اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الاستيعاب والاقتباس في الدعوة للشيخ : علي بن عمر بادحدح


الاستيعاب والاقتباس في الدعوة - (للشيخ : علي بن عمر بادحدح)
موضوع الاستيعاب والاقتباس في الدعوة موضوع مهم جداً؛ لأنه يوسع دائرة الدعوة ويكثر الراغبين في حملها والتفاعل معها، ولأن أمر الدعوة أمر عظيم، فهو ميراث النبوة، والمهمة التي شرف الله عز وجل بها هذه الأمة، وهذا الموضوع له أسباب وفوائد وضوابط وأسس يجب معرفتها ومراعاتها حتى لا تختلط الأمور عند الأخذ بها.
مقدمة عن أهمية موضوع الاستيعاب والاقتباس في الدعوة
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، نحمده سبحانه وتعالى في كل آن وعلى كل حال، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وخاتم رسل الله نبينا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وعلى من اتبع سنته واقتفى أثره وسار على هداه. أما بعد: فعنوان هذا الدرس: (الاستيعاب والاقتباس في الدعوة). وهو موضوع من المواضيع الدعوية التي لها أهميتها فيما نحتاج إليها في الاستفادة من الدعوة، وتوسيع دائرتها، وتكثير الراغبين في التزامها وحملها والتفاعل معها، فإن أمر الدعوة إلى الله عز وجل أمر عظيم، هو وراثة النبوة والسير على هدي سلف الأمة، وهو المهمة التي جعل الله عز وجل شرف هذه الأمة مكنوزاً فيه، كما قال سبحانه وتعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110] وكما شرف الله عز وجل أصحاب الدعوة وأربابها وحملتها والناطقين بها والرافعين للوائها بقوله سبحانه وتعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت:33] ولذا فإن تناول هذا الموضوع وغيره من الموضوعات، إنما هو لأهمية الدعوة، سيما في وقتنا المعاصر وفي بيئتنا الحاضرة، وكثير من الموضوعات المتعلقة بالدعوة هي اجتهادات قابلة للأخذ والرد، ومحتملة للصواب والخطأ، وهي في كثير مما تستخلص منه تجارب واجتهادات ناشئة عن علم وبصيرة، وعن ممارسة وتجربة، وهذا الموضوع هو عبارة عن رءوس أقلام؛ لأن التفصيل فيه يحتاج إلى تطويل، خاصة فيما يتصل بالأمثلة المتعلقة بالواقع المعاصر، وخاصة إذا استجبنا لما قد يطلبه الإخوة من إجابة على بعض التساؤلات في وقائع معينة، أو في صور ومشكلات يمرون بها ويتساءلون عنها، ولذلك سوف يكون ما نجمله إن شاء الله عز وجل معيناً على الفهم والتطبيق في أمثلة أخرى، وفي ممارسات كثيرة متعددة.
 

أسباب الحديث عن موضوع الاستيعاب والاقتباس في الدعوة
إن الحديث عن مثل هذا الموضوع على وجه الخصوص له أسباب كثيرة، من أبرزها:
 السبب الثالث: المنافسة بين الدعوة الإسلامية والدعوة الشيطانية
إن المنافسة في الساحة الاجتماعية في ديار المسلمين ليست بين إسلام وإسلام، وإنما التنافس بين الدعوة الإسلامية والدعوة غير الإسلامية، فهناك دعوة العلمنة التي تريد منك أن تحافظ على مكتسباتها التي كابدت وخسرت من أجلها خلال عقود من السنوات طويلة، وهناك دعوات التغريب التي تريد أن تلحق المجتمعات الإسلامية بالمجتمعات الغربية، وتجعل طبيعة حياتها وتفكيرها يسير في هذا الاتجاه، وكل صاحب فكرة أو دعوة يسعى بكل جهده من الجهد العقلي والجهد الفكري والجهد الإعلامي والجهد المادي ليسحب البساط من التيار الخـيِّر الذي سرى -بحمد الله عز وجل- في الأمة الإسلامية اليوم، وهو تيار الأوبة الإسلامية والصحوة الإيمانية بحمد الله سبحانه وتعالى. ولذلك لا يمكن لأرباب الدعوة الإسلامية أن يتألفوا القلوب، وأن يرشدوا العقول دون أن يطوروا أساليبهم، ودون أن يفكروا في اجتهاداتهم، وأن يراجعوا حساباتهم؛ ليستطيعوا أن يكونوا أكثر قرباً من المسلمين والمجتمعات الإسلامية من أولئك الأشرار، وليكونوا أيضاً أكثر إقناعاً للناس وترغيباً لهم في هذا الحق والخير الذي تخفق به قلوبهم وتطمئن إليه نفوسهم، ولذلك لابد لنا من أن نتحدث عن الاستيعاب والاقتباس في الدعوة، عل هذا الحديث يثير تفكيراً متواصلاً وتجارب متتابعة تزيد من قوة الدعوة وقدرتها على كسب مزيد من المسلمين إلى صفوفها وإلى رحابها الواسعة الخيرة.
