اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , ولو ترى إذ وقفوا على النار للشيخ : سعيد بن مسفر


ولو ترى إذ وقفوا على النار - (للشيخ : سعيد بن مسفر)
إن المتأمل لنصوص الوعيد في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم يجد مشاهد مفزعة، وأهوالاً عظيمة، مما أعد الله فيها من ألوان العذاب والنكال للكفار والمنافقين.وفي هذا الدرس عرض الشيخ مواقف لأهل النار في عذابهم، وأصناف هذا العذاب من أكلهم، وشربهم، وملابسهم، وأليم عقابهم على أفعالهم، وطبقاتهم في النار.
تصوير قرآني لمشاهد من العذاب
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد:فيا أيها الأحبة في الله! هذا الدرس يأتي ضمن سلسلة الدروس الشهرية بعنوان: تأملات قرآنية) وهو يلقى في مدينة جدة في مسجد الحارثي بحي الإسكان الجنوبي، بعد مغرب يوم السبت الموافق (29 ذي القعدة 1415 للهجرة) على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام.وعنوان تأملاتنا هذه الليلة قول الله عز وجل: وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّار [الأنعام:27] واختياري لهذا العنوان؛ لأن هذه الآية جاءت في سياق تأملاتنا لسورة الأنعام.وذكر النار -أيها الإخوة- مطلوبٌ خصوصاً في هذه الأزمان التي شردت فيها القلوب عن الله، وغفلت النفوس عن تذكر الآخرة، حتى لكأن الذي يرانا يجزم بأننا إما أننا لا نؤمن بالنار، أو لا نعرف النار؛ لأن السلوك والأعمال والتصرفات توحي بهذا، فمن يعرف النار ومدى قدرته ومقاومته لها، ويؤمن بحقيقة وجود النار، ثم يسلك تلك المسالك ويتصرف تلك التصرفات، لا يمكن أن يصدق العقل هذا، لذا كان لا بد من ذكرها وما أعد الله عز وجل فيها، وما توعد الله الكفار والمنافقين والعصاة والفسقة من ألوان العذاب الذي لا يتصوره العقل.يقول الله عز وجل: وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر:47]. كل ما يمكن أن يخطر في بال الإنسان من ضخامة وأصناف العذاب، فإن هذا الذي يخطر في البال لا يمكن أن يصل إلى جزء من حقائق ما سيكون في النار، ويكفينا قول الله عز وجل: وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر:47].
 وجوب وقاية النفس والأهل من النار
قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً [التحريم:6] إن مسئوليتك تجاه نفسك وأهلك: زوجتك وأولادك وبناتك أن تقِهم، ماذا؟ ما قال: قِهم الجوع! أو البرد! أو الحر! أو المرض! هذه مسئوليات ثانوية، لكن قِهم أول شيء النار. لكن من الناس من يحمي ولده من الجوع فيطعمه، ومن البرد فيدفئه، ومن المرض فيعالجه، ويحمي ولده وبناته وزوجته من الحر؛ فيورد لهم المكيفات، ثم لا يحميهم من النار، بل يقذفهم بنفسه إلى النار، ويشتري لهم وسائل الإفساد إلى النار، وأنا أسأل من عنده عقل: من يشتري (دشاً) ليركبه فوق بيته: هل هذا يقي نفسه وأهله النار، أم يقحم أهله ونفسه في النار؟ ويجلس الواحد على الأريكة وأمامه الجهاز وفي يده (الريمونت) ماذا؟ قال: أنتقل، من أين تنتقل: من روضة من رياض الجنة إلى روضة من رياض الجنة؟ من آية كريمة إلى حديث شريف؟ لا. بل من فيلم إلى فيلم، ومن منظر خبيث إلى منظرٍ أخبث، ومن مسلسل إلى مسلسل، ومن شريط إجرامي إلى ألعن، ومن مباراة إلى أسوأ، ومن مصارعة وعورات مكشوفة إلى أشر، وهو جالس والمرأة والبنت والأولاد من حوله، ولماذا يا أخي المسلم؟! قال: لا أريدهم أن يخرجوا فيفسدوا في الخارج، أريد أن أفسدهم أنا بنفسي، يريد أن يتولى إهلاكهم هو بنفسه، سبحان الله العظيم ما أضل هذه العقول!!يا أخي! ولدك إذا فسد في الخارج فليس عليك ذنب .. إذا حرصت على ولدك ولكنه خرج من يدك وذهب إلى الشر احرص أيضاً لكن الله لا يسألك يوم القيامة عنه؛ لأنك ربيته على الدين وأبى إلا الشر، لكن إذا أوردته الشر أنت بنفسك وأقحمته في النار، ماذا سيكون عذرك أمام الله يوم القيامة، لا إله إلا الله!