إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سعيد بن مسفر
  4. ولو ترى إذ وقفوا على النار

ولو ترى إذ وقفوا على النارللشيخ : سعيد بن مسفر

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن المتأمل لنصوص الوعيد في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم يجد مشاهد مفزعة، وأهوالاً عظيمة، مما أعد الله فيها من ألوان العذاب والنكال للكفار والمنافقين. وفي هذا الدرس عرض الشيخ مواقف لأهل النار في عذابهم، وأصناف هذا العذاب من أكلهم، وشربهم، وملابسهم، وأليم عقابهم على أفعالهم، وطبقاتهم في النار.

    1.   

    تصوير قرآني لمشاهد من العذاب

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    وبعد:

    فيا أيها الأحبة في الله! هذا الدرس يأتي ضمن سلسلة الدروس الشهرية بعنوان: تأملات قرآنية) وهو يلقى في مدينة جدة في مسجد الحارثي بحي الإسكان الجنوبي، بعد مغرب يوم السبت الموافق (29 ذي القعدة 1415 للهجرة) على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام.

    وعنوان تأملاتنا هذه الليلة قول الله عز وجل: وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّار [الأنعام:27] واختياري لهذا العنوان؛ لأن هذه الآية جاءت في سياق تأملاتنا لسورة الأنعام.

    وذكر النار -أيها الإخوة- مطلوبٌ خصوصاً في هذه الأزمان التي شردت فيها القلوب عن الله، وغفلت النفوس عن تذكر الآخرة، حتى لكأن الذي يرانا يجزم بأننا إما أننا لا نؤمن بالنار، أو لا نعرف النار؛ لأن السلوك والأعمال والتصرفات توحي بهذا، فمن يعرف النار ومدى قدرته ومقاومته لها، ويؤمن بحقيقة وجود النار، ثم يسلك تلك المسالك ويتصرف تلك التصرفات، لا يمكن أن يصدق العقل هذا، لذا كان لا بد من ذكرها وما أعد الله عز وجل فيها، وما توعد الله الكفار والمنافقين والعصاة والفسقة من ألوان العذاب الذي لا يتصوره العقل.

    يقول الله عز وجل: وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر:47].

    كل ما يمكن أن يخطر في بال الإنسان من ضخامة وأصناف العذاب، فإن هذا الذي يخطر في البال لا يمكن أن يصل إلى جزء من حقائق ما سيكون في النار، ويكفينا قول الله عز وجل: وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر:47].

    مشاهد ورود أهل النار على النار

    يقول الله عز وجل في سورة الأنعام وهو يصف لنا مشهداً من مشاهد العذاب يوم القيامة، وهذا المشهد هو: أخذ أهل النار وحبسهم على النار قبل إلقائهم فيها؛ لأنهم يساقون إليها، ويسحبون على وجوههم إليها، ويدفعون من ظهورهم دفعاً إليها، لا يأتون إلى النار باختيارهم، ولكن جاء وصف مجيئهم في ثلاث آيات:

    المشهد الأول: قال الله عز وجل: وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً [الزمر:71] سوق الإهانة والتهديد والعذاب الشديد حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا [الزمر:71] تقول لهم الملائكة: أما جاءكم رسل ينذرونكم لقاء هذا اليوم ويحذرونكم من النار؟ قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ [الزمر:71] بلى يعترفون قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ [الزمر:72].

    المشهد الثاني: قال الله عز وجل: يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ [القمر:48].

    المشهد الثالث: قال الله عز وجل: وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً [الإسراء:97].

    المشهد الرابع قال فيه عز وجل: يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعّاً [الطور:13] أي: يدفعون إليها دفعاً هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ [الطور:14] ثم يحبسون على النار، والله يخبرنا عن هذا ويقول للنبي صلى الله عليه وسلم: لو ترى يا محمد! ولو تشهد هذا المشهد، انقل هذه الصورة إلى الأمة، بلّغ خلق الله هذا المشهد لعلهم أن ينزجروا أو يرتدعون، فيعملوا الصالحات قبل أن يصيروا إلى هذا المصير.

    توضيح لقوله: (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ)

    قال عز وجل: وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الأنعام:27-28]، يحبسون على النار، ويوقفون عليها، فيرون المزلة والغبن والحسرة والندامة، فيقولون: يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ يا ليتنا نعطى فرصة ثانية ونرجع إلى الدار الخالية، فنعمل فيها عملاً صالحاً؛ من أجل أن نفوز بالجنة وننجو من النار وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنعام:27].

    قال الله عز وجل: إن هؤلاء لو ردوا إلى الدنيا لعادوا لما نهوا عنه؛ لأن الذي ينقصهم ليس الدليل؛ الآن الذي ينقص العاصي والفاجر والكافر هل هو الدليل على أن الله أرسل رسولاً صادقاً، وأنزل كتابَ حقٍ، وشرع دينَ حقٍ؟ لا. الله عز وجل يخبرنا في القرآن أنهم لا يكذبون الرسول، قال الله: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام:33] ويقول عن فرعون: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً [النمل:14].

    فالأدلة قائمة، لكن ما الذي يجعل الواحد -والدليل قائم، والبرهان ساطع، والحق واضح- يأبى؟ بسبب طبيعة التكذيب في نفسه، وطبيعة الانهزام والشر والعناد والرغبة في الباطل، وعدم الرغبة في الخير، ولهذا حتى لو أدخله الله النار ثم أخرجه منها سوف يعود في المعاصي، كيف .. أيعقل هذا؟! نعم يعقل.

    وقد كنت أقول وأتأمل سبحان الله! كيف يكون هذا؟! حتى علمت من رجل وقع في ترويج المخدرات، وقبض عليه، وأودع في السجون، وفصل من وظيفته، وأسقط اعتباره، وصدرت عليه المحكوميات الطويلة، وعانى ما عانى من الهوان، وضاعت أسرته، وتشتت شمله، وضاعت أمواله، وفي يوم من الأيام قمت بزيارته ونصحته في السجن، وقلت له: هل لذة ومتعة المخدرات تساوي كل ما نالك من هذا العذاب في الدنيا، وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى [طه:127]؟ فصلت وكنت في مركزٍ مرموق، وبددت ثرواتك، وضيعت أسرتك، وشتت شملك، وأسقط اعتبارك .. غداً تخرج من السجن فلا يلقاك في الشارع أحد يسلم عليك، وإذا أردت أن تتوظف ما أحد يوظفك، وإذا أردت أن تتزوج ما أحد يزوجك، وإذا دخلت في مجلس ما أحد يقوم لك، وإذا سلمت ما أحد يرد عليك السلام؛ لأنك شوهت سمعتك، وأسقطت نفسك، ما الذي ألجأك إلى هذا؟!

    فقال لي: يا شيخ سعيد! يكفي لا تلمني.

    قلت: لن ألومك، لكن ماذا تنوي أن تفعل في المستقبل؟ هل أخذت درساً من هذا الوضع؟

    قال لي: قد عضضت أصابع الندم يقول: عضيت على العشر وتبت إلى الله، وأعاهدك أنني إن شاء الله إن أخرجني الله سأسير سيراً حسناً، وسأسلك مسلكاً رشيداً، ولن تراني إن شاء الله على سوء بعد اليوم.

    ومرت السنون والأعوام، وقضى في السجن سنين تهد الجبال، وخرج من السجن وزرته بعدها، وذكرته بوعده، وقلت له: خلاص الآن أعاد الله لك حريتك وأصبحت الآن طليقاً، فاسلك سبيل الهدى والرشاد واستقم على طريق الخير، ووضعت له منهجاً وبرنامجاً، ومرت الأيام ثم يحيط به قرناء السوء من جديد ولا أسمع إلا وهو يسجن من جديد، ويبلغني الخبر، قالوا: ليس في قضية ترويج فقط، بل ترويج وتهريب؛ لأن الترويج عقوبته في المرة الأولى السجن، والمرة الثانية نسف الرأس، فهذا يكفيه يوم روج المخدرات أنه يقتل، لكن لا، يريد يروج وتعاقد على تهريب وهرَّب المخدرات وكشفه الله، وأودع السجن، وبعدها ذهبت أزوره، قلت: أين عهدك يا فلان؟

    قال: الشيطان! قرناء السوء!

    قلت: سبحان الله! صدق الله عز وجل: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الأنعام:28] الآن ما عاد معك فرصة تخرج، ومضت عليه أيام وليالي وصدرت المحكوميات وإذا به يعلن وأنا أسمع في الإذاعة أنه قد أقيم عليه حد المحاربة لله بقطع رقبته وضربها بالسيف، وخسر كل شيء، هو روج المخدرات يريد أن يتاجر، وهربها يريد أن يربح، فخسر رقبته ونفسه وحياته، ولا أعلم كيف سيكون مصيره عند الله عز وجل.

