إسلام ويب

لمحة عن الامتحاناتللشيخ : علي بن عمر بادحدح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • في زحمة الدنيا وزخم الأحداث ينسى الناس الإعداد لكثير من الأمور المهمة، وبين انشغالهم باختبارات الدنيا يغفلون عن اختبار الآخرة رغم أنها مناسبة لتذكره والتنبه له، وإنّ الناظر في الفروق بينهما من ناحية الإعداد والاستعداد والتهيؤ وتغيير نظام المجتمع، ليرى من ذلك عجباً لا ينقضي، من شدة اهتمام الناس واعتنائهم باختبارات الدنيا، وتخطيطهم لها، وغفلتهم وتقصيرهم عن الاختبار الأهم والأعظم في يوم القيامة.

    1.   

    بين اختبارات الدنيا واختبارات الآخرة

    الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، حمداً كما يحب ربنا ويرضى، نحمده سبحانه وتعالى حمد الشاكرين الذاكرين، ونسأله مسألة الضعفاء والمساكين، ونصلي ونسلم على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد صادق الوعد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم وسار على نهجهم إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يا أرحم الراحمين.

    أما بعد:

    أيها الإخوة الكرام! سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وفي بداية هذه الكلمة القصيرة -التي أرجو ألا أطيل بها عليكم- أقدم الشكر لفضيلة الإمام جزاه الله خيراً على حسن ظنه، وعظيم إكرامه، ولمن سعى في هذا اللقاء ليجعل لنا به -إن شاء الله تعالى- عند الله أجراً.

    هذه هي أيام الاختبارات التي تشغل كل الناس حتى من ليس عنده اختبار، ومن لم ينشغل بها شخصياً فإنه يضطر إلى أن يتعامل في أيام الاختبارات بتعاملات وبأوقات وبطريقة مختلفة عما تعود عليه، والله سبحانه وتعالى قال: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الملك:1-2]، فالحياة كلها اختبار منذ أن يتنفس الإنسان أول نفس فيها، وحتى يلفظ آخر نفس كتب له في هذه الدنيا، فإذا كانت الحياة كلها اختباراً، فينبغي أن نعرف هذا الاختبار، وأن نعرف علاقته بهذه الاختبارات الدنيوية الكثيرة، ولكن أكثرها تكراراً وأهميةً عند الناس: اختبارات الطلاب والطالبات، حيث ينشغل بها الطلاب والطالبات، والآباء والأمهات، وتزدحم لأجلها الطرقات، وتتغير من أجلها العادات، فتختلف فيها كثير من الأحوال.

    وحتى نستفيد -إن شاء الله تعالى في الوقت المتاح- نحب أن نجعل الحديث منصباً على نوعي الاختبارات في الدنيا والآخرة معاً، حتى نرى كيف اعتنى الناس وانشغلوا وفكروا وخططوا واجتهدوا في اختبارات الدنيا العارضة، وغفلوا وقصروا وتكاسلوا وانشغلوا عن الاختبار الأهم والأعظم، وهو اختبار الحياة الدنيا الذي سؤاله وجوابه عند الله سبحانه وتعالى يوم القيامة.

    الاختبارات تحمل طابع التنافس والحماس

    طبيعة هذه الاختبارات هي أول أمر نعرض له:

    معلوم عند الطلاب أن الاختبارات فيها طابع التنافس والحماس؛ كيما يتفوق الواحد على بقية زملائه، أو يحصل على درجة أعلى، أو يحظى بتقدير أرفع، وبالجملة فإننا نجد الناس في اختبارات الدنيا يتنافسون تنافساً شديداً، سواء في هذه الاختبارات أو حتى اختبارات الوظائف، إذا كان هناك وظيفة يتقدم لها جمع من الناس، فإنهم يتنافسون تنافساً شديداً في التحضير والإعداد لها حتى لو كان الأمر يحتاج إلى أن يحسن من هيئته، أو أن يعد من يتوسط له، ويأخذ بكل الأسباب في سبيل التنافس.

    والله سبحانه وتعالى جعل التنافس الحقيقي في ميدان الآخرة، وقال جل وعلا: وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين:26]، وأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم تربوا في مدرسة النبوة، فعلمونا بأفعالهم ما يكون فيه التنافس، وفي أي شيء يكون التسابق؛ لأن الله سبحانه وتعالى دعاهم فقال: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [آل عمران:133]، الأمر لا يحتاج إلى تباطؤ، بل يحتاج كما قال الله سبحانه وتعالى: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ [البقرة:148]، وكما قال رسولنا صلى الله عليه وسلم: (بادروا بالأعمال سبعاً، هل تنتظرون إلا فقراً منسياً، أو غنىً مطغياً، أو هرماً مفنداً، أو مرضاً مقعداً، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر)، والله سبحانه وتعالى يقول: وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ [النحل:77].

    وهذه أمثلة من واقع أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام وما كانوا فيه يتنافسون:

    جاء أبو ذر رضي الله عنه -كما في الصحيح- ومعه نفر من فقراء أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام يقولون: (ذهب أهل الدثور بالأجور)، أصحاب الأموال سبقونا ونافسونا، فأخذوا أكثر منا، وحازوا على درجات أعلى، وأصبحت تقديراتهم أرفع، ولم؟

    قالوا: (يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم)، فماذا قال لهم الرسول؟ قال: (أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به، بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، وحملك للرجل متاعه على دابته صدقة)، ماذا عمل الأغنياء الأثرياء؟ فكروا وتنافسوا فأخذوا بهذا، فتساووا مرة أخرى، وعاد التنافس، فجاء الفقراء وقالوا: (يا رسول الله! ذهب أهل الدثور بالأجور؛ يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، ويسبحون كما نسبح، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء)، كان تنافسهم شديداً في هذا الباب.

    وأبو بكر وعمر كانت لهما قصة في التنافس عجيبة:

    كان أبو بكر يسبق عمر دائماً، فلما جاءت غزوة تبوك ودعا النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه للتبرع والإنفاق، عقد عمر في نفسه عزماً ونيةً خالصةً لله سبحانه وتعالى أن يسبق أبا بكر ، فقال: اليوم أسبق أبا بكر ، فماذا فعل؟ جاء بشطر ماله.

