إسلام ويب

الاستيعاب والاقتباس في الدعوةللشيخ : علي بن عمر بادحدح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • موضوع الاستيعاب والاقتباس في الدعوة موضوع مهم جداً؛ لأنه يوسع دائرة الدعوة ويكثر الراغبين في حملها والتفاعل معها، ولأن أمر الدعوة أمر عظيم، فهو ميراث النبوة، والمهمة التي شرف الله عز وجل بها هذه الأمة، وهذا الموضوع له أسباب وفوائد وضوابط وأسس يجب معرفتها ومراعاتها حتى لا تختلط الأمور عند الأخذ بها.

    1.   

    مقدمة عن أهمية موضوع الاستيعاب والاقتباس في الدعوة

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، نحمده سبحانه وتعالى في كل آن وعلى كل حال، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وخاتم رسل الله نبينا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وعلى من اتبع سنته واقتفى أثره وسار على هداه.

    أما بعد:

    فعنوان هذا الدرس: (الاستيعاب والاقتباس في الدعوة).

    وهو موضوع من المواضيع الدعوية التي لها أهميتها فيما نحتاج إليها في الاستفادة من الدعوة، وتوسيع دائرتها، وتكثير الراغبين في التزامها وحملها والتفاعل معها، فإن أمر الدعوة إلى الله عز وجل أمر عظيم، هو وراثة النبوة والسير على هدي سلف الأمة، وهو المهمة التي جعل الله عز وجل شرف هذه الأمة مكنوزاً فيه، كما قال سبحانه وتعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110] وكما شرف الله عز وجل أصحاب الدعوة وأربابها وحملتها والناطقين بها والرافعين للوائها بقوله سبحانه وتعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت:33] ولذا فإن تناول هذا الموضوع وغيره من الموضوعات، إنما هو لأهمية الدعوة، سيما في وقتنا المعاصر وفي بيئتنا الحاضرة، وكثير من الموضوعات المتعلقة بالدعوة هي اجتهادات قابلة للأخذ والرد، ومحتملة للصواب والخطأ، وهي في كثير مما تستخلص منه تجارب واجتهادات ناشئة عن علم وبصيرة، وعن ممارسة وتجربة، وهذا الموضوع هو عبارة عن رءوس أقلام؛ لأن التفصيل فيه يحتاج إلى تطويل، خاصة فيما يتصل بالأمثلة المتعلقة بالواقع المعاصر، وخاصة إذا استجبنا لما قد يطلبه الإخوة من إجابة على بعض التساؤلات في وقائع معينة، أو في صور ومشكلات يمرون بها ويتساءلون عنها، ولذلك سوف يكون ما نجمله إن شاء الله عز وجل معيناً على الفهم والتطبيق في أمثلة أخرى، وفي ممارسات كثيرة متعددة.

    1.   

    أسباب الحديث عن موضوع الاستيعاب والاقتباس في الدعوة

    إن الحديث عن مثل هذا الموضوع على وجه الخصوص له أسباب كثيرة، من أبرزها:

    السبب الأول: الانفتاح والإقبال الكبير والشديد من الأمة نحو الالتزام بالدين

    إن الانفتاح والإقبال الكبير والشديد الذي تشهده الأمة الإسلامية في مجتمعاتها في شرق الأرض وغربها نحو الالتزام الإسلامي، والرغبة في خدمة هذا الدين، والحرص على العلم به والفقه فيه، والالتزام العملي بموجباته وأحكامه، فنحن نرى اليوم إقبالاً عجيباً، لا يوجد أحد ولا جهة ولا مجتمع ولا دولة يكون سبباً فيه، وإنما هي ظروف وعوامل متعددة ومختلفة ساقتها أقدار الله عز وجل وعنايته سبحانه وتعالى ورحمته، بعد أن كان هناك شرود وبعد عن دين الله عز وجل، فصارت -بحمد الله عز وجل- هناك صحوة وأوبة إلى هذا الدين العظيم.

    وهذا الإقبال أصبح أكبر بكثير من الجهود التي تبذل في مجال الدعوة، فإن الصحوة قد سبقت الدعوة، فإذا بكثير من العقول تستنير وتطلب العلم والفقه والفهم، وإذا بكثير من القلوب تستضيء وتطلب النعمة والإيمان والهدى والاستقامة قبل أن تصلها جهود الدعوة بالكلمة المسموعة أو المقروءة، أو بالدعاة الذي يجوبون البلاد والديار، وهذا السبق لم يكن سبقاً عادياً أو محدوداً، بل كان سبقاً كبيراً ومنتشراً، فلذلك لابد من الحديث عن الاستيعاب لهذه الجموع الغفيرة المقبلة على الخير الراغبة في هذا الدين ونصرته وتأييده وحمل رسالته ونشر دعوته في كل مكان، ولا شك أن الناحية النظرية تقصر كثيراً عن الناحية العملية في مسألة الاستيعاب الذي سأذكر مرادنا منه والنقاط التي سأتعرض لها ضمن هذا الموضوع.

    السبب الثاني: التنوع والاختلاف

    وذلك الإقبال الكبير يشمل أنماطاً مختلفة من البشر، وأنواعاً متباينة من التفكير، وأناساً أتوا من بيئات مختلفة، ومن أنماط من التربية أو التعليم متباينة، فهذا التنوع والاختلاف لابد من أن يثير عندنا التساؤل الذي نطلب له إجابة عملية قبل أن تكون نظرية، وهو: كيف نتعامل مع هذا التنوع؟ فنحن اليوم نشهد إقبالاً من الأعاجم والعرب، ومن الأميين والمتعلمين، ومن أصحاب المهن العلمية وكذلك أصحاب التخصصات الأدبية أو العلوم الإنسانية، نشهد إقبالاً في صفوف الرجال والنساء، في صفوف الصغار والكبار، لم تعد القضية محدودة في فئة معينة يمكن أن يرسم لها برنامج محدد، وأن تصاغ لها لغة تناسبها، بل صار الأمر -بحمد الله عز وجل- أوسع وأشمل، وأكثر تنوعاً واختلافاً، مما يستدعي أن يكون هناك مجال وحاجة ملحة للتفكير في هذا الاستيعاب.

    السبب الثالث: المنافسة بين الدعوة الإسلامية والدعوة الشيطانية

    إن المنافسة في الساحة الاجتماعية في ديار المسلمين ليست بين إسلام وإسلام، وإنما التنافس بين الدعوة الإسلامية والدعوة غير الإسلامية، فهناك دعوة العلمنة التي تريد منك أن تحافظ على مكتسباتها التي كابدت وخسرت من أجلها خلال عقود من السنوات طويلة، وهناك دعوات التغريب التي تريد أن تلحق المجتمعات الإسلامية بالمجتمعات الغربية، وتجعل طبيعة حياتها وتفكيرها يسير في هذا الاتجاه، وكل صاحب فكرة أو دعوة يسعى بكل جهده من الجهد العقلي والجهد الفكري والجهد الإعلامي والجهد المادي ليسحب البساط من التيار الخـيِّر الذي سرى -بحمد الله عز وجل- في الأمة الإسلامية اليوم، وهو تيار الأوبة الإسلامية والصحوة الإيمانية بحمد الله سبحانه وتعالى.

    ولذلك لا يمكن لأرباب الدعوة الإسلامية أن يتألفوا القلوب، وأن يرشدوا العقول دون أن يطوروا أساليبهم، ودون أن يفكروا في اجتهاداتهم، وأن يراجعوا حساباتهم؛ ليستطيعوا أن يكونوا أكثر قرباً من المسلمين والمجتمعات الإسلامية من أولئك الأشرار، وليكونوا أيضاً أكثر إقناعاً للناس وترغيباً لهم في هذا الحق والخير الذي تخفق به قلوبهم وتطمئن إليه نفوسهم، ولذلك لابد لنا من أن نتحدث عن الاستيعاب والاقتباس في الدعوة، عل هذا الحديث يثير تفكيراً متواصلاً وتجارب متتابعة تزيد من قوة الدعوة وقدرتها على كسب مزيد من المسلمين إلى صفوفها وإلى رحابها الواسعة الخيرة.

