رائعة فريدة لو اجتمعت لها عقول الشيوخ الكبار والعلماء العظماء لربما قصروا عن أن يأتوا بمثل ما قال؛ فإنه أوجز وأبلغ في أمله وطموحه فقال: (أسألك مرافقتك في الجنة). فلم يسأل الله الجنة، بل سأل مرافقة الرسول في الجنة، ليكون سؤاله في أعلى وأعظم مطلب، فماذا قال له النبي عليه الصلاة والسلام؟ قال: (أعني على نفسك بكثرة السجود)، وهذه هي التربية لكي يبقى الأمل ممتداً والطموح متواصلاً.

    ونعلم قوله لـعبد الله بن عمر يوم أَوَّل رؤياه فقال: (نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم من الليل)، والأمر في هذا واضح وجلي وكثير.

    وكان النبي عليه الصلاة والسلام يعطي لكلٍ ما كان يناسبه، حتى يمتد في مجاله وميدانه الذي تتعلق به نفسه وأمله، كما هو معروف في الحديث الذي رواه الترمذي عندما عدد النبي عليه الصلاة والسلام الصحابة، وذكر في كل منهم خصيصة تميز بها فقال: (أقرؤهم أبي ، وأفرضهم زيد ، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ ..) إلى آخر ما ذكره عليه الصلاة والسلام.

    ثم إن الشباب وهو في مقتبل العمر يتردد: هل يتزوج الآن؟ أو هل يكمل دراسته؟ أو هل يدخل ميدان العمل؟ أما من قد طويت صفحات عمره فإن الخيارات في غالب الأحوال تكون محدودة، وربما نرى نحن أننا نضيق الآن في المجال، فلا يبقى فيه مساحة إلا لمعاشر الشباب الذين يدخلون في جميع التعريفات، أما من له تعريف واحد يتيح له أن يدخل في الشباب وتعريفات أخرى تخرجه منه فإنه تبدأ تضيق الدائرة عليه كما قلنا.

    1.   

    بعض الخلال والسمات الحميدة التي تنتج عن الحماسة

    لما كانت الحماسة من طبيعة الشباب كان دورنا أن نرحب بها ولا نعارضها، ولا نقول: إنها شيء شاذ أو أمر غريب. ولكننا نواصل أيضاً في مدح هذه الحماسة وبيان ثمراتها وبعض فوائدها، لتكمل لنا حينئذ الصورة الإيجابية في هذه الحماسة بإذن الله عز وجل.

    الهمة والعزة

    الحماسة تورث خلالاً كثيرة وسمات عديدة، أولها: الهمة والعزة، فهذه الحماسة تجعل الهمة عالية، والعزيمة ماضية، والعزة قضية، والروح فتية، بحيث إن هذه المشاعر تترجم إلى مواقف وإلى سمات شخصية تُعد من مظاهر القوة الإيجابية، فليس في الشباب رخاوة، وليس في الشباب ضعف، وإن كان حالنا اليوم أو حال بعض شبابنا أنه قد صارت لهم صورة أخرى في الشباب هي صورة الدعة والترف والرخاء، ولكننا نقول: إن الأصل في طبيعة الشباب في التربية الصحيحة في الأجواء النقية أن يكون لهم همتهم القوية وعزتهم الأبية التي تجعلهم دائماً في قصب السبق والتقدم، كما سيأتي في المراحل التالية.

    ولعلنا نريد أن نصور بعض هذه الهمم في صور الشباب من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا نموذج رده النبي عليه الصلاة والسلام إلى الاعتدال، لكننا نرى كيف كانت القوة في أصل هذا النموذج، فعند البخاري في الصحيح من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال له عليه الصلاة والسلام: (ألم أُخبر أنك تصوم فلا تفطر، وتصلي فلا تنام، وتقرأ القرآن في كل ليلة؟ فقال: بلى يا رسول الله)، فهذا الخبر بلغه عن عبد الله بن عمرو ، فانظر إلى همته وطاقته المتدفقة كيف كان على حال لا يفطر، ولا ينام ليله، ويختم في كل ليلة، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام رده إلى الاعتدال المعروف في الحديث، لكن الشاهد هو هذه الهمة العالية القوية التي كانت عنده، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في مقتبل عمره وفي بداية دعوته كانت له المواقف العظيمة في مثل هذا.

    العمل والإنتاج

    الأمر الثاني المتولد عما سبق هو العمل والإنتاج، فالهمة والعزة تتحول إلى عمل وإلى تواصل في الإنجاز وحرق المراحل، لكي يكون هناك ثمرة ظاهرة ونتيجة باهرة من خلال هذه الهمة؛ لأن صاحب الهمة لا يرضى بالقعود، ولا يرضى بالكسل والخمول، ولا يرضى إلا أن تكون كل ثانية من ثواني حياته مملوءة بما يتناسب مع طبيعة هذه المشاعر المتدفقة والعواطف المتأججة في نفسه، ولذلك نرى شباب الصحابة والشباب في مراحل التاريخ الإسلامي كلها في الأجواء الصحيحة والتربية الجادة كانوا دائماً يأتون بالعجائب والإنجازات الباهرة، حتى في مجالات مختلفة، وأذكر على ذلك مثالاً في قصة زيد بن ثابت رضي الله عنه، وهو الذي كان غلاماً صغيراً في نحو السادسة عشرة من عمره، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام -كما في المسند عند الإمام أحمد - : (اقرأ حرف يهود) أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يتعلم اللغة، فتعلم السريانية، وفي بعض الروايات أنه تعلمها في خمسة عشر يوماً، وفي بعض الروايات سبعة عشر يوماً، فكان يقرأ للرسول صلى الله عليه وسلم، وكان يكتب له.

    وأيضاً زيد بن ثابت كانت له المهمة الفريدة التي جُعل من مؤهلاتها الشباب، ففي صحيح البخاري في الحديث المشهور في جمع القرآن قال أبو بكر عندما استدعى زيد بن ثابت : (إنك شاب عاقل لا نتهمك، كنت تكتب الوحي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم)، فأول هذه الخصائص أنه شاب، والمهمة ثقيلة تحتاج إلى قوة، وتحتاج إلى عمل متواصل، فوكلها إلى هذا الشاب الفتي، مع ما عنده من الأمانة والعلم والخبرات السابقة كما يقال، ثم كلفه بجمع القرآن وكتابته، ومع أن الذي كان يحدثه هو أبو بكر خليفة المسلمين، ومعه عمر وزيره، وهما أفضل الصحابة وأكبرهم سناً إلى غير ذلك، ومع ذلك كله قال بكل رباطة جأش وهمة تناسب الشاب: (كيف تفعلان شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟) وهذا يدل على قوة هذه الشخصية، لكن بعد أن جاءت المراجعة وانشرح صدره لذلك قال: (فوالله لو كلفني نقل جبل من مكانه لكان أهون علي)، ثم انطلق وبدأ في هذه المهمة، وأعانه عمر ، ووضع الشروط والضوابط، والشهادة المطلوبة على كل ما هو مكتوب أنه ثبتت كتابته بأمر النبي عليه الصلاة والسلام أو بحضرته، وأتم هذه المهمة على أدق وأحكم وأمكن صورة ذكرت، ليستفاد من هذه الفتوة والحيوية والحماسة والقوة في حياة الشباب، والأمر في هذا يطول الحديث عنه.

    الثبات والإصرار

    النتيجة الثالثة: الثبات والإصرار، فكثير من الأعمال لا تعطي ثمرتها إلا مع طول الزمن، ومع استمرارية العمل، والنفس التي ليست فيها هذه الحماسة غالباً ينقطع صاحبها عن عمله، وينقطع بعد ذلك أثره، ويطوى خبره؛ لأن المسألة تحتاج إلى مثل هذا كما سنشير، فمن مزايا الحماسة في الشباب أنها تعطيهم قوة وثباتاً بشكل منقطع النظير.

    فهذا أبو موسى الأشعري رضي الله عنه وهو أمير على الكوفة ظل يقرأ القرآن في مسجده كل يوم مدة أربعين عاماً، وهو أمير، وهو يتولى الحكم، لكنه كان في صفته وسمته ظل على هذا العطاء المستمر والثبات على العمل، فالقضية ليست قضية ردود أفعال، ولا سحابة صيف تنقشع، ولا أمراً أثارته بعض العواطف المهيجة ثم جاء غيرها، كما نرى بعض الشباب وهو يتموج ويذهب يمنة ويسرة مع بعض هذه التقلبات العاطفية، خاصة ونحن في عصر عولمة وإعلام وموجات متدفقة هنا وهناك تعبث بالعقول والعواطف عبثاً كبيراً.

