اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الشباب بين الحماسة والكياسة للشيخ : علي بن عمر بادحدح


الشباب بين الحماسة والكياسة - (للشيخ : علي بن عمر بادحدح)
من الأمور التي خص الله عز وجل بها الشباب: الحماسة، والحماسة سلاح ذو حدين، إن استخدم باتزان وتعقل نفع، وإن استخدم بتهور وطيش ضر وأفسد، ولهذا كان لزاماً على الشباب أن يربطوا حماستهم بشريعة الله عز وجل، حتى لا تحصل أمور لا تُحمد عقباها في الدنيا والآخرة، وواجب كذلك على الآباء والعلماء والدعاة وغيرهم توجيه وترشيد وتهذيب هذه الحماسة عند الشباب، حتى تؤتي ثمارها بإذن الله تعالى.
اختيار الموضوع وإشكاله
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله الذي أتم النعمة وأكمل الدين، وجعل الحجة على كل أحد لكتابه المبين، وجعل العصمة في كل أمر لرسوله الكريم، نحمده سبحانه وتعالى، لا إله غيره، ولا رب سواه، لا يخيب من رجاه، ولا يضل من استهداه، ولا يحرم من استعطاه، من توكل عليه كفاه، ومن التجأ إليه وقاه، له الحمد كما يحب ويرضى على آلائه ونعمه التي لا تُعد ولا تُحصى.والصلاة والسلام التامان الأكملان على المبعوث رحمة للعالمين، خاتم الأنبياء والمرسلين، سيد الأولين والآخرين نبينا محمد، وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.أما بعد: فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يكتب هذا الكلام في موازين حسناتنا، وأن يجعله حجة لنا لا علينا، وأن يجعل لنا به أجراً، وأن يجعل لنا من ورائه نفعاً.إن اختيار هذا الموضوع لم يكن بطلب من أحد ولا بتحديد منه، وإنما كان بمبادرة مني، وإذ أعترف بذلك فإني أقر بأن الموضوع مشكل، وكان بعض الأساتذة يقولون: إنه موضوع شائق. فقلت: هو بالكاف لا بالقاف. فهو شائك، وربما بين طرفي الموضوع يغضب من قد يظن أنه انتُقِصَ شيءٌ من تلك الحماسة، أو تكون لفئة أخرى غضبة مقابلة إن رأوا أنه قد جاء الحيف على الكياسة، وبين الأمرين دائماً يكون شيء من التوازن المطلوب الدقيق الذي لا يؤمن أن يكون فيه شيء من الخلل، فنسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد.وأول ما نبدأ به من حديثنا حديثنا عن عنوان هذا الموضوع، ولا شك أننا سنحاول أن نجعل حديثنا في نقاط محددة وفي تعليقات مختصرة؛ لأن الموضوع رحب الجوانب متعدد الشعاب كثير الفروع دقيق المآخذ، مما يجعل الاسترسال في بعض فروعه يحيف باستكمال الموضوع في بقية جوانبه.
 

تعريف الشباب
في معاجم اللغة يقولون: الشباب: الفتاء والحداثة. وذكر صاحب تاج العروس عن محمد بن حبيب تحديدات للفئة العمرية التي تتصل بالشباب، ومن محاسن ما ذكره أنه قد وسع في بعض الأحوال فجمع من هم في المصطلح العام خارج دائرة الشباب، فقد نقل عن محمد بن حبيب أن الشباب يمتد من سن السابعة عشرة حتى الحادية والخمسين، وبعد ذلك هو شيخ، لكنه أردف بعد ذلك الأقوال الأخرى، فمما قاله: إنه من البلوغ حتى يكمل الثلاثين. وقيل: ابن ست عشرة سنة إلى ثنتين وثلاثين، ثم هو كهل.لكننا باقون على العهد الأول لنكون جميعاً شباباً إن شاء الله، ولنا عود إلى معنى الشباب في بعض نقاطنا الأخرى.
 

تعريف الحماسة
أما الحماسة فهي في اللغة تدل على الشدة، والحماسة: الشجاعة والشدة. والتحمس هو: التشدد، ويقولون في اللغة: حمس بالشيء إذا تعلق وتولع به. والأحمس: هو الورع من الرجال المتشدد في دينه.وكذلك جاء في لسان العرب أن الأحمس هو الشديد الصلب في الدين والقتال.والكلام في هذا يطول، وخلاصته التي يمكن أن نخلص بها إلى تعريف محدد أو واضح أن الحماسة: تعلق وولع بالأمر يدعو إلى التشدد فيه، والجرأة والشجاعة في إنفاذه. فهو يبدأ بشعور وعاطفة وتعلق ينبثق منه حينئذ تغير وسلوك نفسي يتولد من خلاله جرأة تترجم إلى شجاعة في إنفاذ الأمر وعدم التساهل أو الترخص فيه.
