إسلام ويب

كيف ندعو إلى الله؟للشيخ : سعيد بن مسفر

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الله سبحانه وتعالى خلق الجنة والنار، وجعل لكل واحدة منها طرقاً موصلة إليها، فالجنة لها طرق ومسارات إذا بحث عنها الإنسان وسار عليها بلغ مقصده، والنار لها طرق ومسارات؛ فإذا أعرض الإنسان عن الله وجنته والطرق الموصلة إليها سار في طرق الشيطان والنار والعياذ بالله، ومن الأسباب المؤدية لدخول الجنة الدعوة إلى الله، مع الأخذ بالرصيد الكافي من العلم الشرعي، والصبر على ما يعرض للمرء في طرق الدعوة.

    1.   

    خطوات في اختيار الطريق إلى الجنة

    الحمد لله رب العالمين، الحمد لله على نعمه وآلائه التي لا تحصى ولا تعد، له الحمد تبارك وتعالى، وله الفضل والمنة، له الحمد بالإسلام، وله الحمد بالإيمان، وله الحمد بالقرآن، وله الحمد بكل نعمة أنعم بها علينا من قديم أو حديث، أو سر أو علانية، أو حي أو ميت، أو شاهد أو غائب، له الحمد حتى يرضى، وله الحمد إذا رضي.

    ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    وبعد:

    فضيلة مدير المعهد..

    أيها الإخوة الكرام المشرفون على برنامج التوعية في هذه المؤسسة العلمية..

    أيها الإخوة الطلاب الذين حرصوا على الحضور في هذا اللقاء المبارك، الذي لم أكن قد تهيأت له بالمادة العلمية التي تليق به، على اعتبار أنه لقاء أخوي فقط، وليست محاضرة أو كلمة، وإن كنت لست من فرسان هذه الميادين، وقد أنفع في مجال ولا أنفع في مثل هذا المجال أمام العلماء، وأمام طلبة العلم المتقدمين في العلم والسن؛ ولكن قِدتُ إليه فنسأل الله أن يعينني وإياكم.

    هذه الدنيا أو هذه الحياة -أيها الشباب- ورطة، من خلق فيها فقد ورط، ولا مخرج له من هذه الورطة إلا باللجوء إلى الله، يقول الله عز وجل: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ * وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ [الذاريات:50-51].

    الورطة: هي المهلكة والابتلاء والمحنة والفتنة، الله يقول: إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [الكهف:7] ويقول عز وجل: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [الملك:2] أي: ليختبركم وليوجدكم على مسرح هذه الحياة من أجل الافتتان، ومن أجل الابتلاء والاختبار؛ ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيي عن بينة.

    لم يؤخذ لنا رأي في قضية وجودنا في هذه الحياة، هل أخذ رأي أحدنا؟ لا. خلقنا رغم إرادتنا، ولم يؤخذ لنا رأي في قضية انتقالنا من هذه الحياة، ولو أخذ لنا رأي ما كان أحدنا يريد أن يموت؛ لأن الإنسان يكد ويتعب ويحصل ويتوظف ويبني ويتزوج ويصير له أولاد، فإذا صلحت له الدنيا من كل جانب جاء الموت ليشطبها من كل جانب.

    لهوت وغرتك الأماني وعندمـا     أتمت لك الأفراح فوجئت بالقبر

    فليس لنا رأي في المجيء، وليس لنا رأي في الانتقال، وإنما نحن مطلوب منا أن نعمل في هذه الدنيا عملاً صالحاً، والله عز وجل سيجازينا في الآخرة على ضوء ما نعمل في هذه الحياة، فالذي يريد أن يخلِّص نفسه من الورطة، والذي يريد أن يخلِّص نفسه من هذه الفتنة ومن هذا الابتلاء ليس له مجال ولا طريق إلا باللجوء إلى الله؛ لأنه سيقدم على الله شاء أم أبى، وستكون له المعاملة في الآخرة على ضوء معاملته لله في هذه الدنيا.

    إذا كنت في الدنيا كما يريد الله، كان الله لك في الآخرة كما تريد، وإذا كنت في الدنيا بعكس مراد الله، كان الله لك بعكس مرادك في الدار الآخرة، وأنت الآن تكسب وتعمل، وسوف ترحل وتقدم على الله، وتجيء بشيء مثقل إما بالحسنات أو بالسيئات، والله يقول: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [النمل:89-90] ويقول في آية أخرى: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا [الأنعام:160].