    الآن إذا أخرج الإنسان الزكاة وزاد عليها يسيراً حسبها، أما هذا فقد جاء بنصف رأس المال والميزانية كلها، فلما وافى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: (ما أبقيت لأهلك يا عمر ، قال: أبقيت لهما الله ورسوله وشطر مالي، فوافى أبو بكر بعده بقليل، وأتى بما عنده، فقال له الرسول: ما أبقيت لأهلك يا أبا بكر ، قال: أبقيت لهما الله ورسوله، فقال عمر رضي الله عنه: والله لا أزرؤك يا أبا بكر بعدها) أي:أنت السابق الذي لا تنافس أبداً.

    والناس -كما أشرنا- يتنافسون في أمر الدنيا، وفي اختبار الدنيا، ونحن نرى هذا التنافس ظاهراً جلياً بين الطلاب، فينبغي أن نلتفت إلى التنافس في أمر الآخرة؛ لأن طبيعة الآخرة أيضاً تنافس، فالرسول عليه الصلاة والسلام علم أصحابه التنافس في أمر الآخرة أيضاً، فكانوا لا يتقاعسون عن فضل، ولا يقدم أحدهم غيره في أجر وثواب أبداً، بل كانوا يبتدرون ويستبقون، لما رفع الرسول صلى الله عليه وسلم يوم أحد سيفه، قال: (من يأخذ هذا بحقه)، ابتدره أبو دجانة رضي الله عنه، وهكذا.

    الاختبارات محددة المنهج واضحة المعالم

    الاختبارات اليوم محددة المنهج، لا نجد في اختبارات الطلاب أن مادة الجغرافيا تختبر بدون منهج، بل هناك منهج محدد وواضح، عنده نصف الكتاب أو ربعه، فهذا الوضوح هو الذي يعين على تجاوز الاختبار، وإلا لو ترك الاختبار هكذا، فإن بعض المدرسين يأتي أحياناً في أثناء الدراسة ويقول للطلاب: كل واحد يخرج ورقته ويسألهم سؤالاً مباغتاً، أو يسألهم في أمر لم يتهيئوا له، فلا يحسنون الإجابة.

    أما هنا فالاختبارات في غالبها واضحة ومحددة المنهج، وهذا الذي يجعل الطالب يستطيع أن يجيب ويحسن الإجابة، والله سبحانه وتعالى جعل أمر الآخرة وطبيعة الاختبار الأعظم أنه واضح ومحدد، وما تركه هكذا مجهولاً.

    إن الله سبحانه وتعالى بين الإيمان، والعبادة والأخلاق، وقال الله سبحانه وتعالى في أخبار الكفار يوم القيامة: سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ [الملك:8-9]، حدد الله سبحانه وتعالى لهم المنهج من عنده عن طريق الرسل، وحدد لهم طبيعة الاختبار وطريقة الاختبار، ولكن الناس عن ذلك غافلون، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: (تركتكم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك)، منهج واضح، كما أن اختبارات الدنيا مناهجها واضحة، والمطلوب فيها محدد.

    جاء الأعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عن الإيمان، ثم يسأل بعد ذلك عن فرائضه، فقال له: الصلوات الخمس. صيام شهر رمضان. حج البيت. الزكاة، قال هل عليَّ شيء بعدها؟ قال: لا ، فخرج وولى، وقال: والله لا أزيد عليها ولا أنقص منها، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفلح إن صدق)، هذا المنهج محدد، مطلوب منك الإيمان بالله وببقية أركان الإيمان، وفرائضه محدودة ليس فيها مشقة ولا عسر.

    الاختبارات تحتاج إلى جد ونشاط

    ثم اختبارات الطلاب الدنيوية تحتاج إلى جد ونشاط؛ فلا نرى أحداً في وقت الاختبارات ينام ويفرط ويهمل، بل يستعد ويجد ويشمر، ولا يترك فرصةً تضيع، وإن سئل عن سبب هذا قال: لأن الأمر جد، والوقت قد ضاع، وأحتاج إلى أن أصل إلى شاطئ الأمان وبر النجاة، وهو تجاوز الاختبار وحصول النجاح.

    فإذاً: لما أراد الهدف والغاية أخذ لها طريقها وهو الجد والاجتهاد، أما إذا لم يأخذ بالجد فإنه لا يحصل النتيجة، ويكون عند الناس أحمق ومفرطاً ومقصراً.

    تبغي النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تمشي على اليبس

    ولذلك بين الله سبحانه وتعالى لنا أن الأمر بالنسبة للآخرة لا ينال إلا بالجد.

    أما المنافقون فقد وصفهم الله سبحانه وتعالى فقال: وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء:142]، هذا الكسول المتثاقل لا ينجح النجاح المطلوب، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ [التوبة:38] تكاسل، قعد، أخلد إلى الأرض واتبع هواه، هذا الذي لا يأخذ بالجد والمعالي من الأمور لا يستطيع أن يكون ناجحاً متفوقاً؛ لأن الله سبحانه وتعالى وصف أهل الجد فقال: كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات:17-18]، يجدون حتى يحصلون النجاح، ويسعون إلى الوصول إلى بر الأمان.

    بعض الناس إذا قيل له في الجد في أمر الدين لم يستجب، وإن كان يجد في أمر الدنيا غالباً، ولا تحتاج أن توصيه في أمر الدنيا، فالطلاب في غالب الأمر لا يحتاجون في أيام الاختبارات أن يوصيهم أحد بالجد، كل يجد بقدر طاقته، وبأقصى حد عنده، لكن إن جئت للناس وقلت لهم: جدوا في أمر الدين وخذوا بمعالي الأمور، قالوا: إن الدين يسر، وقرءوا: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:185]، وقال: (إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق) ويأتي أحدهم بأحاديث وآيات يضعها في غير موضعها، وهو مفرط في جنب الله سبحانه وتعالى، ومقصر عن التشمير والجد، كما ذكر أبي بن كعب رضي الله عنه لـعمر بن الخطاب لما سأله عن التقوى؟ قال: أرأيت لو كنت تسير في أرض ذات شوك، ماذا كنت تصنع يا أمير المؤمنين؟ قال: أشمر وأجتهد، قال: فتلك التقوى.