    1.   

    حقيقة الاستيعاب

    الاستيعاب: هو القدرة على اجتذاب الناس واستمالتهم للدعوة والخير. ولابد من أن نعلم أن المسلم مهما شرد وغرق في أوحال المعصية، ومهما تلوث عقله بكثير من الشبهات فإن بذرة الخير في قلبه ما تزال موجودة وإن كانت مخبوءة، ولذلك ليس من مهمتنا أن نئد هذه البذرة، وأن نطمس قليل الضوء الذي فيها، بل مهمتنا أن نزيل الركام من حولها، وأن نوسع الطريق لها لتشق بضيائها القليل طريقها نحو القلب والنفس، فتملأ الجوانح بنور الإيمان بإذن الله عز وجل.

    1.   

    نماذج من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في الاستيعاب والاقتداء به

    علينا أن نحسن الدعوة وأساليبها وطرائقها لنستميل القلوب والعقول بصورة نظرية قوية، وبصورة عملية أقوى منها، وحسبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلاً وقدوة في هذا الشأن؛ لأن المصطفى عليه الصلاة والسلام تعامل مع الصغار والأطفال، وتعامل مع الشيوخ والكبار، وخاطب الرجال وأقنع النساء، وسلَّم له الموافق والمخالف، واستمال بحجته عقول المعرضين والمعاندين، ودمغت أدلته حجج المغالطين والمرائين وأصحاب الشبهات والمغالطات.

    لقد كان في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام أنموذج الداعية الذي يستوعب كل صنف من أصناف البشر في كل حالة من حالات الحياة عبر كل ظرف من ظروف الزمان والمكان، ولذلك كان عليه الصلاة والسلام مثالاً يقتدى به، فلقد اشرأبت إليه الأعناق، وأحبته سويداء القلوب، وتعلقت به الأمة كلها، حتى إن مخالفيه شهدوا له بالحق والعدل والفضل؛ لأنه عليه الصلاة والسلام كان الداعية الكامل الذي ينبغي أن يحتذى ويقتدى به.

    فهذا على سبيل المثال ثمامة بن أثال ، وقد كان على كفره، فأسره بعض المسلمين واقتادوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فربطه في المسجد عليه الصلاة والسلام لينظر إلى هذا المجتمع المسلم كيف يؤدي صلاته وعبادته، وكيف يسجد لربه ومولاه، وكيف يطيع رسوله وقدوته صلى الله عليه وسلم، وكيف تمتزج صفوفه وتلتحم، وكيف تأتلف قلوبهم وتعتدل، وكيف يمثل نموذجاً للمجتمعات البشرية على أرقى مستوى يمكن أن يعيشه الإنسان في هذه الأرض، وإذا بهذا البصر لذلك الكافر، وبذلك العقل لذلك المعرض، وبذلك القلب لذلك الذي حرم من نور الإيمان يفكر ويشتغل ويتدبر، ثم يخاطبه النبي عليه الصلاة والسلام فيقول له: (أما آن لك يا ثمامة أن تسلم؟) فيقول ثمامة: إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تمنن تمنن على شاكر، وإن ترد المال نعطك. ثم بعد ذلك أطلقه النبي صلى الله عليه وسلم دون أن يقيم عليه سيفاً ليقطع رقبته، ودون أن يثير له رعباً ينخلع له قلبه، ودون أن يمارس عليه ضغطاً يرغمه على أن يقتنع بما لا يقبله عقله ولا منطقه، بل ترك له بعد هذا الأسلوب الدعويّ المؤثر الخيار، فإذا به يخرج من المسجد فيذهب إلى أقرب مكان فيغتسل، ثم يجيء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعلن إسلامه في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يتحول إلى معين ناصر للدعوة الإسلامية، ويمنع الميرة عن قريش.

    وكذلك الطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنه وأرضاه، جاء إلى مكة وسبقت إلى أذنه الدعايات المغرضة، والحملات الإعلامية المشوهة أن لا تسمع محمداً صلى الله عليه وسلم ولا تجلس إليه؛ لأنه يفرق بين المرء وزوجه، ولأنه يسفه أدياننا وتراثنا وآباءنا وأجدادنا. وظلوا به كذلك حتى نجحوا نوعاً ما، لكنه نجاح هزيل لا يعتمد على قوة الإقناع، نجحوا إلى أن وصل نجاحهم أن أخذ كرسفاً -أي: قطناً- ووضعه في أذنيه ليصم أذنه عن سماع محمد صلى الله عليه وسلم، وكما نقول: حبل الكذب قصير. ثم إنه فكر بعقله وقال: أنا رجل من عقلاء الناس أعرف الكلام صوابه وخطأه، وأعرف الشعر نظمه ونثره، فلماذا لا أسمع فإن وجدت خيراً عرفت، وإن وجدت شراً أنكرت؟! فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فما هي إلا كلمات يسيرة حتى دخل الإيمان قلبه، وأقنعت الحجة عقله، وانقلب من فوره إلى مسلم لا يقبل بعلاقة مع زوجه ومع أبيه إلا أن تكون علاقة بمقياس هذا الدين، ووفق حقيقة التوحيد.

    وهكذا سهيل بن عمرو الذي جاء يفاوض في صلح الحديبية بغطرسة الكفر، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم لـعلي : (اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم).

    فيقول سهيل: لا، ولكن اكتب: باسمك اللهم. فيغض النبي صلى الله عليه وسلم الطرف؛ لأنه يريد أن يسحب الحجج الشكلية الواهية، وأن يبتعد عن المعارك الجانبية الكاذبة ليخلص إلى جوهر الموضوع، قال سهيل اكتب: باسمك اللهم. فقال لـعلي: (اكتب: باسمك اللهم)، ثم قال عليه الصلاة والسلام: (اكتب: هذا ما عاهد عليه محمد رسول الله) قال: لو كنا نعلم أنك رسول الله لما قاتلناك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك. فقال النبي عليه الصلاة والسلام لـعلي: (اكتب: هذا ما عاهد عليه محمد بن عبد الله).

    وفي بعض الآثار أن علياً رضي الله عنه أبى أن يكتب من غيظه لتعنت المشركين، لكن النبي عليه الصلاة والسلام أصر عليه، وفي بعض الآثار والروايات أنه قال لأصحابه: (أشيروا على مكانها. فلما أشاروا إلى موضعها مسحها عليه الصلاة والسلام بيده) وهذا يمثل لنا قمة القدرة على ضبط النفس لأجل استيعاب الموقف وإقامة الحجة وإعلاء الراية.

    وهكذا في مواقف شتى أختمها بحديث معاوية بن الحكم السلمي الذي نعلم من قصته لما صلى وعطس في الصلاة، ثم حمد الله وسط الصلاة، ولم يكن يعرف النهي عن الكلام في الصلاة، قال: (فجعلوا يحدون النظر إلي -يعني: الصحابة- قال: فقلت -على طبيعته وسليقته في أثناء صلاته-: واثكل أمياه! مالكم تنظرون إلي؟! قال: فجعلوا يضربون على أفخاذهم فعلمت أنهم يسكتونني فسكت، فلما قضيت الصلاة دعا بي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبأبي هو وأمي فوالله ما نهرني ولا كهرني ولا ضربني، ما رأيت معلماً قبله ولا بعده خيراً منه قط، إنما قال لي: إن هذه الصلاة لا يصح فيها شيء من كلام الناس).