    إذاً يا أخي! هذا المشهد لأهل النار يقول الله فيه: وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ [الأنعام:27-28] ما الذي كان يخفيه الكفار من قبل؟

    قال العلماء: بدا لهم ما كانوا يخفون من الإيمان والفطرة والتصديق بالله، فإن الله فطر النفوس على الإيمان به، يقول الله عز وجل: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [الروم:30] فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا وهي الدين ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ [التوبة:36] ولكن يأتي الإنسان فيغطي الفطرة من أجل شهواته وملذاته، فإذا بعث، قال الله عز وجل: بَلْ بَدَا لَهُمْ ، بل هنا حصل لهم ما كانوا يخفون من الإيمان والفطرة، ولكن هؤلاء طبيعتهم التكذيب، ولو خرجوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ .

    هذه النار التي توعد الله بها الكفار والفجرة والمنافقين والعصاة وحذر منها أهل الإيمان وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6].

    تكرار مشاهد النار في القرآن تأكيد لقيام الحجة

    أيها الإخوة! كان يكفي في القرآن والسنة أن تذكر النار ويهدد بها مرة واحدة، ومن عصى فالنار، ولكن لقيام الحجة ذكر الله النار في القرآن في مواطن كثيرة، ومواضع عديدة، وبأحوال متعددة، ذكرها وذكر جميع ما فيها؛ حرارتها، شدتها، أبوابها، طباقها، عذابها، حياتها، عقاربها، ماؤها، هواؤها، طعامها، شرابها، ولا تمر عليك في القرآن صفحة أو صفحتان إلا وذكر النار أمامك لماذا؟ هل هذا عبث؟ لا. لكن لقطع الحجة على الناس، وحتى لا يأتي أحد يوم القيامة يقول: ما أعرف النار يا رب!

    ثم جعل الله لنا أيضاً نموذجاً من النار مصغراً، حتى لا يقول أحد: يا رب! تحدثنا بالنار، ما ندري أن النار حارة، نحسب أن النار تمشية، أو نزهة، أو أكلة، وما أعطيتنا منها طرفاً، قال الله: لا. أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ * a= 6005051>نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً[الواقعة:71-73].

    جعل الله هذه النار تذكرة بالنار الأخرى، وإلا ما هي منها، وليست في درجتها، هذه جزء من سبعين جزءاً، يقول أحد الصحابة: [والله إنها كافية]. وأنا أقول: والله إنها كافية، والله لو تهددنا ربي أن يسجننا في حمام لكان هذا كافياً فكيف إذا سجننا في النار، وليست هذه النار بل ضعفها بتسعة وستين جزءاً، أي: إذا كانت درجة حرارة هذه النار مائة درجة فتلك حرارتها سبعمائة ألف، أين هذا أيها الإخوان؟! لا إله إلا الله!!

    يا أخي! أجارنا الله وإياك من النار؛ النار دار عذاب، أعدها الله عز وجل وهيأها لعقوبة ونيل من يخالف أمره، ويعصيه ويرتكب محارمه ويترك فرائضه، وأعد الله فيها من العذاب بما يتلاءم مع ضخامة المعصية، فإن الله لا يحب أن يعصى، فالله عز وجل لما أمر إبليس أن يسجد وما سجد طرده من الجنة، ونهى آدم أن يأكل من الشجرة وأبى إلا أن يأكل؛ أخرجه من الجنة، وكذلك أنا وأنت -يا أخي- لا ينبغي أن نعصي الله؛ لأننا إن عصينا الله فقد تهددنا بأن يدخلنا النار ويحرمنا من الجنة، ولقد حذر الله عز وجل منها كثيراً كما ذكرت لكم.

    وجوب وقاية النفس والأهل من النار

    قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً [التحريم:6] إن مسئوليتك تجاه نفسك وأهلك: زوجتك وأولادك وبناتك أن تقِهم، ماذا؟ ما قال: قِهم الجوع! أو البرد! أو الحر! أو المرض! هذه مسئوليات ثانوية، لكن قِهم أول شيء النار.

    لكن من الناس من يحمي ولده من الجوع فيطعمه، ومن البرد فيدفئه، ومن المرض فيعالجه، ويحمي ولده وبناته وزوجته من الحر؛ فيورد لهم المكيفات، ثم لا يحميهم من النار، بل يقذفهم بنفسه إلى النار، ويشتري لهم وسائل الإفساد إلى النار، وأنا أسأل من عنده عقل: من يشتري (دشاً) ليركبه فوق بيته: هل هذا يقي نفسه وأهله النار، أم يقحم أهله ونفسه في النار؟ ويجلس الواحد على الأريكة وأمامه الجهاز وفي يده (الريمونت) ماذا؟ قال: أنتقل، من أين تنتقل: من روضة من رياض الجنة إلى روضة من رياض الجنة؟ من آية كريمة إلى حديث شريف؟ لا. بل من فيلم إلى فيلم، ومن منظر خبيث إلى منظرٍ أخبث، ومن مسلسل إلى مسلسل، ومن شريط إجرامي إلى ألعن، ومن مباراة إلى أسوأ، ومن مصارعة وعورات مكشوفة إلى أشر، وهو جالس والمرأة والبنت والأولاد من حوله، ولماذا يا أخي المسلم؟! قال: لا أريدهم أن يخرجوا فيفسدوا في الخارج، أريد أن أفسدهم أنا بنفسي، يريد أن يتولى إهلاكهم هو بنفسه، سبحان الله العظيم ما أضل هذه العقول!!

    يا أخي! ولدك إذا فسد في الخارج فليس عليك ذنب .. إذا حرصت على ولدك ولكنه خرج من يدك وذهب إلى الشر احرص أيضاً لكن الله لا يسألك يوم القيامة عنه؛ لأنك ربيته على الدين وأبى إلا الشر، لكن إذا أوردته الشر أنت بنفسك وأقحمته في النار، ماذا سيكون عذرك أمام الله يوم القيامة، لا إله إلا الله!

    يقول لي أحد الناس وقد كان عنده هذا الجهاز وأخرجه يقول: والله إنني أنام وزوجتي بجواري، ثم أستغرق وأنقلب فلا أجدها، أقوم أبحث أين أولادي وآتي وإذا بها في الغرفة تنظر إلى مسلسل، وأولادي كذلك، يقول: أرقدهم من أجل المدارس، يقول: ثم أذهب وإذا بهم قد وضعوا المخدات فوق الفرش؛ حتى يوهموني أنهم ناموا، فأزيل الفراش وأنظر وإذا ما هو ولد بل مخدة راقدة، أين الولد؟ جالس ينظر إلى المسلسل .. الساعة الثالثة أو الرابعة قبل الفجر، ويذهب الولد إلى المدرسة وهو نائم.

    ويشكي المدرسون الآن من نوم التلاميذ في الفصول، يضع الطالب رأسه على الطاولة وينام، ولا واجبات ولا دروس، لماذا؟ من أين جاء هذا الشر يا إخوان؟! من الشر الذي ركب على البيوت، والله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ [التحريم:6].

    المسئولون عن إدارتها والمشرفون على التعذيب فيها ملائكة غلاظ في الخِلقة، شداد في التعامل. لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6] إذا قال الله لهم: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ [الحاقة:30] تصوروا كم يقوم لتنفيذ أمر الله؟! سبعون ألف ملك، والمأخوذ واحد فقط، لكن الذين يقومون لتنفيذ أمر الله سبعون ألف ملك، ما هو حجم الواحد منهم؟

    قال في الحديث: (إن الملك الواحد ليلقي بيده سبعين ألفاً في النار) لا حول ولا قوة إلا بالله!!

    والله يقول: فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [البقرة:24].

    يؤتى بهذه النار يوم القيامة تقاد ولها سبعون ألف زمام، ومع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها ويمسكونها، ولو تركت لأتت على كل برٍ وفاجر.

    يقول عمر لـكعب الأحبار : [يا كعب! خوفنا بالله، قال: يا أمير المؤمنين! اعمل عملاً وجلاً -أي: خائفاً- فوالذي نفسي بيده! لو جئت يوم القيامة بعمل سبعين نبياً إلى جانب عملك لظننت أنك لا تنجو من عذاب الله يوم القيامة ثم قال: إن جهنم لتزفر يوم القيامة زفرة لا يبقى معها ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا يخر على ركبتيه جاثياً] خوفاً من النار، إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً * وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً * لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً [الفرقان:12-14] تغيظ مما فيها من غيظ على أعداء الله المقتحمين لحرمات الله، المضيعين لأوامر الله وفرائضه (وزفيراً) تزفر وتشهق كما تشهق البغلة على شعيرها، وكما يزفر العدو على عدوه؛ لأن هذا عدو، يقول الله: إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً [الفرقان:65] (غراماً) مثلما يمسك الغريم بغريمه، وغريمتهم هنا النار؛ لأنهم تمردوا على أوامر الواحد القهار.

    يقول الله: وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى [النازعات:36] ويقول: إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً [الفرقان:12].

    1.   