    من أراد أن ينجح في اختبار الآخرة فلا بد أن يحقق ما يحققه في الدنيا من الجد والاجتهاد وبذل النشاط، إلى أقصى غاية كما علمنا المصطفى صلى الله عليه وسلم في موقفه العظيم الذي لا يقوى عليه أحد بعده، ولا يصل أحد فيه إلى تلك المرتبة: (كان يقوم حتى تتفطر قدماه، فتقول له عائشة : لم تفعل ذلك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: أفلا أكون عبداً شكوراً)، صلى الله عليه وسلم، فجد كما تجد في أمر الدنيا، ولابد من الجد في أمر الآخرة.

    أيام خوف وفزع واضطراب

    تجد الطالب أيام الاختبارات في هلع وقلق، إذا نام فهو خفيف النوم، وإذا أكل فهو سريع الطعام، ولا يطمئن له جنب، ولا تغمض له عين، ولا يسكن له قلب، لأن عنده ما يشغله.

    ولماذا ينشغل عقله ويتعلق قلبه؟ لأنه مرتبط بأمر يرى فيه مصلحة، ويرى من ورائه خيراً، فكيف وأنت تفكر في أمر الآخرة واختبار الآخرة، إن تفكرت ينبغي أن تكون على جزع وخوف واضطراب؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بين هذا النهج القويم بياناً انخلعت له قلوب الصحابة، وذرفت له عيونهم، واقشعرت منه جلودهم، وكانوا منه على خوف عظيم؛ لما قال صلى الله عليه وسلم: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله)، تخويفاً من الاطمئنان إلى نتيجة الاختبار، ما الذي يخوف الطالب؟ هو يستعد ويأخذ، لكنه لا يطمئن ولا يركن.

    وكذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح من حديث أنس رضي الله عنه قال: (كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم قرنه، وحنى جبهته ينتظر الأمر بالنفخ في الصور).

    هذه معالم لما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقصد بها مبالغةً في اللفظ، وإنما قصد بها غزواً للقلوب؛ حتى يرسخ فيها الخوف من عذاب الله الذي يدفعها إلى طلب رحمة الله سبحانه وتعالى بالعمل الصالح، وبالتقرب إلى الله جل وعلا.

    وحينما يكون الإنسان على هذا الخوف والاضطراب في أمر الدنيا واختبارها وهو أمر ميسور، وعاقبته قاصرة على الدنيا، فينبغي أن يكون على هذا النهج وأعظم أيضاً في اختبار الآخرة، فإن عائشة رضي الله عنها في حديثها الصحيح ترسم منهجاً عجيباً ينبغي أن يتفطن له المؤمن، وذلك أنها لما سمعت قول الله سبحانه وتعالى: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [المؤمنون:60]، قالت عائشة رضي الله عنها: هؤلاء يعملون أعمالاً ويخافون؛ لأنهم سيرجعون إلى الله، فتوقعت وتصورت أن تكون هذه الأعمال أعمالاً سيئة قبيحة، فقالت لرسولنا صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله! هو الرجل يسرق ويزني ويشرب الخمر ثم يخاف؟..) تعني: يعمل السيئات ويخاف لأنه عمل أموراً منكرة يستوجب عليها العقوبة والعذاب، فقال لها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يا ابنة الصديق ! ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخشى ألا يقبل منه)، هكذا رسم الرسول عليه الصلاة والسلام المنهج، أن تعمل وأنت على خوف ألا يقبل منك.

    أما الحسن البصري رحمة الله عليه ورضي الله عنه فيخط في مقالته منهجاً عظيماً عجيباً، فيقول رحمة الله عليه: لقد لقيت أقواماً هم أخوف على حسناتهم ألا تقبل منهم أكثر من خوفكم من سيئاتكم أن تحاسبوا عليها.

    يعني: أنتم تعملون سيئات، وخوفكم قليل، وأولئكم يعملون الصالحات وخوفهم عظيم ألا تقبل منهم.

    وكان الحسن رضي الله عنه ورحمه يبكي، فيقال له: لم تبكي؟ قال: أخشى أن يطلع الله علي وأنا في بعض ذنبي، أو قد عملت ذنباً، فيقول: يا حسن اعمل فلا أقبل منك أبدًا.

    من كان يخاف، ويضطرب، ويقلق، ويجزع، ولا يطمئن له جنب، ولا تغمض له عين، كل ذلكم تخوف من هذا الاختبار الدنيوي، فالأولى أن يعرف طبيعة اختبار الآخرة، وأن يتدبر ويتأمل، ويكون على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، يخرج في ظلمة الليل، وينسل من بيت عائشة رضي الله عنها، فإذا هو يخرج إلى البقيع يتفقد الموتى، ويدعو كالمودع للأموات صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    قبل الاختبار

    هذه أمور في طبيعة الاختبارات تربطنا باختبارات الآخرة، ثم هناك أمور في جانب آخر، وهي: مرحلة ما قبل الاختبار.

    سلوك الناس قبل الاختبارات

    كيف يتصرف الطلاب قبل الاختبار؟ حتى نربط ذلك بسلوكهم في أمر اختبار الآخرة.

    تجد للناس وقتئذٍ قدرةً على التكيف وتغيير الظروف مهما كانت، كل الطلاب والأهالي في البيوت يغيرون الظروف، لا تجد شيئاً إلا ويتغير، أوقات الطعام التي كانت محددة تتغير، وقت الطعام الذي كان طويلاً يقصر، أمور كثيرة في حياة الناس تتغير، ينام ويستيقظ قبل الفجر، ومن الذي يوقظه؟ الأم أو الأب، والزيارات تنقطع، والاتصالات تتوقف، عجباً كيف استطاع الإنسان أن يغير!

    غير لأنه اهتم؛ ولأنه أراد أن يتهيأ لأمر عظيم، لكن فيما يتعلق باختبار الآخرة لا يفعل ذلك.