    وهكذا أمثلة كثيرة جداً، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم مراتب الاستيعاب عند الناس؛ لأنه ليس كل الناس يستوعبون الأمر كاملاً، ولا يأخذونه على تمامه، فقال عليه الصلاة والسلام: (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء وأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله عز وجل ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله).

    1.   

    القواعد الأساسية المهمة للاستيعاب

    من أجل أن يكون هناك استيعاب صحيح -بإذن الله عز وجل- فهناك أمور مهمة وقواعد أساسية ينبغي أن يدركها العاملون في مجال الدعوة على وجه الخصوص.

    القاعدة الأولى: الناس مراتب

    يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه: (الناس كإبل مائة، لا تكاد تجد فيها راحلة)، فلم يكن كل الصحابة مثل أبي بكر وعمر ، بل كان فيهم كثيرون ليسوا على تلك المراتب، فينبغي أن نعلم أن في الناس أصحاب همم عالية ومراتب سامقة، وأن منهم من هو أضعف من ذلك، وأن منهم من هو أدنى مرتبة، وقد ذكر الله لنا أن من الناس من هو سابق في الخيرات، ومنهم مقتصد، ومنهم ظالم لنفسه، ولذلك ينبغي -لكي نستوعب كل المسلمين في إطار الدعوة- أن ننظر إلى سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم كيف استوعب كل المجتمع المسلم، بما فيه من أعراب أجلاف ذكر الله وصفهم في القرآن الكريم، وبما فيه من نساء عجائز ليس عندهن عقول مفكرة ولا نظرات ثاقبة، ولكن عندهن قلوب مؤمنة وعقول مسلمة، ولذلك ورد في الحديث الصحيح بروايات مختلفة في شأن نزول القرآن على سبعة أحرف (أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل عليه جبريل فقال له: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف واحد. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن في أمتي الرجل الكبير، والمرأة العجوز، ومن لا يفقه في دين الله -أو كما قال عليه الصلاة والسلام- فنزل جبريل فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على سبعة أحرف).

    إذاً لابد من أن نعرف أن منازل الناس تتفاوت بتفاوت أفكارهم وهممهم وحماسهم وقوة عزائمهم، فينبغي لنا أن نسير بسير الضعيف، وكما قيل: سيروا بسير أضعفكم. وكما قيل: الضعيف أمير الركب. هذا من حيث النظرة العامة، أما عندما نطلب مهمات خاصة وأموراً ذات حساسية كبيرة وقضايا ذات أهمية خاصة فلابد من أن نطلب لها الأكفياء الذين عندهم من المؤهلات ما يناسبها، أما أن أطلب من الرجل العامي المسلم الضعيف الذي لم يتلق تعليماً عريضاً، ولم يحفظ من القرآن والسنة والفقه شيئاً كثيراً فإنني أحمله ما لا يطيق، فإذا حملته ما لم يطق أدبر وولى، وإذا لم أستوعبه خسرته، وخسرت كذلك الطاقة الدعوية الموجودة عنده التي كان ينبغي أن تستثمر وأن يستفاد منها.

    ولقد كانت امرأة عجوزٌ على عهد المصطفى صلى الله عليه وسلم تقم الأذى من المسجد، فلما ماتت وهي امرأة عجوز ليس لها تلك المنزلة العالية غضب لها النبي عليه الصلاة والسلام حين لم يؤذنوه حتى يشهد دفنها عليه الصلاة والسلام.

    القاعدة الثانية: القدرة على استثمار الطاقات ومعرفة الاحتياجات

    لابد من أن يكون عند أرباب الدعوة قدرة على استثمار الطاقات ومعرفة بالاحتياجات، فليس من الحكمة بحال من الأحوال ولا من الفطنة أن نطلب من كل الناس أن يكونوا خطباء مفوهين، أو كتاباً مبدعين، أو علماء فقهاء، بل ينبغي أن نعرف أن هناك حاجات كثيرة، وأن هناك طاقات معينة لابد من أن توضع في مكانها المناسب لها، فليس من الحكمة أن آتي إلى طبيب مسلم أحب هذا الدين ورغب في نصرته فأصر عليه أن يكون خطيباً أو معلماً أو شيخاً معمماً، فإن هذا قد لا يكون مناسباً له، ولابد من أن نعرف أن الاحتياجات هي احتياجات الحياة كلها، فالأمة المسلمة تحتاج إلى الذي يجيد الخط، كما تحتاج الذي يصلح البناء، كما تحتاج الذي يكون ممن يكثر سواد الأمة فحسب، فالكل يمكن أن يؤدي دوراً، أما إذا قلنا: ليس إلا هذه الأدوار فإننا سنخسر كثيراً من الطاقات.

    القاعدة الثالثة: اعتماد التدرج في السياسة الدعوية والتربوية

    بعض الدعاة بمجرد أن يستشعروا عاطفة حارة من المقبلين على الخير يبدءون في إعطائهم مهمات كبيرة، وإلقاء كثير من التبعات عليهم ظناً أن هذه الطائفة تستطيع أن تتحمل التبعات وأن تقوم بالمهمات، كلا، فلابد من أن نعطي للزمن حظه، ولابد من أن نعطي للتدرج منزلته وأهميته، وأن نسير الهوينى شيئاً فشيئاً ومرتبة مرتبة، فإن الأمر الذي يأتي سريعاً يذهب سريعاً، والعاطفة المقبلة على الخير إذا زدناها اشتعالاً ربما تهب عليها ريح لا تلبث أن تطفئها، ولا يعود لها بعد ذلك اشتعال من جديد.

    القاعدة الرابعة: معرفة الواقع معرفة دقيقة

    إن الذي يدرك هذا الواقع ويعرف أحوال الناس وما يؤثر في بيئتهم يستطيع أن يعرف أفكارهم، ويستطيع أن يلتمس الأعذار لما قد يكون في أذهانهم من الشبهات، أو في سلوكياتهم من الأخطاء، ويستطيع أن يدرك أن هناك عللاً معينة لو تم علاجها لصلحت أحوال الناس، أما الذي يريد الكمال والتمام فإنه يفصل قوالب جاهزة إما أن يدخل الناس فيها ويحشرهم فيها حشراً ويقسرهم عليها قسراً، وإما أن تبقى هذه القوالب فارغة والناس بعيدون عن الدعوة والخير وبعيدون عنه, فصار منفراً وليس مرغباً، وهذا أمر مهم جداً، ولذلك لابد من أن نعرف أن اقتحام العقول والنفوس أصعب بكثير جداً من اقتحام المواقع والثغور.

    1.   

    الصفات المؤهلة للداعية في الاستيعاب

    أنتقل إلى صفات تتعلق بالداعية ليكون مؤهلاً للاستيعاب.

    الصفة الأولى: الفقه في الدين

    لابد من أن يكون الداعية عالماً فقيهاً بدين الله سبحانه وتعالى؛ لأن الداعية يتصدى للناس الذين يلجئون إليه لحل مشكلاتهم، ويعرضون عليه تساؤلاتهم، فينبغي أن يكون عنده حظ من العلم والفقه، وأعني بالفقه ما هو أدق وأشمل من العلم، فإن العلم كمحفوظات قد تكون كثيرة، لكن العلم كاستنباطات قد يكون قليلاً عند كثير ممن يتصدرون في ميادين الدعوة فيأتون بالنصوص ليلقوا بها في أوجه الناس، أو ليصدروا أحكاماً في التكفير أو التبديع أو التفسيق، أو غير ذلك من أساليب التنفير، دون أن يكون عندهم بصر بكليات هذا الدين ومقاصد الشريعة، وتغير الأحكام بتغير الظروف والأحوال، وما يتعلق بذلك وفق ضوابط شرعية ووفق أصول علمية مقررة عند أهل العلم؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)، والله عز وجل يقول: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر:9] وقد بين لنا النبي صلى الله عليه وسلم أن من الآفات الكبرى في المجتمعات أن يقل أهل العلم والبصيرة، ويتصدر غيرهم فيضلون ويضلون، فقد قال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور العلماء، ولكن يقبض العلم بموت العلماء، فإذا ذهب العلماء اتخذ الناس رءوساً جهالاً، فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا) وهذه زلة عظيمة؛ لأن الذي ليس له فقه وبصر بهذا الدين يضل فئاماً من الناس، نسأل الله عز وجل السلامة.