    فأنت الآن تحصد وتعمل، سواء تعمل في طريق الخير أو في طريق الشر، والناس مذ خلقوا ووطئوا هذه الأرض وهم مسافرون، وما من يوم يمر ولا شهر ينتهي ولا سنة تتبدل إلا وأنت تقطع بهذه السنة وبهذا الشهر؛ وبهذا اليوم وبهذه الساعة وبالدقيقة مرحلة من مراحل عمرك إلى الله وإلى الدار الآخرة، وهذه اللحظة أو هذا اليوم أو هذا الشهر فيه عمل.

    هل يستطيع الإنسان أن يقف على عجلة الزمن فلا يعمل لا عملاً صالحاً ولا عملاً سيئاً؟ لا. فلا بد من عمل؛ لأنه بين أمر ونهي، وبين طاعة ومعصية، وبين استجابة لله واستجابة للشيطان، فإذا استجاب لله لم يستجب للشيطان، إذا رفض أمر الله استجاب للشيطان، إذا أمره الله بالصلاة وقام إلى الصلاة أطاع الله، وإذا أمره الله بالصلاة ولم يقم قام الشيطان بدعوته إلى النوم وترك الصلاة، فترك الصلاة فأطاع الشيطان، فهو بين أمر الله أو نهيه، وبين أمر الشيطان أو نهيه.

    وهو يستجيب إما لهذا وإما لهذا، وتنتقل الساعة والشهر واليوم والسنة، وهو يملأ هذه الخزائن بهذا العمل، ثم يقدم على الله تبارك وتعالى، وهناك يجازى على ضوء ما سبق أن قدم وعلى ضوء ما سلك في هذه الدنيا، هذه قضية ليس فيها جدال بين أهل العقول. لكن لسائل أن يقول: كيف الطريق إلى الله؟ ومن أي السبل نسلك على الله؟ لأن الشيطان يسول للناس أن طريق الهداية والالتزام والتدين والاستقامة طريق شائك وطريق صعب، ولا يمكن أن يسير فيه أحد، وأنه طريق معتم ومظلم، والحقيقة عكس ذلك، الطريق إلى الله من أسهل الطرق، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (وإنه ليسير على من يسره الله عليه) اللهم يسره علينا يا رب العالمين! طريق سهل ممهد مضاء واضح، كما سمعتم في خطبة الشيخ سعد كالمحجة البيضاء -المحجة: هي الطريق الواضح- ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، هذا الطريق -طريق الجنة، طريق الإيمان، طريق الهداية، طريق الالتزام- له أربع مسارات، وله أيضاً قبل ذلك ثلاث خطوات:

    الخطوة الأولى: تصحيح الماضي بالاستغفار

    أول خطوة: تصحيح الماضي:

    حتى نربط بين ما قيل وبين ما سيقال، حتى لا يفوت الإخوة الذين جاءوا شيئاً نقول: إن طريق الجنة طريق السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة عبر أربع مسارات، مسارين موجبين للجنة، ومسارين في عكس الاتجاه مانعين من الجنة ومؤديين إلى النار، وقبل السير هناك ثلاث خطوات يجب أن يتخذها الإنسان وهي: أن الإنسان بين ماض ومستقبل وحاضر.. أليس كذلك؟

    هل في الزمن شيء غير الماضي والحاضر الذي فيه الإنسان والمستقبل؟ لا يوجد شيء غير هذا.

    ما مضى فات والمؤمل غيب     ولك الساعة التي أنت فيها

    فالماضي: حياتك التي أمضيتها في السابق المملوءة بما ملئت به من خير أو شر، إذا أردت السير في طريق الله عز وجل فينبغي قبل كل شيء أن تصحح الماضي، ومن رحمة الله تبارك وتعالى أن جعل تصحيح الماضي من أيسر السبل ومن أسهل الإمكانات، ولا يكلف الإنسان شيئاً أبداً إلا عملاً لسانياً وعملاً قلبياً:

    فالعمل القلبي: وهو العزم على التوبة.

    والعمل اللساني: وهو أستغفر الله وأتوب إليه..

