اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , لمحة عن الامتحانات للشيخ : علي بن عمر بادحدح


لمحة عن الامتحانات - (للشيخ : علي بن عمر بادحدح)
في زحمة الدنيا وزخم الأحداث ينسى الناس الإعداد لكثير من الأمور المهمة، وبين انشغالهم باختبارات الدنيا يغفلون عن اختبار الآخرة رغم أنها مناسبة لتذكره والتنبه له، وإنّ الناظر في الفروق بينهما من ناحية الإعداد والاستعداد والتهيؤ وتغيير نظام المجتمع، ليرى من ذلك عجباً لا ينقضي، من شدة اهتمام الناس واعتنائهم باختبارات الدنيا، وتخطيطهم لها، وغفلتهم وتقصيرهم عن الاختبار الأهم والأعظم في يوم القيامة.
بين اختبارات الدنيا واختبارات الآخرة
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، حمداً كما يحب ربنا ويرضى، نحمده سبحانه وتعالى حمد الشاكرين الذاكرين، ونسأله مسألة الضعفاء والمساكين، ونصلي ونسلم على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد صادق الوعد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم وسار على نهجهم إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يا أرحم الراحمين. أما بعد:أيها الإخوة الكرام! سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وفي بداية هذه الكلمة القصيرة -التي أرجو ألا أطيل بها عليكم- أقدم الشكر لفضيلة الإمام جزاه الله خيراً على حسن ظنه، وعظيم إكرامه، ولمن سعى في هذا اللقاء ليجعل لنا به -إن شاء الله تعالى- عند الله أجراً. هذه هي أيام الاختبارات التي تشغل كل الناس حتى من ليس عنده اختبار، ومن لم ينشغل بها شخصياً فإنه يضطر إلى أن يتعامل في أيام الاختبارات بتعاملات وبأوقات وبطريقة مختلفة عما تعود عليه، والله سبحانه وتعالى قال: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الملك:1-2]، فالحياة كلها اختبار منذ أن يتنفس الإنسان أول نفس فيها، وحتى يلفظ آخر نفس كتب له في هذه الدنيا، فإذا كانت الحياة كلها اختباراً، فينبغي أن نعرف هذا الاختبار، وأن نعرف علاقته بهذه الاختبارات الدنيوية الكثيرة، ولكن أكثرها تكراراً وأهميةً عند الناس: اختبارات الطلاب والطالبات، حيث ينشغل بها الطلاب والطالبات، والآباء والأمهات، وتزدحم لأجلها الطرقات، وتتغير من أجلها العادات، فتختلف فيها كثير من الأحوال.وحتى نستفيد -إن شاء الله تعالى في الوقت المتاح- نحب أن نجعل الحديث منصباً على نوعي الاختبارات في الدنيا والآخرة معاً، حتى نرى كيف اعتنى الناس وانشغلوا وفكروا وخططوا واجتهدوا في اختبارات الدنيا العارضة، وغفلوا وقصروا وتكاسلوا وانشغلوا عن الاختبار الأهم والأعظم، وهو اختبار الحياة الدنيا الذي سؤاله وجوابه عند الله سبحانه وتعالى يوم القيامة.