يقول لي أحد الناس وقد كان عنده هذا الجهاز وأخرجه يقول: والله إنني أنام وزوجتي بجواري، ثم أستغرق وأنقلب فلا أجدها، أقوم أبحث أين أولادي وآتي وإذا بها في الغرفة تنظر إلى مسلسل، وأولادي كذلك، يقول: أرقدهم من أجل المدارس، يقول: ثم أذهب وإذا بهم قد وضعوا المخدات فوق الفرش؛ حتى يوهموني أنهم ناموا، فأزيل الفراش وأنظر وإذا ما هو ولد بل مخدة راقدة، أين الولد؟ جالس ينظر إلى المسلسل .. الساعة الثالثة أو الرابعة قبل الفجر، ويذهب الولد إلى المدرسة وهو نائم. ويشكي المدرسون الآن من نوم التلاميذ في الفصول، يضع الطالب رأسه على الطاولة وينام، ولا واجبات ولا دروس، لماذا؟ من أين جاء هذا الشر يا إخوان؟! من الشر الذي ركب على البيوت، والله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ [التحريم:6].المسئولون عن إدارتها والمشرفون على التعذيب فيها ملائكة غلاظ في الخِلقة، شداد في التعامل. لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6] إذا قال الله لهم: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ [الحاقة:30] تصوروا كم يقوم لتنفيذ أمر الله؟! سبعون ألف ملك، والمأخوذ واحد فقط، لكن الذين يقومون لتنفيذ أمر الله سبعون ألف ملك، ما هو حجم الواحد منهم؟قال في الحديث: (إن الملك الواحد ليلقي بيده سبعين ألفاً في النار) لا حول ولا قوة إلا بالله!! والله يقول: فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [البقرة:24].يؤتى بهذه النار يوم القيامة تقاد ولها سبعون ألف زمام، ومع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها ويمسكونها، ولو تركت لأتت على كل برٍ وفاجر.يقول عمر لـكعب الأحبار : [يا كعب! خوفنا بالله، قال: يا أمير المؤمنين! اعمل عملاً وجلاً -أي: خائفاً- فوالذي نفسي بيده! لو جئت يوم القيامة بعمل سبعين نبياً إلى جانب عملك لظننت أنك لا تنجو من عذاب الله يوم القيامة ثم قال: إن جهنم لتزفر يوم القيامة زفرة لا يبقى معها ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا يخر على ركبتيه جاثياً] خوفاً من النار، إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً * وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً * لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً [الفرقان:12-14] تغيظ مما فيها من غيظ على أعداء الله المقتحمين لحرمات الله، المضيعين لأوامر الله وفرائضه (وزفيراً) تزفر وتشهق كما تشهق البغلة على شعيرها، وكما يزفر العدو على عدوه؛ لأن هذا عدو، يقول الله: إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً [الفرقان:65] (غراماً) مثلما يمسك الغريم بغريمه، وغريمتهم هنا النار؛ لأنهم تمردوا على أوامر الواحد القهار.يقول الله: وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى [النازعات:36] ويقول: إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً [الفرقان:12].
طبقات جهنم بحسب أعمال أهلها
واعلم يا أخي! أن النار سبع طبقات، كل طبقة فيها عذاب أشد من الأخرى، وإن كان لكل طبقة من العذاب ما هو أعظم مما يتصوره العقل، يقول الله عز وجل: وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ * لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ [الحجر:43-44]، هذه الطباق وهذه الأبواب الضخمة سبعة، جهنم طبقة أولى -أعاذنا الله وإياكم منها- ولظى طبقة ثانية، والحطمة، والسعير، وسقر، والجحيم، والهاوية. جهنم ولظى من بعدها حطمة ثم السعير وكل الهول في سقر وبعد ذاك جحيمٌ ثم هاوية تهوي بهم أبداً في حر مستعر ولقد ذكر الله لنا بعض الأعمال التي توصل إلى كل طبقة من هذه الطباق -والعياذ بالله-.