حقيقة الاستيعاب
الاستيعاب: هو القدرة على اجتذاب الناس واستمالتهم للدعوة والخير. ولابد من أن نعلم أن المسلم مهما شرد وغرق في أوحال المعصية، ومهما تلوث عقله بكثير من الشبهات فإن بذرة الخير في قلبه ما تزال موجودة وإن كانت مخبوءة، ولذلك ليس من مهمتنا أن نئد هذه البذرة، وأن نطمس قليل الضوء الذي فيها، بل مهمتنا أن نزيل الركام من حولها، وأن نوسع الطريق لها لتشق بضيائها القليل طريقها نحو القلب والنفس، فتملأ الجوانح بنور الإيمان بإذن الله عز وجل.
 السبب الثالث: المنافسة بين الدعوة الإسلامية والدعوة الشيطانية
إن المنافسة في الساحة الاجتماعية في ديار المسلمين ليست بين إسلام وإسلام، وإنما التنافس بين الدعوة الإسلامية والدعوة غير الإسلامية، فهناك دعوة العلمنة التي تريد منك أن تحافظ على مكتسباتها التي كابدت وخسرت من أجلها خلال عقود من السنوات طويلة، وهناك دعوات التغريب التي تريد أن تلحق المجتمعات الإسلامية بالمجتمعات الغربية، وتجعل طبيعة حياتها وتفكيرها يسير في هذا الاتجاه، وكل صاحب فكرة أو دعوة يسعى بكل جهده من الجهد العقلي والجهد الفكري والجهد الإعلامي والجهد المادي ليسحب البساط من التيار الخـيِّر الذي سرى -بحمد الله عز وجل- في الأمة الإسلامية اليوم، وهو تيار الأوبة الإسلامية والصحوة الإيمانية بحمد الله سبحانه وتعالى. ولذلك لا يمكن لأرباب الدعوة الإسلامية أن يتألفوا القلوب، وأن يرشدوا العقول دون أن يطوروا أساليبهم، ودون أن يفكروا في اجتهاداتهم، وأن يراجعوا حساباتهم؛ ليستطيعوا أن يكونوا أكثر قرباً من المسلمين والمجتمعات الإسلامية من أولئك الأشرار، وليكونوا أيضاً أكثر إقناعاً للناس وترغيباً لهم في هذا الحق والخير الذي تخفق به قلوبهم وتطمئن إليه نفوسهم، ولذلك لابد لنا من أن نتحدث عن الاستيعاب والاقتباس في الدعوة، عل هذا الحديث يثير تفكيراً متواصلاً وتجارب متتابعة تزيد من قوة الدعوة وقدرتها على كسب مزيد من المسلمين إلى صفوفها وإلى رحابها الواسعة الخيرة.