    طبقات جهنم بحسب أعمال أهلها

    واعلم يا أخي! أن النار سبع طبقات، كل طبقة فيها عذاب أشد من الأخرى، وإن كان لكل طبقة من العذاب ما هو أعظم مما يتصوره العقل، يقول الله عز وجل: وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ * لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ [الحجر:43-44]، هذه الطباق وهذه الأبواب الضخمة سبعة، جهنم طبقة أولى -أعاذنا الله وإياكم منها- ولظى طبقة ثانية، والحطمة، والسعير، وسقر، والجحيم، والهاوية.

    جهنم ولظى من بعدها حطمة     ثم السعير وكل الهول في سقر

    وبعد ذاك جحيمٌ ثم هاوية     تهوي بهم أبداً في حر مستعر

    ولقد ذكر الله لنا بعض الأعمال التي توصل إلى كل طبقة من هذه الطباق -والعياذ بالله-.

    أولاً: جهنم

    ثانياً: لظى

    وهذه أخبر الله أنها للذين لا يشكرون الله عند الرخاء، ولا يصبرون عند البلاء، ويمنعون حق المال، ويعرض بعضهم عن الحق، فقال عز وجل في القرآن الكريم: كَلَّا إِنَّهَا لَظَى [المعارج:15] أي: النار نَزَّاعَةً لِلشَّوَى [المعارج:16] الشوى: أي: الفؤاد والقلب، إذا سمع بها الواحد ينتزع فؤاده من قلبه ويطير قلبه من داخله من الخوف تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى * وَجَمَعَ فَأَوْعَى * إِنَّ الْأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ [المعارج:17-22] جعلنا الله وإياكم منهم.

    ثالثاً: الحطمة

    ثالثاً: الحطمة: وهذه ذكر الله عز وجل أنها مسكن أهل الغيبة والنميمة وتجميع الأموال من غير حقها، قال عز وجل: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ [الهمزة:1] يهمز ويلمز، أي: يغتاب وينم الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ [الهمزة:2] يجمع أموالاً، وعدده: أي: شكله ونوعه، وقيل: أي: يعده، فلا ينبسط ولا يرقد حتى يعده، صوت الدراهم بين يديه أعظم من التسبيح، لها لذة إذا صار يعدعدها يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ [الهمزة:3] (كلا) ما يخلد بهذا المال كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ [الهمزة:4] والنبذ: هو إلقاء الشيء بإهانة، تقول: نبذت النواة، أي: رميتها، ينبذ هذا في النار، لكن أين ينبذ؟ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ [الهمزة:4-5] أما تعرفها يا محمد؟! إنها نار الله التي أوقد عليها نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ [الهمزة:6-7] أي: يصل عذابها إلى الفؤاد إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ [الهمزة:8] أي: مغلقة فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ [الهمزة:9] في سلاسل وأغلال.

    رابعاً: السعير

    خامساً: سقر

    وقد ذكر الله عز وجل عدة أعمال توجب دخول سقر، وهي أربعة: قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ [المدثر:43] الذي لا يصلي: وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ [المدثر:44] الذي لا يتصدق: وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ [المدثر:45] الذي ليس له اتجاه معين يخوض فيه، إن جلس مع الطيبين طيب، وإن جلس مع الفسقة فألعن منهم.

    وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ [المدثر:46]، والذي يكذب بيوم القيامة.

    قال الله عز وجل: إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ [المدثر:39-47] يعني: حتى جاءهم الموت.

    سادساً: الجحيم

    وهذه للمتكبرين، يقول الله: خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ * ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ [الدخان:47-48] لماذا؟ قال: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [الدخان:49] كنت متكبراً على الله، لا تأتي إلى بيوت الله ولا تصلي مع عباد الله، وتشعر أنك أكبر منهم، وأن حجمك أضخم منهم، منفوخ بالمال؛ وبالمنصب وبالعافية وبالجنس وباللون وبالشباب، هذا ضعوه في الجحيم: خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ [الدخان:47] والعتل قال العلماء: هو الأخذ بقوة، خذوه بعتل وبقوة وبشدة، اسحبه على وجهه فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ [الدخان:47] ما معنى سواء الجحيم؟ قالوا: وسط الجحيم، ما هو على الطرف؛ لأن الذي على الطرف قد يخرج لكن ضعوه في الوسط، أي: لن يخرج، ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ [الدخان:48] الماء المغلي صبوا فوق رأسه منه.

    يقول الله: يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ [الحج:20] يحرق الجلد ويصهر البطن، كيف؟ قالوا: بمجرد أن يوضع على الرأس يخرق طبقة الرأس؛ لأن له حرارة شديدة ما يسيل فقط، يسيل ويخرق الرأس ويصل إلى البدن، لا حول ولا قوة إلا بالله!!

    سابعاً: الهاوية طبقة أهل النفاق

    وهي أسفل طبقات النار، وهي للمنافقين -أعاذنا الله وإياكم منهم- يقول الله: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [النساء:145] واختار الله لهم هذه الطبقة مع شدة عذابها ونكالها؛ لأنهم كانوا يخدعون أهل الإيمان، ويخادعون الله وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [البقرة:9].

    يقول الله: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [البقرة:10] يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، قلوبهم قلوب أهل الإيمان، وأعمالهم أعمال أهل الكفر والشياطين -والعياذ بالله- فالله عز وجل يقول فيهم: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [البقرة:8-9]، وفي الحقيقة ما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون، فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [البقرة:10] وهو مرض النفاق -والعياذ بالله- علامات النفاق معروفة؛ لأن النفاق ينقسم إلى قسمين:

    1- نفاق اعتقادي.

    2- نفاق عملي.

    فالنفاق الاعتقادي يخرج الإنسان من الملة -والعياذ بالله- ويخلده في النار.

    والنفاق العملي يجعل فيه خصلة من خصال النفاق ولكن لا يخرجه بالكلية من الدين.

    فالنفاق الاعتقادي هو: بغض الإسلام، وبغض الله والرسول صلى الله عليه وسلم، وكره تكاليف الشرع، حتى ولو مارسها وأداها وهو يبغضها فهذا نفاق؛ لأن المنافقين كانوا يؤدونها، يقول الله عز وجل: وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ [التوبة:54] كانوا يزكون لكن بالغصب، ويصلون لكن بكسل، فالله سماهم كفاراً، لا بد أن تصلي وأنت مرح مسرور، مبسوط القلب، منشرح الصدر أنك تؤدي صلاتك وتقف بين يدي مولاك وخالقك، وإذا أخرجت زكاةً فتفرح أن جعل الله يدك العليا، وجعل في مالك حقاً للفقير المسكين، وجعلك صاحب مال وثراء، كان بالإمكان أن تنقلب المسألة وأن تكون فقيراً تطلب، لكن الله جعلك من أصحاب اليد العليا، وهم خيرٌ من اليد السفلى. فتفرح بهذا، أجل بغض الإسلام، أو بغض شيء من الدين، أو كراهية انتصار المسلمين، أو الفرح بانتصار الكفار، أو التشفي من أهل الإيمان؛ هذا نفاق اعتقادي.

    النفاق العملي: لا يخرج من الدين ولكنه له خصال وهي خمس علامات:

    1- إذا وعد أخلف.

    2- إذا حدث كذب.

    3- إذا اؤتمن خان.

    4- إذا عاهد غدر.

    5- إذا خاصم فجر.

    (فمن كان فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها) هكذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    والله يقول: وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ [القارعة:8] أي: من الإيمان وما عنده دين، فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ [القارعة:9] أي: مكانه هاوية، وهؤلاء هم المنافقون الذين كانوا يتصورون أن معهم شيء من العمل بناءً على كلامهم الكاذب، لكنهم في الحقيقة كانوا يخادعون الله فليس لهم شيء، وموازينهم خفيفة وطائشة، فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ [القارعة:9-11] والعياذ بالله.

    هذه -أيها الإخوة- بعض أوصاف وصفات أهل هذه الطباق السبع.

    ذكر حر النار وبعيد قعرها

    أما عن حر النار وعمقها فإن: [حرها شديد، وقعرها بعيد، ومقامعها من حديد] كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

    يروي الإمام أحمد وأصحاب السنن حديثاً صحيحاً عن أبي هريرة رضي الله عنه: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن ناركم التي توقدون جزءٌ من سبعين جزءاً من نار جهنم، قالوا: يا رسول الله! والله إنها كانت لكافية، قال: فإنها فضلت عليها بتسعة وتسعون جزءاً كلها مثل حرها).

    أنت الآن لو حاولت أن تقيس درجة حرارة النار، وأن تعرف مقاومة جسمك لحرارة النار، لعرفت أنك لا تستطيع الصبر على النار، لا تحاول أن تأخذ جمرة لكن خذ ماءً حاراً؛ إذا قدم لك الشاي وهو حار لا تقدر أن تشربه، وإذا أكلت طعاماً حاراً أحرق لسانك، وكوى بطنك، فكيف بمن يأكل ويشرب ناراً؟! وما هو حر نارنا هذه بالنسبة إلى تلك النار؟! لا حول ولا قوة إلا بالله، والحديث صحيح.