    ونحن في دنيانا كلها ما زلنا في مرحلة ما قبل الاختبار، فهل غيرت ظرفك حينما نمت متأخراً لتستيقظ للفجر، وحينما فرطت في أمر لتتدارك الأمر، تجد كثيراً من الناس إذا جئت لتقول له في شأن دينه وأمر ربه، يقول: لا أستطيع، صعب عليه أن يغير الظروف والأوقات والعادات التي تعود عليها، من الصعب أن يستيقظ للفجر، ثم بعد ذلك قد ينام فلا يستيقظ للدوام، كيف يستطيع أن يغير الحالة وقد استمرت ودوام عليها؟! وكيف غير في أيام معدودات هذه العادات كلها لأجل اختبار الدنيا؟

    وتجد أيضاً أن كل الظروف تتغير، فهل يشاهد التلفزيون؟ لا، هل يخرج للنزهة؟ لا، بل يؤجلها، هل عنده وقت للتسلية؟ لا، يؤخرها، لماذا؟ قال: لأننا في فترة ما قبل الاختبار!

    وكذلك في أمر اختبار الآخرة: هل أجلت ما ينبغي تأجيله، وتركت ما ينبغي تركه؛ لكي تستعد لاختبار الآخرة، هذا أيضاً أمر يحتاج إلى انتباه.

    حسن الاستعداد عملياً

    ليس فقط يفرغ الناس الأوقات ثم ينامون أو يغيرون، بل هم مستعدون أيضاً عملياً، فتجده أولاً: يفرغ الوقت للمراجعة والمذاكرة، والأب حريص في أن يواظب على مراقبة ابنه، وإذا احتاج إلى مدرس أحضر المدرس، وإذا لم يكف مدرس قد يحضر الثاني، وإذا ما كفى اثنان ممكن أن يسعى بكل وسيلة حتى يطمئن إلى أنه قد استعد أقصى أنواع الاستعداد، هل يحتاج إلى كتب مساعدة؟ يحضرها، هل يحتاج إلى أسئلة وإجابات؟ يوفرها، يذهب ويبحث عن أسئلة في الأعوام الماضية، هكذا يفعل الطلاب، يذهبون فيبحثون عن أسئلة العام الماضي والذي قبله، وكيف كانت إجاباتها وطريقة الاختبارات، كل ذلك استعداداً عملياً للاختبار.

    لو تأملت أيضاً تجد أنه لا يكون في هذه الأوقات أعمال تخالف هذا الاستعداد مطلقاً، فأين الاستعداد لأمر الآخرة؟ هل راجعت الاختبارات السابقة؟ هل نظرت كيف يكون الاختبار؟ هل تأملت في مثل هذه الأمور التي تتعلق بأمر هو أعظم وأهم مما تهيأت له؟

    لو جئت الآن وقلت للأب: الابن لا يصلي، قال: الهادي هو الله! ولو قلت: الابن لا يذاكر، فلم لا تقول: الذي يعينه على المذاكرة الله، وتتركه؟ لا، بل هناك تتفرغ له، إذا أراد أن يلتفت وقفت له بالمرصاد، وإذا لم يفهم أتيت له بالمدرس، وإذا ما نفع المدرس تفرغت بنفسك لتذاكر له أو تدرسه، وهنا الهادي هو الله؛ سبحان الله العظيم!

    لم اعتنيت بأن تهيئه لاختبار الدنيا، ولم تعتن بتربية ابنك واستعداده لاختبار الآخرة؟ توقظه للاختبار قبل الفجر إذا أراد، ونادراً أو نسبة لا تكاد تذكر أن طالباً ينام عن الاختبار ولا يحضر، لكن كم من الناس طلاباً ورجالاً ونساءً ينامون عن الفجر؟ أليس هذا اختباراً بسيطاً من اختبارات الله سبحانه وتعالى للعبد حتى يخرج من شهوات نفسه، ومحبة ما يميل إليه، إلى استجابته لأمر الله سبحانه وتعالى.

    فالاهتمام للدنيا وإهمال الآخرة يعد من سوء التدبير، وفساد القياس؛ لأن مقتضى قياس الأولى: أنك إذا اعتنيت به في الدنيا فعنياتك به في أمر الآخرة ينبغي أن تكون أعظم.

    استخدام ألفاظ التشجيع والثناء

    وأمر ثالث يحدث قبل الاختبارات، بالذات بالنسبة للأهل:

    تجد الوالد والوالدة يستخدمون معسول الكلام، وحسن الألفاظ، والتشجيع مثل: أخذ الله بيدك. وأعانك الله. وبارك الله فيك. وهكذا صباحاً ومساء، فلا ترى وجهاً مقطباً، ولا كلمة شديدة، ولا قبض يد، كل الأمور ميسرة، لماذا؟ يقول لك: حتى يكون مستعداً قبل الاختبار، ويدفعه ذلك إلى أن يكون استعداده نفسياً وعملياً على أحسن وجه، لا يوجد أي معوق أبداً، ويكون ديدنهم: اهتم بالدراسة، ذاكر أكثر.

    لكن في أمر الآخرة، وفي أمر دينه وعبادته، تجد التقصير في كثير من الأحوال، ولا تجد الوالد يعتني بولده، ولا يشجعه، إذا رآه ذاهباً إلى المساجد، بل ربما أحياناً يقول له: أربعة وعشرين ساعة في المسجد، ما أحد يراك في البيت! وهو مسكين تأخر دقائق صلى فيها السنة، فأقام والده الدنيا وأقعدها. أما بالنسبة للاختبارات فلا بأس، وهذا أيضاً من سوء وفساد القيم.

    1.   

    الفروق بين الامتحان الدنيوي والأخروي

    الفرق الأول

    وهي فروق يسيرة في عددها، لكنها عظيمة في النتيجة والأثر:

    الفرق الأول: أنك باختبار الآخرة لن تسأل عن اختبار الدنيا أبداً، لن تسأل لا عن المناهج، ولا الكتب ولا الوظائف، وإنما الأسئلة محددة كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم حينما قال: (لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وشبابه فيما أبلاه، ... إلخ).