    وحبيب بن زيد رضي الله عنه -وهو من أمثلة الشباب- لما أرسله النبي عليه الصلاة والسلام إلى مسيلمة الكذاب ثبت، وكان يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله. فيقول له مسيلمة : قل: أشهد أن لا إله إلا الله وأن مسيلمة رسول الله. فيقول: لا أسمع. وإذا بـمسيلمة بعد ذلك يبدأ في تقطيعه، فيقطع أذنه، ويقطع أنفه، وجعل يقطعه إرباً إرباً وهو ثابت على هذا النهج الذي كان عليه.

    وهذا مصعب بن عمير الشاب المدلل المترف المعطر الذي قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام: (ما رأيت فتىً أحسن لمة في أهل مكة من مصعب بن عمير) لما دخل الإيمان في قلبه وتمكن وأعطى عاطفته كلها لهذا المعتقد والمبدأ ووجه بكل أنواع الحصار والتضييق وشظف العيش لم تلن له قناة، ولم يتغير له موقف، ولم يتراجع في أي صورة من الصور التي أخذ بها رضي الله عنه وأرضاه، حتى كانت بعد ذلك قصة استشهاده مضرب مثل، بل موضع عبرة لكبار الصحابة أبكتهم سنوات طوالاً بعد استشهاد مصعب بن عمير رضي الله عنه، كما ورد من حديث عبد الرحمن بن عوف عند البخاري أنه كان صائماً، وأتي له بطعام الإفطار، وكان فيه صنفان من الطعام، فبكى عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، فتعجب الناس وقالوا: ما يبكيك؟! قال: (ذكرت مصعب بن عمير مات يوم أحد، ويوم مات لم نجد ما نكفنه به إلا بردة، إن غطينا رأسه بدت رجلاه، وإن غطينا رجليه بدا رأسه، وأخشى أن نكون قد عجلت لنا طيباتنا).

    وهكذا بقي موقف جعفر في ثباته الفريد يوم قطعت يده اليمنى فرفع الراية بيسراه، فقطعت فضمها بعضديه، حتى خر واستشهد رضي الله عنه على هذه الصورة من الثبات الرائع في قوة الحماسة والثبات على المنهج والمبدأ.

    النجدة والإعانة

    وينتج عن هذه الحماسة في الجملة أيضاً نجدة وإعانة؛ لأن المتحمس يأبى أن يرى الظلم ويسكت، ويأبى أن يرى المحتاج وهو واقف لا تستجيشه تلك العاطفة إلى أن يمد يد العون، وإلى أن يسابق، وإلى أن يكون في الصفوف الأولى في كل بيعة وفي كل ميدان من ميادين العطاء والنجدة.

    مثال ذلك قصة حنظلة بن أبي عامر غسيل الملائكة الذي دخل على زوجه وعروسه في ليلة عرسه، ثم أصبح على ظهر الخيل مجاهداً في سبيل الله ناسياً أنه لم يغتسل من جنابته، حتى غسلته الملائكة فيما بين السماء والأرض، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، تلك هي روح الحماسة المتدفقة في ميدانها الصحيح وفي عطائها الإيجابي.

    وبعد ذلك لا شك أن هذا كله تتسع به دائرة الامتنان في الأوساط التي يعيش فيها الشباب بهذه الروح وبهذا العطاء، وانتفاع من حولهم بهم بدلاً من أن يكون ما قد يكون من عكس ذلك مما قد نعرج عليه في حديثنا هذا.

    1.   

    سلبيات الحماسة

    لا شك -أيها القارئ- أنك الآن قد تكون متحمساً، وأننا قد زينا الحماسة، ولكن إلى أي مدىً نمضي مع الحماسة؟ وهل الحماسة أمر ما تزال تشتعل ناره وتزيد وتعظم من أمره دون أن يكون هناك ما يرشده أو يكمله أو يسدده؟

    إن طبيعة الأمور الساخنة أنها إذا اشتدت وزادت يكون فيها ما لا يتفق مع المطلوب منها، ولا يتكامل مع الثمرة المنشودة أو المرغوبة فيها، ومن هنا فإن الحماسة في صورتين -إما زيادة عن حدها، وإما اختلال في مسارها- لا تكون حماسة محمودة، وتعود تلك الثمرات لتكون حشرات.

    وكما قلت: فالموضوع شائك لا شائق، وإن كان قد يصدق فيه الوصفان، فهنا انعطافة ينظر بها إلى الصورة الأخرى وإلى الشق الآخر حتى تكتمل الرؤية من جوانبها المختلفة؛ لأنه ليس من مصلحتنا في شيء دائماً أن نسمع من الناس ما نرغبه وما نحبه، بل بالعكس، فالإنسان يستفيد أكثر ممن قد يكون له وجهة نظر أخرى، وممن قد يكون له من بيئته ومن تنشئته ومن معرفته ما قد لا يتفق معك، فحينئذ يحصل نوع من التبادل والتكامل والامتزاج النافع والمفيد.

    ونحن لا ينبغي أن نفرح عندما نجد من يضرب على ظهورنا ويؤيد مواقفنا في كل شيء، وربما نجد أن طبيعة العاطفة تدعو إلى ذلك، بل الذي نحبه ونأنس به هو ذلك الذي يوافقنا في كل ما نقول، ويسايرنا في كل ما نعمل، ويعطينا الدعم المعنوي والإيجابي في كل مبدأ أو رأي أو موقف نتخذه دون أن يكون عنده أدنى تحفظ حتى ولو أخطأنا، وحتى لو توقع في مستقبل الأمر أن تكون هناك احتمالات بوجود عواقب أو مخاطر أو نحو ذلك، لذا لابد أن نأخذ هذا الجانب مرة أخرى في صورة مغايرة لما سبق.

    الفتور والإحباط

    أول هذه الحسرات الفتور والإحباط، فعندما تكون الاندفاعة قوية أكثر من اللازم، وغير مستوعبة للواقع، ولا مدركة للإمكانيات، ولا متهيئة في الأخذ بالأسباب فإن هذه الاندفاعة تمضي فلا تحقق نتيجتها، فيرتد حينئذ بعد تجربة وثانية وثالثة إلى فتور، ويترك معه كل عمل وكل حيوية وكل نشاط وكل إيجابية، بل يرتد حينئذ إلى نفسية محطمة مهزومة لم يعد عندها أدنى درجات الثقة بالنفس التي يمكن أن تكون أساساً للانطلاق أو العمل.

    ولعلي أضرب مثالاً يدور أو يقع في صفوف الشباب كثيراً في بعض الجوانب الحياتية: ربما يسمع كثير من الشباب الحث على العلم وطلب العلم وفضيلة العلم، وتأتي هذه المقالات وتلك المحاضرات فتلهب في نفسه الحماسة، ولم يكن له سابق تجربة، ولم يأخذ خبرة من صاحب تجربة، فيندفع اندفاعة من الناحية المنهجية غير صحيحة، ومن الناحية التي تناسب طبيعته وقدرته غير متطابقة معها، فإذا به لا يحصل على شيء.

    ذكر البغوي في كتاب العلم في (شرح السنة) عن الزهري رحمه الله قال: من رام العلم جملة فقده جملة.

    وهذه طبيعة وظاهرة موجودة في الشباب، فترى أحدهم يقبل ويريد أن يدرس هذا العلم وذاك العلم، ويحفظ هذا المتن باندفاعة ليست متكاملة، فكثيراً ما يئول به الأمر إلى أن يترك ذلك كله.

    وهكذا في جانب الالتزام الشخصي والأخذ بأمور الفرائض والعبادات والتطوعات قد يندفع فيها بغير ما يتناسب مع طاقته أو ظرفه، ويكون فقط تحت تأثير عاطفي مؤقت، ثم يرجع إلى ما وراء ذلك.

    ونجد في هذا من الناحية الواقعية أمثلة كثيرة، والتجربة فيه واضحة.

    التعطيل والإعاقة

    الجانب الثاني: التعطيل والإعاقة.

    كثيراً ما تدفع الحماسة إلى عمل متهور تفسد به كل تلك الرؤى التي كانت تبنى عليها الآمال وتقام عليها الأحلام لمواصلة في عمل ما؛ لأن الاندفاع الشديد والخروج عن المسار الصحيح لا شك أنه سوف يجعل ردود أفعال كثيرة، وردود الأفعال سوف تكون أداة تعطيل ومنع وإعاقة.

    وواقع الشباب المسلم في المجتمعات الإسلامية أيضاً فيه أمثلة كثيرة من ذلك، ونحن نعرف في كثير من بلاد المسلمين كيف كانت ثورات من الاندفاع في بلاد كثيرة أدت إلى منع خير كثير، وإلى سد أبواب من الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل إلى تغييرات أعمق وأشد تأثيراً بدلاً من ذلك الخير الذي كان ينشده بنسبة محدودة، وإذا به ينقلب إلى كثير من العوائق والموانع والسدود التي تمنع كثيراً وكثيراً من الخير عنه وعن الآلاف المؤلفة من ورائه.