    هل يعجز الواحد أن يستغفر ويتوب من المعاصي.. من الجرائم.. من الذنوب.. من الزنا.. من الخمور.. من اللواط.. من الغناء.. من الفجور.. من أي عمل قد عملت من الشرك.. من قطع الصلاة، أي مهلكة.. أي جريمة؟

    الله يقول: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ [الزمر:53-54] فإذا أناب الإنسان إلى الله، وأسلم لله، ووجه وجهه إلى مولاه، فإن الماضي كله يغفر: فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً [الفرقان:70].

    فهل في الاستغفار وتصحيح الماضي فيه صعوبة؟ لا. لا يوجد أحد يقول: لا والله لا أستطيع أن أستغفر، إلا إذا كان لا يريد أن يستغفر ويظل عاصياً، ويريد أن يبقى عدواً لنفسه.. عدواً لدينه.. عدواً لرسوله.. عدواً لكتابه.. عدواً لمولاه.. هذا هالك خاسر لا خير فيه، لا تحزن عليه واتركه، لا تتصور أنه يعادي الناس أو يعادي القبيلة.. بل إنه يعادي نفسه فيهلكها ويوردها موارد الدمار، يوردها في النار، ثم يقول: وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل:127-128].. فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ * نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ [لقمان:23-24].. ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [الحجر:3].. فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ [الزخرف:83].

    الخطوة الثانية: إصلاح المستقبل بالنية الطيبة

    هذا الذي يرفض ولا يريد أن يستغفر أو يتوب لا تحزن عليه: إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ [الغاشية:25-26] دعه يلهو.. دعه يلعب.. دعه يغني.. دعه يسهر.. دعه يسكر.. دعه يفجر.. لكن من أين الطريق؟

    هل توجد طريق غير طريق الله؟ هل يستطيع أن يمتنع إذا دعاه داعي الله؟

    إذا تخلى عنه الرجال، وتخلت عنه الأموال والأولاد، وتخلت عنه المناصب، من يمنعه من الله؟ من يمنعه من رب العالمين؟ وهناك يقبض الله عليه قبضة لا يفلته إلا في النار، هذا ليس فيه حيلة، فالله يقول: وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [المائدة:40-41] مهما خوفته لا يخاف؛ لأن الله يقول: وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَاناً كَبِيراً [الإسراء:60] مهما رغبته في رحمة الله عز وجل وفتحت له الآيات الساطعات الواضحات، يقول الله: وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا [الأنعام:25] .. وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً [الأعراف:146].

    هؤلاء ما عندهم قابلية للسير في طريق الله، لا يريدون أصلاً هداية الله، فهؤلاء يقول الله تبارك وتعالى فيهم: وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ [الحجر:88] أي: اتركهم والمرجع إلينا.

    لكن شخص يقول: أريد أن أرجع يا رب إليك، وأريد أن أتحول بقلبي وقالبي إليك، فكيف الطريق؟

    نقول له: الطريق سهل، الماضي تمحوه بالاستغفار، والمستقبل تصلحه بالنية الطيبة، وهل في أن تنوي النية الطيبة تعب عليك؟ ليس هناك تعب أن تنوي وتعقد العزم في المستقبل أن لا تعمل سيئاً، ولا تترك لله طاعة، هذه النية خير من عملك، بحيث أنك لو مت فكل هذه النية الطيبة الله يكتبها لك.

    الخطوة الثالثة: إصلاح الحاضر بفعل الأوامر وترك النواهي

    وماذا بقي معك بعد الماضي والمستقبل؟ بقي الحاضر الذي نعنيه الآن، ما من لحظة تمر عليك الآن إلا ولله عز وجل أمر ونهي عليك، اجتهد أن تنفذ الأمر وتترك النهي فقط، إذا أمر الله بالصلاة تصلي، إذا أمر الله بالصوم تصوم، إذا أمر الله بالحج تحج، إذا كنت صاحب مال وأمر الله بزكاته فزك، ثم ماذا بعد؟

    نهى الله عن النظر إلى الحرام فلا تنظر إلى الحرام..

    نهى الله عن سماع الغناء والحرام فلا تسمع..

    نهى الله عن الغيبة والنميمة فلا تغتب ولا تنم..