    الفرق الثاني

    الفرق الثاني: امتحانات الدنيا تتكرر: ممكن أن يعيده أو أن يعيد السنة، أو يغير المدرسة كلها، يمكنه أن يشق طريقه بأي وجه من الوجوه، أما اختبار الآخرة فواحد، ليس فيه إعادة، ولا زيادة، إذا سلمت ورقة الإجابة فلا لجنة رحمة، ولا غير ذلك من الأمور إلا ما قضاه الله سبحانه وتعالى، فلذلك أيضاً يتنبه الإنسان في هذا الباب كثيراً؛ لأن الله سبحانه وتعالى بين أنه لا عودة: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ [الأنعام:28] ويقول الله: قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لََعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون:99-100]، والله سبحانه وتعالى يقول: وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المنافقون:11]، ويقول الله سبحانه وتعالى: أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الزمر:58]، انتهى الأمر.

    الفرق الثالث

    الفرق الثالث: ما هي نتيجة اختبار الدنيا؟ تأخذ شهادة، أو منصباً، أو أي نوع من الفخر الفارغ، أو من التعالي الذي لا قيمة له.

    أما الآخرة فشهادتها وثمرتها جنة عرضها السماوات والأرض، وما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وشهادة الجنة هي التي يقول فيها الله سبحانه وتعالى: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ [الأعراف:49].

    هذه هي الشهادة: أنه إذا خرج من الثانوية أخذ ورقة يدخل بها الجامعة، وإذا خرج من الجامعة أخذ ورقة يدخل بها الوظيفة، أما هنا فيأخذ شهادة يدخل بها جنة فلا يخرج منها أبداً، فيها نعيم لا ينقطع مطلقاً، بل هو في زيادة وتضاعف عظيم عند الله سبحانه وتعالى.

    الفرق الرابع

    الفرق الرابع: أن امتحان الدنيا ممكن أن تجد من يساعدك عليه، ممكن أن يجد الطالب فرصةً ليغش، ممكن بعد أن يسلم الورقة يوسط للمدرس من يوصيه به خيراً ليكيل له في الدرجات، أو ليتجاوز عن الأخطاء والهفوات، كلها أمور واردة ويتعلق بها الإنسان كثيراً، ويفكر فيها، ويقول: لعل وليت ... أما في الآخرة فلا يشفع أحد عند الله إلا بإذنه، وينقطع كل أمر إلا من قضاء الله سبحانه وتعالى، وليس ثمة مجال مطلقاً لأن تستزيد، أو أن تأخذ دعماً من أحد، كل يقول: نفسي نفسي، يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ [عبس:34-36]، لا أحد ينظر في أحد.

    فالكفار يود أحدهم لو عنده ما في الأرض جميعاً ومثله معه ليفتدي به من عذاب يوم القيامة، ليس هناك من شيء أبداً إلا من أتى الله بقلب سليم، ورحمة من الله يفيض بها على من يشاء، وشفاعة يأذن بها لمن رضي جل وعلا؛ فلذلك ينبغي أن ينتبه الإنسان، وأن يعلم أن المراوغة يوم القيامة لا تفيد، إذا سأل فتحرك اللسان كذباً وزوراً، ختم الله على فمه، ونطق جلده، ونطقت يده، ونطقت رجله الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [يس:65]، وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ [فصلت:21].

    فلا مجال هناك للمراوغة، ولا للغش أبداً، بل كل شيء يظهر على حقيقته، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه مسلم : (أول من تسعر بهم النار ثلاثة)، هؤلاء الذين يكذبون: (رجل آتاه الله علماً، فيقول له الله: ما فعلت بعلمك؟ يقول: علمته فيك)، يعني لأجلك، وحسبةً لله، وطلباً للثواب، وهو كاذب في قوله، (فيقول الله سبحانه وتعالى: كذبت، بل علمته ليقال: عالم، وقد قيل، فيؤمر به فيكب على وجهه في النار)، وهكذا الثاني والثالث مثله؛ لأن الرجل الذي أعطاه الله سبحانه وتعالى قوة، يقول: (جاهدت فيك، ولإعلاء كلمتك، فيقول الله سبحانه وتعالى: كذبت، وإنما جاهدت ليقال: شجاع، وليقال: جريء، وقد قيل، فيكب على وجهه في النار) ، نسأل الله سبحانه وتعالى السلامة.

    فمن كذب في هذا الاختبار عوقب أشد عقاب، فليس هناك مجال لا لغش، ولا لشفاعة، ولا لواسطة من هذا النوع أبداً ومطلقاً.

    1.   

    عواقب ما بعد الاختبارات

    الرسوب والنجاح

    ما الذي يحصل بعد الاختبار؟

    في اختبارات الطلاب واختبارات الدنيا يحصل رسوب أو نجاح، شقاوة أو سعادة، حزن أو فرح، لكن أمره سهل، وبعض الناس ممن تبلدت أحاسيسهم يرسب وهو في قمة الفرح؛ لأنه لا يدرك ولا يفهم أثراً لهذا الاختبار ولا قيمة له، لكنه في قرارة نفسه حزين؛ لأنه يرى الطلاب من حوله كل معه شهادة النجاح وهو وإن افتخر لكنه كاذب في التعبير عن شعوره.

    إذاً لماذا فرح؟ لأنه نجح، ولماذا حزن؟ لأنه رسب.

    وتجد هذا لا يخصه وحده، إذا فرح ونجح إذا بابتسامة الأم عرضها كعرض البيت، وإذا صياح الأب وتهليله وتكبيره كأنما فتحت الدنيا، وانتصرت الأمة، وكل الناس يفرحون بفرحه، وإذا رسب تجد سحابةً سوداء مظلمة تخيم على البيت.

    هل نفرح لأمر الآخرة؟ وإذا وفق الإنسان إلى طاعة هل يفرح الأهل فرحاً صادقاً، وذلك إذا رأى الوالد ابنه مستقيماً على أمر الله، مرتاداً للمساجد، ملتزماً بسنة الرسول، يقضي وقته مع القرآن، ويعيش في رياض القرآن، ويرتاد حلق العلم؟! لكن للأسف أن الأمر وجوده وعدمه سواء.