نماذج من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في الاستيعاب والاقتداء به
علينا أن نحسن الدعوة وأساليبها وطرائقها لنستميل القلوب والعقول بصورة نظرية قوية، وبصورة عملية أقوى منها، وحسبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلاً وقدوة في هذا الشأن؛ لأن المصطفى عليه الصلاة والسلام تعامل مع الصغار والأطفال، وتعامل مع الشيوخ والكبار، وخاطب الرجال وأقنع النساء، وسلَّم له الموافق والمخالف، واستمال بحجته عقول المعرضين والمعاندين، ودمغت أدلته حجج المغالطين والمرائين وأصحاب الشبهات والمغالطات. لقد كان في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام أنموذج الداعية الذي يستوعب كل صنف من أصناف البشر في كل حالة من حالات الحياة عبر كل ظرف من ظروف الزمان والمكان، ولذلك كان عليه الصلاة والسلام مثالاً يقتدى به، فلقد اشرأبت إليه الأعناق، وأحبته سويداء القلوب، وتعلقت به الأمة كلها، حتى إن مخالفيه شهدوا له بالحق والعدل والفضل؛ لأنه عليه الصلاة والسلام كان الداعية الكامل الذي ينبغي أن يحتذى ويقتدى به. فهذا على سبيل المثال ثمامة بن أثال ، وقد كان على كفره، فأسره بعض المسلمين واقتادوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فربطه في المسجد عليه الصلاة والسلام لينظر إلى هذا المجتمع المسلم كيف يؤدي صلاته وعبادته، وكيف يسجد لربه ومولاه، وكيف يطيع رسوله وقدوته صلى الله عليه وسلم، وكيف تمتزج صفوفه وتلتحم، وكيف تأتلف قلوبهم وتعتدل، وكيف يمثل نموذجاً للمجتمعات البشرية على أرقى مستوى يمكن أن يعيشه الإنسان في هذه الأرض، وإذا بهذا البصر لذلك الكافر، وبذلك العقل لذلك المعرض، وبذلك القلب لذلك الذي حرم من نور الإيمان يفكر ويشتغل ويتدبر، ثم يخاطبه النبي عليه الصلاة والسلام فيقول له: (أما آن لك يا ثمامة أن تسلم؟) فيقول ثمامة: إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تمنن تمنن على شاكر، وإن ترد المال نعطك. ثم بعد ذلك أطلقه النبي صلى الله عليه وسلم دون أن يقيم عليه سيفاً ليقطع رقبته، ودون أن يثير له رعباً ينخلع له قلبه، ودون أن يمارس عليه ضغطاً يرغمه على أن يقتنع بما لا يقبله عقله ولا منطقه، بل ترك له بعد هذا الأسلوب الدعويّ المؤثر الخيار، فإذا به يخرج من المسجد فيذهب إلى أقرب مكان فيغتسل، ثم يجيء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعلن إسلامه في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يتحول إلى معين ناصر للدعوة الإسلامية، ويمنع الميرة عن قريش. وكذلك الطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنه وأرضاه، جاء إلى مكة وسبقت إلى أذنه الدعايات المغرضة، والحملات الإعلامية المشوهة أن لا تسمع محمداً صلى الله عليه وسلم ولا تجلس إليه؛ لأنه يفرق بين المرء وزوجه، ولأنه يسفه أدياننا وتراثنا وآباءنا وأجدادنا. وظلوا به كذلك حتى نجحوا نوعاً ما، لكنه نجاح هزيل لا يعتمد على قوة الإقناع، نجحوا إلى أن وصل نجاحهم أن أخذ كرسفاً -أي: قطناً- ووضعه في أذنيه ليصم أذنه عن سماع محمد صلى الله عليه وسلم، وكما نقول: حبل الكذب قصير. ثم إنه فكر بعقله وقال: أنا رجل من عقلاء الناس أعرف الكلام صوابه وخطأه، وأعرف الشعر نظمه ونثره، فلماذا لا أسمع فإن وجدت خيراً عرفت، وإن وجدت شراً أنكرت؟! فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فما هي إلا كلمات يسيرة حتى دخل الإيمان قلبه، وأقنعت الحجة عقله، وانقلب من فوره إلى مسلم لا يقبل بعلاقة مع زوجه ومع أبيه إلا أن تكون علاقة بمقياس هذا الدين، ووفق حقيقة التوحيد. وهكذا سهيل بن عمرو الذي جاء يفاوض في صلح الحديبية بغطرسة الكفر، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم لـعلي : (اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم). فيقول سهيل: لا، ولكن اكتب: باسمك اللهم. فيغض النبي صلى الله عليه وسلم الطرف؛ لأنه يريد أن يسحب الحجج الشكلية الواهية، وأن يبتعد عن المعارك الجانبية الكاذبة ليخلص إلى جوهر الموضوع، قال سهيل اكتب: باسمك اللهم. فقال لـعلي: (اكتب: باسمك اللهم)، ثم قال عليه الصلاة والسلام: (اكتب: هذا ما عاهد عليه محمد رسول الله) قال: لو كنا نعلم أنك رسول الله لما قاتلناك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك. فقال النبي عليه الصلاة والسلام لـعلي: (اكتب: هذا ما عاهد عليه محمد بن عبد الله).