    الصفة الثانية: الصلة بالله عز وجل

    إن الداعية المقطوع الصلة بالله لا يفلح ويحرم التوفيق والتسديد؛ لأن مشكلات الناس ومعاناة الدعوة أمر لا يمكن النجاح فيه بمجرد العلم ولا بالخبرة والتجربة، بل أكثر أسباب النجاح مخبوءة في التوفيق الإلهي, وحسبنا قول الله سبحانه وتعالى في قصة عيسى عليه السلام: وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي [المائدة:111] فلم يؤمنوا بحجة عيسى ولا بفصاحته وبيانه وبرهانه فحسب، بل كان الأساس هو أن الله سبحانه وتعالى قذف في قلوبهم حب الخير واستقبال الهداية، كما قال الله عز وجل: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص:56] فمن أراد أن يرزق القبول عند الناس، وأن يلهم الصواب فيما يقول وفيما يعمل، وأن يسدد إلى التوفيق في الأمور ووضعها في مواضعها فإنه لابد من أن يكون موصولاً بالله عز وجل بالليل والنهار، بالذكر والدعاء، وبالصلاة والعبادة، ويعلم أن كل أمر لا يمكن أن يكون له نجاح إلا من خلال هذا التوفيق الإلهي الذي مصدره الصلة الدائمة الحسنة الصحيحة بالله سبحانه وتعالى.

    الصفة الثالثة: الصبر والحكمة

    إن مسألة استيعاب الناس ليست مسألة هينة، فهذا يريد أن يأخذ جواب سؤاله، وذاك يريد أن يأخذ حل مشكلته، والآخر يريد أن يأخذ الرأي في معضلته، وهذا يريد وقتاً خاصاً، وذاك يريد لقاءً موسعاً، والآخر يريد دعوة عامة، وهذا يريد احتفاء في مناسبة، وأمورٌ كثيرة جداً قد وقع مثلها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى تنافس الصحابة في أن يأخذوا مواعيد خاصة ومقابلات شخصية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى نزل النهي والتذكير للصحابة رضوان الله عليهم عن الأثر السلبي لهذا، فامتنعوا بعد ذلك، لكن النبي عليه الصلاة والسلام كان عنده صبر عجيب، تأخذه المرأة العجوز التي ربما لا نرى اليوم لها قيمة واعتباراً، وهو رسول الله عليه الصلاة والسلام أفضل البشر ورأس الدولة وإمام الأمة، تأخذه -كما ورد في الأحاديث الصحيحة- فتقوده إلى أي سكة شاءت فتخلو به حتى يقضي حاجتها، أما الذي يتبرم بالناس ويضيق بهم ذرعاً ولا يحتملهم، ولا يريد أن يعطيهم من وقته، ولا أن يبذل لهم شيئاً من مشاعره، ولا أن يحسن كيفية استقبالهم، وكيفية الاعتذار منهم إذا أراد الاعتذار فإنه لا يمكن أن يستوعب الناس، بل في الغالب أن الناس ينفرون منه على غرار ما وصف النبي صلى الله عليه وسلم الرجل الذي أضاع دابته، فجعل الناس يريدون أن يعيدوها له، فهذا يسوقها من هنا، وهذا يصيح بها من هنا، فلو أنهم خلوا بينه وبينها لتلمس لها شيئاً من القوت فاستطاع أن يتألفها وأن يأخذها، ولذلك في الناس كثيرون من أصحاب الحاجات، وفي الناس كثيرون من أصحاب الجهالات، ولابد للداعية الذي يريد أن يستوعب من أن يكون واسع الصدر، وأن يكون عظيم الصبر، ولذلك الله عز وجل يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ [البقرة:153]، وجاء في وصف الناجين من الخسران: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3].

    والحكمة -أيضاً- مطلوبة، فإنه قد يضيق الوقت، وقد لا يمكن بذل الجهد، لكن لابد من أن يكون هناك الحكمة التي يخلص بها الداعية مما يطلب منه ولا يستطيعه في صورة مؤدبة وحكيمة، فقد جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام حكيم بن حزام فسأله فأعطاه، ثم سأله فأعطاه، ثم سأله فأعطاه أي: طلب حاجته، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يرد أن يصده ولا يمنع عنه عطاءه؛ لأنه يريد أن يكسب القلوب وأن يتألفها، وأن يجعل القلوب تتعلق بالداعية الذي يمثل الدعوة ويمثل القدوة، بل قال له عليه الصلاة والسلام: (يا حكيم ! إن المال خضرة حلوة، فمن أخذه بطيب نفس بورك له فيه، ومن أخذه باستشراف نفس لم يبارك له فيه) كلمات مؤدبة وموجهة ومربية، فقال حكيم -وقد كان حكيماً رضي الله عنه وكان لبيباً تغنيه الإشارة عن العبارة- قال: (والله لا أرزأ أحداً بعدك شيئاً يا رسول الله) يعني: لا أسأل أحداً بعدك شيئاً، فلما جاء عهد عمر وأراد أن يعطيه من العطاء الذي له من حقه في بيت مال المسلمين قال: (لا أرزأ أحداً شيئاً بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم) وأبى أن يأخذ عطاءه رضي الله عنه.

    فلابد من الصبر والحكمة عندما يجهل الجاهل، وعندما يخطئ السائل، وعندما يعترض المعترض، لابد من أن يكون مع الصبر حكمة تسدده وتصوبه.

    الصفة الرابعة: التيسير المشروع للناس

    لابد من أن نعلم أن الناس في وقتنا المعاصر قد غلب عليهم الجهل، وضعفت عندهم العزيمة، وكثرت في أقوالهم وأفعالهم الأخطاء، وضلت بهم كثير من السبل، فهم كناقة شرود لابد من أن نتألفها، ومن التألف أن نأخذ بالأمر اليسير المشروع، ولا يقصد بالتيسير التفريط مطلقاً، بل كما قالت عائشة رضي الله عنها: (ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً)، فالذي لا يريد اختيار التيسير كأنه لا يريد اختيار ما اختاره رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك قد أوصى النبي عليه الصلاة والسلام معاذاً وأبا موسى عندما بعثهما إلى اليمن فقال: (بشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا، وتطاوعا ولا تختلفا) ولعمري فهذه الوصية الجامعة منه صلى الله عليه وسلم من موافقات الاستيعاب لكل داعية، سيما في مجتمع جديد، ولكم صد اختلاف أهل الخير أو الدعاة إلى الخير كثيراً من الناس عن الإقبال على الخير والارتباط به ولكم صد التنفير دون التبشير! ولكم صد التعسير دون التيسير! فلذلك لابد من التيسير والائتلاف.

    الصفة الخامسة: الخلطة والمعاناة

    إن الذي يعيش في أبراج عالية ويريد أن يصلح المجتمعات من خلال الصحف، ومن خلال الأخبار المقروءة، ومن خلال الكتب المؤلفة لا يمكن بحال من الأحوال أن يكون قادراً على استيعاب الناس، فلابد من أن يخالطهم، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في سنن الترمذي : (المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم).