    الحزن والسرور

    هل يحصل الحزن إذا تم التقصير في أمر الآخرة؟ إذا فاتت صلاة الفجر فلا مشكلة، بل إذا تأخر عن أداء الصلاة جماعة، بل عن أداء الصلاة بالكلية، بينما كان الصحابة يعزون من فاتته تكبيرة الإحرام، وكانوا إذا فاتت الواحد منهم الجماعة ورد في بعض الآثار أنه يعزى ثلاثة أيام، فهو حزين والناس يرثون له.

    سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه -كما في الصحيح- لما مرض يوم الفتح وقيل في صلح الحديبية وأراد الرسول أن يرجع إلى المدينة، وكان المهاجرون رضي الله عنهم وأرضاهم من أمر هجرتهم في شرع الله ألا يرتدوا بعد هجرتهم، وكلهم بعد أن هاجروا المدينة ما رجع أحد منهم إلى بلده؛ لأنهم خرجوا لله ورسوله فلزموا ذلك، فلما أراد الرسول أن يرجع وكان سعد بن أبي وقاص مريضاً لا يستطيع أن يرجع، فدخل عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، فإذا هو حزين يبكي ويقول: يا رسول الله! أخلف بعد أصحابي، أي: هل أبقى هنا ولا ألحق معكم ولا تتم لي الهجرة، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول له مبشراً: (لعلك أن تخلف فيسر بك أقوام، ويضر بك آخرون)، فكانت بشارة وعلامة نبوة من الرسول؛ لأن سعد بن أبي وقاص كان فارس القادسية وقائدها، والذي كتب الله النصر على يديه للمسلمين على أعداء الله.

    ثم قال الرسول: (ولكن البائس سعد بن خولة، يرثي له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مات بمكة) والرسول حزن له؛ لأنه أدرك الوفاة بمكة وهو من المهاجرين، وكان يحب أن يموت في المدينة؛ لأن المهاجرين كان مهاجرهم المدينة ولا يرجعون منها أبداً، وما ورد من أن الصحابة خرجوا من المدينة، فذلك صحيح لكنهم خرجوا في الأمصار وساحوا فيها، وما رجعوا إلى مكة وأقاموا فيها؛ فلذلك انظر إلى هذا الحزن وإلى هذا التغير لأمر الدين ولأمر الآخرة.

    مقياس الفرح والحزن عند الصحابة

    كانوا رضي الله عنهم إذا نبغ الابن منهم في أمر الدين عظموه، كما ورد في صحيح الإمام البخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما شجرة مثلها كمثل المسلم، قال: فوقع الناس في شجر البوادي - يعني يخمنون في أنواع من الشجر- ووقع في نفسي أنها النخلة، فاستحييت فسكت، وفي رواية: فإذا في القوم أبو بكر وعمر فسكت، وفي رواية: فإذا أنا عاشر عشرة أنا أصغرهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هي النخلة)، فأخبرت بها عمر أي: بعد ذلك قال لأبيه عمر بن الخطاب : أنا عرفتها قبل أن يقولها الرسول صلى الله عليه وسلم، قال: لوددت أنك قلتها، أي: كان سيكون في قمة الفرح، وكأنه أعطي الدنيا بما فيها لو أن ابنه قال هذه الكلمة، هل ليفتخر؟ لا، ولكن ليبرز علمه وفقهه وفطنته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    الصحابة كيف كانوا يفرحون؟ متى كانوا يحزنون؟ كل ذلك متعلق بأمر الدين، وبما يفتح الله لهم من الخير.

    هذا حنظلة بن أبي عامر الأسيدي كما ورد في صحيح مسلم: كان كسف البال مغتماً، منكس الرأس، فلقيه أبو بكر ، فقال له: ما بالك يا حنظلة ؟ قال: نافق حنظلة ! قال: وما ذاك؟ قال: إنا إذا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدثنا عن الإيمان والجنة والنار، فكأنا نرى كل ذلك بأعيننا، فإذا انقلبنا إلى أهلنا وعافسنا الأزواج والنساء تغيرنا، وفي رواية: أنكرنا نفوسنا.

    أبو بكر كان غير منتبه لهذا الأمر، فلما قال له ذلك فكر، فإذا الحال هو الحال، والأمر عنده كما هو عنده، قال: لئن كان كما تقول فكلنا ذلك الرجل، فانطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (لو تدومون على حالكم التي تكونون عليها عندي لصافحتكم الملائكة في الطرقات، ولكن ساعة وساعة)، تلك ساعتا الصحابة، وليست كالتي عندنا التي يستشهد بها الناس ويطبقونها تطبيقاً سيئاً .. ساعة فيها شيء من الطاعة قليل، وساعة فيها من المعاصي ما لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى.

    فإذاً: ما بعد الامتحانات نفرح بأمر الاختبار إذا نجحنا، فأين فرحنا بأمر الدين، وفرحنا بالتوفيق للطاعات؟ وأين حزننا إذا فاتتنا الصلوات، وقصرنا في هذا الأمر، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (ابك على خطيئتك، وليسعك بيتك

    وكما فعل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في صورة فريدة رائعة لا يوجد في التاريخ مثلها أبداً، الذين أطلق عليهم اسم: البكائين جاءوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرجوا معه للجهاد والغزو في غزوة تبوك وهم صفر اليدين، ليس معهم مال، ولا زاد، ولا رواحل يركبون عليها، قالوا: يا رسول الله! احملنا معك نجاهد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا أجد ما أحملكم عليه)، فهل قالوا: فرصة، مشكلة وانزاحت، منك ولا من غيرك؟ لا. بل: تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ [التوبة:92]، حزنوا أن فاتتهم هذه الفرصة من الطاعة، وهي فرصة شاقة شديدة في حر شديد، في صحراء ضاربة عبر الجزيرة إلى أقصى شمالها، لا يلقون فيها أرضاً خضراء، ولا أهلاً أحباء، وإنما يلقون فيها موتاً أحمر، وسيوفاً مشرعة، مع ذلك حزنوا من صميم قلوبهم ألا يجدوا ما ينفقون حزناً على ما فاتهم من الطاعة.