    ويروي الإمام مالك والترمذي بسندٍ صحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أوقد على النار ألف عامٍ حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف عامٍ حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف عامٍ حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة).

    ويروي البخاري ومسلم حديثاً في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اشتكت النار إلى ربها فقالت: رب أكل بعضي بعضاً، فأذن لي بنفسين، فأذن لها بنفسين: نفسٌ في الشتاء، ونفس في الصيف، فهو أشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير والبرد).

    قال تعالى: قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ [التوبة:81].

    أما عمق النار إذا ألقوا فيها، فقد جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: (كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم، فسمع وجبة -أي: هزة ورجة- فقال: أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إن هذا حجراً رمي في النار منذ سبعين خريفاً فهو يهوي في النار الآن) كم تتصور عمق النار؟ لا إله إلا الله!! بمعنى: أن من نزل فيها لا خروج له، من أين يتسلق؟ أطول سجن في الدنيا جداره عشرة أمتار فكيف الذي مسافة النزول فيه سبعين سنة، والحجر نزل ووصل في تلك اللحظة التي أخبرهم بها النبي صلى الله عليه وسلم.

    وقال في حديث آخر عند الترمذي : (إن الصخرة العظيمة لتلقى من شفير جهنم تهوي سبعين عاماً ما تفضي إلى قرارها) أي: ما تصل إلى قعرها، ويروي الترمذي حديثاً آخر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ويل وادٍ في جهنم يهوي فيه الكافر أربعون خريفاً قبل أن يبلغ إلى قعره) هذا ويل، ولكن تلك تحته والعياذ بالله.

    أما كيف يردها الناس فقد ذكرت أن ورود الناس على أربعة أقسام:

    1- ناس يساقون سوقاً.

    2-وناس يسحبون على وجوههم.

    3- وناس يدعون على وجوههم.

    4- وناس -والعياذ بالله- يحشرون على وجوههم عمياً وبكماً وصماً.

    ويساقون إلى النار جماعات وزمراً.

    1.   

    أحوال أهل النار

    يقول الله عز وجل: وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ [إبراهيم:49] مقرنين في الأصفاد كما تقرن البقر في الأضماد، كل ثلاثة أربعة في صفد واحد سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ [إبراهيم:50] سرابيلهم أي: ثيابهم يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ [الرحمن:41] يأخذه الملك من الملائكة بناصية رأسه مع رجله ثم يرمى به في النار -والعياذ بالله- ينبذ في النار، وهكذا تأخذهم الملائكة بهذا العذاب خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ [الحاقة:30-32].

    يقول في الحديث: (لو أن حلقة من السلسلة وضعت على جبال الدنيا لرضتها) أين؟ اسلكوه، أي: تدخل من فمه وتخرج من دبره، قالوا: لماذا؟ قالوا: ليشوى في النار كما تشوى الدجاجة في الشواية ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ [الحاقة:31-32] لماذا؟ إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ [الحاقة:33].

    صفة ثياب أهل النار

    ما هي ثياب أهل النار؟

    الثياب صفائح من النار، يقول الله عز وجل: فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ [الحج:19] وتصور ثوباً من نار!! أنت الآن لا تقبل ثوباً من كيس خيش، لو فصلنا لك وأعطيناك على جلدك وقلنا: ارقد في هذا الثوب. هل تتحمله؟ تقول: لا. والله لا أتحمله، لماذا؟ جلدك رقيق ناعم لا يتحمل كيساً ولا صوفاً ولا يتحمل إلا (فلينة) داخلية من القطن الملبد من الداخل، لكن ثياب أهل النار من نار، الثوب نفسه صفائح من النحاس المحمي الذي هو نار أحمر، ويلبس الثوب.

    يقول الله: فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [الحج:19-22] -نعوذ بالله وإياكم من النار- بعد ذلك: سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ [إبراهيم:50] هذه الثياب.

    صفة طعام أهل النار وشرابهم

    ماذا يأكل أهل النار؟

    لا إله إلا الله!! العذاب من كل شيء، يقول الله: وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ [إبراهيم:17].

    أما الطعام فقد ذكر الله أنه الزقوم والضريع، يقول الله عز وجل: إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ [الدخان:43-45] أول الأمر ينشف في الحلق، فإذا نشف لا يطلع ولا يخرج وهو نار، فيتذكر أنه كان يجيز الغصة بالماء، قال الله: وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ [محمد:15] فيدخل الماء الحار مع الزقوم، فإذا جاء هنا قال الله عز وجل: كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ [الدخان:45-46] مثلما يغلي الماء -والعياذ بالله- وبعدها يقول الله عز وجل: أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ [الصافات:62-63] فتنة أي: عذاباً إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ [الصافات:64].

    وتصوروا شجرة تنبت في النار كيف تكون؟! المعروف أن النار تحرق الشجر، لكن هذه ضد النار، بل تنبت في أصل النار: إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ [الصافات:64] طَلْعُهَا [الصافات:65] ثمرها وفاكهتها كيف؟ قال: كَأَنَّهُ رُءوُسُ الشَّيَاطِينِ [الصافات:65] قال المفسرون: وكيف تكون رءوس الشياطين؟ هل يعرف أحد رأس الشيطان؟ لا. لكن قالوا: على سبيل التمثيل، فإن أسوأ صورة وأسوأ شكل هو رأس الشيطان، هل تتصور أن رأس الشيطان جميل؟ لا. رأس الشيطان قبيح ومنظره كريه، وطلع الشجرة مثل رءوس الشياطين، قال الله عز وجل: فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا [الصافات:66] من هذه الشجرة: الزقوم.

    وبعدها لن يأكل لقمة وانتهى الأمر، بل يأكل حتى يشبع، فهو لا يريد أن يأكل، لكنه مجبر عليه، فإذا جاء الطعام إليه وهو لا يريده أجبر على الأكل منه.

    قال الله: وَلَهُمْ مَقَامِعُ [الحج:21] فتضربه الملائكة بالمقمعة فيعود يأكل خوفاً من المقمعة، وإذا أكل أول لقمة لا يريد الثانية فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ [الصافات:66].

    ثم يقول الله عز وجل: وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ [إبراهيم:15-16] ما قال: يشربه، قال: (يسقى) يبنى هنا الفعل المجهول يشرب يسقى يغصب عليه وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ [إبراهيم:16] قيح ودم يتجرعه، لماذا يتجرعه؟ بالقوة وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ [إبراهيم:17] ما يقدر يشربه، من الذي يشرب قيحاً ودماً؟ والله لو وضع أمامك كوباً قد ملئ قيحاً ودماً وواحد على رقبتك بالسيف يقول: اشرب أو السيف، والله تنقطع رقبتك ولا تشرب، لماذا؟ لأنك لو حاولت، وأخذت أول شربة كادت تخرج كبدك ورئتك وقلبك وتموت، فكيف بثانية وثالثة ورابعة؟ فكيف بالذي يشرب طوال حياته قيحاً ودماً وصديداً في النار؟

    هل بلغ في تصورنا هذا -يا إخواني- أم أننا نتكلم عن أساطير، والله إنه كلام الله، فلا نقول كلاماً من عندنا، أين عقولنا؟! هل آمنا حقيقة بالجنة والنار؟! والله لو آمنا بالنار حقيقة ما كان هذا وضعنا، الذين آمنوا بالنار حقيقة حتى رأوها رأي العين حتى تغيرت حياتهم، يدخل الواحد في الإسلام ويتغير كل شيء في حياته، يقلب حياته رأساً على عقب على منهج الله، أما الدين البارد والإحساس المتبلد بحيث يسمع قرع وعذاب النار ولا يهمه، وكأن النار أعدت لغيره، لا. ما أعدت إلا لنا للناس وَقُودُهَا النَّاسُ [التحريم:6] لا البقر ولا الشجر، لا حول ولا قوة إلا بالله!!

    وهناك نوع آخر اسمه الضريع، يقول الله: لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ [الغاشية:6] وما هذا؟ هذا -والعياذ بالله- لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ [الغاشية:7] كلما أكل وإذا به جائع، أنت تأكل من أجل ماذا؟ من أجل الألم والحرقة التي تعاني منها في بطنك، فتأكل طعاماً فتسكت المعدة، لكن هذا الطعام إذا دخل في البطن لا يغني من جوع، ولا يسمنك، ولا تنتظر منه فائدة، لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ * لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ [الغاشية:6-7] ما هو الضريع؟

    الضريع: هو شجر من شوك تأكله الإبل، نسميه نحن في الجنوب (شبرم) لا أدري ماذا تسمونه أنتم هنا، شجر ينبت في الصحراء ولكن فيه دوائر كبيرة، وهذه الدوائر مزروعة شوكاً لا يقدر أحد أن يقرب منه ولا حتى من شوكة واحدة منه، لكن الإبل أعطاها الله قدرة عليه، يأتي البعير يفتح فمه ويأكله؛ لأن فم البعير من الداخل شديد الجلد، يكسر الشوك ويمضغه، كذلك هذا الضريع، لكن هنا أخضر وهناك من نار وفيه شوك، إذا أكل لا يسمن ولا يغني من جوع، نعوذ بالله وإياكم منه.