    ولعلنا لا يخفى علينا مثل هذا فيما جرى في كثير من البلاد التي انفرط فيها عقد أمنها، واختلت فيها الموازين، وكثر فيها الهرج والمرج مما سيأتي أيضاً ذكر بعضه عندما نأتي به.

    الإتلاف

    الجانب الثالث: الإتلاف، فقد يبلغ الأمر إلى هذا المبلغ، ونحن نعرف أن الحماسة المتمكنة في النفس أحياناً قد تصل إلى شيء من تغييب العقل وعدم النظر حتى في الضوابط والأحكام الشرعية، ونحن نحب أن نؤكد هنا على أمر مهم، وهو أن المنطلقات التي تحكم المسلم ليست منطلقات العاطفة، ولا الشعور، ولا ردود الأفعال، ولا الانتصار للذات، وإنما الذي يحكمنا أمران هما الأساسيان في تصرفاتنا كلها:

    الأول: حكم الشرع من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فما كان واجباً أمضيناه، وما كان محرماً تركناه، ويلحق به ويكمله مراعاة المصلحة الشرعية في تنزيل الحكم الشرعي على الواقع المعاصر؛ فإن من الأمور ما قد يكون واجباً أو قد يكون مباحاً لكن إيقاعه في هذا الوقت أو في هذا المكان قد تترتب عليه مفاسد أعظم، وقد يكون فعله في هذا الموطن محرماً وإن كان في أصله واجباً، وهذه موازنات معروفة في مقاصد الشريعة الكلية التي ينبغي مراعاتها، وفي القواعد الفقهية المستقاة والمستنبطة من الأدلة الكلية والفرعية في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم قاعدة (لا ضرر ولا ضرار) وغير ذلك من القواعد المعروفة.

    فهناك ما قد يصل إلى هذا مما يقع به إزهاق الأرواح وإتلاف الأموال وإفساد كثير من الأصول الثابتة التي لابد من معرفتها.

    ولعلي هنا أيضاً أركز على هذا المعنى؛ لأن بعض الأفهام تتجاذبها عواطف فلا تكاد تفهم حقائق النصوص، وإذا تأملنا في هذا الجانب فثمة أمر مهم سوف نذكره لأنه من دين الله، ولابد أن نفقه ديننا، وأن نعرف أن الأصل أننا متعبدون بشرع الله عز وجل، وأنه لابد لنا من أن نتأمل في حكمة الشارع؛ لأن الشارع معصوم، سواء أكان ذلك في كتاب الله أم فيما ثبت من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    ولعلي أخص هنا موضعاً محدداً من هذه المواضع التي أصبحت فيها الفتنة عامة في كثير من مجتمعات وبلاد المسلمين، فهناك طائفة كبيرة وكثيرة من أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام صحيحة في النقل وصريحة في النص في قضية ما يتعلق بالانحراف أو الفساد في ولي الأمر أو الحاكم المسلم، وكيف يكون التعامل في هذا الشأن.

    وأقول: إن الذي يتحدث بهذا هو سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، فليست القضية قضية عاطفية، وقد ذكر عليه الصلاة والسلام جملة من الأحاديث لو ذكرتها لطال بنا المقام، وهذه الأحاديث فيها ضبط شديد، وفيها تحوط كبير، وربما كان في صورتها الظاهرة أنها تأتي معاكسة لما ينبغي أن يكون، فعلى سبيل المثال في بعض ما صح من هذه الأحاديث يقول عليه الصلاة والسلام: (من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر).

    وفي الرواية الأخرى من حديث حذيفة قال: (وإن جلد ظهره وأخذ ماله) .

    وفي رواية ثالثة عند مسلم في تفصيلات لهذا الحديث لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الفتنة فقال حذيفة رضي الله عنه في هذا الحديث: يا رسول الله! أرأيت إن أتي به إلى الصفين؟ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: (فليدق سيفه) يعني: فليتلف سيفه. حتى لا يخوض في هذه الفتنة أو في ذلك القتال.

    ونجد بعض هذه الأحاديث يفهمها بعض الناس على أنها سلبية مطلقة، وعلى أنها لا تتفق مع ما يظنه من عمومات أخرى في دين الإسلام، ولو أننا تأملنا هذه النصوص لعرفنا حكمة عظيمة للشارع.

    وقد نقل ابن حجر رحمه الله عن ابن بطال في كتابه " الاعتصام بالكتاب والسنة " -وفيه أحاديث عظيمة من مثل هذه الأوامر- أنه قال: فيه تسكين الدهماء وحقن الدماء؛ لأن الأمر إذا انفرط عقده عظمت الفتنة، وتكونت البلية، وصار من الفساد على أمور الدين كلها ما لم يكن موجوداً بمثل هذا الأمر.

    ولا يعني ذلك بالطبع والقطع أن أي انحراف يقر وتصبغ عليه الشرعية، كلا! فدين الله عز وجل واضح لا يغيره أحد، وما في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لا يملك أحد تغييره ولا تبديله، وذلك من فضل الله ونعمته علينا، فينبغي أن نعرف أننا متعبدون بالشرع، وانظر إلى هذه الأمثلة:

    فهذا حذيفة بن اليمان في قصته المشهورة في يوم الأحزاب طلب منه النبي صلى الله عليه وسلم أن يذهب ليرى خبر الأحزاب، خبر أبي سفيان ومن معه من قريش والقبائل، فتسلل حذيفة في حادثة مشهورة، يقول حذيفة وهو يصف ذلك: وكان أبو سفيان في مرمى سهمي، إلا أني ذكرت قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تحدث شيئاً حتى ترجع) . وأبو سفيان يومئذ كان رأس الكفر، وكان هو قائد الأحزاب، وكان في مرمى سهمه ومناله، لكنه التزم ذلك الأمر، والأمر قطعاً كانت فيه الحكمة، وهو إرشاد بوحي من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3- 4] .

    ومجزأة بن ثور السدوسي رضي الله عنه في معركة أخرى مع الروم عندما كلفه قائد المسلمين سعد ، وبعد أن طال الحصار ولم يستطيعوا أن يقتحموا أتته رسالة من بعض الروم تدلهم على منفذ تحت الأرض في نفق فيه ماء، فقال سعد لـمجزأة : (انظر لي رجلاً من قومك خفيفاً جريئاً شجاعاً). فقال: اجعلني أنا ذلك الرجل أيها الأمير. فقال له: (لا تحدث شيئاً) فدخل وخاض الماء، قال: فخلصت حتى رأيت الهرمزان ، ونازعتني نفسي في قتله إلا أني ذكرت قولك. فرجع وأخذ ثلاثمائة كلهم خاضوا ودخلوا وفتحوا الحصن من الداخل.

    فالقضية ليست اندفاعات عاطفية، وإنما هي انضباطات شرعية ومراعاة مصلحية ومنهجية في الأولية، فينبغي أن نعرفها.

    الضياع والخسارة

    كم من الشباب يندفعون في جوانب مختلفة ثم لا يحصلون على شيء؛ لأنهم لم يرشدوا تلك الحماسة، ولم يجعلوها في برامج عملية وتدرج، فيمضي الوقت ولا تحصل الثمرة، أو تنفق الجهود أو الأموال ولا تحصل النتيجة.

    ولعلي أضرب مثالاً في قضية العلم مرة أخرى:

    بعض الشباب في هذه الحماسة العلمية يتتبعون مسائل الخلاف، وتجد الواحد بعد يوم أو يومين من بداية عنايته بالعلم أو بعنايته بالالتزام إذا به يسمع هذه المسائل الخلافية ويبدأ يتحدث بها: فلان مخطئ، وفلان كذا. ويبدد الجهود في تتبع الأخطاء وفي حفظ الأحاديث الضعيفة والموضوعة، ولم يعرف الصحيحة بعد، ولم يحفظها، ولم يكوّن من ذلك نظرة علمية واضحة يستطيع بها أن يميز الخطأ الذي قد يكون في هذه المنهجيات المختلفة، وابن القيم رحمه الله -كما ورد في القواعد- قال: من تتبع شواذ المسائل قلّ أن يفلح. يعني من تتبع المسائل التي فيها الخلافات فقط.