    نهى الله عن البطش باليد في الحرام فلا تبطش بيدك حراماً..

    نهى الله عن أن تسعى بقدمك إلى الحرام فلا تمش.. لماذا؟

    أنت مقيد، أنت عبد رباني تسير على نور من الله..

    أنت تنظر بالله.. وتسمع بالله.. وتتكلم بالله.. وتبطش بالله.. وتمشي بالله.. لأنك عبد مع الله.. نور الله قلبك.. فتح الله بصيرتك.. ربطك به.. لست عبداً حيوانياً.. لست عبداً شهوانياً.. لست إنساناً شيطانياً.. لست عبد هواك ولا عبد شيطانك.. لا.

    أنت إنسان تسير في الأرض ومعلق بالسماء: أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ [آل عمران:162] .. أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الملك:22] ليس هذا كهذا أبداً.

    هذه هي المراحل الثلاث التي تصلحها أيها الشاب قبل الهداية: أن تصلح الماضي بالاستغفار، وتصلح المستقبل بالنية الحسنة، وتصلح الحاضر بالعزم على أنك لا تعصي الله فيه، ولا ترتكب معصية ولا تترك لله فيه طاعة.

    1.   

    الطريق إلى الجنة تمر عبر مسارات

    أما الطريق فكما يوضحها الشيخ: أبو بكر الجزائري في رسالة له، يقول:

    الطريق بالنسبة للجنة سهلة جداً، فهناك أربعة مسارات: اثنين في اتجاه الجنة، واثنين في اتجاه النار، الذي في اتجاه الجنة طريق واضح أبيض، محجة بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فيها مساران لا بد من السير فيهما:

    المسار الأول: الإيمان بالله

    المسار الأول: اسمه مسار الإيمان.

    المسار الثاني: اسمه مسار العمل الصالح.

    ولذلك قرن الله بين المسارين في كل القرآن: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [الشعراء:227] .. إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً [سـبأ:37] .. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [البقرة:277] المهم أنه لا يمكن أن تصل إلى الجنة إلا إذا سرت في المسارين، خطوة في الإيمان وخطوة في العمل الصالح، لكن إيمان بدون عمل صالح كذب وادعاء، الذي يقول: إنه مؤمن ولا يعمل عملاً صالحاً هذا مدعٍ، ما أقام على صدق دعواه وإيمانه برهاناً ودليلاً، من انقياده وطاعته لله وبعده عن معصية الله، وعمل صالح بغير إيمان لا يقبله الله: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً [الفرقان:23] لا بد من اقتران الإيمان بالعمل الصالح.

    وهذا الطريق طريق الإيمان واضح جداً.

    أولاً: لنعتقد جازمين.. ومعنى: نعتقد أي: نجزم ونؤمن في أعماق نفوسنا لا في مخيلاتنا، وانتبه: الإيمان السطحي الذي لا يغير من سلوكك ولا يبلغ حد الجزم في نفسك، ولا يدخل إلى أعماق نفسك، ولا يترجم هذا إلى الانقياد والإذعان والخضوع لمولاك وخالقك، ولا تظهر منه حرارة وجدانية، والتهاب وتحرك في قلبك على دينك وعلى عقيدتك وعلى خوفك من الله..، هذا ليس بإيمان، هذا يسمى فكرة أو رأياً أو أي كلام، إنما الإيمان أن يدخل قلبك، ويستقر في أعماق نفسك .. هذا هو المؤمن.

    فلتعتقد أولاً جازمين: أن الخالق لهذا الكون ولهذا الإنسان ولكل من على وجه البسيطة هو الله الذي لا إله إلا هو، وأنه المدبر، وأنه الرازق، وأنه هو الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى.. هذه أول قضية.

    ولنعتقد بعد ذلك: أنه ما دام هو الخالق لوحده فيجب أن يكون هو الآمر لوحده: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [الأعراف:54] لا يصلح أن الله يخلق وغيره يأمر، هذا شرك لا يصح، فما دام أنه الخالق وحده فيجب أن يكون هو الآمر وحده، فإذا أمر غير الله بأمر يناقض ويصادم ويرد أمر الله، فيجب أن يرفض المسلم أمراً يتناقض مع أمر الله؛ لأنه: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) فالأمر الأول والأخير لله: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50].