 

تعريف الكياسة
وأما الكياسة فهي أصل يدل على ضم وجمع، ومنه الكيس الذي تجمع فيه الأشياء، والكيس في الإنسان ضد الخرق أو ضد الحمق؛ لأنه -كما قال ابن فارس في معجمه- مجتمع الرأي والعقل، والكياسة: هي خلاصة الرأي والعقل، ولذلك يقولون: الكيس: العقل والفطنة والفقه. والكيس في الأمور يجري مجرى الرفق فيها، والكَيّس هو: الظريف الخفيف المتوقد الذهن، ورجل كيس الفعل: أي: حسنه.ومن هذه الومضات أيضاً ننتهي إلى خلاصة نقول فيها: إن الكياسة هي عقل وفطنة تقود إلى الرفق في الأمور والإحسان في أدائها دون حمق.وإذا نظرنا إلى هذه المعاني فسيتبين لنا أنها ليست متقابلة، بمعنى: ليست متضادة، وإنما كل منها يعطي دلالة في جانب من الجوانب، فجانب الحماسة متعلق بالعاطفة والشعور والحمية، وجانب الكيس والكياسة متعلق بالعقل والرفق والرشد، ولا يعني أن يكون العاقل ليست له عاطفة، ولا يعني كذلك أن يكون المتحمس طائشاً لا عقل له ولا رشد عنده، وهذا هو الذي نريد أن نعالجه، أو هذه -إذا صح التعبير- هي المعادلة التي نحب أن يكون في طرفيها اتزان كما هو شأن المعادلات كلها.
 

الصلة بين الشباب والحماسة
عندما نخص العلاقة بين هذه العناصر الثلاثة المجتمعة في عنواننا لابد أن يثور السؤال: ما صلة الشباب على وجه الخصوص بالحماسة؟والجواب أن الشباب فيه قوة وفتوة، ونحن نرى ونعلم جميعاً أنه إذا ذكرت الحماسة جاء في الذهن الشباب، وأنه إذا ذكرت الكياسة جاء في الذهن الشيوخ، وهذا انطباع تغليبي، ولكنه ليس إقصائياً كما أشرت من قبل.وأما لماذا يتحمس الشباب، وهل الحماسة في الشباب عيب أو شيء طارئ أو أمر غريب فنقول: إن الحماسة في الشباب أمر طبيعي، لعناصر كثيرة، منها أن الشباب فيه حيوية وقوة، والله سبحانه وتعالى قال: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً [الروم:54] ، فالشباب قوة بين ضعفين، وانطلاقة بين هدوءين أو سكونين، وحركة واندفاع بين جانبين فيهما من الهدوء والسكينة ما فيهما، حتى من الناحية الطبية نعلم أن الفئة العمرية في فترة البلوغ ما تزال الخلايا والأعضاء تزيد فيها وتنمو وتعظم وتتكاثر، وهذا أمر بين، وإذا رجعنا إلى اللغة فإنها تسعفنا بهذه المعاني بشكل واضح؛ لأن الاشتقاق اللغوي للأصل (شب) يبين أن مادة الشين والباء في اللغة تدل على نماء الشيء وقوته في حرارة تعتريه، وهذا يدلنا على طبيعة الامتزاج بين الحيوية والحرارة والقوة وطبيعة الشباب، ومن ذلك قولهم: شبت النار. أو: شبت الحرب. ويقول ابن فارس : ثم اشتق الشباب منه، وهو النماء والزيادة في قوة جسمه وحرارته. ولذلك نرى هذا الأمر واضحاً، ونرى أن من طبيعة الشباب الفطرية -بل والخلقية البدنية أو ما يسمى بالبيلوجية، أي: الطبيعية الفيزيائية- أنه بطبيعة خلقته في هذه الفترة العمرية فيه نمو وزيادة، وهذا مما يزيده قوة وحماسة، ومن هنا فالحماسة قرينة الشباب بدون أن يكون هناك افتعال لها أو تكلف فيها أو تقلب لأسبابها، بل هي قرينة الشباب من هذا الوجه.
 

الشباب والتحدي
هناك جانب آخر في طبيعة الشباب في مقتبل العمر، وهو قضية إرادة التحدي، فإن من طبيعة هذه الفترة العمرية أن فيها عزيمة صلبة وإرادة قوية. ومن خصائص الشباب قبول التحدي، بل والتعرض له والبحث عنه والثبات عليه، وسوف نأخذ أمثلة على ذلك، والأمثلة ستكون دائماً محدودة؛ لأننا لو تشعبنا فيها سيطول المقام عن ذكر ما وراء ذلك، ومن هذه الأمثلة قصة لـابن مسعود رضي الله عنه، كان ابن مسعود من صغار الصحابة وشبابهم، وكان حين ذلك نحيل الجسم، دقيق الساقين، وكان الصحابة يضحكون من دقة ساقيه، وكان ذلك في الفترة المكية العصيبة التي كانت فيها المواجهة قاسية وشديدة وشاملة من قريش ضد المسلمين، وفي جلسة بين بعض المسلمين كانوا يتحدثون فيما بينهم عمن يمكن أن يقرأ القرآن ويصدع به في منتدى قريش، وهي عملية تحدٍ كبيرة، وعملية تحتاج إلى قوة إرادة وصلابة عزيمة، فانتدب لذلك ابن مسعود الشاب النحيل، وذهب إلى منتدى قريش في البيت الحرام وصدع بآيات القرآن، وقام يقرؤها بين ظهرانيهم، ولم يكن هو يظن أن ذلك سيعجبهم، بل كان يعرف ما قد يترتب على ذلك، فعمدوا إليه وضربوه وأثخنوه بالجراح، ولعلنا نقول بعد هذا الحدث: إنه قد أخذ درساً كافياً. لكن ما الذي حصل؟ في اليوم الذي يليه عندما تداول المسلمون تلك الحادثة قال: (أما لو شئتم لأعاودنهم بها).فهي طبيعة الإرادة القوية والتحدي؛ لأن نفس الشاب دائماً فيها هذه الحيوية التي تأبى في الجملة أن تلين أو تهادن أو تتراجع، بل تريد دائماً أن تثبت نفسها، وأن تظهر قوتها، وأن تصر على رأيها، وأن تثبت على مبدئها، وأن تكون نموذجاً ينسجم مع طبيعة التفاعلات والمشاعر النفسية والعواطف الجياشة التي تمر بها النفس.