 أيام خوف وفزع واضطراب
تجد الطالب أيام الاختبارات في هلع وقلق، إذا نام فهو خفيف النوم، وإذا أكل فهو سريع الطعام، ولا يطمئن له جنب، ولا تغمض له عين، ولا يسكن له قلب، لأن عنده ما يشغله.ولماذا ينشغل عقله ويتعلق قلبه؟ لأنه مرتبط بأمر يرى فيه مصلحة، ويرى من ورائه خيراً، فكيف وأنت تفكر في أمر الآخرة واختبار الآخرة، إن تفكرت ينبغي أن تكون على جزع وخوف واضطراب؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بين هذا النهج القويم بياناً انخلعت له قلوب الصحابة، وذرفت له عيونهم، واقشعرت منه جلودهم، وكانوا منه على خوف عظيم؛ لما قال صلى الله عليه وسلم: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله)، تخويفاً من الاطمئنان إلى نتيجة الاختبار، ما الذي يخوف الطالب؟ هو يستعد ويأخذ، لكنه لا يطمئن ولا يركن.وكذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح من حديث أنس رضي الله عنه قال: (كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم قرنه، وحنى جبهته ينتظر الأمر بالنفخ في الصور).هذه معالم لما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقصد بها مبالغةً في اللفظ، وإنما قصد بها غزواً للقلوب؛ حتى يرسخ فيها الخوف من عذاب الله الذي يدفعها إلى طلب رحمة الله سبحانه وتعالى بالعمل الصالح، وبالتقرب إلى الله جل وعلا.وحينما يكون الإنسان على هذا الخوف والاضطراب في أمر الدنيا واختبارها وهو أمر ميسور، وعاقبته قاصرة على الدنيا، فينبغي أن يكون على هذا النهج وأعظم أيضاً في اختبار الآخرة، فإن عائشة رضي الله عنها في حديثها الصحيح ترسم منهجاً عجيباً ينبغي أن يتفطن له المؤمن، وذلك أنها لما سمعت قول الله سبحانه وتعالى: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [المؤمنون:60]، قالت عائشة رضي الله عنها: هؤلاء يعملون أعمالاً ويخافون؛ لأنهم سيرجعون إلى الله، فتوقعت وتصورت أن تكون هذه الأعمال أعمالاً سيئة قبيحة، فقالت لرسولنا صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله! هو الرجل يسرق ويزني ويشرب الخمر ثم يخاف؟..) تعني: يعمل السيئات ويخاف لأنه عمل أموراً منكرة يستوجب عليها العقوبة والعذاب، فقال لها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يا ابنة الصديق ! ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخشى ألا يقبل منه)، هكذا رسم الرسول عليه الصلاة والسلام المنهج، أن تعمل وأنت على خوف ألا يقبل منك. أما الحسن البصري رحمة الله عليه ورضي الله عنه فيخط في مقالته منهجاً عظيماً عجيباً، فيقول رحمة الله عليه: لقد لقيت أقواماً هم أخوف على حسناتهم ألا تقبل منهم أكثر من خوفكم من سيئاتكم أن تحاسبوا عليها. يعني: أنتم تعملون سيئات، وخوفكم قليل، وأولئكم يعملون الصالحات وخوفهم عظيم ألا تقبل منهم. وكان الحسن رضي الله عنه ورحمه يبكي، فيقال له: لم تبكي؟ قال: أخشى أن يطلع الله علي وأنا في بعض ذنبي، أو قد عملت ذنباً، فيقول: يا حسن اعمل فلا أقبل منك أبدًا. من كان يخاف، ويضطرب، ويقلق، ويجزع، ولا يطمئن له جنب، ولا تغمض له عين، كل ذلكم تخوف من هذا الاختبار الدنيوي، فالأولى أن يعرف طبيعة اختبار الآخرة، وأن يتدبر ويتأمل، ويكون على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، يخرج في ظلمة الليل، وينسل من بيت عائشة رضي الله عنها، فإذا هو يخرج إلى البقيع يتفقد الموتى، ويدعو كالمودع للأموات صلى الله عليه وسلم.
قبل الاختبار
هذه أمور في طبيعة الاختبارات تربطنا باختبارات الآخرة، ثم هناك أمور في جانب آخر، وهي: مرحلة ما قبل الاختبار.
 استخدام ألفاظ التشجيع والثناء
وأمر ثالث يحدث قبل الاختبارات، بالذات بالنسبة للأهل: تجد الوالد والوالدة يستخدمون معسول الكلام، وحسن الألفاظ، والتشجيع مثل: أخذ الله بيدك. وأعانك الله. وبارك الله فيك. وهكذا صباحاً ومساء، فلا ترى وجهاً مقطباً، ولا كلمة شديدة، ولا قبض يد، كل الأمور ميسرة، لماذا؟ يقول لك: حتى يكون مستعداً قبل الاختبار، ويدفعه ذلك إلى أن يكون استعداده نفسياً وعملياً على أحسن وجه، لا يوجد أي معوق أبداً، ويكون ديدنهم: اهتم بالدراسة، ذاكر أكثر.لكن في أمر الآخرة، وفي أمر دينه وعبادته، تجد التقصير في كثير من الأحوال، ولا تجد الوالد يعتني بولده، ولا يشجعه، إذا رآه ذاهباً إلى المساجد، بل ربما أحياناً يقول له: أربعة وعشرين ساعة في المسجد، ما أحد يراك في البيت! وهو مسكين تأخر دقائق صلى فيها السنة، فأقام والده الدنيا وأقعدها. أما بالنسبة للاختبارات فلا بأس، وهذا أيضاً من سوء وفساد القيم.