    هذه قضيتان:

    القضية الأولى: أن الخالق للكون وللإنسان والعوالم سفليها وعلويها، ليلها ونهارها، شمسها وقمرها، أشجارها وجبالها، أنهارها وبحارها، كل من على وجه البسيطة، هو الله: الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [طه:50] ما من مخلوق في الكون من الذرة إلى المجرة، إلا وهو على هداية من الله، وقد درستم في العلوم: أن الذرة هي أصغر جزيء في المادة، أي: أن كل مادة من مواد هذا الكون لها ذرات، الحديد له ذرة، الألمنيوم له ذرة، البلاستيك له ذرة، الخشب له ذرة، الطين له ذرات...

    هذه مواد، الذرة هي أصغر جزء، وما هي الذرة؟

    الذرة لو أتيت بقطعة سكر وسحقتها في المهراس أو طحنتها في مكينة القهوة حتى صيرتها مثل البودرة، ثم أخذت واحدة من هذه البودرة (واحدة صغيرة ما تراها أنت) وجعلتها على رأس دبوس مثلاً وأدخلتها في المجهر (الميكروسكوب) (المجهر الإلكتروني الحديث) الذي يكبر ثلاثة ملايين مرة، يجعل من (المليمتر) ثلاثة كيلو، (المليمتر) الذي هو واحد على عشرة من (السنتيمتر) وتضع هذه الذرة ثم تنظر فيه إلى الذرة وترى في هذه الذرة عالماً، كاملاً مكوناً من حركة، فيه نواة في الوسط يسمونها النيترون، وفيه شحنة كهربائية سالبة، وفيه حول هذه النواة والنيترون إلكترونات، هذه الإلكترونات تدور باستمرار بعكس اتجاه الساعة، تدور مثل دوران المعتمر والحاج حول الكعبة.

    لما تأتي لتطوف فإنك تجعل الكعبة على يسارك وتطوف، بينما الساعة تدور عكس ذلك، الآن هذه النواة تدور مثلما يدور الطائف، وكل مادة فيها إلكترونات تختلف عن المواد الأخرى، فمثلاً: الإلكترونات في الحديد ثلاثة عشر إلكترون في كل نواة، إلكترونات النحاس ستة عشر إلكتروناً في كل نواة، الإلكترونات في الألمنيوم عشرون إلكتروناً، الإلكترونات في اليورانيوم ثلاثة وخمسين إلكترون، وكلما زادت الإلكترونات في هذه الذرة كان هذا العنصر أو هذه المادة أقدر على نقل الشحنة الكهربائية، وكلما قلَّت هذه الإلكترونات كلما كانت هذه الحركة والقدرة على نقل القوة الكهربائية والشحنة الكهربائية غير قوية بمعنى: أن هناك تعادلاً كهربائياً بين الشحنة السالبة الموجودة في الإلكترونات والشحنة الموجبة الموجودة في النواة، فإذا تخلخل هذا التعادل حصل انفجار، وما تسمعون عنه الآن من تفجير الذرة، ما هو تفجير الذرة؟ تفجير الذرة هو خلخلة النظام والتعادل الكهربائي بين الإلكترونات وبين النواة، وجاءوا طبعاً بأغلى مادة يوجد فيها أكثر عدد من الإلكترونات وهي اليورانيوم، واليورانيوم معدن غالي الآن، ومنه تصنع القنبلة الذرية.

    هذا اليورانيوم استطاعوا أن يشحنوا ذراته، واستطاعوا أن يفصلوا هذه الشحنات الموجودة -السالبة والموجبة- يحصل من هذا الانفصال تفجير، وبقدر قوة وعدد الإلكترونات والذرات يحصل قدرة التفجير، هذه الذرة عالم! من المجرة إلى أعلى شيء في الكون وهي المجرات التي تتكون منها المجموعات الشمسية.