 

الأمل والطموح عند الشباب
هناك سمة ثالثة، وهي الأمل والطموح؛ لأن الشباب هو في مقتبل العمر، فما زالت الصورة ممتدة والأفق واسعاً، وقد يرسم طريقاً في تخيله في آماله وطموحاته في مجال العلم، وأنه سيحصل فيه كذا، وأنه سيكون له كذا وكذا وكذا، وقد يرسم طريقاً في مجال حياته الاجتماعية أو في حياته العملية، لكن لو أننا تصورنا المرء في الخمسين أو في الستين فلا شك أن الأمل موجود لكنه قطعاً سيكون محدوداً، ولن يكون له مثل طبيعة هذا الأمل الممتد العريض كالشباب في حياتهم وطموحاتهم.ولو أردنا أن نأخذ أمثلة لوجدنا أن النبي عليه الصلاة والسلام كان في جملة تربيته لأصحابه يعرف كيف يصقل هذه النفوس، وكيف يزكي تلك الآمال، وكيف يشحذ تلك الهمم، فهذا ربيعة بن كعب كان يبيت إلى جوار بيوت النبي صلى الله عليه وسلم، حتى إذا قام النبي صلى الله عليه وسلم من الليل قام يصب له وضوءه عليه الصلاة والسلام، فأراد النبي أن يكرمه فقال: (يا ربيعة ! سلني ما شئت -والقائل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم المجاب الدعوة-. فقال: أنظرني يا رسول الله) إننا عندما نقول الآن للشاب ماذا تريد؟ وما هو أملك؟ وما هو رجاؤك؟ اطلب ما سنحققه لك ويكون رهن إشارتك وبين يديك فربما نعرف اليوم أنه ربما يطمح إلى هذا أو ذاك من أمور الدنيا وشئونها، لكن ربيعة بعد أن تريث وتأنى قال مقالة عظيمة رائعة فريدة لو اجتمعت لها عقول الشيوخ الكبار والعلماء العظماء لربما قصروا عن أن يأتوا بمثل ما قال؛ فإنه أوجز وأبلغ في أمله وطموحه فقال: (أسألك مرافقتك في الجنة). فلم يسأل الله الجنة، بل سأل مرافقة الرسول في الجنة، ليكون سؤاله في أعلى وأعظم مطلب، فماذا قال له النبي عليه الصلاة والسلام؟ قال: (أعني على نفسك بكثرة السجود)، وهذه هي التربية لكي يبقى الأمل ممتداً والطموح متواصلاً.ونعلم قوله لـعبد الله بن عمر يوم أَوَّل رؤياه فقال: (نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم من الليل)، والأمر في هذا واضح وجلي وكثير.وكان النبي عليه الصلاة والسلام يعطي لكلٍ ما كان يناسبه، حتى يمتد في مجاله وميدانه الذي تتعلق به نفسه وأمله، كما هو معروف في الحديث الذي رواه الترمذي عندما عدد النبي عليه الصلاة والسلام الصحابة، وذكر في كل منهم خصيصة تميز بها فقال: (أقرؤهم أبي ، وأفرضهم زيد ، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ ..) إلى آخر ما ذكره عليه الصلاة والسلام.ثم إن الشباب وهو في مقتبل العمر يتردد: هل يتزوج الآن؟ أو هل يكمل دراسته؟ أو هل يدخل ميدان العمل؟ أما من قد طويت صفحات عمره فإن الخيارات في غالب الأحوال تكون محدودة، وربما نرى نحن أننا نضيق الآن في المجال، فلا يبقى فيه مساحة إلا لمعاشر الشباب الذين يدخلون في جميع التعريفات، أما من له تعريف واحد يتيح له أن يدخل في الشباب وتعريفات أخرى تخرجه منه فإنه تبدأ تضيق الدائرة عليه كما قلنا.
 

بعض الخلال والسمات الحميدة التي تنتج عن الحماسة
لما كانت الحماسة من طبيعة الشباب كان دورنا أن نرحب بها ولا نعارضها، ولا نقول: إنها شيء شاذ أو أمر غريب. ولكننا نواصل أيضاً في مدح هذه الحماسة وبيان ثمراتها وبعض فوائدها، لتكمل لنا حينئذ الصورة الإيجابية في هذه الحماسة بإذن الله عز وجل.
  النجدة والإعانة
وينتج عن هذه الحماسة في الجملة أيضاً نجدة وإعانة؛ لأن المتحمس يأبى أن يرى الظلم ويسكت، ويأبى أن يرى المحتاج وهو واقف لا تستجيشه تلك العاطفة إلى أن يمد يد العون، وإلى أن يسابق، وإلى أن يكون في الصفوف الأولى في كل بيعة وفي كل ميدان من ميادين العطاء والنجدة. مثال ذلك قصة حنظلة بن أبي عامر غسيل الملائكة الذي دخل على زوجه وعروسه في ليلة عرسه، ثم أصبح على ظهر الخيل مجاهداً في سبيل الله ناسياً أنه لم يغتسل من جنابته، حتى غسلته الملائكة فيما بين السماء والأرض، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، تلك هي روح الحماسة المتدفقة في ميدانها الصحيح وفي عطائها الإيجابي.وبعد ذلك لا شك أن هذا كله تتسع به دائرة الامتنان في الأوساط التي يعيش فيها الشباب بهذه الروح وبهذا العطاء، وانتفاع من حولهم بهم بدلاً من أن يكون ما قد يكون من عكس ذلك مما قد نعرج عليه في حديثنا هذا.