الفروق بين الامتحان الدنيوي والأخروي

 الفرق الرابع
الفرق الرابع: أن امتحان الدنيا ممكن أن تجد من يساعدك عليه، ممكن أن يجد الطالب فرصةً ليغش، ممكن بعد أن يسلم الورقة يوسط للمدرس من يوصيه به خيراً ليكيل له في الدرجات، أو ليتجاوز عن الأخطاء والهفوات، كلها أمور واردة ويتعلق بها الإنسان كثيراً، ويفكر فيها، ويقول: لعل وليت ... أما في الآخرة فلا يشفع أحد عند الله إلا بإذنه، وينقطع كل أمر إلا من قضاء الله سبحانه وتعالى، وليس ثمة مجال مطلقاً لأن تستزيد، أو أن تأخذ دعماً من أحد، كل يقول: نفسي نفسي، يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ [عبس:34-36]، لا أحد ينظر في أحد.فالكفار يود أحدهم لو عنده ما في الأرض جميعاً ومثله معه ليفتدي به من عذاب يوم القيامة، ليس هناك من شيء أبداً إلا من أتى الله بقلب سليم، ورحمة من الله يفيض بها على من يشاء، وشفاعة يأذن بها لمن رضي جل وعلا؛ فلذلك ينبغي أن ينتبه الإنسان، وأن يعلم أن المراوغة يوم القيامة لا تفيد، إذا سأل فتحرك اللسان كذباً وزوراً، ختم الله على فمه، ونطق جلده، ونطقت يده، ونطقت رجله الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [يس:65]، وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ [فصلت:21].فلا مجال هناك للمراوغة، ولا للغش أبداً، بل كل شيء يظهر على حقيقته، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه مسلم : (أول من تسعر بهم النار ثلاثة)، هؤلاء الذين يكذبون: (رجل آتاه الله علماً، فيقول له الله: ما فعلت بعلمك؟ يقول: علمته فيك)، يعني لأجلك، وحسبةً لله، وطلباً للثواب، وهو كاذب في قوله، (فيقول الله سبحانه وتعالى: كذبت، بل علمته ليقال: عالم، وقد قيل، فيؤمر به فيكب على وجهه في النار)، وهكذا الثاني والثالث مثله؛ لأن الرجل الذي أعطاه الله سبحانه وتعالى قوة، يقول: (جاهدت فيك، ولإعلاء كلمتك، فيقول الله سبحانه وتعالى: كذبت، وإنما جاهدت ليقال: شجاع، وليقال: جريء، وقد قيل، فيكب على وجهه في النار) ، نسأل الله سبحانه وتعالى السلامة.فمن كذب في هذا الاختبار عوقب أشد عقاب، فليس هناك مجال لا لغش، ولا لشفاعة، ولا لواسطة من هذا النوع أبداً ومطلقاً.
عواقب ما بعد الاختبارات

 مراتب الفوز والنجاح
قد ينجح الناس، ولكن هناك مراتب: منهم المقبول الذي كان على شفا جرف هار، ولكن الله ستر عليه فأنجاه، ومنهم من يأخذ جيد، وجيد جداً، وممتاز، ومرتبة شرف، وكذلك الأمر في الآخرة، فإن النجاة على مراتب، لكن لننظر إلى صاحب أدنى مرتبة، أقل واحد هذا الذي يأخذ المقبول، أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم كما ورد في صحيح مسلم عن آخر رجل يدخل الجنة، ما قصته؟ يعذب في النار بقدر ذنوبه ومعاصيه، فيقول: يا رب أخرجني من النار، فيخرج من النار، ثم يبقى خارج النار، فينظر للجنة فإذا بها بعيدة، فيقول: يا رب قربني من باب الجنة، فإذا قال: لا تسألني شيئاً بعدها، يقول: لا أسألك يا رب شيئاً بعدها، فإذا قربه من الجنة كما في الحديث: يأتيه من طيبها ومن وريحها، فيقول: يا رب أدخل الباب، فيدخله الله سبحانه وتعالى الجنة، ويعطيه من نعيمها سبحانه وتعالى، فيقول الله سبحانه وتعالى: هل ترى ما حولك؟ قال: نعم، قال: أيسرك أن يكون لك مثل هذا، فيقول في الحديث: (أتهزأ بي وأنت الملك، فيضحك الله سبحانه وتعالى، ويقول: فإن لك مثله وعشرة أمثاله) . وهذا الذي أريه هو كملك الدنيا، يعني أقل واحد يأخذ مثل الدنيا وعشرة أمثالها كما ورد في هذا الحديث الصحيح. هذا آخر أهل الدنيا دخولاً الجنة، فما ظننا بما هو أعلى منه؟ قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس الأعلى، فمنه تفجر الأنهار، ويظلله عرش الرحمن) سبحانه وتعالى، هذا أقل درجة، فلك أن تتصور شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، وقد أوجز الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: (فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر).وأما هذه المراتب فيقول عنها صلى الله عليه وسلم: (ما بين الدرجة والدرجة مسيرة خمسمائة عام)، وفي بعض الروايات عن أقل ما بين درجة ودرجة: (كالكوكب الغابر في السماء)، الكوكب الغابر لا ترى منه إلا نقطة، يعني أبعد ما بين السماء والأرض، هذه المسافة ما بين مراتب الجنة وتفاوت الدرجات فيها. هكذا ينبغي أن ننتبه إلى هذه الفروق.