    ويقول: منهج أهل السنة والجماعة أخذ أصول العلم. وقال: وغيرهم يتتبع شواذ المسائل. ويقول عن تجربة: وقلّ من رأيته يفلح في هؤلاء. أي: لا يخرج بثمرة؛ لأنه -إذا صح التعبير- يأخذ من كل بحر قطرة، وينتهي بعد ذلك بدون أي قطرة، وليس في ذلك تحقيق للصورة الإيجابية المرجوة، والتي تتمثل في تجميع هذه الجهود لنصل إلى ثمرة، وإنما ضياع وخسارة.

    ولا شك -أيضاً- أن من الحسرات موضوع التضخيم والاختلال، فهناك نقاط صغيرة يمكن بالمكبرات أن ترى أضعاف حجمها، فمن حماسة الناس أن أحدهم أحياناً إذا تحمس لأمر جعله كل شيء، وجعله هو مبتدأ الأمر ونهايته، وهو أوله وغايته، وهو الذي لا يمكن أن ينشغل أحد إلا في أوله وغايته، وهو الذي لا يمكن أن ينشغل أحد بسواه، وإذا انشغل أحد بغيره فهو ضائع وتافه ومضيع للأمور، وهكذا تندفع العاطفة تماماً، وهكذا هي العاطفة بطبيعتها، كما يعرف عند العشاق والمحبين تختصر الدنيا كلها في المعشوق والمحبوب، كما قيل:

    ولو قيل للمجنون ليلي ووصلها تريد أم الدنيا وما في طواياها

    لقال غبار من تراب ديارها أحب إلى نفسي وأشفى لبلواها

    يقول ابن الجوزي معلقاً: وهذا مذهب المحبين بلا خلاف، فمن أحب الله ورسوله كان أدنى شيء منهما أحب إليه من كل هذه الدنيا وما فيها.

    فالمسألة الاندفاعية العاطفية قضية عظيمة، ومن أمثلتها: التقديس والتبخيس والتهوين والتهويل، فمن أحببناه جعلناه ذلك الرجل الذي كأنما هو ملك مبرأ من كل عيب، أما علمه فغزير، وأما رأيه فسبيل، وأما منطقه ففصيح، وأما تصرفه فحكيم، وكأنما لم يكن فيه عيب مطلقاً، ونحن حينئذ نقول: هو الأول وهو الآخر، هو الذي ينبغي أن يكون، فأين هذا من ذلك الاتزان؟ فإن النبي عليه الصلاة والسلام يقول لأصحابه: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم) ، ويقول: (قولوا ببعض قولكم) فيجعل هذا الاعتدال في شخصه عليه الصلاة والسلام، وهو من هو في عظمته ومكانته عند ربه سبحانه وتعالى! ومما رواه أنس رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب شيء إلينا رؤيته، فإذا أقبل علينا لم نقم له؛ لأنا نعرف كراهيته لذلك) ونحن أحياناً إذا انتقصنا إنساناً أو كان غير مقنع لنا فلا نكاد نرى له حسنة من الحسنات، كما قال الشاعر:

    وعين الرضا عن كل عيب كليلة كما أن عين السخط تبدي المساويا

    وهذه قضية واضحة.

    إذاً فهل نحن الآن مع الحماسة أم نحن ضد الحماسة والمتحمسين؟ الجواب: نقول: لا للتهور، وأما الحماسة التي قلناها فلنظل باقين على عهدنا بها وعلى تأييدنا لها.

    1.   

    أسباب الحماسة المتهورة الضارة

    ننظر مرة أخرى إلى الحماسة المتهورة، ما أسباب هذا الذي رأيناه من قبل؟ إذ لابد أن نعرف العلل من خلال أسبابها وبداياتها حتى نجتنبها وحتى نتقيها، فالوقاية خير من العلاج.

    القصور في العلم

    أول هذه الأسباب: القصور في العلم.

    فمشكلة الجهل هي آفة الآفات، ومن الجهل جهل بسيط وجهل مركب كما نعلم، والجهل الذي نقصده غياب كثير من الأصول العلمية المهمة، وعدم معرفة النصوص الشرعية في كثير من الميادين الحياتية والمسائل الآنية المستجدة، وعدم معرفة القواعد الشرعية التي هي خلاصة استقراء للأدلة النصية، وعدم معرفة المقاصد الشرعية التي هي خلاصة غايات هذا الدين وأهدافه، وعدم معرفة السنن الربانية في طبيعة هذه الحياة وطبيعة قيام الدول وسقوطها، وطبيعة مآل المتقين وعاقبة المكذبين والكافرين، وهناك قضايا كثيرة لابد من أن ندركها، وأن نعرف أنها سنن ماضية لا تتبدل، كما قال تعالى: فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا [فاطر:43]، فلابد أن يكون عندنا يقين ومعرفة وتشرب لهذه المعاني، حتى لا نندفع مع العاطفة بعيداً عن هذه الأصول العلمية المهمة، وعندما نتلوا قول الله سبحانه وتعالى: إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ [محمد:7]، وقوله: إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [هود:49]، وقوله: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ [الروم:60] نجد أن هذه المعاني المهمة قد طبقها النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة رضوان الله عليهم، فعلى سبيل المثال: في سنن أبي داود أنه كان نفر من الصحابة في سفر، وشج أحدهم، فأصابته جنابة. فاستفتى أصحابه فقالوا له: لابد أن تغتسل، مع أن الجو بارد والرجل به جرح، ولكنهم قالوا: لابد أن تغتسل. فاغتسل فمات، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (قتلوه قتلهم الله! ألا سألوا إذ لم يعلموا؟ إنما شفاء العي السؤال)، فكم من القضايا الضخمة الهائلة والمسائل الكبيرة التي من المفترض أن لا يتكلم فيها إلا أكابر العلماء مجتمعين، وإذا بك تجد ذلك الشاب في مقتبل العمر يتناول الحديث فيها، ويفتي فيها، ويعطي القول الحاسم والجاد، ويرفض كل ما يخالف رأيه وقوله!

    وهذا في غالب الأحوال ليس عن أساس علمي، وإنما هو عن اندفاعات عاطفية وخليط ومزيد من هذه التجاذبات التي تجتمع لذا أو ذاك.

    النقص في الوعي

    السبب الثاني: النقص في الوعي.

    والوعي هو إدراك المسائل من جميع جوانبها، ومعرفتها من كل وجوهها، وكثيراً ما تكون النظرة إلى جانب واحد تذكرنا بالقصة المشهورة للعميان الثلاثة الذين اتفق أن رأوا الفيل، فأحدهم وقعت يده على خرطومه، والآخر وقعت يده على أذنه، والثالث على جزء آخر، فكل واحد عندما وصف الجزئية التي رآها كان الوصف أبعد ما يكون عن الحقيقة؛ لأنه لم تكتمل الأجزاء حتى تتكامل الصورة بشكل واضح.

    فمعرفة الواقع أصل مهم في تنزيل الحكم الشرعي على هذه المسائل، وهذه المسألة طويلة، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في (زاد المعاد) فصولاً نفيسة في هذه المسألة، وقال: إن كل عالم ينبغي أن يكون عالماً بالشرع وبصيراً بالواقع، حتى يستطيع أن ينزل هذا على ذاك. فنقص الوعي بما وراء هذه الأمور وما يترتب عليها من المفاسد والمصالح والرؤية التكاملية نقص ذلك في غالب الأحوال يقع به مثل ذلك الذي أشرنا إليه.

    الضعف في التربية

    السبب الثالث: الضعف في التربية.

    لقد كثرت أجيال الشباب الذين لم يتلقوا تربية متكاملة منهجية على الأصول الإسلامية، وقد كنا في أوقات ليس عندنا أحد يرشدنا، أو ربما كنا قد سرنا في طريق من التسيب أو التفلت أو تجاوز المحارم أو نحو ذلك، ثم بعد ذلك عدنا، أو كانت لنا ثقافات مختلطة، ثم بعد ذلك حاولنا أن تكون لنا ثقافة أصيلة، وهذا الخلط فيه ضعف التربية، وليس فيه تعويد على منهجية متكاملة على سير واضح وعلى تخطيط بين، وعلى صبر وانضباط، وكثيراً ما يكون عبارة عن هذه الردود الانفعالية، وكثيراً ما نرى الجوانب المتضادة، فمن أقصى اليمين إلى أقصى اليسار بغير أن يكون هناك مرور على منطقة الوسط، وهذا أيضاً مشاهد في كثير من الجوانب.