    كل شيء في هذا الكون خلقه الله وأعطاه الهداية، وأعطاه القدرة على أن يسير في الخط الذي رسمه له الله، ولا تتصوروا أن الحيوانات والطيور والحشرات تعيش هكذا من غير نظام .. لا. هذه عوالم لها أنظمة.. لها سنن.. لها قوانين.. لها أحكام.. لها شرائع.. تعرفون وتسمعون النملة التي مر عليها سليمان ودخل وادي النمل: قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ [النمل:18] واحدة من النمل رأت الوفد والموكب آتياً، فخشيت أن يتعرض هذا الخلق للإبادة؛ نظراً لأنه لم يعد يراهم، أنت عندما تمشي في الطريق لا تنظر في الأرض حتى ترى النمل الصغير، فلما رأته قامت هي ونادت وقالت: يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [النمل:18].

    يقول المفسرون: إنها نادت.. وأمرت.. ونهت وحذرت.. واعتذرت.. فنادت قالت: (يا أيها النمل) وأمرت: (ادخلوا مساكنكم) ونهت وحذرت فقالت: (لا يحطمنكم سليمان وجنوده) واعتذرت، قالت: (وهم لا يشعرون) لا يدرون، لا يرونكم..! هذه هل عندها عقل أم ليس عندها عقل؟! عندها عقل.

    يذكر ابن القيم رحمه الله في كتاب له اسمه "مفتاح دار السعادة" يقول: إن رجلاً كان في سفر، وفي الطريق مر على شجرة، فجلس تحتها يستظل، وبينما هو مستظل إذا بمجموعة وقوافل من النمل تمشي، يقول: ونملة من النمل خرجت من السير ورأت لها رجل جرادة فأرادت أن تحمله ليكون لهم غذاء، يمكن أن يعيش عليه النمل شهراً، فحاولت حمله من كل جانب فلم تستطع، فتركته ورجعت إلى الخط العام، وأمسكت لها ست نمل من جماعتها، فأخبرتهن فجئن إليها.

    يقول: لما رأى الست نملات قام وحمل رجل الجرادة، وفي المنطقة نفسها بحثت النمل فلم تجد رجل الجرادة؛ فاعتذرت منهن وودعتهن فرجعن، ولما دخلت النمل في الخط العام رجعت في رحلتها فوضع الرجل في مكانها؛ فلما جاءت ورأتها رجعت بسرعة لتستدعي النمل، فقالت: ارجعوا!

    فرجع النمل فقام هذا الإنسان وأخذ رجل الجرادة (منكد هذا الإنسان!) ينكد على هذه الضعيفة، فاعتذرت منهن، وقالت: الحقيقة أنا وجدتها لكن لا أدري أين ذهبت! فسامحنها في المرة الثانية ورجعن، ولما رجعت وضعها مرة ثالثة، فلما رأتها جاءت مسرعة جداً ودعت الست نملات، فرجعن معها ولكنه أخذها للمرة الثالثة، فلما أتت النمل في المرة الثالثة ولم تجدها مباشرة أحطن وأمسكن بها .. انتهى الأمر مقبوض عليها! هذه كذابة! هذه تقدم معلومات غير صحيحة وغير دقيقة .. تكذب على الأمة! فما الذي حصل؟

    أخذتها مجموعة النمل حتى أتت إلى الخط العام، فوقفت على الخط وأعلنت حالة تنفيذ حكم واحد على هذه الكذابة، وقام النمل كله وتجمع من أول الطريق ومن آخر الطريق وعمل دائرة وأخذوها ووضعوها في الوسط ثم انقضوا عليها من كل جانب وقطعوها قطعة قطعة.. هذا نظام أم ليس بنظام؟!

    عالم النحل -تعرفون النحل- كيف هذا العالم الدقيق؟

    كل مخلوق وكل موجود من الذرة إلى المجرة، كله يمشي وفق الاتجاه الذي خلقه له الله تعالى من أجله، فيجب أن تعتقد أنت عقيدة جازمة، أن الله هو خالق كل شيء؛ لأن الله يقول: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [الزمر:62] متصرف، مالك الملك، مالك كل شيء، له الأمر -تبارك وتعالى- من قبل ومن بعد.. هذه الأولى.

    الثانية: أن تعتقد أنه ما دام أنه الخالق لوحده، فيجب أن يكون هو الآمر لوحده ولا ينازع في أمره.

    الثالثة: أن حكمة الله عز وجل اقتضت إرسال الرسل لبيان مراد الله، فقال: رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:165].