وفي بعض الآثار أن علياً رضي الله عنه أبى أن يكتب من غيظه لتعنت المشركين، لكن النبي عليه الصلاة والسلام أصر عليه، وفي بعض الآثار والروايات أنه قال لأصحابه: (أشيروا على مكانها. فلما أشاروا إلى موضعها مسحها عليه الصلاة والسلام بيده) وهذا يمثل لنا قمة القدرة على ضبط النفس لأجل استيعاب الموقف وإقامة الحجة وإعلاء الراية. وهكذا في مواقف شتى أختمها بحديث معاوية بن الحكم السلمي الذي نعلم من قصته لما صلى وعطس في الصلاة، ثم حمد الله وسط الصلاة، ولم يكن يعرف النهي عن الكلام في الصلاة، قال: (فجعلوا يحدون النظر إلي -يعني: الصحابة- قال: فقلت -على طبيعته وسليقته في أثناء صلاته-: واثكل أمياه! مالكم تنظرون إلي؟! قال: فجعلوا يضربون على أفخاذهم فعلمت أنهم يسكتونني فسكت، فلما قضيت الصلاة دعا بي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبأبي هو وأمي فوالله ما نهرني ولا كهرني ولا ضربني، ما رأيت معلماً قبله ولا بعده خيراً منه قط، إنما قال لي: إن هذه الصلاة لا يصح فيها شيء من كلام الناس). وهكذا أمثلة كثيرة جداً، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم مراتب الاستيعاب عند الناس؛ لأنه ليس كل الناس يستوعبون الأمر كاملاً، ولا يأخذونه على تمامه، فقال عليه الصلاة والسلام: (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء وأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله عز وجل ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله).
 السبب الثالث: المنافسة بين الدعوة الإسلامية والدعوة الشيطانية
إن المنافسة في الساحة الاجتماعية في ديار المسلمين ليست بين إسلام وإسلام، وإنما التنافس بين الدعوة الإسلامية والدعوة غير الإسلامية، فهناك دعوة العلمنة التي تريد منك أن تحافظ على مكتسباتها التي كابدت وخسرت من أجلها خلال عقود من السنوات طويلة، وهناك دعوات التغريب التي تريد أن تلحق المجتمعات الإسلامية بالمجتمعات الغربية، وتجعل طبيعة حياتها وتفكيرها يسير في هذا الاتجاه، وكل صاحب فكرة أو دعوة يسعى بكل جهده من الجهد العقلي والجهد الفكري والجهد الإعلامي والجهد المادي ليسحب البساط من التيار الخـيِّر الذي سرى -بحمد الله عز وجل- في الأمة الإسلامية اليوم، وهو تيار الأوبة الإسلامية والصحوة الإيمانية بحمد الله سبحانه وتعالى. ولذلك لا يمكن لأرباب الدعوة الإسلامية أن يتألفوا القلوب، وأن يرشدوا العقول دون أن يطوروا أساليبهم، ودون أن يفكروا في اجتهاداتهم، وأن يراجعوا حساباتهم؛ ليستطيعوا أن يكونوا أكثر قرباً من المسلمين والمجتمعات الإسلامية من أولئك الأشرار، وليكونوا أيضاً أكثر إقناعاً للناس وترغيباً لهم في هذا الحق والخير الذي تخفق به قلوبهم وتطمئن إليه نفوسهم، ولذلك لابد لنا من أن نتحدث عن الاستيعاب والاقتباس في الدعوة، عل هذا الحديث يثير تفكيراً متواصلاً وتجارب متتابعة تزيد من قوة الدعوة وقدرتها على كسب مزيد من المسلمين إلى صفوفها وإلى رحابها الواسعة الخيرة.
القواعد الأساسية المهمة للاستيعاب
من أجل أن يكون هناك استيعاب صحيح -بإذن الله عز وجل- فهناك أمور مهمة وقواعد أساسية ينبغي أن يدركها العاملون في مجال الدعوة على وجه الخصوص.
 القاعدة الرابعة: معرفة الواقع معرفة دقيقة
إن الذي يدرك هذا الواقع ويعرف أحوال الناس وما يؤثر في بيئتهم يستطيع أن يعرف أفكارهم، ويستطيع أن يلتمس الأعذار لما قد يكون في أذهانهم من الشبهات، أو في سلوكياتهم من الأخطاء، ويستطيع أن يدرك أن هناك عللاً معينة لو تم علاجها لصلحت أحوال الناس، أما الذي يريد الكمال والتمام فإنه يفصل قوالب جاهزة إما أن يدخل الناس فيها ويحشرهم فيها حشراً ويقسرهم عليها قسراً، وإما أن تبقى هذه القوالب فارغة والناس بعيدون عن الدعوة والخير وبعيدون عنه, فصار منفراً وليس مرغباً، وهذا أمر مهم جداً، ولذلك لابد من أن نعرف أن اقتحام العقول والنفوس أصعب بكثير جداً من اقتحام المواقع والثغور.