    أما الشراب، فقد ذكرناه وهو الحميم والصديد والغسلين؛ والغسلين هو: ما يخرج من فروج الزانيات والزناة، يجمع في أواني من نار ويقدم شراباً لأهل جهنم، والعياذ بالله.

    ثم ذكر الله الطعام والشراب بقوله عز وجل: إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالاً وَجَحِيماً * وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً [المزمل:12-13] ذا غصة: لا ينزل إذا وصل للحلق يبس.

    وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً [الكهف:29] يغاثوا بماء: أي: كالقيح والدم، يشوي الوجوه: إذا وصل الإناء إلى فمه سقطت فروة وجهه في الإناء بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً [الكهف:29].

    ويقول: مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ [إبراهيم:16-17] ويقول: كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ [محمد:15] والعياذ بالله.

    ضخامة جسم الكافر في النار

    اعلم يا أخي! أن الكفار في النار لا يبقون على وضعهم في الدنيا، وإنما تضخم أجسادهم ويزاد في طولهم وعرضهم، ورد في الحديث: (ما بين منكبي الرجل من أهل النار مسيرة ثلاثة أيام)، وورد عند مسلم والترمذي قال عليه الصلاة والسلام: (ضرس الكافر مثل جبل أحد ).

    إذا كان هذا الضرس! إذاً فكيف الرأس؟!! الذي فيه الرأس اثنان وثلاثون ضرساً، فإذا كان الواحد مثل الجبل كيف الرأس؟ ثلاثون جبل .. هذا في الرأس والرقبة، والمقعد جاء في الحديث قال: (مقعد الكافر في النار كما بين مكة والمدينة ) (420كم)، هذا الكرسي الذي يجلس عليه في النار، لماذا؟ من أجل الإحراق؛ لأنه لو ترك هكذا تأكله النار على مسافة آلاف الأميال، لكن يضخم كي تأخذه النار ويبقى فيها.

    ثم جلده مسيرة ثلاثة أيام، وتبدل الجلود كل يوم أربعمائة مرة من شدة الإحراق، كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا [النساء:56] لماذا؟ قال: لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ [النساء:56] لا إله إلا الله! نستغفر الله ونتوب إليه، ونعوذ بالله من هذا المصير.

    والنار محكمة مطبقة مؤصدة محيطة من شمال وجنوب، ومن شرق وغرب، من فوق وتحت فلا مفر كَلَّا لا وَزَرَ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ [القيامة:11-12] يقول الكافر: أين المفر؟ أين نذهب ونهرب؟ قال الله: إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ [الهمزة:8] أي: مغلقة مطبقة محكمة -والعياذ بالله- ويقول: إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا [الكهف:29] أي: أسوارها وحصونها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً [الكهف:29].

    كم غلظ الجدار؟ ورد حديث في الترمذي يقول عليه الصلاة والسلام: (لسرادق النار أربع جدر -أي: الأسوار أربعة أسوار- كل جدارٍ مسيرة أربعين سنة) من يبني جداراً يجعله (20 أو 50 سم) إن كان صبة، أما في النار فهو مسيرة أربعين سنة، هذا جدار وبعده جدار وبعده جدار حتى لا يخرج، ومن يخرج من النار؟! لا حول ولا قوة إلا بالله!

    ويقول: يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [العنكبوت:55] ويقول: لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ [الزمر:16].

    أما وسائل التعذيب في النار -والعياذ بالله- فشديدة، ومن أشدها وأبعدها -أعاذنا الله وإياكم منها- الحيات والعقارب، حيات كالجمال وعقارب كالبغال إذا لدغت الواحد يسري سمها في جسده .. أربعين سنة وهو يجد ألم اللدغة.

    صراخ أهل النار وتلاعنهم وتلاومهم فيما بينهم

    لأهل النار صراخ وصياح وعويل ومجادلات وتكذيب وملاعنة كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا [الأعراف:38] يتلاعنون في النار ويصيحون ويصطرخون، ويقولون: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا [المؤمنون:107] لكن لن يخرج أحد منها، ويزفرون في النار، وبعضهم يرد على بعض: هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ [ص:59] قال أولئك: بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ * قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ [ص:60-61] أي: بعضهم يدعو على بعض، وهذا واقع الآن في الدنيا، لو مسكوا مجموعة من أهل جريمة لتلاعنوا وما دخلوا السجن، وتضاربوا قال: أنت، بل أنت، بل أنت، وهو سجن فيه أكل وشرب ونوم، كيف سجن النار لا حول ولا قوة إلا بالله؟!

    ثم يحصل في النار نوع من التلاوم، فيقولون كما أخبر الله عنهم: يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا [الأحزاب:66] يلوم نفسه أنه لم يطع الله، وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً [الأحزاب:67-68] ويتحاجون أيضاً يقول الله: وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ [غافر:47-48] يقول: نحن كنا نتبعكم, ونمشي على منهجكم وطريقتكم فعلى الأقل احملوا عنا أكثر مما نحمل نحن، قالوا: إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ [غافر:48].

    استغاثة الكفار في النار بمالك ثم بخزنة جهنم

    ويخبر الله عز وجل أنهم لا يخرجون منها ولا يموتون وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ [فاطر:36] ويسألون عن المسئول؟ من صاحب الكلمة؟ فيقال لهم: هذا المسئول الأول. مالك، فيدعونه ويقولون كما قال الله: وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ [الزخرف:77] لا يطلبون الخروج؛ لأنهم يعلمون أنه ليس هناك خروج، لكن يطلبون الموت، اطلب من الله يا مالك! أن يقضي علينا، فيقول لهم مالك: إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ * لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ [الزخرف:77-78].

    وبعد أن ييئسوا من مالك يطلبون من خزنة جهنم التخفيف ولو إجازة يوم، يقول الله عز وجل: وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذَابِ [غافر:49] يريدون إجازة ليوم واحد في العمر الطويل الأبدي، يريدون يوماً واحداً يذوقون فيه برد النوم؛ لأنه لا نوم في النار، ولا في الجنة؛ لأنك تنام في الدنيا من أجل أن ترتاح، وأنت في الجنة مرتاح طوال حياتك، لماذا تنام؟ فالنوم يقطعك عن أنك تتمتع بالزوجات وبالمناظر، وبالأكلات في الجنة، وأيضاً النوم في النار متى ترتاح؟ فلا أحد ينام، يقول الله: لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلا شَرَاباً [النبأ:24] إلا عذاباً وشقاء.

    وتصور شخصاً يريد النوم، وكلما رقد ضربته، كيف تكون حالته، رجاء تعبان من العمل وقال: أريد أرقد قلت له: ما عليك ارقد وارتاح لكن لا تغمض عينك، قال: أريد أرقد نصف ساعة، قلت: لا ما في نوم، وكلما أغمض عينيه (صفعته) ما رأيك في هذا العذاب من أجل ساعة أو ساعتين بعد سهر يوم أو يومين، هؤلاء ساهرون طوال الحياة -والعياذ بالله- ما في نوم في النار يقول عز وجل: ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذَابِ * قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ [غافر:49-50] إن الله أدخلكم النار وقد أعذركم قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ [غافر:50].

    استغاثة الكفار بالله بعد يأسهم من خزنة جهنم

    بعد هذا يطلبون من الله، قالوا: ما نفعنا مالك ولا نفعونا خزنة النار، ادعوا الله فيدعون الله ويقولون: رَبَّنَا هذا الصوت جاء في النار، لو قالوا في الدنيا: ربنا. لقال الله لهم: لبيكم، لكن ربهم في الدنيا الهوى والشيطان ولما دخلوا النار قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون:106-108]، فبعدها يقولون كما قال الله: سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ [إبراهيم:21] ما لنا مهرب من العذاب سواء صبرنا أم جزعنا؛ فيبكون حتى يجف الدمع.

    ثم يبكون حتى تنقطع الدماء، ثم تسيل مجاري في خدودهم من كثرة الدماء، تسيل أخاديد خد الواحد ورأسه كبير رأسه مثل ثلاثين جبل من جبل أحد ، والدموع والدماء تنزل من كثرة الصراخ والعويل والعذاب الشديد يصير في الخد نهر ويصير أخدود من كثرة العذاب والبكاء، ولا حول ولا قوة إلا بالله!!

    وهكذا -يا أخي في الله- يخلدون في النار في عذابٍ متواصل، لا يفتر عنهم يقول الله: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ [الزخرف:74-75] والإبلاس هو اليأس، ولهذا سمي إبليس إبليس؛ لأنه قد يئس من رحمة الله، والله قال له: فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ [الحجر:34-35].