    قال الرافعي الأديب رحمة الله عليه في وصف الذي يعتزل الناس: لماذا يعتزل؟ ولسان حاله يقول: إنه يعتزل لما في المجتمعات من فتنة وفساد وكذا.

    قال الرافعي : ولعمري إن اعتزاله لرذيلة الرذائل.

    ماذا سنستفيد من هذا الاعتزال؟ هل ستصلح به الحال؟ بل كما قال: لم نعرف صدقه ولا أمانته ولا سريرته وهو معتزل بين أحجار وكهوف لا يتعامل مع الناس، فيخبرون وعده إذا وعد، وصدقه إذا قال، ونجدته إذا استنجد به.

    ولذلك لابد للدعاة من أن يخالطوا الناس، وأن يعرفوا معاناتهم في حياتهم اليومية، وفي مناهجهم التعليمية، في وسائلهم الإعلامية، وفي مشكلاتهم الاجتماعية، وفي عاداتهم وتقاليدهم، عندئذ يمكن من خلال المخالطة والمعاناة أن يكون الداعية بتوفيق الله عز وجل قادراً على أن يلمس الجراح، وأن يضع عليها نقاطاً من الدواء الذي يكون فيه الشفاء بإذن الله عز وجل.

    الصفة السادسة: السماحة والكرم

    قد يأتيك السائل فيكفيه منك بسط الوجه والكلمة الطيبة ولو لم تعطه شيئاً، وقد يقبل سائل على من يعطيه شيئاً كثيراً ولكنه مقطب الجبين وليس على لسانه كلام حسن، فهذا لا يمكن أن يكون له تأثير في النفوس ولا استمالة في القلوب.

    وإنما يستعبد الناس الإحسان، كما قال الشاعر:

    أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم فطالما استعبد الإنسان إحسان

    فلابد من سماحة وطلاقة وجه، وحسبنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أرشدنا إلى مفتاح القلوب، وإلى السلاح الذي يكسر الحواجز والأبواب حول النفوس التي غلفتها الأهواء عندما قال: (تبسمك في وجه أخيك صدقة)، فما أحسن ذلك الرجل الذي تلقاه فتلقى ابتسامته تشرق كأنها شمس النهار، فيدخل السرور على قلبك، ويبدد ما علاك من الهموم، ويمسح عنك ما قد خالطك من الأحزان والأرزاء، ولا شك أن الداعية يلقى عناء كثيراً ومشكلات ومواعيد وكذا فيتبرم ويضيق، لكنه يكظم غيظه، ولا يبدي للناس إلا السماحة والكرم، فإذا جاءه الناس كان بيته مفتوحاً، وإذا أتاه السائلون كان ماله مبذولاً، وإذا استشاره المستشيرون كان نصحه جاهزاً ومبذولاً، فلابد من أن يكون على هذا النحو؛ لأنه إن كان كذلك استمال القلوب وارتبط الناس به.

    الصفة السابعة: النجدة والتضحية

    إن مجرد البسمة والكلمة الطيبة لا تغير في الواقع شيئاً، إن الفقير المعدم لا يكفيه أن تسرد له الأقوال والنصوص في الصبر والاحتساب للأجر عند الله عز وجل، سيما عامة الناس وعموم المجتمعات لا يمكن أن تخاطب بمثل هذا، إن الذي يجد ألم الجوع في بطنه يحتاج إلى اللقمة في فمه، وإن الذي يجد أثر الإرهاب والخوف على نفسه وحياته يحتاج إلى من يؤمنه، وإن الذي يشكو ويتلوى من المرض يحتاج إلى من يعالجه، فمن يتقدم؟ إنه هو الذي يكسب القلوب.

    ونحن نعلم أن أعداء الله عز وجل من النصارى واليهود وغيرهم قد دخلوا إلى كثير من ديار المسلمين عبر هذه الأبواب الثلاثة: باب الجهل، والفقر، والمرض، واستغلوا حاجة الناس فقدموا لهم الخدمات، وقدموا لهم معها الدعوات.

    ونقول: إن الدعاة أولى الناس بهذا من الأعداء، هذا إذا أرادوا أن يستوعبوا وأن يؤثروا.

    إذاً على الدعاة أن يكونوا أصحاب النجدات والتضحيات والمروءات، والمسابقة إلى تقديم الخدمات في كل المجالات، ولذلك لو نظرنا إلى بعض آثار هذا الإقبال على الدعوة والخير والإسلام سنجد أن من أسبابه أن الدعوة والدعاة وأن أهل الخير والصلاح وجد الناس -عندما خافوا- بعض أمنهم في هؤلاء الدعاة، ووجد الفقراء -عندما احتاجوا- سد حاجتهم في أموال الدعاة، ووجد الناس عندما مرضوا نجدتهم وإعانتهم من أرباب الصلاح والخير والدعوة والرشاد، ولذلك توجه الناس -بحمد الله عز وجل- توجهاً طيباً نحو الخير بإذنه سبحانه وتعالى وتوفيقه.

    1.   

    حقيقة الاقتباس وتعلقه بالاستيعاب

    لابد من أن نعرف أن لهذا الاستيعاب أهميته الكبرى، ولعل من أهم قضايا الاستيعاب مسألة الاقتباس.

    والاقتباس: هو استغلال الجوانب الحياتية والعلوم المادية في خدمة الدعوة واحتياجات المجتمعات الإسلامية.

    إن هذا الدين الكامل الشامل جاء صالحاً لكل زمان ومكان، وجاء متواكباً مع كل جديد نافع، ليس فيه ما يتعارض مع علم صحيح، ولا مع خير يسوقه الله عز وجل للناس في هذه الحياة الدنيا، ولذلك من أهم أبواب الاستيعاب الاقتباس، وكما أشرت في أول الحديث فإن كل الموضوعات فيها حاجة إلى تفصيلات، ولكن حسبنا التأصيل والتذكير بالأصول المهمة التي يمكن أن تنبه على غيرها، وأن يستفاد منها في مجالات أخرى أكثر.

    1.   

    تعريف الاقتباس وحكمه وأهميته

    الاقتباس: هو أخذ الجزء من كل للاستفادة منه، ويقول أهل اللغة: اقتبس من النار أي: أخذ منها شعلة أو قبساً لينتفع به. وعندما نتأمل سنجد أن هناك علوماً كثيرة، وأن هناك انجازات كثيرة، وأن هناك نجاحات كثيرة حققها غير المسلمين، أو غير أرباب الدعوة الإسلامية، فهل من حرج أن يقتبس أهل الدعوة من هذه الجوانب الخيرة والعلوم النافعة ليطوعوها لخدمة الدعوة وينتفعوا بها؟

    الجواب لا حرج؛ لأن المصطفى صلى الله عليه وسلم قد اقتبس والتمس مما ينفع الأمة في مجالات الوسائل والتبليغ للدعوة والتأثير في حياة الناس وتقديم حلول المشكلات شيئاً كثيراً عظيماً، وجاء من بعده من أصحابه، فكانت أبواب الاقتباس والانتفاع أوسع وأوسع، سيما في عهد الخليفة العادل الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فإنه دون الدواوين، وأنشأ ما لم يكن على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم من أمور المسلمين العامة، ومن المصالح المرسلة التي يحتاجون إليها، والتي ينتفعون بها دون أن تكون متعارضة مع دين الله عز وجل، ولا مخالفة لنص شرعي، ولا لقاعدة كلية من قواعد هذا الدين العظيم، ولذلك جعل دواوين للجند، فجعل هناك جيوشاً نظامية وكتب أسماء أفراد الجيوش لتصرف لهم الرواتب، وجعل هناك نظاماً للبريد، وجعل هناك أنظمة أخرى كثيرة، وأوجد أنظمة للعس والمراقبة الليلية، وأوجد أشياء كثيرة مما تحتاجه الأمة، واقتبس هذا مما كان في الأمم من حوله، ومما أدى إليه اجتهاده مع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم رضوان الله عليهم أجمعين.