الصفات المؤهلة للداعية في الاستيعاب
أنتقل إلى صفات تتعلق بالداعية ليكون مؤهلاً للاستيعاب.
 الصفة السابعة: النجدة والتضحية
إن مجرد البسمة والكلمة الطيبة لا تغير في الواقع شيئاً، إن الفقير المعدم لا يكفيه أن تسرد له الأقوال والنصوص في الصبر والاحتساب للأجر عند الله عز وجل، سيما عامة الناس وعموم المجتمعات لا يمكن أن تخاطب بمثل هذا، إن الذي يجد ألم الجوع في بطنه يحتاج إلى اللقمة في فمه، وإن الذي يجد أثر الإرهاب والخوف على نفسه وحياته يحتاج إلى من يؤمنه، وإن الذي يشكو ويتلوى من المرض يحتاج إلى من يعالجه، فمن يتقدم؟ إنه هو الذي يكسب القلوب.ونحن نعلم أن أعداء الله عز وجل من النصارى واليهود وغيرهم قد دخلوا إلى كثير من ديار المسلمين عبر هذه الأبواب الثلاثة: باب الجهل، والفقر، والمرض، واستغلوا حاجة الناس فقدموا لهم الخدمات، وقدموا لهم معها الدعوات. ونقول: إن الدعاة أولى الناس بهذا من الأعداء، هذا إذا أرادوا أن يستوعبوا وأن يؤثروا. إذاً على الدعاة أن يكونوا أصحاب النجدات والتضحيات والمروءات، والمسابقة إلى تقديم الخدمات في كل المجالات، ولذلك لو نظرنا إلى بعض آثار هذا الإقبال على الدعوة والخير والإسلام سنجد أن من أسبابه أن الدعوة والدعاة وأن أهل الخير والصلاح وجد الناس -عندما خافوا- بعض أمنهم في هؤلاء الدعاة، ووجد الفقراء -عندما احتاجوا- سد حاجتهم في أموال الدعاة، ووجد الناس عندما مرضوا نجدتهم وإعانتهم من أرباب الصلاح والخير والدعوة والرشاد، ولذلك توجه الناس -بحمد الله عز وجل- توجهاً طيباً نحو الخير بإذنه سبحانه وتعالى وتوفيقه.
حقيقة الاقتباس وتعلقه بالاستيعاب
لابد من أن نعرف أن لهذا الاستيعاب أهميته الكبرى، ولعل من أهم قضايا الاستيعاب مسألة الاقتباس. والاقتباس: هو استغلال الجوانب الحياتية والعلوم المادية في خدمة الدعوة واحتياجات المجتمعات الإسلامية. إن هذا الدين الكامل الشامل جاء صالحاً لكل زمان ومكان، وجاء متواكباً مع كل جديد نافع، ليس فيه ما يتعارض مع علم صحيح، ولا مع خير يسوقه الله عز وجل للناس في هذه الحياة الدنيا، ولذلك من أهم أبواب الاستيعاب الاقتباس، وكما أشرت في أول الحديث فإن كل الموضوعات فيها حاجة إلى تفصيلات، ولكن حسبنا التأصيل والتذكير بالأصول المهمة التي يمكن أن تنبه على غيرها، وأن يستفاد منها في مجالات أخرى أكثر.