    هكذا ينبغي أن تكون مشاعرنا؛ فرحاً بالطاعة وحزناً على فواتها، وعلى ما يقع من تفريط في جنب الله سبحانه وتعالى، لا نفرح بما قد يكون من أمر الدنيا، فإن فرحنا لأنه يعين على الطاعة والآخرة فلا بأس؛ فينبغي أن نتنبه في هذه المسألة.

    ترقب النتائج

    مسائل ما بعد الاختبار أمر آخر، تجد الناس مترقبين للنتائج، فترى من يذهب من الصباح الباكر عند أبواب المطابع ينتظر الجريدة لينظر النتيجة. أجبت أم لم تجب؟ قال: أجبت إن شاء الله إجابات جيدة، لكن لا يطمئن القلب حتى يرى النتيجة بأم عينه، ويبقى في هذه الفترة مترقباً، كل يوم ينتظر وهو على جمر من النار، فإذا خرجت النتيجة يسكن ويطمئن إذا فاز ونجح.

    والله سبحانه وتعالى بين أيضاً أن المسألة أعظم من ذلك وأكبر، وأرهب، وأشد خوفاً وخطراً يوم القيامة، الناس في ذلك الصعيد، في يوم الحشر الأعظم، والعرق يبلغ من الناس إما إلى العقبين أو الركبتين أو الحقوين أو الكتفين، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً، والشمس قد دنت من رءوس الخلائق حتى تكون منهم على قدر ميل، والرسل والأنبياء كلهم يقول: نفسي نفسي، وكل قد تبرأ من صاحبه، والناس ينتظرون النتائج، والله سبحانه وتعالى يقول: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران:185].

    تصور هذا الترقب لهذه النتيجة العظمى، هذه النتيجة إذا وصلت إليها زحزحت، وزحزح يعني كأنه كان يوشك أن يقع في النار فزحزح عنها، هذا الذي زحزح فاز، فكيف بالذي نجا وكان سابقاً وفائزاً ومقدماً، وهذا الترقب يقول عنه الله سبحانه وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ [فصلت:30]، وهذا الثبات والترقب ينبغي أن يكون له استعداد: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا [الحجرات:15]، صحيح صدقوا في الإيمان، وأخلصوا في الطاعات، وواظبوا على الفرائض، ومع ذلك أعدوا العدة، ثم بعد ذلك أيضاً يترقبون النتائج.

    استلام الشهادات

    بعد الاختبارات تظهر النتيجة ويفرح بها الطالب، لكنه ينتظر الشهادة التي قد يبرزها أو يظهرها أو يدفعها، وشهادات يوم القيامة ليس لك فيها اختيار، تتطاير الصحف، فيؤتى كل أحد كتابه بحسب عمله، فمن كان خيراً أخذ كتابه بيمينه، وأما صاحب العمل السيئ، فقد ورد في بعض الآثار أنه يريد أن يأخذ كتابه بيمينه فلا يستطيع، وتلتصق يده الشمال بوراء ظهره فيأخذ كتابه ويده الشمال ملتصقة وراء ظهره، لا يملك في ذلك اختياراً، ولا يملك في ذلك أن يدعها أو أن يتركها.

    الآن الشهادة إذا كانت غير مناسبة قد يتركها، أما تسليم الشهادات يوم القيامة فكما قال الله سبحانه وتعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ [الحاقة:19]، يفرح بها ويرفعها، هذه هي الشهادة، وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ [الحاقة:25-27]، هكذا يقول بعض الناس في اختبار الدنيا، أي كأنه يقول: يا ليتني لم أختبر، يا ليتها كانت القاضية، ليتني لم أدخل المدرسة ولم أدخل التعليم نهائياً، كأنه اغتم لذلك، والغم الأكبر إنما يكون في ذلك الحدث الأعظم في هذا الباب.

    وكذلك نجد الناس إذا أخذوا الشهادات على هذا النسق وعلى هذا النحو يعتنون بإظهارها وبإشهارها، ويوم القيامة من كانت شهادته حسنة فإنه يظهرها ويشهرها ويرفعها، أما من كان غير ذلك فهناك حضور في تسليم الشهادات، يحضر مدير المدرسة والمدرسون للتكريم، والآخر الذي لا يكرم ينكس رأسه ولا يحضر أصلاً، وهناك الحضور أعظم: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر:22]، الملائكة حضور، والرب سبحانه وتعالى يتجلى على الناس بعظمته، فهو مشهد خطير تنخلع له القلوب، ويكون الخزي -والعياذ بالله- هو الخزي الأعظم الأكبر حينما لا يفلح الإنسان، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من الفائزين الناجحين.

    مراتب الفوز والنجاح

    قد ينجح الناس، ولكن هناك مراتب: منهم المقبول الذي كان على شفا جرف هار، ولكن الله ستر عليه فأنجاه، ومنهم من يأخذ جيد، وجيد جداً، وممتاز، ومرتبة شرف، وكذلك الأمر في الآخرة، فإن النجاة على مراتب، لكن لننظر إلى صاحب أدنى مرتبة، أقل واحد هذا الذي يأخذ المقبول، أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم كما ورد في صحيح مسلم عن آخر رجل يدخل الجنة، ما قصته؟

    يعذب في النار بقدر ذنوبه ومعاصيه، فيقول: يا رب أخرجني من النار، فيخرج من النار، ثم يبقى خارج النار، فينظر للجنة فإذا بها بعيدة، فيقول: يا رب قربني من باب الجنة، فإذا قال: لا تسألني شيئاً بعدها، يقول: لا أسألك يا رب شيئاً بعدها، فإذا قربه من الجنة كما في الحديث: يأتيه من طيبها ومن وريحها، فيقول: يا رب أدخل الباب، فيدخله الله سبحانه وتعالى الجنة، ويعطيه من نعيمها سبحانه وتعالى، فيقول الله سبحانه وتعالى: هل ترى ما حولك؟ قال: نعم، قال: أيسرك أن يكون لك مثل هذا، فيقول في الحديث: (أتهزأ بي وأنت الملك، فيضحك الله سبحانه وتعالى، ويقول: فإن لك مثله وعشرة أمثاله) .