    الإحباط في المشاعر

    الجانب الرابع -وهو من أخطرها وأكثرها تأثيراً في الشباب الذين يتهورون- الإحباط في مشاعرهم، وذلك من نواح عدة:

    أولى هذه النواحي: تسلط الأعداء وهيمنتهم على أحوال وأوضاع وبلاد الأمة الإسلامية، في عجز فاضح، وتخاذل واضح، وسلبية مؤلمة ومحزنة، فيرى الشباب المتحمس ذلك فتغلبه عاطفته، وتتقد حماسته، وربما عند غياب ما سبق تضيع الرؤية، ويطيش العقل، وينعدم الرأي السديد المبني على العلم الصحيح، وهذا نحن نعرف واقعه، ونعرف كم هي بلاد الإسلام التي احتلها الأعداء وتسلطوا عليها، ليس لسنة ولا لسنتين، ولا لعقد ولا عقدين، بل أكثر من ذلك، ولعل فترات الزمن الأخيرة كان فيها كثير مما يعد هزائم وتراجعات للمسلمين على مستويات عدة، بل على المستويات الحضارية والعلمية، ومن تتقد نفسه غيرة وحمية لابد من أن يكون لهذا أثره عليه، فإذا زاد حجم هذه القوة وحجم هذا العدوان وحجم هذه العزائم أصبحت أكبر من أن تحتملها نفسه، فيخرج إلى غير حد الاعتدال وإلى التصرف بغير اتزان، وهذا أمره أيضاً واضح.

    الناحية الثانية: كثرة الانحراف والخلل والتجاوز في مجتمعات المسلمين نفسها في حدود الله عز وجل، فنحن نعرف كم في بلاد المسلمين من هذه التجاوزات، وكم في بلاد المسلمين من إقرار المنكرات والقيام بها وإعلانها وتبنيها، وكم فيها مما هو مخالف لشرع الله، ويمنع شرع الله، ويبيح ما يخالف شرع الله.

    وهذه قضية لا شك أن كل ذي غيرة وإيمان يضيق صدره بها، وتغلي نفسه، ويشتعل قلبه حزناً وألماً، لكن عندما تفقد دعوة هذه الصور يكون أيضاً ما ذكرناه.

    الناحية الثالثة: سوء المعاملة، والظلم في التعامل مع هؤلاء الشباب، سواء أكان ذلك في بيئة التعليم من أساتذتهم أم ممن قد يكون في موقع التربية، فإنهم قد لا يجدون منهم إلا تخطئتهم واتهامهم بالنزق والطيش ونحو ذلك، أو حتى في الدائرة الأسرية وعجز الآباء عن تفهم ما قد يكون عند الشباب من عواطف فيها أخطاء لكنها تحتاج إلى توجيه، وربما كذلك أحياناً في المعالجات والمعاملات الأمنية على مستوى الدول، فكثيراً ما كانت هذه المعالجات بذوراً لتلك الانحرافات بشكل أو بآخر، ونحن في عصر تتجدد أحداثه وتتفاقم بشكل كبير، وهذه قضية مهمة.

    رداءة الاستيعاب

    أخيراً: الرداءة في الاستيعاب، فهذه الطاقة المتدفقة والحماسة المتألقة أين تصرف؟ وأين مجالها الصحيح؟ وكيف نضعها على خط القطار ليمشي إلى الوجهة التي ينتهي إليها ليصل إلى غاية محددة ومعروفة؟

    إن طاقات الشباب اليوم إما أنها مستنفدة في أمور تافهة وضائعة، وكم يُستنفذ من حماس الشباب في الرياضة على سبيل المثال! وكم من حماسة وقوة وصراع وتعصب وقدرات تتفجر في هذا الجانب بهذه الضخامة! وإما أنها مستنفدة في جوانب أخرى أيضاً ليست في الاستثمار الصحيح، والرياضة جيدة، والتشجيع في أصله ليس شيئاً مذموماً، لكن هذه المبالغات تصل في آخر الأمر إلى أنها لا تقنع، وأنها في الأخير ترتد إلى فراغ يرجع إلى بحث عن بديل آخر.

    وأيضاً هناك غياب وقلة وندرة في المحاضن الاستيعابية لهؤلاء الشباب وحماستهم.

    1.   

    الحماسة المعتدلة هي المطلوبة

    ولعلي أصل إلى نقطة أخيرة مهمة، فكما قلنا: لا للتهوين نقول: لا للمتهورين. وقد تتساءل: ما الذي تريد؟ وأين سنصل ونحن ما بين حماسة مدحتها ثم عدت ونقضت أصولها؟

    وهنا نكمل بالشق الثاني من عنوانها، ونقف هذه الوقفة الأخيرة في حماسة الأكياس، والمقصود بالأكياس ذوو العقول، وهنا نكون قد جمعنا بين الأمرين.

    والحقيقة أن الإنسان بدون الحماسة والحيوية النفسية هو أقرب إلى الجماد وإلى الموات منه إلى الإنسان الذي هو بطبيعته حيوي، والتفاعلات الحيوية في جسم الإنسان كثيرة، ففي الثانية الواحدة تقوم عمليات ضخمة وهائلة في جسم الإنسان، ثم هو بعد ذلك يكون خاملاً وقاعداً وكسولاً! هذا لا يتطابق، لذلك نقول: صفة الحماسة إذا أضفنا إليها هذا الخليط والمزيج من الكياسة أصبحت هي الحماسة الإيجابية التي نمدحها ونريدها، وترشدها تلك النظرة العقلية المتزنة، فتأتينا هذه الصورة التي نريد أن نعطي فيها وصفاً لهذه الحماسة الكيسة أو الكياسة المتحمسة، وكما ذكر الحسن البنا في كلمات جميلة يقول فيها: ألجموا نزوات العواطف بنظرات العقول، وأنيروا أشعة العقول بلهيب الحماسة. وهذه كلمات جميلة تبين أننا نحتاج إلى المزج، فذلك العقل الذي دائماً هو منطوٍ ولا يريد أن ينطلق يحتاج إلى بعض الحماسة حتى تفك عنه بعض تلك القيود التي يبالغ فيها، وربما تلك الحماسة المندفعة تحتاج إلى بعض قيود العقل حتى يرشدها، فذلك التعقل والاتزان مهم جداً، فالاتزان لا يعرف طغيان جانب على جانب، كما في قصة سلمان وأبي الدرداء، فإنه لما جاء سلمان إلى أبي الدرداء شكت أم الدرداء فقالت: أخوك أبو الدرداء لا حظ له في الدنيا، وإنما هو صائم نهاره قائم ليله. فنزل ضيفاً عليه، فأراد أبو الدرداء أن يصلي فقال له سلمان : لا. وكان صائماً فقدم لـسلمان الطعام فقال: كل معي. قال: أنا صائم. قال: افطر. وجعله يفطر، ثم لما جاء الليل أراد أن يصلي، فقال: نم. ثم قال: أريد أن أصلي. قال: نم. حتى إذا كان نصف الليل قال: قم فصل. ثم جادله في ذلك، فلما بلغ الأمر النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (إن لأهلك عليك حقاً، وإن لزورك -أي: ضيوفك- عليك حقاً وإن لنفسك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه).

    وهناك موقف أيضاً لـعثمان بن عفان رضي الله عنه، فإنه لما كان في فترة خلافته بدأ بعض المرجفين يشيعون انتقادات على عثمان رضي الله عنه، فلما جاء موسم الحج جمع عثمان جمعاً من خيار الصحابة يريد أن يبين للناس خطأ ما يقال عنه، فقال: (لأقومن في الناس مقاماً لا أدع شاردة ولا واردة إلا أتيت عليها) يريد أن يبين للناس، فقال عبد الرحمن بن عوف : (يا أمير المؤمنين! لا تفعل؛ فإن الموسم يجمع رعاع الناس، ورب كلمة يطيرها عنك مطير). فتتلقاها عقول لا تستوعب تلك القضايا، وإذا بها بعد ذلك تطيش، وهذا يأخذها يمنة وذاك يأخذها يسرة، وهذا يفهمها على وجه، وذاك يفهمها على وجه آخر.

    والكلام في موضعه جعله الشاطبي رحمه الله من السنة، وجعل الكلام في غير موضعه من البدع، كما ذكر ذلك في (الاعتصام)، واستدل بقول علي رضي الله عنه عند البخاري : (حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟).

    وهكذا حديث ابن مسعود في صحيح مسلم قال: (ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة) وهذا أمر واضح.