    فاقتضت حكمة الله أن يرسل الرسل، وأن ينزل عليهم الكتب، من أجل بيان الطريق إلى الله تبارك وتعالى، وهذا الطريق بدأه من الأنبياء نوح عليه السلام، وختم بمحمد صلى الله عليه وسلم، ثم ختم بالكتاب الكريم المهيمن وهو القرآن العظيم الذي فيه كل شيء: مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام:38].

    وتضمن الكتاب الكريم الشريعة والعقيدة، وتضمن الإيمان كله مع أركانه: الإيمان بالله.. الإيمان بالكتب.. الإيمان بالرسل.. الإيمان بالملائكة.. الإيمان بالبعث بعد الموت.. الإيمان بالقدر خيره وشره من الله عز وجل.. الإيمان بالجنة.. الإيمان بالنار.. الإيمان بالحوض.. الإيمان بالصراط.. الإيمان بالميزان.. الإيمان بالقبر.. الإيمان بكل المغيبات التي أخبر بها الله في كتابه، أو أخبر بها رسوله صلى الله عليه وسلم بسنته.

    المسار الثاني: العمل الصالح

    وبعد الإيمان الطريق الثاني وهو العمل الصالح الذي هو ممثل في الشريعة، فلنصل الصلوات الخمس بكمال الطهارة والخشوع والخضوع في جماعة المسلمين، ولنؤد الزكاة، ولنصم رمضان، ولنحج البيت الحرام، ولنقرأ القرآن، ولندع إلى الله، ولنأمر بالمعروف، ولننه عن المنكر، ولنتعلم دين الله؛ لأن هذه رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم ونحن ورثته: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف:108].

    ولكن "على بصيرة" هذه كلمة مهمة؛ لأن من الناس من يدعو إلى الله على غير بصيرة فيعميها، يريد أن يكحلها فيعميها، والبصيرة: هي الفقه في الدين والفهم لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأسلوبه وهديه في الدعوة، هدي الرسول صلى الله عليه وسلم واضح، وهو: الحكمة واللين، وعدم العنف، والصبر، والتؤدة، لكن القسوة والعنف والشدة والمضاربة هذه ما تؤدي إلى دعوة، تؤدي إلى ردود فعل تجعل الناس أعداءً للدين، حتى في بيتك أنت الآن عندما تأتي وأنت مستقيم ملتزم متدين وتريد الهداية، تدخل البيت وربما تجد أشياء لا تحبها، وتجد أنها مغايرة ومناقضة لما ينبغي أن يكون.

    وتريد أن تغير الوضع في البيت بمجرد قلم منك، فتقوم بالصياح على أبيك وأمك وعلى إخوانك، وتظن بهذا أنك تدعو إلى الله..! ليس هذا أسلوب الدعوة، أنت بهذا الأسلوب عندما تقف بقوة وبعنف وبمجابهة مع أمك وأبيك وإخوانك تضطرهم إلى أن يقفوا ضدك، ويكرهوك ويكرهوا دعوتك ودينك، وبالتالي يعادونك، وأي شيء يرون أنه يغيظك يعملونه بدلاً من أن يكونوا أنصاراً لك على الخير وأعواناً على الدين.

    أذكر لكم قصة لشاب من الشباب الطيب عمره ست عشرة سنة -وقد هداه الله ووفقه- ولكنه مسكين بحكم عدم السعة بالعلم، دخل إلى البيت وأخذ يغير من قريب ومن بعيد، ويخاصم، ويصيح على أمه وأبيه وإخوانه.. المهم أن أمه ضجرت منه وتصدت له، وأصبحت تبحث عن كل شيء يغيظه تفعله.. قال لها: لا تخرجي إلى السوق، قالت: لا. والله سأخرج. وكانت تخرج إلى السوق وهي متغطية فأصبحت تخرج وهي كاشفة! إذا دخل ورأته وكان الراديو مغلقاً ترفع الصوت جداً، وتقول: إن كنت رجلاً تعال وأغلقه، وإذا اقترب منها ضربته بالعصا.. المهم صارت تعاديه في كل شيء، وأخيراً اضطر المسكين إلى أن يخرج من البيت، والخروج من البيت هدف من أهداف الشيطان من أجل زعزعة كيان الأسرة وفك رباطها، وفي نفس الوقت إظهار أنك -ما شاء الله- تحب في الله وتبغض في الله، وكنت فاشلاً في دعوتك مع أرفق الناس بك أمك وأبيك، فأعلنت التمرد عليهم والسلبية.