    صفات المؤمن الناجي من النار

    أخي في الله! كل ما سمعت من العذاب والنكال والأهوال إنما أعدها الله للكفار والمنافقين، ولم يعدها لأهل لا إله إلا الله، لم يعدها لأهل الإسلام، من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله من قلبه، وجرد لا إله إلا الله بالتوحيد، وجرد محمداً رسول الله بالمتابعة والاتباع، وأقام الصلوات الخمس حيث ينادى بهن في المساجد ومع جماعة المسلمين، وبكمال الطهارة والخضوع والخشوع وحضور القلب، وأدى الزكاة إذا توفر المال وتوفرت فيه شروطه، وصام رمضان، وحج بيت الله الحرام، وبر والديه، ووصل رحمه، وقرأ كتاب ربه، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وأحب في الله وأبغض في الله، وجاهد في سبيل الله بقدر ما يستطيع من الجهد، وبذل ما يستطيع من الإمكان، جهاد الكلمة واللسان والمال والنفس، كل هذا من الجهاد.

    ثم امتنع وابتعد وانزجر عما حرم الله من الكبائر؛ فحفظ عينه مما حرم الله، وحفظ أذنه، ولسانه، وفرجه، ورجله، وبطنه، وكف يده، إذا قام بهذا فإنه -أيها الإخوة- بعيدٌ من هذا العذاب كله.

    المؤمن سالم بإذن الله لا يأتيه شيء من هذا كله إلا مبرة القسم؛ لأن الله عز وجل قد قال: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا [مريم:71] بل إن النار تصيح تقول: يا مؤمن! جز -أي: امش- فقد أطفأ نورك ناري. نور المؤمن يؤثر على إخماد النار، فلا تصل إليه لتحرقه، وإنما هو يطفئها ويمر من عليها.

    أهل الكفر والنفاق هم أهل النار، أما أهل الإيمان، وأهل لا إله إلا الله، والاستقامة على دين الله، والحب في الله والبغض في الله، الذين صبغوا حياتهم بصبغة لا إله إلا الله، وصاغوا أمورهم على أحكام لا إله إلا الله، وساروا خاضعين خاشعين مستسلمين مذعنين منقادين لأوامر الله، لا يرفعون رءوسهم على أمر الله، ولا يشاقون الله ولا رسول الله، وإنما سمعنا وأطعنا، يقول الله عز وجل: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ [النساء:66].

    قال عبد الله بن سلام : [والله لو أمرنا بقتل نفوسنا لفعلنا] رضي الله عنهم وأرضاهم، الله ما جعل علينا في الدين من حرج -أيها الإخوة- بل شرع لنا ديناً قويماً وهدانا صراطاً مستقيماً، ونزع منا الحرج، وما كلفنا إلا بما نستطيع، هل في تكاليف الشرع علينا مشقة أيها الإخوة؟!

    لا والله، نحن عبيد، كان بالإمكان أن نعبد الله ليل نهار مثل الملائكة، فرض الله علينا بداية خمسين صلاة، ولو صلينا خمسين صلاة كنا كل نصف ساعة في صلاة، لكن الله برحمته تبارك وتعالى، وبسبب مراجعة رسول الله له بإشارة من موسى عليه السلام له نزلها من خمسين إلى خمس، فبقيت خمس في الأداء لكنها خمسون في الثواب، صلِّ خمساً وخذ خمسين ثواباً، وتضيع الخمس كذلك، إذاً ماذا تريد بعدها؟ لم تعد تريد الدين، من ضيع خمس صلوات إذاً لم يعد يبقى له دين، تقعد من بعد الفجر تصلي الفجر الآن (4.30)، وتقعد إلى (12.30) كم جلست ساعات بدون صلاة؟ ثمان ساعات -يا إخواني- بدون صلاة، لا إله إلا الله! ما هذه النعمة! ثم تصلي الظهر (12.30) وتقعد ثلاث ساعات ونصف، ثم تصلي العصر وتقعد إلى المغرب ساعتين ونصف، ثم إلى العشاء وتصلي وترقد إلى الفجر، ما هذه النعمة يا إخواني؟ ما علينا مشقة في الدين.

    حرمة الزنا ومذهب أهل السنة في أهل الكبائر

    حرم الله الزنا وأباح لنا ما هو أطهر وأنظف وهو: الزواج، والزواج والزنا سواء في العملية الجنسية، لكن الزواج نظيف والزنا خبيث، ما يكلف مسئولية ولا يجعل لك مسئولية على ولد، ويفسد الأنساب، ويحلل الأسر، ويهتك الأعراض، ويجعل الحياة بهيمية، الحيوانات ما عندها زواج، هل سمعت أن حماراً تزوج بحمارة؟ أو عقد ثور على بقرة؟ أو تيس على عنزة؟! لا. هذه حيوانات، كذلك الإنسان بغير الدين حيوان، ولهذا في أوروبا والغرب والشرق ما عندهم هذا، صحيح يقترن بزوجة رسمية، لكن الزنا شيء عادي، الزوجة واحدة ومائة صديقة وزانية والعياذ بالله.

    فالله عز وجل ما جعل علينا في الدين من حرج، بل شرع لنا ديناً عظيماً سهلاً هيناً وإنه ليسير على من يسره الله عليه، فإذا رفض الواحد شيئاً من الدين وكفر فالنار، وإذا أطاع فالجنة.

    أما صاحب الكبيرة والمعصية والذنب فهو مسلم إن حافظ على الصلوات وقام بالأركان ولكن تزل قدمه، قال العلماء: صاحب الكبيرة فاسق بمعصيته مؤمن بإيمانه، تحت مشيئة الله في الدار الآخرة، إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له، خلافاً للخوارج والمعتزلة.

    فـالخوارج قالوا: صاحب الكبيرة كافر في الدنيا وهو مخلد في النار.

    والمعتزلة قالوا: في الدنيا لا كافر ولا مسلم، بل منزلة بين المنزلتين، لكنه في الآخرة كافر في النار مخلد. وهذا خطأ ومعارض للأدلة، والصحيح هو مذهب أهل السنة والجماعة : أنه مؤمن بإيمانه فاسق بمعصيته، تحت مشيئة الله في الدار الآخرة، إن شاء الله غفر له وإن شاء عذبه.

    ولا يعني هذا -أيها الإخوة- أن نقلل من أهمية المعاصي، فإن المعاصي صعبة، ولا تستطيع أيها المسلم! أن تتحمل لحظة واحدة في النار، فلا تجعل لك -يا أخي- خيارات، ولا تأتي وأنت على خطر، بل تب إلى الله من كل ذنب، واستقم على منهج الله دائماً، حتى تلقى الله وأنت مسلم؛ فيحلك دار الكرامة، وينجيك من دار الهوان، أعاذنا الله وإياكم من ذلك، إنه على كل شيء قدير.

    يمكث أهل الكبائر في النار بقدر ذنب كل واحد منهم، الذي معه ذنوب يقعد أكثر من غيره، والذي أقل ذنوباً يجلس أقل، بقدر الجريمة، فإذا خرجوا وما بقي أحد إلا أهل الكفر، تمنى الكفار أنهم كانوا مسلمين، يقول الله: رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ [الحجر:2] يقولون: يا ليتنا كنا مسلمين، وعرفنا الله ولو بشيء بسيط؛ لأن أهل الكبائر خرجوا من النار.

    ذبح الموت وحسرة أهل النار

    بعد خروج العصاة -أيها الإخوة- ودخول أهل الجنة الجنة واستكمالهم فيها، يؤتى بالموت في صورة كبش أملح، فيوضع بين الجنة والنار ويذبح ويقال: يا أهل الجنة! خلود فلا موت، ويا أهل النار! خلود فلا موت، والحديث في الصحيحين يقول عليه الصلاة والسلام: (إذا صار أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، جيء بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار فيذبح، ثم ينادي منادٍ: يا أهل الجنة! خلودٌ فلا موت، ويا أهل النار! خلود فلا موت، فيزداد أهل الجنة فرحاً ونعيماً، ويزداد أهل النار حزناً وعذاباً أليماً) لأن عندهم أمل أنهم في أن يخرجوا أو يموتوا، لكن إذا قيل لهم: خلود فلا موت، فهؤلاء يحزنون، وأهل الجنة خلود فلا موت يفرحون، لماذا؟ لأن أي واحد يأتي إلى مكان يخاف ألا يخرج منه إن كان جيداً ويريد أن يقعد دائماً، فأهل الجنة خالدون فيها أبداً، وأهل النار خالدون فيها أبداً، وبعدها تسود وجوههم، يقول الله عز وجل: كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [يونس:27].

    إلهي لست للفردوس أهلاً     ولا أقوى على نار الجحيم

    فهب لي توبة واغفر ذنوبي     فإنك غافر الذنب العظيم

    اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.

    اللهم ارحمنا برحمتك، واغفر لنا ما سلف منا وكان من الذنوب، اللهم اغفر لنا وطهرنا بالتوبة يا رب العالمين! واستعملنا فيما يرضيك، اللهم طهر أعيننا من الخيانة، وألسنتنا من الكذب، وأيدينا من الجريمة وقلوبنا من النفاق، وجوارحنا من المعاصي، وارحمنا يا رب العالمين! واهدنا إلى سواء السبيل.

    اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك الصالحين، اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشدٍ يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، إنك سميع الدعاء.

    والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    1.   

    الأسئلة

    صعوبة ترك المعصية بعد إلفها

    السؤال: إني شخص قد منَّ الله عليَّ بالهداية، ولكن يوجد لديَّ معصية لا أستطيع تركها، وقد تركت كل المعاصي إلا هذه المعصية، أرشدنا بطريقة لكي أتركها؟

    الجواب: أولاً: نحمد الله الذي هدى هذا الشاب، ونسأل الله أن يكمل له الهداية، ولكن -أيها الإخوة- الهداية دائماً تأتي ثمرة للمجاهدة كما في قول الله عز وجل: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت:69] لأن الجنة غالية، والنار حرها شديد، فلا يمكن لأحد أن ينال هذه السلعة وهي الجنة وينجو من النار بدون معاناة ومجاهدة وتعب، وكل المعاصي والذنوب والآثام إذا وجدت من الإنسان قوة في الإرادة وعزيمة وتصميماً فإنه يتغلب عليها بعد الاستعانة بالله عز وجل وأخذ الأسباب، لكن إذا ضعف الإنسان وتراجع أمام شهوة من الشهوات أو معصية من المعاصي فإن الشيطان يستغل هذا الضعف، ويبدأ معه في حرب وتراجع إلى أن يقحمه فيما هو أعظم.

    ولهذا نقول للأخ الكريم: تذكر وأنت تقدم على هذه المعصية تذكر أول شيء أن الله يراك.

    أوحى الله إلى نبي من الأنبياء أن بلغ قومك إذا أرادوا معصيتي هل يعتقدون أني أراهم أو لا يعتقدون؟ أسألك إذا خلوت بنفسك وأردت أن تمارس المعصية؛ هذه معصية العادة السرية، هل عندك عقيدة أن الله يراك، أو لا يراك؟

    إن كنت تعتقد أن الله لا يراك فقد كفرت، ولا حاجة لأن تصلي وتصوم؛ لأنك كافر؛ لأن عقيدتك أن الله لا يراك.

    وإن كنت تعتقد أن الله يراك فلم لا تستحي منه؟!! لم كان الله أهون الناظرين إليك؟!! لو أحد رآك من زملائك أو من إخوانك أو أهلك وأنت على هذه القذرة هل ترضى؟ هل ترضى أن يراك طفل؟ إذاً كيف ترضى أن يراك الله ولا تستحي من الله؟ تستخفي من الناس ولا تستخفي من الله وهو معك، إذ تبيت ما لا يرضى من القول، لا إله إلا الله!!

    يقول الله في الحديث القدسي: (فلم كنت أهون الناظرين إليهم) لماذا كان الله في نظرك أهون ناظر بحيث تستحي من طفل ولا تستحي من الله؟!

    وإذا خلوت بريبة في ظلمة     والنفس داعية إلى الطغيان

    فاستحي من نظر الإله وقل لها     إن الذي خلق الظلام يراني

    هذه العادة السرية أنا أسميها: العادة الشيطانية وهم يسمونها: العادة السرية لتلطيفها، وإلا فاسمها في الشرع: نكاح اليد؛ لأن الإنسان يزني بيده، وقد ورد في الحديث لعنته: (لعن الله ناكح يده) وإن ناكح يده يوم القيامة يبعث ويده حبلى، وما من حيوانٍ منوي يخرج عن طريق الاستمناء باليد إلا وتحمل هذه اليد منه، لكن متى تطلع آثار الحمل؟ يوم القيامة، كيف تبرئ نفسك -يا أخي- إذا أتيت يوم القيامة ويدك حبلى فيها ثمانمائة أو تسعمائة ولد، مصيبة يا أخي! كيف هذا، هذه عادة خبيثة محرمة، والدليل قول الله عز وجل: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ [المؤمنون:5-6] فقط، أي: أمة عندك، فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ [المؤمنون:6-7] أي: المعتدون المتجاوزون لأمر الله، لو كان نكاح اليد سائغاً لأباحه الله وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً [مريم:64].

    الرسول صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين يقول: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع -ما قدر ما قال: فعليه بيده- فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء).

    فأولاً: يا أخي! استشعر عقوبة الله، وتذكر أن لذة المعصية البسيطة .. لذة الإمناء وأنت تمني فيها متعة ولذة بسيطة لا تعدل حرقة النار، ولا تعدل لذعة النار، فاغلب نفسك يا أخي! وجاهد نفسك مرة ومرتين وثلاثاً وأربعاً، وإن كان لك إمكانية في الزواج أو أبوك له إمكانية فتزوج، وإن لم تتزوج فعليك بالعفة، يقول الله عز وجل: وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النور:33] ومن يستعف ماذا يصير له؟ يعفه الله، انظر إلى كثير من الشباب لا يعملونها ولا يفكرون فيها أبداً لماذا؟ استعفوا، أما أن تجلس وبالك وفكرك فيها ... أين إيمانك؟ وأين دينك؟ وأين خوفك من الله؟

    تصور شخص أخذ لك صورة (بالكاميرا) في تلك اللحظة، ثم بعدها أراك، قال: انظر كيف كنت تعمل، أما تخجل؟ لا تفعلها إلا القردة والكلاب، هذا العمل لا يليق بالإنسان -يا أخي- أنت مسلم، مؤمن، من أهل لا إله إلا الله، يدك طاهرة ونظيفة، تسجد عليها، وتصلي لله، وتكبر بها، ثم تعمل بها هذه الجريمة والعياذ بالله!!

    حسناً كيف تصنع؟

    أولاً: الخوف من الله، والمراقبة لله.

    وبعدها هناك وسائل تتخذها للابتعاد عن هذه العادة الشيطانية وهي كالآتي:

    1- لا تكثر من الطعام.

    حاول أن تعمل لك حمية بحيث لا تأكل إلا بعض الطعام الخفيف الذي يقيم جسمك وعودك، ولا يبعث فيك الشهوة.

    2- اعمل أي عمل مهني، إذا كان أبوك مزارعاً تعمل معه في المزرعة، أو كان أبوك تاجراً اشتغل في الدكان، خذ (الأكياس) واحمل (الكراتين) من أجل الطاقة هذه تذهب، ما عندك دكان ولا مزرعة، اعمل لك حركات رياضية وتمرن، ولا تبقي شيئاً إلى أن تطيح وتفنى، اعمل لك من هذه الأثقال وخذها وضعها، ودر على البيت ما في مانع، وإذا أتيت للفراش لا تأتي إلا وأنت منهك من أجل أن تنام.

    3- إذا أحسست برغبة في مثل هذا الشيء قم صلِّ لله ركعتين، أحد سألني فدليته على هذا الموضوع قلت: كلما راودتك نفسك صل ركعتين، وجاءني بعد فترة وقال: والله ما عاد جاءتني؛ لأن النفس علمت أني أصلي، قالت: إذاً هذا لا فائدة فيه .. وهكذا.

    4- اقرأ القرآن.

    5- ابتعد عن قرناء السوء.

    6- اسأل الله الهداية، اطلب من الله أنه يعفك، وبعدها إن شاء الله يعفك الله.

    حكم ذكر الموت والخوف منه بشكل دائم

    السؤال: أرجو بإذن الله إيجاد الحلول لحالتي النفسية وهي كما يلي:

    1- التفكير في الموت تفكيراً يطول عليَّ حتى يخيفني، وأقول: كيف نغدو ونروح والموت من خلفنا.

    2- إذا أخبرت أو أعلمت بمريضٍ مخطئ أو غير ذلك أفكر كثيراً وأقول: كيف أغفل وأنسى حالة فلان وهو سوف يموت، ويذهب عني حتى النوم.

    3- لو أسند إليَّ تجهيز ميتٍ فإنني أعتذر؛ لأنني أتصور حدوث حالةٍ نفسية لو فعلت ذلك.

    4- إذا رأيت الميت أفزع ويستمر الخوف حتى في الليل ويذهب عني النوم.

    الجواب: حالتك -يا أخي- ليست مرضاً نفسياً، وإنما هي حالة إيمانية، هذا هو الصحيح، ما تعيشه الآن من خوف من الموت أو إذا رأيت ميتاً، أو إذا ذكر الموت، هذا هو الذي يجب أن يكون؛ لأن الرسول أمرنا بهذا، قال: (أكثروا من ذكر الموت) وكان الصحابة هذا شأنهم عند ذكر الموت؛ يذهبون إلى المقابر، ويرون المرضى، ويحضرون صلاة الجنازة، ويغسلون الموتى ويكفنونهم ويصلون عليهم، من أجل ماذا؟ من أجل ذكر الموت؛ لأنه كلما أكثرت من ذكر الموت كلما حجزك عن المعصية، ودفعك إلى الطاعة.