    وفي الحديبية وقع موقف كبير للنبي عليه الصلاة والسلام، فإنه لما أراد أن يكتب الصلح قال: (أكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله) فقال سهيل بن عمرو : لو كنا نعرف أنك رسول الله ما جادلناك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك. ولما قال صلى الله عليه وسلم: (اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم) قال: لا. ما نعرف ما الرحمن ولا الرحيم، اكتب: باسمك اللهم. والرسول صلى الله عليه وسلم يقول لـعلي بن أبي طالب : (اكتب) وعلي غير مستسيغ لهذا، أي: لا يرى ذلك، والرسول صلى الله عليه وسلم كان أوسع فهماً وعقلاً أن يدع هذه الصغيرة من الأمور، فقال صلى الله عليه وسلم: (امحها)، فقال علي : لا والله لا أمحوها. فمسحها رسول الله بيده، وفي بعض الروايات: (بنفسه)، وكأنه يقول لـعلي : اكتب ودعك من هذه القضية الصغيرة؛ فإن هناك ما هو أكبر منها، ولا تقف عند هذه المسألة وتعطها أكبر من حجمها، وبالتالي تجعل كل توجهك ومواجهتك وقوتك وطاقتك واعتراضك لهذه القضية، فتقيم فيها معركة ضخمة هائلة. كما نرى من بعض الشباب عندما ينكرون أمراً ليس من الشرع ولا سنة من السنن، حيث يجعلون النكير عليها كأنها أصل الدين كله، وربما جعلوا من ذلك ما يخرجون به إلى تفسيق أو تبديع أو تكفير، إلى غير ذلك مما نريد أن ننبه الناس إليه.

    ثم أقول: لابد من الضبط والإحكام لمعالجة مثل هذه القضايا، وقد ذكرت في هذا ما هو مهم جداً، ولعلنا نستحضر مثالاً واحداً: ففي بيعة العقبة قبل أن يبايع الصحابة رضوان الله عليهم جاء أبو الهيثم بن التيهان -وقبل غيره- فقال: اعلموا أنكم إنما تبايعون الرجل على حرب الأحمر والأسود، فإن رأيتم أنكم تسلمونه فمن الآن، أراد أن ينبئهم ويحذرهم، فبايعوه، فقال العباس بن عبادة بن نضلة رضي الله عنه: يا رسول الله! لو شئت أن نميل على أهل هذا الوادي ميلة واحدة لفعلنا. أي: على أهل منى؛ لأن هذا الكلام كان في الفترة المكية، فقال صلى الله عليه وسلم: (إنا لم نؤمر بذلك).

    ولما جاءه خباب في الفترة المكية وقد اشتد الأذى قال: يا رسول الله! ألا تدعو لنا؟ ألا تستنصر لنا؟ فقال عليه الصلاة والسلام: (إنه كان فيمن قبلكم يؤتى بالرجل فيحفر له في الأرض ثم يوضع فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فينشر نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه! ما يصده ذلك عن دينه. ثم قال: والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم قوم تستعجلون).

    1.   

    أهمية التدرج والاستثمار لعاطفة الحماسة

    لو أننا تدرجنا لوجدنا أننا سنحصل أكثر مما نحصل عليه بالسرعة التي ليس فيها مراعاة للواقع ولطبيعة الإنسان، ومن أحسن الأمثلة في هذا قصة عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز، فإنه لما تولى أبوه الخلافة كان عند الخلافة ورعاً وزاهداً، وكان يأخذ بالجد في الأمور، فجاءه ابنه عبد الملك ينكر عليه ويقول: كيف تلقى الله عز وجل بمثل كذا وكذا؟ فقال له: ألا ترضى ألا يمر على أبيك يوم إلا وهو يميت بدعة ويحيي سنة؟ ذاك الشاب يريد أن تكون كلها في يوم واحد، ولكن أباه لحكمته -وأيضاً لقوة إيمانه وحماسته- كان يريد أن يجعلها في منهجية تحصل بها النتيجة ويقع بها الأثر المطلوب.

    وهكذا ما كان من شأن النبي عليه الصلاة والسلام في عمرة القضاء في العام السابع من الهجرة، حيث طاف النبي صلى الله عليه وسلم حول الكعبة والأصنام حولها ستون وثلاثمائة صنم، والرسول يطوف بها بعد صلح الحديبية ولم يشتمها، ولم يتعرض لها أبداً؛ لأن هذا له مجال آخر، وبعد عام واحد فقط عند أن جاء لفتح مكة جاء ومعه محجنه عليه الصلاة والسلام، فجعل يطعن هذه الأصنام وهي تتهاوى، ويقول: وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا [الإسراء:81].

    فكل شيء بأوانه، والإنسان يجتهد ويعد عدته ويفكر ويدبر ويستشير، ويستعين بالله عز وجل ويستخير، وأما التعجل فلا ينبغي أن يكون.

    وأيضاً الدوام والاستمرار هو طبيعة ذلك التدرج، فخير الأعمال أدومها وإن قل، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل ما داوم صاحبه عليه، ولكي نحافظ على هذه الحماسة وتأتينا ثمرتها فنحن لا نريد العواطف التي تصل بنا إلى العواصف القاصمة، وإنما نريد العمل الذي يدوم ويستمر.

    فهذا ابن عباس رضي الله عنهما كان له صاحب من الأنصار، قال: لما مات الرسول صلى الله عليه وسلم قلت لصاحبي من الأنصار: اغد بنا إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نطلب العلم. فقال له: ومن ينظر إليك يـابن عباس وفي القوم أبو بكر وعمر وعثمان ؟ قال: فانطلقت وتركته، وبدأت أتتبع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وآخذ عنهم). وتدرج رضي الله عنه حتى أصبح بعد فترة قصيرة من الزمن بهذه المواظبة والاستمرارية هو حبر الأمة وترجمان القرآن، فرضي الله عنه وأرضاه.

    وفي الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى حبلاً متدلياً فقال: (ما هذا؟ قالوا: حبل لـزينب تصلي فإذا تعبت تعلقت به. قال: مه! عليكم من الأعمال ما تطيقون؛ فإن الله لا يمل حتى تملوا، ليصل أحدكم نشاطه، فإذا تعب فليرقد)، فخذ أمراً تستطيع أن تواصل فيه؛ فإن هذا من الأمور المهمة، وينتج عن هذا أننا لو أخذنا بذلك سوف تنمو هذه الحماسة وتنتشر، وتعم هذه الإيجابية بشكل مهم وأساسي.

    1.   

    أهمية ربط الحماسة بالكياسة

    ولعلنا نختم ونقول: إن الذي نريده حماسة ولكنها مشوبة بهذه الكياسة، ونحن نقول: لا للتهجين والترويض. ولكننا أيضاً نقول: لا للإثارة والتهييج، وإنما نحن نريد أن يكون لنا طريق إلى هذه الحماسة الراشدة من خلال ما قلناه في تلك الجوانب السلبية وبعكسه إيجابياً علماً بالشرع، وبصراً بالواقع، وصبراً في المعالجة، وعدالة في المواقف، وأناة في الممارسة، والله سبحانه وتعالى قال: وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا [الكهف:58] .

    أكتفي بهذه الومضات، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من العالمين بديننا البصيرين بهدي نبينا صلى الله عليه وسلم، وأن يلزمنا النهج القويم والصراط المستقيم، وأن يثبتنا على الحق ويتوفانا عليه.

    1.   

    الأسئلة

    أهمية التدرج في الإعداد لمواجهة الأعداء

    السؤال: كيف تطالب الشباب بالاتزان ونحن نعيش في عصر تكالب علينا فيه الأعداء من كل جانب، وأعراضنا تنتهك في كل أرض، وآباؤنا وإخواننا يقتلون في كل أرض، فكيف السبيل إلى هذه الكياسة وهذا الاتزان؟!

    الجواب: ما ذكر لم يحصل في عشية وضحاها، ولم يتوصل إليه في يوم وليلة، وبالتالي فإن مقاومته وتغييره من باب أولى، ولم يكن كذلك في غمضة عين ولا في لحظة سريعة من الزمن، والنبي عليه الصلاة والسلام ظل يدعو في مكة ثلاثة عشر عاماً لم تتهيأ له الفرصة ليقيم الدولة، ولا ليعلن أو ليقيم الشعائر، ومع ذلك كان ينظر إلى المدى الأبعد، وخرج من مكة فالتمس أنصاراً في الطائف فلم يجد، فهاجر إلى المدينة، وصنع ما صنع عليه الصلاة والسلام، ثم رجع فاتحاً مكة وما بعد مكة.