    وهذا الذي أريه هو كملك الدنيا، يعني أقل واحد يأخذ مثل الدنيا وعشرة أمثالها كما ورد في هذا الحديث الصحيح. هذا آخر أهل الدنيا دخولاً الجنة، فما ظننا بما هو أعلى منه؟

    قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس الأعلى، فمنه تفجر الأنهار، ويظلله عرش الرحمن) سبحانه وتعالى، هذا أقل درجة، فلك أن تتصور شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، وقد أوجز الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: (فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر).

    وأما هذه المراتب فيقول عنها صلى الله عليه وسلم: (ما بين الدرجة والدرجة مسيرة خمسمائة عام)، وفي بعض الروايات عن أقل ما بين درجة ودرجة: (كالكوكب الغابر في السماء)، الكوكب الغابر لا ترى منه إلا نقطة، يعني أبعد ما بين السماء والأرض، هذه المسافة ما بين مراتب الجنة وتفاوت الدرجات فيها.

    هكذا ينبغي أن ننتبه إلى هذه الفروق.

    1.   

    تنبيهات مهمة

    نختم بأمور فيها شيء من التنبيه، وإن كان كل ما مضى فيه تنبيه للطلاب وللآباء والأمهات أن يكون اعتناؤهم باختبار الآخرة الأعظم، الاختبار الذي فيه المواقف العظمى الخطيرة: يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحج:2]، فإذا الطلاب عند أول الاختبارات منهم من يرتعد ويرتجف، لكن الأمر لا يعدو ضربات من القلب، وقد تجد قليلاً من قطرات العرق تتصبب، ومنهم من لا يلقي لذلك بالاً. أما هناك فهو الخوف الأعظم فنتنبه لذلك، وأما الطلاب فينبغي أن يعلموا أموراً:

    الأمر الأول: أن الأخذ بالأسباب من دين الله سبحانه وتعالى:

    فينبغي أن يشمروا عن ساعد الجد، ويذاكروا ويراجعوا، ويسألوا، ويسترجعوا ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، أما أن يقول: الله سبحانه وتعالى الميسر والمسهل. فنقول: نعم هو ميسر ومسهل، لكن لا بد من الأخذ بالأسباب.

    الأمر الثاني:

    إذا لم يكن عون من الله للفتى فأول ما يقضي عليه اجتهاده

    إذا ظن أنه أحفظ الحافظين، وأذكى الأذكياء، وأفطن الفطناء، فهنا يخشى عليه أن يقع، وكم رأينا ممن حصل وجد ثم لم يستعن بالله ولم يقل: يا رب، فربما حرمه الله سبحانه وتعالى التوفيق؛ لأجل نسيانه الاعتماد على الله سبحانه وتعالى، فينبغي أن ينتبه لذلك.

    الأمر الثالث: كثرة التقرب من الله سبحانه وتعالى:

    أليس من طبيعة الإنسان إذا داهمته الشدة أن يزداد صلة ً ورجوعاً إلى سبحانه وتعالى؟ الجواب: نعم؛ لأنه إذا رجع إلى الله سبحانه وتعالى، يسأل ويرجو أن يكون بقربه مهيئاً لأن يوفقه الله جل وعلا، ولكن لا يكون كحال بعض الناس، إذا جاءت الاختبارات ملئت المساجد، فأصبحت الأمور على خير كثير، ثم إذا انتهى الأمر، وتحقق المقصد، انقلب على وجهه، وترك طاعة ربه.

    وهناك نوع آخر: وهو نوع خطير عند الطلاب، بعضهم يقلل من الطاعات، إذا كان يصلي النوافل عادةً، ويذكر الله ويسبح، فإنه يتركها ويقول: الآن اختبارات، حدك حد الفرض، والفرض يحتاج إلى مقياس من السرعة حتى تنتهي من الصلاة بسرعة، فهذا يحرم نفسه، وكلما فرط في ذلك كان حرماناً له.

    ثم كذلك ينبغي للإنسان أن يستحضر السكينة والطمأنينة عند اختباره؛ لأن التوتر ومزيد الانفعال يفقد الطالب التركيز والقدرة على الإجابة؛ ولذلك بعض الطلاب إذا أخذ أوراق الأسئلة يقرأها من الأخير ومن الوسط، فلا يعرف ماذا قرأ، ولا كيف يجيب، ينبغي أن يكون آخذاً الأمر بهدوء وسكينه وطمأنينة حتى يعينه الله سبحانه وتعالى على ذلك.

    وفوق ذلك كله: أن يعلم أن هذا الاختبار إنما هو أمر يسير ينبغي أن يجعل في نيته أنه يستعين به على طاعة الله، وعلى الأخذ بالأسباب التي تعينه على أن يخدم دينه وأمته، حتى يكتب له الأجر، ويوفق إن شاء الله سبحانه وتعالى.

    نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا في اختبار الآخرة، وأن يجعلنا من المتهيئين له، وأن يجعلنا من الفائزين والناجحين فيه.

    اللهم اختم لنا بالصالحات، اللهم استرنا فوق الأرض، واسترنا تحت الأرض، واسترنا يوم العرض، اللهم لا تفضحنا على رءوس الأشهاد، اللهم كما سترت علينا ذنوبنا في الدنيا فاسترها علينا في الآخرة واغفرها لنا يا أرحم الراحمين، اللهم يا أرحم الراحمين، يا أكرم الأكرمين، يا جبار السماوات والأرض، نسألك اللهم أن تتغمدنا برحمتك، وأن تحفظنا برعايتك، وأن تكلأنا بعينك التي لا تنام.

    اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك، اللهم أعذنا من شرور أنفسنا، وآت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكها، أنت وليها ومولاها، اللهم وفقنا ووفق آباءنا وأمهاتنا وبناتنا وأبنائنا إلى ما تحب وترضى يا أرحم الراحمين، واصرف عنا ما لا تحب وترضى يا أكرم الأكرمين.

    وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.