 الصفة السابعة: النجدة والتضحية
إن مجرد البسمة والكلمة الطيبة لا تغير في الواقع شيئاً، إن الفقير المعدم لا يكفيه أن تسرد له الأقوال والنصوص في الصبر والاحتساب للأجر عند الله عز وجل، سيما عامة الناس وعموم المجتمعات لا يمكن أن تخاطب بمثل هذا، إن الذي يجد ألم الجوع في بطنه يحتاج إلى اللقمة في فمه، وإن الذي يجد أثر الإرهاب والخوف على نفسه وحياته يحتاج إلى من يؤمنه، وإن الذي يشكو ويتلوى من المرض يحتاج إلى من يعالجه، فمن يتقدم؟ إنه هو الذي يكسب القلوب.ونحن نعلم أن أعداء الله عز وجل من النصارى واليهود وغيرهم قد دخلوا إلى كثير من ديار المسلمين عبر هذه الأبواب الثلاثة: باب الجهل، والفقر، والمرض، واستغلوا حاجة الناس فقدموا لهم الخدمات، وقدموا لهم معها الدعوات. ونقول: إن الدعاة أولى الناس بهذا من الأعداء، هذا إذا أرادوا أن يستوعبوا وأن يؤثروا. إذاً على الدعاة أن يكونوا أصحاب النجدات والتضحيات والمروءات، والمسابقة إلى تقديم الخدمات في كل المجالات، ولذلك لو نظرنا إلى بعض آثار هذا الإقبال على الدعوة والخير والإسلام سنجد أن من أسبابه أن الدعوة والدعاة وأن أهل الخير والصلاح وجد الناس -عندما خافوا- بعض أمنهم في هؤلاء الدعاة، ووجد الفقراء -عندما احتاجوا- سد حاجتهم في أموال الدعاة، ووجد الناس عندما مرضوا نجدتهم وإعانتهم من أرباب الصلاح والخير والدعوة والرشاد، ولذلك توجه الناس -بحمد الله عز وجل- توجهاً طيباً نحو الخير بإذنه سبحانه وتعالى وتوفيقه.
تعريف الاقتباس وحكمه وأهميته
الاقتباس: هو أخذ الجزء من كل للاستفادة منه، ويقول أهل اللغة: اقتبس من النار أي: أخذ منها شعلة أو قبساً لينتفع به. وعندما نتأمل سنجد أن هناك علوماً كثيرة، وأن هناك انجازات كثيرة، وأن هناك نجاحات كثيرة حققها غير المسلمين، أو غير أرباب الدعوة الإسلامية، فهل من حرج أن يقتبس أهل الدعوة من هذه الجوانب الخيرة والعلوم النافعة ليطوعوها لخدمة الدعوة وينتفعوا بها؟ الجواب لا حرج؛ لأن المصطفى صلى الله عليه وسلم قد اقتبس والتمس مما ينفع الأمة في مجالات الوسائل والتبليغ للدعوة والتأثير في حياة الناس وتقديم حلول المشكلات شيئاً كثيراً عظيماً، وجاء من بعده من أصحابه، فكانت أبواب الاقتباس والانتفاع أوسع وأوسع، سيما في عهد الخليفة العادل الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فإنه دون الدواوين، وأنشأ ما لم يكن على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم من أمور المسلمين العامة، ومن المصالح المرسلة التي يحتاجون إليها، والتي ينتفعون بها دون أن تكون متعارضة مع دين الله عز وجل، ولا مخالفة لنص شرعي، ولا لقاعدة كلية من قواعد هذا الدين العظيم، ولذلك جعل دواوين للجند، فجعل هناك جيوشاً نظامية وكتب أسماء أفراد الجيوش لتصرف لهم الرواتب، وجعل هناك نظاماً للبريد، وجعل هناك أنظمة أخرى كثيرة، وأوجد أنظمة للعس والمراقبة الليلية، وأوجد أشياء كثيرة مما تحتاجه الأمة، واقتبس هذا مما كان في الأمم من حوله، ومما أدى إليه اجتهاده مع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم رضوان الله عليهم أجمعين. إذاً لابد أن ندرك أن هناك حاجة ماسة للاقتباس في مجالات الدعوة، وأن الدعاة الذين يمارسون العمل الدعوي والتوجيه للمجتمع عبر كل صورة من الصور، وخلال أية وسيلة من الوسائل يحتاجون كثيراً إلى أن ينتفعوا وأن يقتبسوا ممن ليسو على ملة الإسلام؛ لأنه كما ورد في الحديث: (الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها)، وهذا حديث مرسل من رواية زيد بن أسلم رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأخرجه الترمذي وغيره، لكن المعنى فيه واضح وصحيح وصريح أن الإنسان المؤمن ينبغي أن يكون كيساً فطناً يستفيد من كل شيء حوله ما دام أنه ليس هناك ما يمنع من ذلك شرعاً.