سلبيات الحماسة
لا شك -أيها القارئ- أنك الآن قد تكون متحمساً، وأننا قد زينا الحماسة، ولكن إلى أي مدىً نمضي مع الحماسة؟ وهل الحماسة أمر ما تزال تشتعل ناره وتزيد وتعظم من أمره دون أن يكون هناك ما يرشده أو يكمله أو يسدده؟إن طبيعة الأمور الساخنة أنها إذا اشتدت وزادت يكون فيها ما لا يتفق مع المطلوب منها، ولا يتكامل مع الثمرة المنشودة أو المرغوبة فيها، ومن هنا فإن الحماسة في صورتين -إما زيادة عن حدها، وإما اختلال في مسارها- لا تكون حماسة محمودة، وتعود تلك الثمرات لتكون حشرات. وكما قلت: فالموضوع شائك لا شائق، وإن كان قد يصدق فيه الوصفان، فهنا انعطافة ينظر بها إلى الصورة الأخرى وإلى الشق الآخر حتى تكتمل الرؤية من جوانبها المختلفة؛ لأنه ليس من مصلحتنا في شيء دائماً أن نسمع من الناس ما نرغبه وما نحبه، بل بالعكس، فالإنسان يستفيد أكثر ممن قد يكون له وجهة نظر أخرى، وممن قد يكون له من بيئته ومن تنشئته ومن معرفته ما قد لا يتفق معك، فحينئذ يحصل نوع من التبادل والتكامل والامتزاج النافع والمفيد. ونحن لا ينبغي أن نفرح عندما نجد من يضرب على ظهورنا ويؤيد مواقفنا في كل شيء، وربما نجد أن طبيعة العاطفة تدعو إلى ذلك، بل الذي نحبه ونأنس به هو ذلك الذي يوافقنا في كل ما نقول، ويسايرنا في كل ما نعمل، ويعطينا الدعم المعنوي والإيجابي في كل مبدأ أو رأي أو موقف نتخذه دون أن يكون عنده أدنى تحفظ حتى ولو أخطأنا، وحتى لو توقع في مستقبل الأمر أن تكون هناك احتمالات بوجود عواقب أو مخاطر أو نحو ذلك، لذا لابد أن نأخذ هذا الجانب مرة أخرى في صورة مغايرة لما سبق.
  الضياع والخسارة
كم من الشباب يندفعون في جوانب مختلفة ثم لا يحصلون على شيء؛ لأنهم لم يرشدوا تلك الحماسة، ولم يجعلوها في برامج عملية وتدرج، فيمضي الوقت ولا تحصل الثمرة، أو تنفق الجهود أو الأموال ولا تحصل النتيجة.ولعلي أضرب مثالاً في قضية العلم مرة أخرى:بعض الشباب في هذه الحماسة العلمية يتتبعون مسائل الخلاف، وتجد الواحد بعد يوم أو يومين من بداية عنايته بالعلم أو بعنايته بالالتزام إذا به يسمع هذه المسائل الخلافية ويبدأ يتحدث بها: فلان مخطئ، وفلان كذا. ويبدد الجهود في تتبع الأخطاء وفي حفظ الأحاديث الضعيفة والموضوعة، ولم يعرف الصحيحة بعد، ولم يحفظها، ولم يكوّن من ذلك نظرة علمية واضحة يستطيع بها أن يميز الخطأ الذي قد يكون في هذه المنهجيات المختلفة، وابن القيم رحمه الله -كما ورد في القواعد- قال: من تتبع شواذ المسائل قلّ أن يفلح. يعني من تتبع المسائل التي فيها الخلافات فقط.ويقول: منهج أهل السنة والجماعة أخذ أصول العلم. وقال: وغيرهم يتتبع شواذ المسائل. ويقول عن تجربة: وقلّ من رأيته يفلح في هؤلاء. أي: لا يخرج بثمرة؛ لأنه -إذا صح التعبير- يأخذ من كل بحر قطرة، وينتهي بعد ذلك بدون أي قطرة، وليس في ذلك تحقيق للصورة الإيجابية المرجوة، والتي تتمثل في تجميع هذه الجهود لنصل إلى ثمرة، وإنما ضياع وخسارة.ولا شك -أيضاً- أن من الحسرات موضوع التضخيم والاختلال، فهناك نقاط صغيرة يمكن بالمكبرات أن ترى أضعاف حجمها، فمن حماسة الناس أن أحدهم أحياناً إذا تحمس لأمر جعله كل شيء، وجعله هو مبتدأ الأمر ونهايته، وهو أوله وغايته، وهو الذي لا يمكن أن ينشغل أحد إلا في أوله وغايته، وهو الذي لا يمكن أن ينشغل أحد بسواه، وإذا انشغل أحد بغيره فهو ضائع وتافه ومضيع للأمور، وهكذا تندفع العاطفة تماماً، وهكذا هي العاطفة بطبيعتها، كما يعرف عند العشاق والمحبين تختصر الدنيا كلها في المعشوق والمحبوب، كما قيل:ولو قيل للمجنون ليلي ووصلها تريد أم الدنيا وما في طواياهالقال غبار من تراب ديارها أحب إلى نفسي وأشفى لبلواهايقول ابن الجوزي معلقاً: وهذا مذهب المحبين بلا خلاف، فمن أحب الله ورسوله كان أدنى شيء منهما أحب إليه من كل هذه الدنيا وما فيها.