    ولا شك أن في نفوس الشباب إحباطاً وأن ما يتعرض له المسلمون ليس بالهين، ولكنني أقول: إذا أخذنا بحماسة غير منضبطة وغير متزنة فما الذي سيحصل؟ ألسنا نريد أن نغير هذا الواقع من هزيمة إلى نصر ومن ضعف إلى قوة ومن فرقة إلى وحدة؟ إن كانت هذه الحماسة ستحقق ذلك فلنكن جميعاً كذلك، وإن كانت هذه الحماسة على صورتها التي صورناها لن تحقق هذه الغايات وستكون سبباً إلى مزيد من ذلك الضعف والهوان والهزائم فلا شك أن الحماسة نفسها -فضلاً عن العقل- تدعو إلى أن تضبط هذه العواطف، ولا ينبغي أن توأد، ولا ينبغي أن نضيق عليها بحيث ترتد إلى عكس ذلك، فتعود خنوعاً وخمولاً وركوداً إلى الأرض أو انصرافاً إلى الشهوات والملذات أو تنفيساً لتلك الطاقات في مجالات تافهة وعارضة، ولذلك نحن في امتحان صعب؛ لأننا لا نريد أن نطلق هذه الحماسة، ونريد أيضاً أن نبقي عليها، ومن هنا لابد من أن توسع دائرة استثمار هذه الحماسة، فحاسب نفسك وأصلحها، وزد علمك وأكثر عبادتك، وقو عزيمتك، وأتقن دورك ومهمتك، وادع غيرك، واعمل وتحرك حتى لا تكون طاقتك مكبوتة وحماستك موءودة، وبالتالي تخرج ولا تنفع فيك الجدوى أو تنصرف إلى غيرها.

    لذلك نحن نقول: طريق الألف يبدأ من خطوة واحدة، كما قيل:

    من لي بمثل سيرك المدلل تمشي الهوينى وتجي في الأول

    وأعداؤنا لا يحاربوننا بهذه الاندفاعات فقط، وإن كنا رأيناها في هذه الصور، لكن أقول: نحتاج إلى أن ندرك هذه الحقائق، ونعرف كيف ضبطها النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة والمسلمون في كثير من فترات التاريخ التي مرت بهم، وبعضها فترات ليست بعيدة عن فتراتنا هذه، وإن كانت هذه الفترات تتصور على أنها من أشد الفترات على أمة الإسلام، لكن أقول: استطاع المسلمون بفضل من الله عز وجل أن يلتزموا التزاماً صحيحاً، وأن يُكونوا جسداً واعياً بحقيقة واقعه، ونحن في يقين جازم بأن العاقبة للمتقين، وأن النصر للمسلمين، ولكن لهذا النصر عربونه ومطالبه وواجباته ومستحقاته لابد من أن نبذلها، وإن كنا عاجزين عن أن نضبط أنفسنا أو أن نضحي بوقتنا أو بجهدنا أو بمالنا فلن نضحي بما هو وراء ذلك من أرواحنا، وليست القضية هي التضحية بالأرواح بذاتها، وإنما بما يترتب عليها من المصلحة في النكاية بالأعداء وتحقيق مصالح الإسلام والمسلمين، وهذا أمره واضح وبين، فنسأل الله عز وجل أن يعين؛ لأن المسألة فيها صعوبة شديدة.

    الإصلاح والدعوة إلى الله ومواجهة الأعداء مسئولية الجميع

    السؤال: هل على العلماء من مسئولية لأنهم انزووا فاضطر الشباب إلى أن يأخذ بزمام المبادرة؟ وهل من كلمة لتذكير العلماء بواجبهم في النزول إلى الشباب لمناقشتهم ومحاورتهم؟

    الجواب: هذه مسألة جيدة، وقبل أن أعلق عليها أريد أن أجيب بإجابة لا تعجب في الغالب، ولكن لي فيها مقصد أن يلتفت نظرنا إلى هذا المعنى.

    أريد أن أقول: لنجعل دائماً الجمع بين أمرين: إذا وجهنا التهم والتقصير للآخرين فلنكن أيضاً على نفس القدر من القوة والصرامة والصراحة في نقد أنفسنا واكتشاف قصورنا ومطالبة أنفسنا بما نطالب به غيرنا؛ لأن مسئوليتنا عن أنفسنا ودورنا ومن هم تحت أيدينا أكبر وأبلغ وأعظم، وإذا لم نؤدها فلا يعني ذلك أن لا نذكر نقصاً وخللاً عند غيرنا، لكن نحن -إلى حدٍّ ما- قد تعودنا -بل ربما أقول: إننا تخصصنا وأبدعنا- توزيع التهم على الآخرين وعدم الالتفات إلى حالنا نحن.

    كما في حديث أبي هريرة : (يبصر أحدكم القذى في عين أخيه ولا يرى الجذع في عينه).

    وقبل أن أعلق على هذا أحب أن أقول: لنكن صرحاء مع أنفسنا، فنحن من أسباب بلاء هذه الأمة بما عندنا من تقصير، وبما نرتكب من مخالفات، وبما يقع منا من منكرات، فلو كل منا كان عنده صراحة مع نفسه لا نحسم جزء من الداء، ومع ذلك لا يعني هذا أن الحكام والأمراء أو الدعاة أو العلماء ليسوا مقصرين، لكن نقول: خذ ما تستطيع من ذلك، واهتم بأمرك، وليكن سعيك في ذلك أيضاً بما هو واجب عليك.

    أما دور العلماء فلا شك أنه دور أساسي مهم، وأن التقصير فيه وغيابه الجزئي أو النسبي -خاصة في أوساط الشباب- كان له أثر كبير في كون العلم والبصيرة والحكمة لم تكن جرعتها بالقدر الكافي؛ حيث إن تلك الحماسة والعاطفة لم تقابلها تلك الصدور الرحبة والعقول الواعية والأيدي الحانية التي تستطيع أن تضبط العقل، وأن تؤثر أيضاً في حماس النفس، وأن تدل على الدرب وعلى الطريق، ولذلك أقول -والله أعلم-: إن هذا هو جزء من القصور في مجتمعاتنا وفي أمتنا الإسلامية بوجه عام، ولا شك أيضاً أن هذا جزء مما سعى إليه أعداؤنا، لكن أعداءنا من البديهي أنهم يواجهوننا ويحاربوننا، ولن نتوقع من الأعداء أن يعينوننا أو أن يخلصوا لنا النصح.

    وأقول أيضاً: قد نكون نحن مقصرين، فلمَ لا نطلب من هؤلاء الدعاة؟ ولمَ لا نخاطب أولئك العلماء؟ ولم -أيضاً- لا يكون لنا بكمال الرشد وحسن الأدب والتزام الشرع دور في أن نصلح هذا الجانب فيما مضى أنه مفيد؟ ولا شك -في الحقيقة- أن الحاجة تتزايد بشكل ملح، وأن الصورة تظهر بشكل واضح في أن هذه الشقة وهذا البعد وهذه الفجوة إن لم يكن هناك مبادرة جادة وإيجابية ومنهجية وحقيقية واقعية وليست شكلية وظاهرية فسوف تزداد هذه المشكلة تفاقماً، ولعلنا -إن شاء الله- نؤمل مع كل ما يجد من أحداث في أمتنا أن هذه الأحداث لها أثر في إيقاظ الجميع وتحريك الجميع للقيام بأدوارهم المنشودة والمطلوبة، ولعلنا نأمل في الله عز وجل وفيما يجري بقضاء الله أن يكون فيه خير يقودنا إلى إصلاح هذه الأوضاع في سائر الميادين والجوانب كلها إن شاء الله.

    أهمية الاعتدال في جميع الأمور

    السؤال: الإحباط الذي أصاب الناس بسبب الأوضاع قادهم إما إلى التهور أو إلى اللامبالاة، فما هو توجيهكم؟

    الجواب: ليس هناك حل سحري أو وصفات من الدواء تأخذها ثلاث مرات في اليوم أو كذا؛ لأن هذا كان له فترة طويلة، ويحتاج كذلك إلى فترة طويلة، وإن كان هذا السؤال ربما يسأله بعض الشباب، فأنا أقول من تجربتي وأنا أمارس الإمامة والخطابة أكثر من عشرين عاماً: إن الذي يلقاه الشباب هو أقل مما يلقاه من هو في غير هذا، ففي كل مرة يأتيني ناس صغار وكبار، فأحدهم عندما يسمع كلاماً في الخطبة يقول: لماذا نسمع؟! وكيف يكون هذا؟! ولماذا لا يكون كذا؟ وهذه في الحقيقة أمور محرجة، ولذلك أقول: لابد أن تتوسع وتتنوع آفاق ترجمة هذه الحماسة والطاقات إلى ميادين عمل حقيقي، وإذا لم يكن ذلك كذلك فلابد أن نتوقع هذين الأمرين: إما لا مبالاة أو انصراف إلى الطرف والتلف والسفه وأي شيء آخر، وكذلك الجهة الأخرى، وهي جهة الذين تضيق صدورهم ويخرجون عن طورهم، ويفقدون رشدهم، وأحسب أن هذا الواقع أراد الله فيه بعض هذه الضرائب التي لابد أن نصرفها من هذا التيار ومن هذا التيار، ولكن إن كنا نحن -بإذن الله عز وجل- على وعي وبصيرة فلعلنا نغلب السواد الأعظم ليكون في مسار صحيح يعمل وينوع هذه الأعمال، ويدخل في الميادين المختلفة، ويأخذ إشارة بشعرة معاوية كما هو معروف، ويشتد في بعض المواطن ويسرع السير في بعض المواطن، وإذا وجد أموراً أخرى هدأ، وإذا وجد فرجة أسرع، وإذا وجد زحاماً توقف، بأسلوب من المداراة والحكمة لا يفتقد فيه الإنسان مقاصده وغاياته الشرعية، ولا يلين في مواقفه ومبادئه الإيمانية، ولا يضعف أيضاً من حماسته النفسية، ولكنه يراعي المصلحة الشرعية والسياسة الشرعية التي تدرأ المفاسد وتحصل المصالح بإذن الله عز وجل.