 الصفة السابعة: النجدة والتضحية
إن مجرد البسمة والكلمة الطيبة لا تغير في الواقع شيئاً، إن الفقير المعدم لا يكفيه أن تسرد له الأقوال والنصوص في الصبر والاحتساب للأجر عند الله عز وجل، سيما عامة الناس وعموم المجتمعات لا يمكن أن تخاطب بمثل هذا، إن الذي يجد ألم الجوع في بطنه يحتاج إلى اللقمة في فمه، وإن الذي يجد أثر الإرهاب والخوف على نفسه وحياته يحتاج إلى من يؤمنه، وإن الذي يشكو ويتلوى من المرض يحتاج إلى من يعالجه، فمن يتقدم؟ إنه هو الذي يكسب القلوب.ونحن نعلم أن أعداء الله عز وجل من النصارى واليهود وغيرهم قد دخلوا إلى كثير من ديار المسلمين عبر هذه الأبواب الثلاثة: باب الجهل، والفقر، والمرض، واستغلوا حاجة الناس فقدموا لهم الخدمات، وقدموا لهم معها الدعوات. ونقول: إن الدعاة أولى الناس بهذا من الأعداء، هذا إذا أرادوا أن يستوعبوا وأن يؤثروا. إذاً على الدعاة أن يكونوا أصحاب النجدات والتضحيات والمروءات، والمسابقة إلى تقديم الخدمات في كل المجالات، ولذلك لو نظرنا إلى بعض آثار هذا الإقبال على الدعوة والخير والإسلام سنجد أن من أسبابه أن الدعوة والدعاة وأن أهل الخير والصلاح وجد الناس -عندما خافوا- بعض أمنهم في هؤلاء الدعاة، ووجد الفقراء -عندما احتاجوا- سد حاجتهم في أموال الدعاة، ووجد الناس عندما مرضوا نجدتهم وإعانتهم من أرباب الصلاح والخير والدعوة والرشاد، ولذلك توجه الناس -بحمد الله عز وجل- توجهاً طيباً نحو الخير بإذنه سبحانه وتعالى وتوفيقه.
أسس الاقتباس

 الأساس السادس: التأصيل الشرعي
لابد للدعاة الذين يستفيدون من المتخصصين أو المتخصصين الذي يلجون إلى مجالات الدعوة من أن يصنفوا ويكتبوا مباحث حول هذه العلوم في ضوء الشرع، وفي ظلال التأصيل الشرعي، وهناك كثير من المجالات والكتب والبحوث التي تخدم هذا الجانب، لكن ما تزال قاصرة ودون المطلوب، أعني بذلك أننا ينبغي أن نقدم للدعاة ولمجتمعات المسلمين إعلاماً مؤصلاً تأصيلاً شرعياً، وإدارة منضبطة مستفيدة من الخبرات والتجارب والعلوم، لكنها أيضاً مؤصلة بأدلتها الشرعية.
المحاذير المتعلقة بمسألة الاقتباس
هناك محاذير في مسألة الاقتباس يجب التنبيه لها، وقد أشرنا عندما تكلمنا عن الأسس أن هناك أموراً قد تكون فيها أخطاء.
 المحاولة المتكلفة للتأصيل الشرعي
بعض الناس إذا اقتبس شيئاً وأخذ به يرى أنه لابد من أن يأتي له بدليل، وإذا لم يجد دليلاً يطابق -ولو من بعيد- ما اقتبسه فتراه يطوع الدليل لغرض ما استقر عليه الحال من أمر الداعية أو الدعوة، وهذا خطأ كبير ومزلق خطير. وأضرب مثالاً الذين يريدون أن يبرزوا الجانب العلمي في الآيات القرآنية، وأن القرآن أخبر عن حقائق علمية سبق القرآن في ذكرها وبيانها قبل أن يكتشفها العلم الحديث، نعم هناك كثير من هذه الأمثلة، مثل خلق الإنسان من نطفة وعلقة ومضغة مخلقة وغير مخلقة، لكن قد تكون هناك حقائق أو نظريات ليست بثابتة ولم تثبت بعد، فيأتي بالنص أو الدليل القرآني ويقول: هذا المقصود به كيت وكيت. مع أن الدليل لا يدل عليه أو الآية لا تشير إليه، فهذا أنموذج قد يقع أيضاً في مسألة الاقتباس في مجالات الدعوة.
فوائد الاقتباس
ننتقل إلى نقطة أخرى، وهي: فوائد الاقتباس. حتى نرى لماذا هذا الاقتباس.