    إذاً لابد أن ندرك أن هناك حاجة ماسة للاقتباس في مجالات الدعوة، وأن الدعاة الذين يمارسون العمل الدعوي والتوجيه للمجتمع عبر كل صورة من الصور، وخلال أية وسيلة من الوسائل يحتاجون كثيراً إلى أن ينتفعوا وأن يقتبسوا ممن ليسو على ملة الإسلام؛ لأنه كما ورد في الحديث: (الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها)، وهذا حديث مرسل من رواية زيد بن أسلم رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأخرجه الترمذي وغيره، لكن المعنى فيه واضح وصحيح وصريح أن الإنسان المؤمن ينبغي أن يكون كيساً فطناً يستفيد من كل شيء حوله ما دام أنه ليس هناك ما يمنع من ذلك شرعاً.

    1.   

    أسس الاقتباس

    الأساس الأول: الاقتباس من أمور الدنيا وأسباب المعاش

    نحن لا نقتبس أي شيء، فإن عندنا ديناً كاملاً لا نحتاج في أمر عقيدتنا ولا أمر عباداتنا ولا تشريعاتنا وأحكامنا إلى أن نقتبس من شرق أو غرب، ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم شديداً في هذا الباب، ليعلم الأمة أن عندها ما يغنيها في أمر دينها، ولذلك لما رأى عمر بن الخطاب يحمل صحفاً من التوراة غضب عليه الصلاة والسلام وقال لـعمر : (أفي شك أنت يا ابن الخطاب ؟ والله لو كان موسى بن عمران حياً ما وسعه إلا اتباعي) فأمر عقيدتنا وأمر عباداتنا وأمر تشريعاتنا وأحكامنا لا مجال للاقتباس فيه أبداً، ولا مجال للاجتهاد مع نص، ولا مجال للأخذ من غير مصدر هذا الدين كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لكن فيما نحتاج إليه من أمور الدنيا من أسباب المعاش والحياة، من المستجدات والاختراعات والمبتكرات فالباب في هذا واسع، فما احتجنا إليه نقتبس منه، وتاريخ الأمة عريض وواسع في هذا المجال في كل الفترات التاريخية التي مرت بها الأمة الإسلامية، سيما في عهد الدولة العباسية، وإن كان هناك نماذج وصور للاقتباسات التي كانت وبالاً على الأمة؛ لأنها خرجت عن هذا القيد، وذلك عندما أمر المأمون وغيره من خلفاء بني العباس بترجمة الكتب اليونانية وكتب الفلسفة والكلام والمنطق التي تتحدث عن الحقائق الكونية والقضايا العقدية الإلهية، حينها حصل الاضطراب والخلط والفتنة في الدين، والانصراف عن المعتقد الصحيح؛ لأن الاقتباس كان من بشر، بحيث تركنا ما أعطانا إياه رب البشر سبحانه وتعالى، فلذلك أول قيد لهذا الاقتباس حتى لا نشذ ولا نخطئ: أن لا نقتبس إلا فيما فيه حاجة دنيوية، أما الدينية فلسنا في حاجة بعد قول الله عز وجل: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3].

    الأساس الثاني: الاقتباس وفق الحاجة

    نقول: نحن نحتاج في مجال الدعوة للاقتباس من علوم الإدارة، لكن لا نأخذها بغثها وسيمنها وبخيرها وشرها وبسهلها وصعبها، بل نأخذ بعد علمنا بالحاجة ما يوافق حاجتنا فحسب؛ فإن الإنسان بصير بنفسه عالم بما يحتاج إليه، ولذلك لابد من هذا الجانب.

    الأساس الثالث: فهم الاقتباس وتطويعه لخدمة الدعوة

    نحن نعلم أن في الإدارة أموراً كثيرة نافعة، فيها قضايا وموضوعات عن التخطيط وإدارة الوقت والتنظيم وتفويض المسئوليات، وكيفية اتخاذ القرارات، وأمورٌ أخرى كثيرة جداً، لكن ينبغي أن نحسن فهم هذا الأمر حتى نعرف كيف نجعله خادماً للدعوة نافعاً لأربابها وأهلها، وإذا كنا نريد أن نطور الدعوة فلابد من أن نأخذ الأساليب الإدارية من كتب الإدارة، لكن لا نخاطب بها الناس قبل فهمها؛ لأننا إذا لم نفهمها نحن لم يفهمها الناس، ولم نستفد منها نحن ولم يستفد منها الناس.

    إذاً لابد من أن نفهم وأن نهضم هذه الأساليب الإدارية حتى نخرج النتيجة في صورة عملية تنفع الدعوة ويستفيد منها الناس.

    الأساس الرابع: ضرورة إعطاء التخصص أهميته في الاقتباس

    إنه ليس هناك مجال في عصرنا الحاضر للعشوائية، ولا للنية الطيبة، ولا لمجرد الاكتفاء بالصلاح، بل هذا منهج قد ذكره لنا أسلافنا، وقد روي عن مالك وغيره أنه قال: أدركت سبعين ممن يستسقى بهم -أي: لصلاحهم وعبادتهم وزهدهم- كلهم لا يؤخذ منه الحديث، يقال: ليس من أهله.

    فهؤلاء أصحاب صلاح وتقوى وعبادة، لكن لا نأخذ منهم الحديث؛ لأنهم ليسوا متخصصين في علم الحديث، ليسوا حفاظاً، ولم يضبطوه لم يتفرغوا له، ولذلك أضرب مثلاً قد يكون طريفاً لكنه في صميم المسألة، أقول: عندما تعرض لك مسألة فقهية قد ترجع فيها إلى إمام المسجد، وعندما تحتاج إلى مشكلة اجتماعية قد تستشير فيها إمام المسجد، ولكن ما رأيك في رجل تعطلت سيارته وشكا إلى صديق له هذه المشكلة فقال له: اذهب بها إلى المهندس. قال: لا، لكن -إن شاء الله- سأعرضها على إمام المسجد. فقال الصديق: يا أخي! إمام المسجد ليس عنده علم بهندسة السيارات، فقال: لا. إن إمام المسجد رجل طيب صالح.

    قلنا: صلاحه ليس له تأثير في هذه المسألة، ولا شك أن هناك تأثيراً للصلاح بالجملة، لكن التخصص له دور، فإذا أردنا أن نقتبس من علم الإدارة فلنأت بأهل علم الإدارة المتخصصين من أهل الخير والتقوى ليفيدونا وليبينوا لنا هذا العلم، وما يمكن أن نستفيده منهم، وإذا أردنا أن نستفيد من الإعلام ووسائله وطرائقه فلابد من أن نأتي بمن يعرف الإعلام، أما أن يكون الداعية هو الذي يفهم كل شيء ويعرف كل علم فهذا الذي أظنه لم تنجبه لنا النساء في عصرنا الحاضر، إلا من رحم الله، وإن وجد أمثال هؤلاء الذين يجمعون كثيراً من المزايا فإنهم قليلون، بل أقل من القليل.

    نعم هناك عند بعض الناس عقول نيرة وملكات متميزة، لكن هؤلاء قلة.

    إذاً لابد من أن نعطي التخصص أهميته ودوره، ولا يمكن أن يفتي الداعية مريضاً في مرضه كما يفتي الناس الآن في أمور لا يعرفونها، تجد الإنسان يشكو من مرض فيستفسر من أي شخص، فيقول له ذلك الشخص: نعم هذا المرض قد سبق وأن مرضت به وأعطاني الطبيب كذا وكذا فخذ هذا الدواء. فهذه فتوى جاهلة؛ لأنها لا تعرف مجال العلم، ولا تتأسس على مبدأ التخصص.