فالمسألة الاندفاعية العاطفية قضية عظيمة، ومن أمثلتها: التقديس والتبخيس والتهوين والتهويل، فمن أحببناه جعلناه ذلك الرجل الذي كأنما هو ملك مبرأ من كل عيب، أما علمه فغزير، وأما رأيه فسبيل، وأما منطقه ففصيح، وأما تصرفه فحكيم، وكأنما لم يكن فيه عيب مطلقاً، ونحن حينئذ نقول: هو الأول وهو الآخر، هو الذي ينبغي أن يكون، فأين هذا من ذلك الاتزان؟ فإن النبي عليه الصلاة والسلام يقول لأصحابه: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم) ، ويقول: (قولوا ببعض قولكم) فيجعل هذا الاعتدال في شخصه عليه الصلاة والسلام، وهو من هو في عظمته ومكانته عند ربه سبحانه وتعالى! ومما رواه أنس رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب شيء إلينا رؤيته، فإذا أقبل علينا لم نقم له؛ لأنا نعرف كراهيته لذلك) ونحن أحياناً إذا انتقصنا إنساناً أو كان غير مقنع لنا فلا نكاد نرى له حسنة من الحسنات، كما قال الشاعر:وعين الرضا عن كل عيب كليلة كما أن عين السخط تبدي المساوياوهذه قضية واضحة.إذاً فهل نحن الآن مع الحماسة أم نحن ضد الحماسة والمتحمسين؟ الجواب: نقول: لا للتهور، وأما الحماسة التي قلناها فلنظل باقين على عهدنا بها وعلى تأييدنا لها.
أسباب الحماسة المتهورة الضارة
ننظر مرة أخرى إلى الحماسة المتهورة، ما أسباب هذا الذي رأيناه من قبل؟ إذ لابد أن نعرف العلل من خلال أسبابها وبداياتها حتى نجتنبها وحتى نتقيها، فالوقاية خير من العلاج.
  رداءة الاستيعاب
أخيراً: الرداءة في الاستيعاب، فهذه الطاقة المتدفقة والحماسة المتألقة أين تصرف؟ وأين مجالها الصحيح؟ وكيف نضعها على خط القطار ليمشي إلى الوجهة التي ينتهي إليها ليصل إلى غاية محددة ومعروفة؟إن طاقات الشباب اليوم إما أنها مستنفدة في أمور تافهة وضائعة، وكم يُستنفذ من حماس الشباب في الرياضة على سبيل المثال! وكم من حماسة وقوة وصراع وتعصب وقدرات تتفجر في هذا الجانب بهذه الضخامة! وإما أنها مستنفدة في جوانب أخرى أيضاً ليست في الاستثمار الصحيح، والرياضة جيدة، والتشجيع في أصله ليس شيئاً مذموماً، لكن هذه المبالغات تصل في آخر الأمر إلى أنها لا تقنع، وأنها في الأخير ترتد إلى فراغ يرجع إلى بحث عن بديل آخر. وأيضاً هناك غياب وقلة وندرة في المحاضن الاستيعابية لهؤلاء الشباب وحماستهم.
الحماسة المعتدلة هي المطلوبة
ولعلي أصل إلى نقطة أخيرة مهمة، فكما قلنا: لا للتهوين نقول: لا للمتهورين. وقد تتساءل: ما الذي تريد؟ وأين سنصل ونحن ما بين حماسة مدحتها ثم عدت ونقضت أصولها؟وهنا نكمل بالشق الثاني من عنوانها، ونقف هذه الوقفة الأخيرة في حماسة الأكياس، والمقصود بالأكياس ذوو العقول، وهنا نكون قد جمعنا بين الأمرين.والحقيقة أن الإنسان بدون الحماسة والحيوية النفسية هو أقرب إلى الجماد وإلى الموات منه إلى الإنسان الذي هو بطبيعته حيوي، والتفاعلات الحيوية في جسم الإنسان كثيرة، ففي الثانية الواحدة تقوم عمليات ضخمة وهائلة في جسم الإنسان، ثم هو بعد ذلك يكون خاملاً وقاعداً وكسولاً! هذا لا يتطابق، لذلك نقول: صفة الحماسة إذا أضفنا إليها هذا الخليط والمزيج من الكياسة أصبحت هي الحماسة الإيجابية التي نمدحها ونريدها، وترشدها تلك النظرة العقلية المتزنة، فتأتينا هذه الصورة التي نريد أن نعطي فيها وصفاً لهذه الحماسة الكيسة أو الكياسة المتحمسة، وكما ذكر الحسن البنا في كلمات جميلة يقول فيها: ألجموا نزوات العواطف بنظرات العقول، وأنيروا أشعة العقول بلهيب الحماسة. وهذه كلمات جميلة تبين أننا نحتاج إلى المزج، فذلك العقل الذي دائماً هو منطوٍ ولا يريد أن ينطلق يحتاج إلى بعض الحماسة حتى تفك عنه بعض تلك القيود التي يبالغ فيها، وربما تلك الحماسة المندفعة تحتاج إلى بعض قيود العقل حتى يرشدها، فذلك التعقل والاتزان مهم جداً، فالاتزان لا يعرف طغيان جانب على جانب، كما في قصة سلمان وأبي الدرداء، فإنه لما جاء سلمان إلى أبي الدرداء شكت أم الدرداء فقالت: أخوك أبو الدرداء لا حظ له في الدنيا، وإنما هو صائم نهاره قائم ليله. فنزل ضيفاً عليه، فأراد أبو الدرداء أن يصلي فقال له سلمان : لا. وكان صائماً فقدم لـسلمان الطعام فقال: كل معي. قال: أنا صائم. قال: افطر. وجعله يفطر، ثم لما جاء الليل أراد أن يصلي، فقال: نم. ثم قال: أريد أن أصلي. قال: نم. حتى إذا كان نصف الليل قال: قم فصل. ثم جادله في ذلك، فلما بلغ الأمر النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (إن لأهلك عليك حقاً، وإن لزورك -أي: ضيوفك- عليك حقاً وإن لنفسك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه).وهناك موقف أيضاً لـعثمان بن عفان رضي الله عنه، فإنه لما كان في فترة خلافته بدأ بعض المرجفين يشيعون انتقادات على عثمان رضي الله عنه، فلما جاء موسم الحج جمع عثمان جمعاً من خيار الصحابة يريد أن يبين للناس خطأ ما يقال عنه، فقال: (لأقومن في الناس مقاماً لا أدع شاردة ولا واردة إلا أتيت عليها) يريد أن يبين للناس، فقال عبد الرحمن بن عوف : (يا أمير المؤمنين! لا تفعل؛ فإن الموسم يجمع رعاع الناس، ورب كلمة يطيرها عنك مطير). فتتلقاها عقول لا تستوعب تلك القضايا، وإذا بها بعد ذلك تطيش، وهذا يأخذها يمنة وذاك يأخذها يسرة، وهذا يفهمها على وجه، وذاك يفهمها على وجه آخر. والكلام في موضعه جعله الشاطبي رحمه الله من السنة، وجعل الكلام في غير موضعه من البدع، كما ذكر ذلك في (الاعتصام)، واستدل بقول علي رضي الله عنه عند البخاري : (حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟). وهكذا حديث ابن مسعود في صحيح مسلم قال: (ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة) وهذا أمر واضح. وفي الحديبية وقع موقف كبير للنبي عليه الصلاة والسلام، فإنه لما أراد أن يكتب الصلح قال: (أكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله) فقال سهيل بن عمرو : لو كنا نعرف أنك رسول الله ما جادلناك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك. ولما قال صلى الله عليه وسلم: (اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم) قال: لا. ما نعرف ما الرحمن ولا الرحيم، اكتب: باسمك اللهم. والرسول صلى الله عليه وسلم يقول لـعلي بن أبي طالب : (اكتب) وعلي غير مستسيغ لهذا، أي: لا يرى ذلك، والرسول صلى الله عليه وسلم كان أوسع فهماً وعقلاً أن يدع هذه الصغيرة من الأمور، فقال صلى الله عليه وسلم: (امحها)، فقال علي : لا والله لا أمحوها. فمسحها رسول الله بيده، وفي بعض الروايات: (بنفسه)، وكأنه يقول لـعلي : اكتب ودعك من هذه القضية الصغيرة؛ فإن هناك ما هو أكبر منها، ولا تقف عند هذه المسألة وتعطها أكبر من حجمها، وبالتالي تجعل كل توجهك ومواجهتك وقوتك وطاقتك واعتراضك لهذه القضية، فتقيم فيها معركة ضخمة هائلة. كما نرى من بعض الشباب عندما ينكرون أمراً ليس من الشرع ولا سنة من السنن، حيث يجعلون النكير عليها كأنها أصل الدين كله، وربما جعلوا من ذلك ما يخرجون به إلى تفسيق أو تبديع أو تكفير، إلى غير ذلك مما نريد أن ننبه الناس إليه.ثم أقول: لابد من الضبط والإحكام لمعالجة مثل هذه القضايا، وقد ذكرت في هذا ما هو مهم جداً، ولعلنا نستحضر مثالاً واحداً: ففي بيعة العقبة قبل أن يبايع الصحابة رضوان الله عليهم جاء أبو الهيثم بن التيهان -وقبل غيره- فقال: اعلموا أنكم إنما تبايعون الرجل على حرب الأحمر والأسود، فإن رأيتم أنكم تسلمونه فمن الآن، أراد أن ينبئهم ويحذرهم، فبايعوه، فقال العباس بن عبادة بن نضلة رضي الله عنه: يا رسول الله! لو شئت أن نميل على أهل هذا الوادي ميلة واحدة لفعلنا. أي: على أهل منى؛ لأن هذا الكلام كان في الفترة المكية، فقال صلى الله عليه وسلم: (إنا لم نؤمر بذلك).ولما جاءه خباب في الفترة المكية وقد اشتد الأذى قال: يا رسول الله! ألا تدعو لنا؟ ألا تستنصر لنا؟ فقال عليه الصلاة والسلام: (إنه كان فيمن قبلكم يؤتى بالرجل فيحفر له في الأرض ثم يوضع فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فينشر نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه! ما يصده ذلك عن دينه. ثم قال: والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم قوم تستعجلون).