    وأخونا مسكين يقول: إني مريض مرضاً نفسياً، لا والله لست مريضاً، بل المريض النفسي الذي لا يذكر الموت، هذا هو الغافل، أما أنت فأنت عندك قلب حي بذكر الله وبذكر الموت، فاستمر على هذا ولا تفكر في غيره، حتى يأتيك الموت وأنت مستعدٌ له إن شاء الله.

    حكم التسبب في قتل النفس بسبب عدم إسعافها

    السؤال: هذا شاب قد أورد رسالة طويلة، ومضمون هذه الرسالة أنه يحكي قصته فيقول: بأنه صدم طفلة صغيرة، وخاف على نفسه من الورطة فذهب إلى بيته، وبعد فترةٍ علم أن الطفلة قد ماتت، ولكنه حتى الآن لم يخبر أهلها بأنه كان السبب في ذلك؛ لأن علته في ذلك أن هذه الطفلة قد خرجت هي بنفسها على السيارة ولم يصدمها هو بنفسه، فما هو الحل حيال هذه المشكلة؟ وكيف سيقابل الله عز وجل؟ وما ينبغي أن يعمله وإن كان في ذلك قطع رقبته مثلاً؟

    الجواب: هذا الفعل شنيع جداً وجريمة، ولو كنت حاكماً أنا أو قاضياً وجاءني مثل من يفعل هذا الفعل يصدم إنساناً ثم يذهب ويتركه لحكمت عليه بالقتل؛ لأن كونك غير عامد صحيح، لكن صدمتها ماذا تعمل؟ تتركها! أدجاجة هي أم قطة! هذه إنسانة، ذهابك عنها بعد صدمها كأنك قتلتها عمداً، ولذا لو كنت قاضياً لحكمت عليك بالقتل؛ لأنه ارتكب جريمة.

    ثم -والعياذ بالله- ارتكب أشد منها، وضيع دم مسلمة، وضع الأسرة الآن كيف قلوبهم على هذه الطفلة؟ وهذه في ذمته، ولذا نقول له: عليه بالمسارعة إلى تسليم نفسه للسلطة، وإخبارهم باليوم والحادث والمكان، وهم سيراجعون السجلات وسيعرفون البنت ويعرفون أهلها، ويأتي أهلها ويقول لهم: أنا ارتكبت هذه الخطيئة، وكانت البنت هي التي خرجت عليَّ، ولكني جاهل لا أعرف، والآن تبت إلى الله، ومنَّ الله عليَّ بالهداية، والحمد لله، ووجدت أن من واجبي أني آتي لأضع يدي في أيديكم ونفسي لكم بما تريدون وما يحكم عليه الشرع، وطبيعي فإنهم سيكونون كرماء؛ لأنهم يعرفون أن الذي جاء بك إليهم هو الله وخوفك منه، ما أحد يعلم عنك لو أنك استمريت في معصيتك وضلالك، لكن لما جئتهم بالوجه الحسن، أتوقع إن شاء الله أن يكونوا كرماء وأن يقولوا: عفا الله عنك، وأن تأخذ منهم الرضا، ولا مانع من أن تمكث في السجن فترة عقوبة لما وقع منك، إذا جلست ستة أشهر أو سنة فالسجن هذا شيء بسيط حتى تسلم من النار وتبعد نفسك من وخز الضمير وألم القلب والنفس.

    دخول الجن في بدن الإنس حقيقة

    السؤال: ظهر في هذه الفترة أقوال لبعض المشايخ وهو الشيخ علي العمري، ينكر فيها دخول الجني إلى بدن الإنسي، ويقول السائل: إن هذا القول أحدث بلبلة عند الكثير من الناس؟

    الجواب: أنا حقيقة الذي أعرفه وسمعته بأذني من كلام الشيخ علي العمري أنه لا ينكر دخول الجني إلى بدن الإنسي؛ لأنه يعرف أن هذا وارد في الكتاب والسنة، ويعرف أنه عايش الفترة من الزمان وعاش مع الجن وسمعهم، لكن الشيخ يقول: إن كثيراً من الحالات التي يتصور الناس فيها أنها تلبس بالجن غير صحيحة، وأنا أوافقه على ذلك، بعض الحالات هي إيحاءات نفسية، أي: الواحد نفسه متصور أن معه جنياً، وليس معه جني، ولذا إذا قلت له: هل فيك جني مسلم، أو كافر؟ قال: كافر، هو نفسه يقول: كافر؛ لأنه متصور أن عليه جنياً كافراً، ولا شيء عنده أصلاً، وقد مرت بي حادثة مثل هذه.

    جاءني شخص وأنا في أبها، الولد جالس وقال أخوه: هذا مصروع معه جنية، فقمت قرأت عليه، وبعد ما انتهيت من القراءة قلت: اخرجي يا عدوة الله، ظننت أن عليه جنية مسلمة أو كافرة ... فلم يتكلم قلت: إذاً هذا جني لا يتكلم، فضربته في رأسه، ثم ضربته الثانية، المهم فتح عيناه وهو مغمض طوال الوقت وأنا أقرأ، وقال: تكلمني أو تكلم الجني، قلت: أنت تسمع كلامي؟ قال: إي والله، قلت: وتشعر بضربي؟ قال: إي والله، قلت: قم، الله أكبر عليك! ما فيك جني ولا فيك شيء، المسكين جاء لي من بيته وهو متصور أن فيه جني، ولهذا حين كنت أكلمه وهو ساكت كان يحسب الكلام للجني الذي عليه، وهو ليس فيه شيء.

    فأكثر الحالات -أيها الإخوة- عند بعض النساء خاصة، يعني بينها وبين زوجها شيء، مثلاً... تحب زوجها وتريده لها، وفيها شعور أنها مسحورة، ومن أين؟ والله بنت عمته تريد تتزوج به، وفعلت لي شيئاً، والله إني أحس نحو زوجي بنوعٍ من الفتور، كنت أحبه والآن أعزف عن فراشه، إذاً أنا مسحورة، فإذا ذهبت عند القارئ وقرأ عليها، قالت: مسحورة، من سحرك؟ فلانة سوت مشكلة بين الأسرة، ولا معها سحر ولا فيها شيء، كونها لا تحب زوجها بعض الأيام فكل المتزوجين هكذا، هل يبقى الزواج والحب طوال الأيام؟ الدنيا تتقلب والقلب يتقلب.

    إذاً: أيها الإخوة! معظم الحالات وأكثرها حالات نفسية توحي إلى النفس خاصة عند النساء وليس فيهن جن.

    إنما كون الجن يدخل في الإنسان نعم يدخل، وقد ثبت هذا بالكتاب والسنة، الرسول قال للرجل: (اخرج عدو الله) أي: ماذا؟ اخرج من البدن، وقال الله في القرآن: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ [البقرة:275] أي: مس الجن.

    أما كون بعض الناس ينكرون فهذا الخطأ وقالوا: إن الجن من النار والإنسان من الطين، كيف يدخل هذا في هذا؟

    أصلي وأصلك من طين، لكن هل أنا كومة طين؟ لا. الأصل طيني لكن بعد أطوار تسلسل وصار لحماً ودماً، كذلك الجن؛ الجن أصله ناري لكنه الآن ليس ناراً، الرسول مسكه، قال: (حتى وجدت برد لعابه على يدي) ما أحرق الرسول برد اللعاب، والشيطان من الجن، يقول: (ولولا دعوة أخي سليمان لربطته في سارية المسجد، ولأصبح غلمان المدينة يلعبون به) فكونه مخلوقاً من النار لا يمنع أنه يدخل في الإنسان؛ لأن له طبيعة غير طبيعته الأصلية التي كان عليها يوم خلقه الله من النار، فالجن يدخلون في الناس، والذي أعرفه وقد سمعته بأذني في محاضرة ألقاها الشيخ علي العمري في أبها قال: أنا لا أنكر أن الجن يدخلون في الإنس، لكني أقول بخبرتي الطويلة: إن معظم الحالات التي مرت عليَّ أكثرها ليست مساً من الجن، وإنما هي إما أمراض نفسية، أو إيحاءات داخلية، وما يحصل من كلامٍ على بعض ألسنة الناس إنما هو من النفس الباطنة.

    وما النفس الباطنة؟

    نفسك مهيأة ومركبة على شيء وهي فاهمة، ولهذا ما إن يأتي كلاماً إلا أن تقول هذا الكلام، وليس حقيقة منك ولا من غيرك، وإنما هو من نفسك الداخلية الباطنة.

    أسأل الله لي ولكم أن يهدينا سواء السبيل والهداية.

    ثم أيها الإخوة! هذا الموضوع أنا أسميه من العلم الفضلة، والجهل به لا يضر والعلم به لا ينفع، وليست قضيتنا مع الجن، قضيتنا الآن مع الإنس، مع الدعوة إلى الله، مع تقوية الإيمان، مع تثبيت العقيدة، مع تحرير الناس من الكبائر.

    أما الجن وما يتعلق بهم، فنستعيذ بالله منهم، ونتحصن بالآيات والدلائل، وليس له سلطان علينا، يقول الله: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ [النحل:99-100].

    والله أعلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.