    لذلك إذا أردنا أن تنتفع الدعوة فعلينا أن نستفيد من أرباب التخصصات.

    الأساس الخامس: العناية بالضوابط الشرعية والسياسية الدعوية

    ليس لنا أن نستفيد وأن نقتبس وفق ما نحتاج ووفق ما نرى أنه ينفعنا دون ضوابط، بل نحن قوم محكومون بشرع الله، وعندنا قواعد كلية وأصول فقهية وأدلة شرعية، لابد من أن نعلم أن كل شيء لابد من أن يمر عبرها وخلالها، فإن أجيزت فبها، وإن لم تجز فلا ولا كرامة، ولذلك بعض المتحمسين الآن في مجالات الدعوة يريدون أن يستفيدوا من ملكات ومجالات كثيرة، كالإعلام، أو الإدارة، أو النظم الأمنية، أو النظم العسكرية أو كذا، لكن لا يضبطون الأمور بالضوابط الشرعية، فعلى سبيل المثال: قد يكون لكل شيء تأثير، فقد يكون للرسم تأثيره، أو للنحت تأثيره في مسألة من المسائل أو على جانب من الجوانب، أو على بعض فئات من الناس الذين يحبون هذا الأمر، فهل يمكن أن نقتبس هذا وأن نستفيد منه دون أن ننظر في حكمه الشرعي وأن هناك من النصوص ما يمنع منه ويحرمه؟ الجواب: لا.

    الأساس السادس: التأصيل الشرعي

    لابد للدعاة الذين يستفيدون من المتخصصين أو المتخصصين الذي يلجون إلى مجالات الدعوة من أن يصنفوا ويكتبوا مباحث حول هذه العلوم في ضوء الشرع، وفي ظلال التأصيل الشرعي، وهناك كثير من المجالات والكتب والبحوث التي تخدم هذا الجانب، لكن ما تزال قاصرة ودون المطلوب، أعني بذلك أننا ينبغي أن نقدم للدعاة ولمجتمعات المسلمين إعلاماً مؤصلاً تأصيلاً شرعياً، وإدارة منضبطة مستفيدة من الخبرات والتجارب والعلوم، لكنها أيضاً مؤصلة بأدلتها الشرعية.

    1.   

    المحاذير المتعلقة بمسألة الاقتباس

    هناك محاذير في مسألة الاقتباس يجب التنبيه لها، وقد أشرنا عندما تكلمنا عن الأسس أن هناك أموراً قد تكون فيها أخطاء.

    تضخم الحاجة إلى الاقتباس

    بعض الناس يقول: الدعوة تحتاج إلى الإعلام. ويضخم هذا الأمر، حتى كأنه يريد أن نصبح إعلاميين وأن نصبح مذيعين وصحفيين، وتنتهي كل الدعوة إلى فئة من الإعلاميين فحسب!

    أقول: هذا التضخيم ليس أمراً مقبولاً، والمبالغات عموماً ليست مقبولة؛ لأن المبالغات هي عبارة عن تضخيم، والتضخيم مثل الأورام السرطانية، ورم غير حميد يتضخم فيغطي جانباً آخر فتضيع أهميته وتقل في مقابل هذا التضخيم الزائد، وهذا التضخيم من حيث الاقتباس ينشأ عن جانبين:

    الجانب الأول: جانب التخصص، فالذي يكون متخصصاً في الإدارة -على سبيل المثال- يقول لك: لا يمكن أن ينجح أي عمل دعوي إلا أن يأخذ بعلوم الإدارة. بل هذه قضية منتشرة على مستوى العلوم كلها، فصاحب علم الجيولوجيا يقول لك: علم الجيولوجيا هو الأساس. وأهل الكيمياء وأهل الفيزياء كذلك، أما صاحب الرياضيات فيقول لك: لا يمكن أن تصعد إلى القمر، ولا أن تغوص إلى الأرض، ولا أن تضرب في القتال إلا بالرياضيات. فكل صاحب تخصص يجعل كل الدنيا لا يمكن أن تتحرك إلا في ضوء تخصصه.

    الجانب الثاني: الجانب العاطفي، فهناك عاطفة صادقة في الرغبة في التطوير والتحسين في وسائل الدعوة، ولذلك تطلب من منطلق العاطفة دون أن تعطي الأمر قدره وحقه.

    ونقول: لو استجبنا لهذا التضخيم فأخذنا بجانب الإدارة والإعلام والأساليب الأمنية والعسكرية المتاحة والتجارب الموجودة دون أن نعطي الأمر حقه وقدره المطلوب فإننا سنضيع ما هو أهم، ألا وهو أساس الدعوة من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والعلم الشرعي والتربية الإيمانية والتقويم السلوكي، أما تلك الأمور فإنما هي اقتباس لتكميل هذه المسيرة الدعوية لا أقل ولا أكثر.

    تحكم العلم المقتبس بطريقة الدعوة وأساليبها

    بعد أن جئنا واقتبسنا من الإدارة وجدنا أن الإدارة تقول لنا كذا وكذا وكذا وكذا، وأصبحنا عبيداً لعلم الإدارة، وأنه لا يمكن أن نمارس الدعوة إلا بما تحكم به هذه العلوم الإدارية وقوانينها، كأنها قرآن منزل من عند الله، وهذا -للأسف- يوجد في صفوف الدعوات وضمن الاجتهادات الدعوية، وهو خطأ ينبغي الحذر منه.

    المزالق في المخالفات الشرعية ومخالفة الأولى

    عندما نقتبس لابد من أن ننضبط بالشرع وأن نراعي الأولويات.

    المحاولة المتكلفة للتأصيل الشرعي

    بعض الناس إذا اقتبس شيئاً وأخذ به يرى أنه لابد من أن يأتي له بدليل، وإذا لم يجد دليلاً يطابق -ولو من بعيد- ما اقتبسه فتراه يطوع الدليل لغرض ما استقر عليه الحال من أمر الداعية أو الدعوة، وهذا خطأ كبير ومزلق خطير.

    وأضرب مثالاً الذين يريدون أن يبرزوا الجانب العلمي في الآيات القرآنية، وأن القرآن أخبر عن حقائق علمية سبق القرآن في ذكرها وبيانها قبل أن يكتشفها العلم الحديث، نعم هناك كثير من هذه الأمثلة، مثل خلق الإنسان من نطفة وعلقة ومضغة مخلقة وغير مخلقة، لكن قد تكون هناك حقائق أو نظريات ليست بثابتة ولم تثبت بعد، فيأتي بالنص أو الدليل القرآني ويقول: هذا المقصود به كيت وكيت. مع أن الدليل لا يدل عليه أو الآية لا تشير إليه، فهذا أنموذج قد يقع أيضاً في مسألة الاقتباس في مجالات الدعوة.

    1.   

    فوائد الاقتباس

    ننتقل إلى نقطة أخرى، وهي: فوائد الاقتباس. حتى نرى لماذا هذا الاقتباس.

    التكامل والشمول في صناعة الحياة

    إن الاقتباس هو أحد روافد التكامل والشمول في صناعة الحياة، فنحن نوقن أن هذا الدين شامل لكل مناحي الحياة، وكامل في كل احتياجات البشر، فلذلك لا يمكن أن يكون هناك أمر نافع لا يصطدم مع الشرع ولا يتعارض مع الفطرة إلا وله حظ ونصيب في هذا الدين، يقول عز وجل: مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام:38] فينبغي أن نأخذ بالاقتصاد ونظرياته الحديثة وأساليبه التي هي خاضعة لحكم الشرع ولا تتعارض معها، كذلك أساليب الإعلام وكيفية نقل الأفكار والتأثير على المجتمعات والتنبه للشائعات ومكافحة هذه الشائعات، كل تلك الأمور لها أساليب علمية، فعندما نأخذ بها نبين للناس أن هذا الدين شامل كامل في اقتصاد واجتماع وسياسة وجند وجيوش، وكل مجالات الحياة التي يعيشها الناس.