  رداءة الاستيعاب
أخيراً: الرداءة في الاستيعاب، فهذه الطاقة المتدفقة والحماسة المتألقة أين تصرف؟ وأين مجالها الصحيح؟ وكيف نضعها على خط القطار ليمشي إلى الوجهة التي ينتهي إليها ليصل إلى غاية محددة ومعروفة؟إن طاقات الشباب اليوم إما أنها مستنفدة في أمور تافهة وضائعة، وكم يُستنفذ من حماس الشباب في الرياضة على سبيل المثال! وكم من حماسة وقوة وصراع وتعصب وقدرات تتفجر في هذا الجانب بهذه الضخامة! وإما أنها مستنفدة في جوانب أخرى أيضاً ليست في الاستثمار الصحيح، والرياضة جيدة، والتشجيع في أصله ليس شيئاً مذموماً، لكن هذه المبالغات تصل في آخر الأمر إلى أنها لا تقنع، وأنها في الأخير ترتد إلى فراغ يرجع إلى بحث عن بديل آخر. وأيضاً هناك غياب وقلة وندرة في المحاضن الاستيعابية لهؤلاء الشباب وحماستهم.
أهمية التدرج والاستثمار لعاطفة الحماسة
لو أننا تدرجنا لوجدنا أننا سنحصل أكثر مما نحصل عليه بالسرعة التي ليس فيها مراعاة للواقع ولطبيعة الإنسان، ومن أحسن الأمثلة في هذا قصة عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز، فإنه لما تولى أبوه الخلافة كان عند الخلافة ورعاً وزاهداً، وكان يأخذ بالجد في الأمور، فجاءه ابنه عبد الملك ينكر عليه ويقول: كيف تلقى الله عز وجل بمثل كذا وكذا؟ فقال له: ألا ترضى ألا يمر على أبيك يوم إلا وهو يميت بدعة ويحيي سنة؟ ذاك الشاب يريد أن تكون كلها في يوم واحد، ولكن أباه لحكمته -وأيضاً لقوة إيمانه وحماسته- كان يريد أن يجعلها في منهجية تحصل بها النتيجة ويقع بها الأثر المطلوب.وهكذا ما كان من شأن النبي عليه الصلاة والسلام في عمرة القضاء في العام السابع من الهجرة، حيث طاف النبي صلى الله عليه وسلم حول الكعبة والأصنام حولها ستون وثلاثمائة صنم، والرسول يطوف بها بعد صلح الحديبية ولم يشتمها، ولم يتعرض لها أبداً؛ لأن هذا له مجال آخر، وبعد عام واحد فقط عند أن جاء لفتح مكة جاء ومعه محجنه عليه الصلاة والسلام، فجعل يطعن هذه الأصنام وهي تتهاوى، ويقول: وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا [الإسراء:81].فكل شيء بأوانه، والإنسان يجتهد ويعد عدته ويفكر ويدبر ويستشير، ويستعين بالله عز وجل ويستخير، وأما التعجل فلا ينبغي أن يكون.وأيضاً الدوام والاستمرار هو طبيعة ذلك التدرج، فخير الأعمال أدومها وإن قل، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل ما داوم صاحبه عليه، ولكي نحافظ على هذه الحماسة وتأتينا ثمرتها فنحن لا نريد العواطف التي تصل بنا إلى العواصف القاصمة، وإنما نريد العمل الذي يدوم ويستمر.فهذا ابن عباس رضي الله عنهما كان له صاحب من الأنصار، قال: لما مات الرسول صلى الله عليه وسلم قلت لصاحبي من الأنصار: اغد بنا إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نطلب العلم. فقال له: ومن ينظر إليك يـابن عباس وفي القوم أبو بكر وعمر وعثمان ؟ قال: فانطلقت وتركته، وبدأت أتتبع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وآخذ عنهم). وتدرج رضي الله عنه حتى أصبح بعد فترة قصيرة من الزمن بهذه المواظبة والاستمرارية هو حبر الأمة وترجمان القرآن، فرضي الله عنه وأرضاه.وفي الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى حبلاً متدلياً فقال: (ما هذا؟ قالوا: حبل لـزينب تصلي فإذا تعبت تعلقت به. قال: مه! عليكم من الأعمال ما تطيقون؛ فإن الله لا يمل حتى تملوا، ليصل أحدكم نشاطه، فإذا تعب فليرقد)، فخذ أمراً تستطيع أن تواصل فيه؛ فإن هذا من الأمور المهمة، وينتج عن هذا أننا لو أخذنا بذلك سوف تنمو هذه الحماسة وتنتشر، وتعم هذه الإيجابية بشكل مهم وأساسي.
  رداءة الاستيعاب
أخيراً: الرداءة في الاستيعاب، فهذه الطاقة المتدفقة والحماسة المتألقة أين تصرف؟ وأين مجالها الصحيح؟ وكيف نضعها على خط القطار ليمشي إلى الوجهة التي ينتهي إليها ليصل إلى غاية محددة ومعروفة؟إن طاقات الشباب اليوم إما أنها مستنفدة في أمور تافهة وضائعة، وكم يُستنفذ من حماس الشباب في الرياضة على سبيل المثال! وكم من حماسة وقوة وصراع وتعصب وقدرات تتفجر في هذا الجانب بهذه الضخامة! وإما أنها مستنفدة في جوانب أخرى أيضاً ليست في الاستثمار الصحيح، والرياضة جيدة، والتشجيع في أصله ليس شيئاً مذموماً، لكن هذه المبالغات تصل في آخر الأمر إلى أنها لا تقنع، وأنها في الأخير ترتد إلى فراغ يرجع إلى بحث عن بديل آخر. وأيضاً هناك غياب وقلة وندرة في المحاضن الاستيعابية لهؤلاء الشباب وحماستهم.