 ذكر حر النار وبعيد قعرها
أما عن حر النار وعمقها فإن: [حرها شديد، وقعرها بعيد، ومقامعها من حديد] كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه.يروي الإمام أحمد وأصحاب السنن حديثاً صحيحاً عن أبي هريرة رضي الله عنه: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن ناركم التي توقدون جزءٌ من سبعين جزءاً من نار جهنم، قالوا: يا رسول الله! والله إنها كانت لكافية، قال: فإنها فضلت عليها بتسعة وتسعون جزءاً كلها مثل حرها).أنت الآن لو حاولت أن تقيس درجة حرارة النار، وأن تعرف مقاومة جسمك لحرارة النار، لعرفت أنك لا تستطيع الصبر على النار، لا تحاول أن تأخذ جمرة لكن خذ ماءً حاراً؛ إذا قدم لك الشاي وهو حار لا تقدر أن تشربه، وإذا أكلت طعاماً حاراً أحرق لسانك، وكوى بطنك، فكيف بمن يأكل ويشرب ناراً؟! وما هو حر نارنا هذه بالنسبة إلى تلك النار؟! لا حول ولا قوة إلا بالله، والحديث صحيح.ويروي الإمام مالك والترمذي بسندٍ صحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أوقد على النار ألف عامٍ حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف عامٍ حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف عامٍ حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة).ويروي البخاري ومسلم حديثاً في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اشتكت النار إلى ربها فقالت: رب أكل بعضي بعضاً، فأذن لي بنفسين، فأذن لها بنفسين: نفسٌ في الشتاء، ونفس في الصيف، فهو أشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير والبرد). قال تعالى: قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ [التوبة:81].أما عمق النار إذا ألقوا فيها، فقد جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: (كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم، فسمع وجبة -أي: هزة ورجة- فقال: أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إن هذا حجراً رمي في النار منذ سبعين خريفاً فهو يهوي في النار الآن) كم تتصور عمق النار؟ لا إله إلا الله!! بمعنى: أن من نزل فيها لا خروج له، من أين يتسلق؟ أطول سجن في الدنيا جداره عشرة أمتار فكيف الذي مسافة النزول فيه سبعين سنة، والحجر نزل ووصل في تلك اللحظة التي أخبرهم بها النبي صلى الله عليه وسلم.وقال في حديث آخر عند الترمذي : (إن الصخرة العظيمة لتلقى من شفير جهنم تهوي سبعين عاماً ما تفضي إلى قرارها) أي: ما تصل إلى قعرها، ويروي الترمذي حديثاً آخر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ويل وادٍ في جهنم يهوي فيه الكافر أربعون خريفاً قبل أن يبلغ إلى قعره) هذا ويل، ولكن تلك تحته والعياذ بالله.أما كيف يردها الناس فقد ذكرت أن ورود الناس على أربعة أقسام:1- ناس يساقون سوقاً.2-وناس يسحبون على وجوههم.3- وناس يدعون على وجوههم.4- وناس -والعياذ بالله- يحشرون على وجوههم عمياً وبكماً وصماً.ويساقون إلى النار جماعات وزمراً.
أحوال أهل النار
يقول الله عز وجل: وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ [إبراهيم:49] مقرنين في الأصفاد كما تقرن البقر في الأضماد، كل ثلاثة أربعة في صفد واحد سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ [إبراهيم:50] سرابيلهم أي: ثيابهم يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ [الرحمن:41] يأخذه الملك من الملائكة بناصية رأسه مع رجله ثم يرمى به في النار -والعياذ بالله- ينبذ في النار، وهكذا تأخذهم الملائكة بهذا العذاب خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ [الحاقة:30-32].يقول في الحديث: (لو أن حلقة من السلسلة وضعت على جبال الدنيا لرضتها) أين؟ اسلكوه، أي: تدخل من فمه وتخرج من دبره، قالوا: لماذا؟ قالوا: ليشوى في النار كما تشوى الدجاجة في الشواية ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ [الحاقة:31-32] لماذا؟ إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ [الحاقة:33].