    الاستثمار للطاقات والتوزيع للأعمال

    لا يوجد الشخص الذي يجيد كل شيء، فلابد من أن نعطي للاقتصادي مهمة الاستثمار الإسلامي، ولابد من أن نعطي الإعلامي مهمة تبليغ الدعوة عبر وسائل الإعلام، ولابد من أن نعطي الإداري فرصة ليعطينا الأطر التنظيمية التي يمكن أن تساعد على ضبط الأمور وتحسينها، وضبط الاتصالات وتنظيمها.

    استيعاب أصحاب التخصصات من العلوم المقتبسة

    لماذا نجعل أهل الطب والهندسة والإدارة والإعلام نهباً لأهل العلمنة والكفر والتغريب؟ لماذا نجد قلة من المسلمين في مجال الإعلام، وقلة من الاقتصاديين البارزين المسلمين الملتزمين؟

    لأن الفترات التي سبقت لم يكن فيها للدعوة ولا لحركتها في الحياة اهتمام وعناية باقتصاد وإدارة وكذا، فلم يكن هؤلاء الناس مستوعبين إلا ضمن الأطر العلمانية والكفرية أو التغريبية، ولذلك أثروا في الأمة تأثيراً سلبياً كبيراً، عبر الإعلام وعبر الطب وعبر الهندسة، واليوم لابد من أن يتحول هذا التأثير إلى تأثير إيجابي إسلامي عبر الهندسة والطب والصحافة والإعلام، ولن نستوعب هؤلاء الناس إلا إذا أقررنا بأهمية هذه العلوم والاقتباس والاستفادة منها، وانظر إلى النقابات المهنية عندما تسلم أمرها أصحاب الدعوة وأرباب الالتزام الإسلامي كيف انطوى تحتهم كل أرباب المهن من الأطباء والمهندسين، ورأوا فيهم نموذج القدوة والعفة عن أكل المال العام، والخبرة في مجال التخصص والعمل الميداني المؤثر في واقع المجتمع، فكسبت الدعوة مكاسب عظيمة، ربما لم تكن تكسبها بمجرد الخطب ولا الكتب ولا المقالات، وإنما عبر هذه الأعمال الدعوية من خلال العلوم المقتبسة.

    إبراز مزايا الإسلام لغير المسلمين

    إن إبراز مزايا الإسلام لغير المسلمين مهم جداً؛ لأن غير المسلمين عند بعضهم صور شوهاء عن الإسلام، منها أن الإسلام محصور في العبادات، وأنه لا يقبل ما استجد من أمور الحياة، ولا يوجد فيه منهج للناحية السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، فهذا الاقتباس وتطبيقاته العملية يبرز صورة الإسلام في تكامله وشموله لغير المسلمين.

    التأكيد العلمي والقناعة الواقعية لشمول الإسلام

    كثيراً ما نقول للناس: الإسلام شامل لكل شيء. لكنهم يجدون في مجتمعاتهم اقتصاداً ربوياً غير إسلامي، ونقول لهم: الإسلام يشمل كل شيء. ولكنهم يجدون إعلاماً لا يمت للإسلام بصلة في مجتمعاتهم، ونقول لهم: في الإسلام نظام في الحكم كامل رفيق شامل نافع محكم. ولكنهم يجدون مجتمعاتهم تحكم بغير شرع الله عز وجل، فإذا تم الأمر للدعوة وفي المجتمعات الإسلامية واقتبست كل ما ينفع للمجتمعات من هذه العلوم بدا للناس التطبيق العملي في هذا الجانب.

    1.   

    الفروق بين الاقتباس في العمل الإسلامي الدعوي وبين غيره

    هناك من يقتبسون من أرباب الأحزاب، أو من أصحاب الدعوات الهدامة والأفكار المشبوهة، وفي المقابل هناك من يقتبسون من أهل الدعوة، لكن هناك فرق شاسع وبون كبير بين المسلم الداعية وأصحاب الخير وبين غيرهم في الاقتباس.

    الفرق الأول: الميزان الصحيح للمقتبسات والأفكار والآراء

    إن العمل الإسلامي لديه المنهج الأصيل الذي يقيس ويزن به كل الأعمال والمقتبسات والأفكار والآراء، ألا وهو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    الفرق الثاني: التوفيق الإلهي لأتباع المنهج الرباني

    إن السائرين على طريق الله الراغبين نشر دعوة الله يوفقهم الله ويسددهم، ويبعدهم عن الخطأ والمزالق الوخيمة، ويوفقهم إلى إصابة واستخلاص ما يكون نافعاً ومفيداً.

    الفرق الثالث: سرعة التذكر والعودة إلى الحق مباشرة

    إن الداعية المسلم إذا أخطأ رجع إلى الحق، وإذا رأى أنه لم ينجح في أمر وأنه تجاوز الحد في مسألة، فإنه أواب رجاع مستغفر منيب، ومصحح ومقوم لمسيرته من جديد.

    الفرق الرابع: رصيد الفطرة الإنسانية

    إن بعض الأحزاب والأفكار لا يهمها إلا مصالحها الذاتية، ولو داست على كل القيم والمبادئ، بل ولو طمست الفطرة الإنسانية والمعاني الإنسانية البشرية في نفوس الناس.

    الفرق الخامس: انفراد الدعاة بالاستفادة من الربط بين الإيمان وبين العلوم المقتبسة

    إن الربط بين الإيمان والعلوم المقتبسة لا يستفيد منه إلا أرباب الدعوة.

    وأحسب أن فيما ذكرت إشارة للفكر، ليكون هناك إمعان للنظر وإعمال للفكر وتجربة وممارسة لتوسيع دائرة الاستيعاب للدعوة، وتوسيع دائرة الاقتباس النافع من العلوم والمجالات الحياتية التي تنفع الدعوة، وتفيد أمة الإسلام والمسلمين، ولعلي أذكر مثالاً يمكن أن نرى فيه ملامح معينة لبعض العلوم، أو لبعض المسائل التي تذكر في علوم الإدارة أو غيرها، دون أن يكون هناك اعتساف للنصوص.

    1.   

    مسألة التكليف بالمهمات في العمل الإداري وجوانبها في حديث معاذ

    جاء في حديث معاذ رضي الله عنه لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قال له: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم)، وماذا قال له عليه الصلاة والسلام بعد ذلك في آخر الحديث؟ قال: (وإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب).

    نستنبط من هذا الحديث مسألة التكليف بالمهمات في العمل الإداري وجوانبها:

    أولاً: لابد من معرفة المهمة والبيئة المحيطة بها.

    ثانياً: لابد من إعطاء بعض التعليمات في خطوات التنفيذ.

    ثالثا: لابد من التحذير من عوائق النجاح.

    وهكذا نجد هذا في حديثه صلى الله عليه وسلم، حيث بين له البيئة التي سيأتي فيها حتى يعرف مهمته وطبيعته، وذلك بقوله: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب)، وأعطاه وسائل التنفيذ وهي التدرج بأن يبدأ بالعقيدة، ثم بالصلاة، ثم بالزكاة، ثم بين له عوامل ومحاذير ينبغي تجنبها حتى لا تفشل مهمته، فقال: (إياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب).

    وستجد كثيراً من الأمثلة يظهر لك فيها أن ما جاء في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه من الغناء والكمال ما أنت في غنية غيره، لكنك تستفيد من هذه العلوم في كيفية فهمك لها من خلال هذه النصوص الشرعية.

    عسى الله أن يوفق لما يحب ويرضى، والله أعلم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.