تنبيهات مهمة
نختم بأمور فيها شيء من التنبيه، وإن كان كل ما مضى فيه تنبيه للطلاب وللآباء والأمهات أن يكون اعتناؤهم باختبار الآخرة الأعظم، الاختبار الذي فيه المواقف العظمى الخطيرة: يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحج:2]، فإذا الطلاب عند أول الاختبارات منهم من يرتعد ويرتجف، لكن الأمر لا يعدو ضربات من القلب، وقد تجد قليلاً من قطرات العرق تتصبب، ومنهم من لا يلقي لذلك بالاً. أما هناك فهو الخوف الأعظم فنتنبه لذلك، وأما الطلاب فينبغي أن يعلموا أموراً: الأمر الأول: أن الأخذ بالأسباب من دين الله سبحانه وتعالى: فينبغي أن يشمروا عن ساعد الجد، ويذاكروا ويراجعوا، ويسألوا، ويسترجعوا ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، أما أن يقول: الله سبحانه وتعالى الميسر والمسهل. فنقول: نعم هو ميسر ومسهل، لكن لا بد من الأخذ بالأسباب. الأمر الثاني: إذا لم يكن عون من الله للفتىفأول ما يقضي عليه اجتهادهإذا ظن أنه أحفظ الحافظين، وأذكى الأذكياء، وأفطن الفطناء، فهنا يخشى عليه أن يقع، وكم رأينا ممن حصل وجد ثم لم يستعن بالله ولم يقل: يا رب، فربما حرمه الله سبحانه وتعالى التوفيق؛ لأجل نسيانه الاعتماد على الله سبحانه وتعالى، فينبغي أن ينتبه لذلك. الأمر الثالث: كثرة التقرب من الله سبحانه وتعالى: أليس من طبيعة الإنسان إذا داهمته الشدة أن يزداد صلة ً ورجوعاً إلى سبحانه وتعالى؟ الجواب: نعم؛ لأنه إذا رجع إلى الله سبحانه وتعالى، يسأل ويرجو أن يكون بقربه مهيئاً لأن يوفقه الله جل وعلا، ولكن لا يكون كحال بعض الناس، إذا جاءت الاختبارات ملئت المساجد، فأصبحت الأمور على خير كثير، ثم إذا انتهى الأمر، وتحقق المقصد، انقلب على وجهه، وترك طاعة ربه.وهناك نوع آخر: وهو نوع خطير عند الطلاب، بعضهم يقلل من الطاعات، إذا كان يصلي النوافل عادةً، ويذكر الله ويسبح، فإنه يتركها ويقول: الآن اختبارات، حدك حد الفرض، والفرض يحتاج إلى مقياس من السرعة حتى تنتهي من الصلاة بسرعة، فهذا يحرم نفسه، وكلما فرط في ذلك كان حرماناً له.ثم كذلك ينبغي للإنسان أن يستحضر السكينة والطمأنينة عند اختباره؛ لأن التوتر ومزيد الانفعال يفقد الطالب التركيز والقدرة على الإجابة؛ ولذلك بعض الطلاب إذا أخذ أوراق الأسئلة يقرأها من الأخير ومن الوسط، فلا يعرف ماذا قرأ، ولا كيف يجيب، ينبغي أن يكون آخذاً الأمر بهدوء وسكينه وطمأنينة حتى يعينه الله سبحانه وتعالى على ذلك.وفوق ذلك كله: أن يعلم أن هذا الاختبار إنما هو أمر يسير ينبغي أن يجعل في نيته أنه يستعين به على طاعة الله، وعلى الأخذ بالأسباب التي تعينه على أن يخدم دينه وأمته، حتى يكتب له الأجر، ويوفق إن شاء الله سبحانه وتعالى. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا في اختبار الآخرة، وأن يجعلنا من المتهيئين له، وأن يجعلنا من الفائزين والناجحين فيه. اللهم اختم لنا بالصالحات، اللهم استرنا فوق الأرض، واسترنا تحت الأرض، واسترنا يوم العرض، اللهم لا تفضحنا على رءوس الأشهاد، اللهم كما سترت علينا ذنوبنا في الدنيا فاسترها علينا في الآخرة واغفرها لنا يا أرحم الراحمين، اللهم يا أرحم الراحمين، يا أكرم الأكرمين، يا جبار السماوات والأرض، نسألك اللهم أن تتغمدنا برحمتك، وأن تحفظنا برعايتك، وأن تكلأنا بعينك التي لا تنام. اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك، اللهم أعذنا من شرور أنفسنا، وآت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكها، أنت وليها ومولاها، اللهم وفقنا ووفق آباءنا وأمهاتنا وبناتنا وأبنائنا إلى ما تحب وترضى يا أرحم الراحمين، واصرف عنا ما لا تحب وترضى يا أكرم الأكرمين. وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
 مراتب الفوز والنجاح
قد ينجح الناس، ولكن هناك مراتب: منهم المقبول الذي كان على شفا جرف هار، ولكن الله ستر عليه فأنجاه، ومنهم من يأخذ جيد، وجيد جداً، وممتاز، ومرتبة شرف، وكذلك الأمر في الآخرة، فإن النجاة على مراتب، لكن لننظر إلى صاحب أدنى مرتبة، أقل واحد هذا الذي يأخذ المقبول، أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم كما ورد في صحيح مسلم عن آخر رجل يدخل الجنة، ما قصته؟ يعذب في النار بقدر ذنوبه ومعاصيه، فيقول: يا رب أخرجني من النار، فيخرج من النار، ثم يبقى خارج النار، فينظر للجنة فإذا بها بعيدة، فيقول: يا رب قربني من باب الجنة، فإذا قال: لا تسألني شيئاً بعدها، يقول: لا أسألك يا رب شيئاً بعدها، فإذا قربه من الجنة كما في الحديث: يأتيه من طيبها ومن وريحها، فيقول: يا رب أدخل الباب، فيدخله الله سبحانه وتعالى الجنة، ويعطيه من نعيمها سبحانه وتعالى، فيقول الله سبحانه وتعالى: هل ترى ما حولك؟ قال: نعم، قال: أيسرك أن يكون لك مثل هذا، فيقول في الحديث: (أتهزأ بي وأنت الملك، فيضحك الله سبحانه وتعالى، ويقول: فإن لك مثله وعشرة أمثاله) . وهذا الذي أريه هو كملك الدنيا، يعني أقل واحد يأخذ مثل الدنيا وعشرة أمثالها كما ورد في هذا الحديث الصحيح. هذا آخر أهل الدنيا دخولاً الجنة، فما ظننا بما هو أعلى منه؟ قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس الأعلى، فمنه تفجر الأنهار، ويظلله عرش الرحمن) سبحانه وتعالى، هذا أقل درجة، فلك أن تتصور شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، وقد أوجز الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: (فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر).وأما هذه المراتب فيقول عنها صلى الله عليه وسلم: (ما بين الدرجة والدرجة مسيرة خمسمائة عام)، وفي بعض الروايات عن أقل ما بين درجة ودرجة: (كالكوكب الغابر في السماء)، الكوكب الغابر لا ترى منه إلا نقطة، يعني أبعد ما بين السماء والأرض، هذه المسافة ما بين مراتب الجنة وتفاوت الدرجات فيها. هكذا ينبغي أن ننتبه إلى هذه الفروق.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , لمحة عن الامتحانات للشيخ : علي بن عمر بادحدح

http://audio.islamweb.net