    أهمية الجد في الإنتاج والإبداع

    السؤال: أعمل أستاذاً في الجامعة وألمس -كما يلمس غيري من الأساتذة- ضعف همة شريحة كبيرة من الطلاب في التحصيل العلمي والجد والاجتهاد والحصول على العلم، أو على الأقل في الحصول على الشهادة العلمية التي يبتغيها، فما هو تعليقكم ونصيحتكم؟

    الجواب: ليتنا نكون صرحاء مع أنفسنا، فبعض الشباب الذي يقفز هنا وهناك ويتكلم في هذا الموضوع وذاك تجده -كما يقولون- بيته من زجاج.

    فمن مهمة الطالب أن يكون جيداً في دراسته متفوقاً فيها؛ لأنه في مهنته طالب، ومفترض أنه في كل سنة يتخصص في جانب، ثم إذا به يفشل في هذا الجانب، فأنا أعتبر أن هذا نوع من الضياع والخسارة، ونوع من الاختلال في بناء الشخصية، فالذي يريد أن يكون جاداً في أخذه والتزامه بدينه وجاداً في نصحه وإصلاحه أوضاع أمته وجاداً في مواجهته ومجابهته لأعدائه لابد من أن يكون جاداً في واجبه الذاتي ومهمته الشخصية، فالمرآة التي أمامنا إذا نظرنا إليها نرى فيها صورة أنفسنا كما هي، فإن كانت الصورة فيها سوء أو نحوه فإننا نستفيد من المرآة أنها تكشف لنا الخطأ فنصلحه، لكن نحن نتصرف تصرف الحمقى، إذا وجدنا في المرآة خطأً وتلوثاً في الثياب أو نحوه نغضب ونكسر هذه المرآة، وما ذنبها إلا أنها أرتنا حقيقتنا، فنحن أحياناً لا نريد أن نعرف حقيقتنا، وإنما ننظر من طرق في جوانب بعيدة، والشباب يقع منهم ذلك كثيراً، وأما ما هو من واجبه ومهمته مباشرة فلا يتقنه أو لا يريد أن يجد فيه، ويهتم بجوانب أخرى ويشغل نفسه بها، ويغطي خلله وعيبه وعجزه في هذا الجانب بأنه منشغل بأمور أخرى، ولا أدعو -قطعاً- إلى أن يعتمد على قضية الدراسة فقط وكأنما هي دنياك وأخراك، لا، فما سمعنا اليوم من بعض المصطلحات التي تدرس في الجامعة أمر جيد، وهي جديدة علينا، لكن أقول: لابد هنا من الملازمة الجادة التي يحصل بها التفوق، وكثيراً ما رأينا أن المتفوقين والجادين في دراستهم هم أيضاً السابقون في ميادين كثيرة من الميادين الإيجابية الشبابية.

    ومرة أخرى -وأنا أقول هذا كثيراً في الخطابة- أريد دائماً أن أكثر من الحديث المباشر الذي يتوجه لي ولك قبل أن يتوجه الحديث لغيرنا؛ لأننا إذا أكثرنا من هذا ربما وجدنا أننا نحتاج إلى بذل جهود أكثر مما نتكلم ومما ننتقد، وأيضاً حينما نتكلم مع الآخرين أو عن الآخرين سوف يكون كلامنا باتزان؛ لأننا لو طالبناهم بالكثير فنحن قد جربنا أننا لا نستطيع هذا الكثير ولا نتقنه، فنعذر الآخرين حينئذٍ.

    حكم التعصب لشخص أو لمذهب

    السؤال: من الملاحظ في أوساط الشباب من آثار الحماسة التعصب لمذهب معين أو منهج معين وما يأتي تبعاً من تمسك بالرأي وتتبع للرخص في المسائل الشرعية، نرجو تبيين ذلك؟

    الجواب: هذا سؤال طويل، ونحن عندنا من فضل الله عز وجل دين كامل وشريعة واضحة سمحاء، وعندنا علوم كاملة ليس في تاريخ الأمم مثلها في أصول الفقه وفي علوم الحديث وكيف نعرف الدليل وكيف نعرف صحته وكيف نستنبط منه، أما خبط العشواء فليس من منهجية الإسلام في شيء.

    وأما المتابعة لأحد الناس فإن المعروف أنه ليس هناك عصمة لأحد من الخلق إلا لسيد الخلق صلى الله عليه وسلم، وكل الأئمة نقل عنهم أنهم قالوا المقالة المشهورة: إذا صح الحديث فهو مذهبي، وإذا وجدتم قولي يخالف قول الحديث فأضربوا بقولي عرض الحائط.

    وكفانا عاطفية، حتى في الجوانب الدينية لا ننساق وراء من أحسنا به الظن أو رأينا منه الخير؛ لأنه ليس هناك كامل ولا معصوم إلا من عصمه الله عز وجل وهو الرسول عليه الصلاة والسلام، وفي سير أسلافنا من هذا ما يضيق المقام عن ذكره.

    موقع الشيخ علي بادحدح على شبكة الإنترنت

    السؤال: ما هو عنوان موقع الشيخ وبريده الإلكتروني؟

    الجواب: موقع الشيخ هو: eslamyat.com ، وفيه البريد الالكتروني.

    توجيه عام في بعض الأحداث

    السؤال: هل من كلمة حول بعض الأحداث التي تحصل في البلاد؟

    الجواب: هي أحداث جديدة، وأعتقد أن حديثنا الذي ذكرناه في الموضوع يبين الموقف من ذلك، وهو موضوع متفق على عنوانه ومضمونه، وإن كان الموضوع الدقيق في الحقيقة ينحصر في مسألتين أساسيتين فيهما من الناحية الشرعية تفصيلات كثيرة ومسائل دقيقة جداً، هذان الأمران والبابان العظيمان هما: باب الجهاد في سبيل الله عز وجل، وباب الصلة بولاة الأمر.

    وليس هذا الباب ولا ذاك ولا أي باب من أبواب الشريعة الإسلامية يعتمد أو يتصل بقضية العاطفة أو ردود الأفعال، إنما المطلوب مرجعية شرعية نصية بقواعدها وأصولها وضوابطها.

    وأقول: من جملة ما نعلم أن من أصول وقواعد هذا الدين أن ما يترتب على مثل هذه الأعمال من مفاسد ومضار أكبر من المصالح التي تحققها، فضلاً عن أن تنزيل الدليل الشرعي على الحدث الواقعي أقل ما يقال فيه: إنه من المسائل التي فيها خلاف كبير، ولا يصح ولا ينبغي بحال من الأحوال أن يستقل بنا الاجتهاد في هذه المسائل الضخمة، وكثير من الناس ليس لهم خبرة ومعرفة بالعلم والرسوخ فيه، ثم يكون لهم اجتهادهم المطلق ورأيهم المفرد وتطبيقهم لهذا الاجتهاد! هذه قضية خطيرة ودقيقة.

    وقلت: هما بابان فيهما من المسائل الشرعية الدقيقة ما يحتاج إلى أن يكون القول فيه لأهل العلم مع اجتماعهم واتفاق آرائهم؛ لأن المسألة لا تتعلق بنص وظاهر معناه، وإنما بما وراء ذلك من قواعد وترجيحات، ومن معرفة بالواقع وأمور كثيرة، ولعلنا ندرك أن المخاطر التي تحيط بأمتنا أكثر من أن نجعل هذه المعاني والمسائل والأحداث تفرط العقد وتعيق الانطلاق وتتيح الفرصة للأعداء لأن يكون لهم المزيد من المآخذ والمداخل التي يحاولون من خلالها أن يسيئوا إلى أمتنا ومجتمعاتنا وبلادنا.

    نسأل الله عز وجل أن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يسلمنا من زيغ الآراء وفتنة الأهواء، وأن يعصمنا بعصمة كتابه، وأن يلزمنا هدي رسوله صلى الله عليه وسلم؛ إنه سبحانه وتعالى ولي ذلك والقادر عليه.