 التأكيد العلمي والقناعة الواقعية لشمول الإسلام
كثيراً ما نقول للناس: الإسلام شامل لكل شيء. لكنهم يجدون في مجتمعاتهم اقتصاداً ربوياً غير إسلامي، ونقول لهم: الإسلام يشمل كل شيء. ولكنهم يجدون إعلاماً لا يمت للإسلام بصلة في مجتمعاتهم، ونقول لهم: في الإسلام نظام في الحكم كامل رفيق شامل نافع محكم. ولكنهم يجدون مجتمعاتهم تحكم بغير شرع الله عز وجل، فإذا تم الأمر للدعوة وفي المجتمعات الإسلامية واقتبست كل ما ينفع للمجتمعات من هذه العلوم بدا للناس التطبيق العملي في هذا الجانب.
الفروق بين الاقتباس في العمل الإسلامي الدعوي وبين غيره
هناك من يقتبسون من أرباب الأحزاب، أو من أصحاب الدعوات الهدامة والأفكار المشبوهة، وفي المقابل هناك من يقتبسون من أهل الدعوة، لكن هناك فرق شاسع وبون كبير بين المسلم الداعية وأصحاب الخير وبين غيرهم في الاقتباس.
 الفرق الخامس: انفراد الدعاة بالاستفادة من الربط بين الإيمان وبين العلوم المقتبسة
إن الربط بين الإيمان والعلوم المقتبسة لا يستفيد منه إلا أرباب الدعوة. وأحسب أن فيما ذكرت إشارة للفكر، ليكون هناك إمعان للنظر وإعمال للفكر وتجربة وممارسة لتوسيع دائرة الاستيعاب للدعوة، وتوسيع دائرة الاقتباس النافع من العلوم والمجالات الحياتية التي تنفع الدعوة، وتفيد أمة الإسلام والمسلمين، ولعلي أذكر مثالاً يمكن أن نرى فيه ملامح معينة لبعض العلوم، أو لبعض المسائل التي تذكر في علوم الإدارة أو غيرها، دون أن يكون هناك اعتساف للنصوص.
مسألة التكليف بالمهمات في العمل الإداري وجوانبها في حديث معاذ
جاء في حديث معاذ رضي الله عنه لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قال له: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم)، وماذا قال له عليه الصلاة والسلام بعد ذلك في آخر الحديث؟ قال: (وإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب). نستنبط من هذا الحديث مسألة التكليف بالمهمات في العمل الإداري وجوانبها: أولاً: لابد من معرفة المهمة والبيئة المحيطة بها. ثانياً: لابد من إعطاء بعض التعليمات في خطوات التنفيذ. ثالثا: لابد من التحذير من عوائق النجاح. وهكذا نجد هذا في حديثه صلى الله عليه وسلم، حيث بين له البيئة التي سيأتي فيها حتى يعرف مهمته وطبيعته، وذلك بقوله: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب)، وأعطاه وسائل التنفيذ وهي التدرج بأن يبدأ بالعقيدة، ثم بالصلاة، ثم بالزكاة، ثم بين له عوامل ومحاذير ينبغي تجنبها حتى لا تفشل مهمته، فقال: (إياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب). وستجد كثيراً من الأمثلة يظهر لك فيها أن ما جاء في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه من الغناء والكمال ما أنت في غنية غيره، لكنك تستفيد من هذه العلوم في كيفية فهمك لها من خلال هذه النصوص الشرعية. عسى الله أن يوفق لما يحب ويرضى، والله أعلم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
 الفرق الخامس: انفراد الدعاة بالاستفادة من الربط بين الإيمان وبين العلوم المقتبسة
إن الربط بين الإيمان والعلوم المقتبسة لا يستفيد منه إلا أرباب الدعوة. وأحسب أن فيما ذكرت إشارة للفكر، ليكون هناك إمعان للنظر وإعمال للفكر وتجربة وممارسة لتوسيع دائرة الاستيعاب للدعوة، وتوسيع دائرة الاقتباس النافع من العلوم والمجالات الحياتية التي تنفع الدعوة، وتفيد أمة الإسلام والمسلمين، ولعلي أذكر مثالاً يمكن أن نرى فيه ملامح معينة لبعض العلوم، أو لبعض المسائل التي تذكر في علوم الإدارة أو غيرها، دون أن يكون هناك اعتساف للنصوص.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الاستيعاب والاقتباس في الدعوة للشيخ : علي بن عمر بادحدح

http://audio.islamweb.net