أهمية ربط الحماسة بالكياسة
ولعلنا نختم ونقول: إن الذي نريده حماسة ولكنها مشوبة بهذه الكياسة، ونحن نقول: لا للتهجين والترويض. ولكننا أيضاً نقول: لا للإثارة والتهييج، وإنما نحن نريد أن يكون لنا طريق إلى هذه الحماسة الراشدة من خلال ما قلناه في تلك الجوانب السلبية وبعكسه إيجابياً علماً بالشرع، وبصراً بالواقع، وصبراً في المعالجة، وعدالة في المواقف، وأناة في الممارسة، والله سبحانه وتعالى قال: وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا [الكهف:58] . أكتفي بهذه الومضات، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من العالمين بديننا البصيرين بهدي نبينا صلى الله عليه وسلم، وأن يلزمنا النهج القويم والصراط المستقيم، وأن يثبتنا على الحق ويتوفانا عليه.
  رداءة الاستيعاب
أخيراً: الرداءة في الاستيعاب، فهذه الطاقة المتدفقة والحماسة المتألقة أين تصرف؟ وأين مجالها الصحيح؟ وكيف نضعها على خط القطار ليمشي إلى الوجهة التي ينتهي إليها ليصل إلى غاية محددة ومعروفة؟إن طاقات الشباب اليوم إما أنها مستنفدة في أمور تافهة وضائعة، وكم يُستنفذ من حماس الشباب في الرياضة على سبيل المثال! وكم من حماسة وقوة وصراع وتعصب وقدرات تتفجر في هذا الجانب بهذه الضخامة! وإما أنها مستنفدة في جوانب أخرى أيضاً ليست في الاستثمار الصحيح، والرياضة جيدة، والتشجيع في أصله ليس شيئاً مذموماً، لكن هذه المبالغات تصل في آخر الأمر إلى أنها لا تقنع، وأنها في الأخير ترتد إلى فراغ يرجع إلى بحث عن بديل آخر. وأيضاً هناك غياب وقلة وندرة في المحاضن الاستيعابية لهؤلاء الشباب وحماستهم.
الأسئلة

  توجيه عام في بعض الأحداث
السؤال: هل من كلمة حول بعض الأحداث التي تحصل في البلاد؟الجواب: هي أحداث جديدة، وأعتقد أن حديثنا الذي ذكرناه في الموضوع يبين الموقف من ذلك، وهو موضوع متفق على عنوانه ومضمونه، وإن كان الموضوع الدقيق في الحقيقة ينحصر في مسألتين أساسيتين فيهما من الناحية الشرعية تفصيلات كثيرة ومسائل دقيقة جداً، هذان الأمران والبابان العظيمان هما: باب الجهاد في سبيل الله عز وجل، وباب الصلة بولاة الأمر.وليس هذا الباب ولا ذاك ولا أي باب من أبواب الشريعة الإسلامية يعتمد أو يتصل بقضية العاطفة أو ردود الأفعال، إنما المطلوب مرجعية شرعية نصية بقواعدها وأصولها وضوابطها.وأقول: من جملة ما نعلم أن من أصول وقواعد هذا الدين أن ما يترتب على مثل هذه الأعمال من مفاسد ومضار أكبر من المصالح التي تحققها، فضلاً عن أن تنزيل الدليل الشرعي على الحدث الواقعي أقل ما يقال فيه: إنه من المسائل التي فيها خلاف كبير، ولا يصح ولا ينبغي بحال من الأحوال أن يستقل بنا الاجتهاد في هذه المسائل الضخمة، وكثير من الناس ليس لهم خبرة ومعرفة بالعلم والرسوخ فيه، ثم يكون لهم اجتهادهم المطلق ورأيهم المفرد وتطبيقهم لهذا الاجتهاد! هذه قضية خطيرة ودقيقة.وقلت: هما بابان فيهما من المسائل الشرعية الدقيقة ما يحتاج إلى أن يكون القول فيه لأهل العلم مع اجتماعهم واتفاق آرائهم؛ لأن المسألة لا تتعلق بنص وظاهر معناه، وإنما بما وراء ذلك من قواعد وترجيحات، ومن معرفة بالواقع وأمور كثيرة، ولعلنا ندرك أن المخاطر التي تحيط بأمتنا أكثر من أن نجعل هذه المعاني والمسائل والأحداث تفرط العقد وتعيق الانطلاق وتتيح الفرصة للأعداء لأن يكون لهم المزيد من المآخذ والمداخل التي يحاولون من خلالها أن يسيئوا إلى أمتنا ومجتمعاتنا وبلادنا.نسأل الله عز وجل أن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يسلمنا من زيغ الآراء وفتنة الأهواء، وأن يعصمنا بعصمة كتابه، وأن يلزمنا هدي رسوله صلى الله عليه وسلم؛ إنه سبحانه وتعالى ولي ذلك والقادر عليه.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الشباب بين الحماسة والكياسة للشيخ : علي بن عمر بادحدح

http://audio.islamweb.net