  ذبح الموت وحسرة أهل النار
بعد خروج العصاة -أيها الإخوة- ودخول أهل الجنة الجنة واستكمالهم فيها، يؤتى بالموت في صورة كبش أملح، فيوضع بين الجنة والنار ويذبح ويقال: يا أهل الجنة! خلود فلا موت، ويا أهل النار! خلود فلا موت، والحديث في الصحيحين يقول عليه الصلاة والسلام: (إذا صار أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، جيء بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار فيذبح، ثم ينادي منادٍ: يا أهل الجنة! خلودٌ فلا موت، ويا أهل النار! خلود فلا موت، فيزداد أهل الجنة فرحاً ونعيماً، ويزداد أهل النار حزناً وعذاباً أليماً) لأن عندهم أمل أنهم في أن يخرجوا أو يموتوا، لكن إذا قيل لهم: خلود فلا موت، فهؤلاء يحزنون، وأهل الجنة خلود فلا موت يفرحون، لماذا؟ لأن أي واحد يأتي إلى مكان يخاف ألا يخرج منه إن كان جيداً ويريد أن يقعد دائماً، فأهل الجنة خالدون فيها أبداً، وأهل النار خالدون فيها أبداً، وبعدها تسود وجوههم، يقول الله عز وجل: كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [يونس:27].إلهي لست للفردوس أهلاً ولا أقوى على نار الجحيم فهب لي توبة واغفر ذنوبي فإنك غافر الذنب العظيم اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.اللهم ارحمنا برحمتك، واغفر لنا ما سلف منا وكان من الذنوب، اللهم اغفر لنا وطهرنا بالتوبة يا رب العالمين! واستعملنا فيما يرضيك، اللهم طهر أعيننا من الخيانة، وألسنتنا من الكذب، وأيدينا من الجريمة وقلوبنا من النفاق، وجوارحنا من المعاصي، وارحمنا يا رب العالمين! واهدنا إلى سواء السبيل. اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك الصالحين، اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشدٍ يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، إنك سميع الدعاء. والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأسئلة

 دخول الجن في بدن الإنس حقيقة
السؤال: ظهر في هذه الفترة أقوال لبعض المشايخ وهو الشيخ علي العمري، ينكر فيها دخول الجني إلى بدن الإنسي، ويقول السائل: إن هذا القول أحدث بلبلة عند الكثير من الناس؟الجواب: أنا حقيقة الذي أعرفه وسمعته بأذني من كلام الشيخ علي العمري أنه لا ينكر دخول الجني إلى بدن الإنسي؛ لأنه يعرف أن هذا وارد في الكتاب والسنة، ويعرف أنه عايش الفترة من الزمان وعاش مع الجن وسمعهم، لكن الشيخ يقول: إن كثيراً من الحالات التي يتصور الناس فيها أنها تلبس بالجن غير صحيحة، وأنا أوافقه على ذلك، بعض الحالات هي إيحاءات نفسية، أي: الواحد نفسه متصور أن معه جنياً، وليس معه جني، ولذا إذا قلت له: هل فيك جني مسلم، أو كافر؟ قال: كافر، هو نفسه يقول: كافر؛ لأنه متصور أن عليه جنياً كافراً، ولا شيء عنده أصلاً، وقد مرت بي حادثة مثل هذه.جاءني شخص وأنا في أبها، الولد جالس وقال أخوه: هذا مصروع معه جنية، فقمت قرأت عليه، وبعد ما انتهيت من القراءة قلت: اخرجي يا عدوة الله، ظننت أن عليه جنية مسلمة أو كافرة ... فلم يتكلم قلت: إذاً هذا جني لا يتكلم، فضربته في رأسه، ثم ضربته الثانية، المهم فتح عيناه وهو مغمض طوال الوقت وأنا أقرأ، وقال: تكلمني أو تكلم الجني، قلت: أنت تسمع كلامي؟ قال: إي والله، قلت: وتشعر بضربي؟ قال: إي والله، قلت: قم، الله أكبر عليك! ما فيك جني ولا فيك شيء، المسكين جاء لي من بيته وهو متصور أن فيه جني، ولهذا حين كنت أكلمه وهو ساكت كان يحسب الكلام للجني الذي عليه، وهو ليس فيه شيء.فأكثر الحالات -أيها الإخوة- عند بعض النساء خاصة، يعني بينها وبين زوجها شيء، مثلاً... تحب زوجها وتريده لها، وفيها شعور أنها مسحورة، ومن أين؟ والله بنت عمته تريد تتزوج به، وفعلت لي شيئاً، والله إني أحس نحو زوجي بنوعٍ من الفتور، كنت أحبه والآن أعزف عن فراشه، إذاً أنا مسحورة، فإذا ذهبت عند القارئ وقرأ عليها، قالت: مسحورة، من سحرك؟ فلانة سوت مشكلة بين الأسرة، ولا معها سحر ولا فيها شيء، كونها لا تحب زوجها بعض الأيام فكل المتزوجين هكذا، هل يبقى الزواج والحب طوال الأيام؟ الدنيا تتقلب والقلب يتقلب. إذاً: أيها الإخوة! معظم الحالات وأكثرها حالات نفسية توحي إلى النفس خاصة عند النساء وليس فيهن جن.إنما كون الجن يدخل في الإنسان نعم يدخل، وقد ثبت هذا بالكتاب والسنة، الرسول قال للرجل: (اخرج عدو الله) أي: ماذا؟ اخرج من البدن، وقال الله في القرآن: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ [البقرة:275] أي: مس الجن.أما كون بعض الناس ينكرون فهذا الخطأ وقالوا: إن الجن من النار والإنسان من الطين، كيف يدخل هذا في هذا؟أصلي وأصلك من طين، لكن هل أنا كومة طين؟ لا. الأصل طيني لكن بعد أطوار تسلسل وصار لحماً ودماً، كذلك الجن؛ الجن أصله ناري لكنه الآن ليس ناراً، الرسول مسكه، قال: (حتى وجدت برد لعابه على يدي) ما أحرق الرسول برد اللعاب، والشيطان من الجن، يقول: (ولولا دعوة أخي سليمان لربطته في سارية المسجد، ولأصبح غلمان المدينة يلعبون به) فكونه مخلوقاً من النار لا يمنع أنه يدخل في الإنسان؛ لأن له طبيعة غير طبيعته الأصلية التي كان عليها يوم خلقه الله من النار، فالجن يدخلون في الناس، والذي أعرفه وقد سمعته بأذني في محاضرة ألقاها الشيخ علي العمري في أبها قال: أنا لا أنكر أن الجن يدخلون في الإنس، لكني أقول بخبرتي الطويلة: إن معظم الحالات التي مرت عليَّ أكثرها ليست مساً من الجن، وإنما هي إما أمراض نفسية، أو إيحاءات داخلية، وما يحصل من كلامٍ على بعض ألسنة الناس إنما هو من النفس الباطنة. وما النفس الباطنة؟نفسك مهيأة ومركبة على شيء وهي فاهمة، ولهذا ما إن يأتي كلاماً إلا أن تقول هذا الكلام، وليس حقيقة منك ولا من غيرك، وإنما هو من نفسك الداخلية الباطنة.أسأل الله لي ولكم أن يهدينا سواء السبيل والهداية.ثم أيها الإخوة! هذا الموضوع أنا أسميه من العلم الفضلة، والجهل به لا يضر والعلم به لا ينفع، وليست قضيتنا مع الجن، قضيتنا الآن مع الإنس، مع الدعوة إلى الله، مع تقوية الإيمان، مع تثبيت العقيدة، مع تحرير الناس من الكبائر. أما الجن وما يتعلق بهم، فنستعيذ بالله منهم، ونتحصن بالآيات والدلائل، وليس له سلطان علينا، يقول الله: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ [النحل:99-100]. والله أعلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , ولو ترى إذ وقفوا على النار للشيخ : سعيد بن مسفر

http://audio.islamweb.net