    وهذه طريق سهلة يستطيع كل واحد أن يعملها: أن أترك أهلي وأذهب لأقعد في المسجد.. هذه سلبية، الإيجابية أنني أستطيع أن أصلح هذه الأم، وأن أصلح هذا الأب وأصلح الإخوان، فبم أصلحهم؟

    بالصبر.. بالأسلوب.. بالحكمة.. أصبر عليهم ولا أجادلهم، حتى ولو أراهم على المنكرات، أنا نفسي آخذ بالكمال.. أنا نفسي كإنسان ملتزم لا أسمع حراماً .. لا أمشي في الحرام.. لا آكل الحرام.. لا أسهر على حرام.. آخذ نفسي بكل كمال.. لكن غيري آخذهم بالقوة؟ كلا. كلا، بل آخذهم باللين، والذي يطيعني الله يحييه والذي لا يطيعني الله يجزيه الخير أدعو له في الليل والنهار.

    أما أن الذي يطيعني الله يحييه، والذي لا يطيعني الله يلعنه، والله لا يُرد عليه إلا بقول: هذا خبيث، هذا ليس فيه خير، وأبغضه وأخاصمه.

    سبحان الله! أنت كنت من قبل هكذا، أنت متى اهتديت؟ بعض الشباب ليس له سوى شهرين أو ثلاثة أو أربعة أو سنة، حسناً أنت كنت ضالاً، لو أنه جاء أحدهم وأنت عاصٍ وضال وجاءك بهذا الأسلوب، بالله كيف يكون وضعك؟ أكنت تطيعه أو تضاربه؟ تضاربه رأساً، وتقول له: اذهب يا شيخ وريحنا منك.. لكن ربي هداك، ولهذا يقول الله: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللهُ عَلَيكُم [النساء:94] الله منَّ عليك بالهداية فارحم هؤلاء الناس.

    فهذا الشاب يقول: بعدما تعب منها خرج، وجاءني يشكو عليَّ، فلما شكا عليَّ قلت له: يا أخي أنت أخطأت، حقيقة أنت السبب في فساد أمك، أمك طيبة وصالحة، ولكن أسلوبك هو الذي أفسدها، وعليك أن تصلح ما أفسدت.

    قال: كيف أصلح ما أفسدت؟

    قلت له: ارجع إلى البيت.

    قال: كيف أرجع والمنكرات؟

    قلت له: في غرفتك لا تسمع المنكرات ولا تنظر إلى المنكرات، لكن لا تقل لهم شيئاً، جئت وهم على المنكرات دعهم، أمك تريد أن تخرج إلى السوق اذهب معها، يقول الله: وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا [العنكبوت:8] لكن: وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً [لقمان:15] فأنت في نفسك لا تطعهم في المعصية لكن دعهم على ما يريدون وتدرج رويداً رويداً.

    اغتنم الفرص، اهتم بالمناسبات، استغل الأوقات التي يكون فيها يقظة عندهم مثل الوفاة، مثل المرض، مثل الموعظة، عظهم بكلمة، لا تعطهم الكثير، بل مثل المريض، الآن المريض إذا أتيت عليه وهو مريض سوف يموت هل تفتح فمه وتدخل الأرز غصباً؟ هو لا يريد الزاد، هو مريض الآن، تأتي له بالأرز واللحم وتأتي له بالإدام والفاكهة، وتقول له: كل. يقول: لا والله. فماذا يحصل؟ ماذا تقول له؟ تقول له: من فضلك، لأجل خاطري، هذه الملعقة فقط، والله إذا لم تأكل الزاد لن آكل ولن أتغدى، أكرمني هذه المرة، فيقول: يا ولدي.. أنا لا أريد أن آكل، أو تقول أمك -إذا كبرت-: يا ولدي أنا لا أريد أن آكل، يا ولدي أنا مريضة، فتقول: لقمة فقط، فتقول: هات هذه اللقمة، وتأكلها بغصب.

    أو أنك تقول: لا والله لا بد أن تأكل غصباً عنك، ثم تأخذ وتمسك لحيته من فوق ومن تحت ثم تأتي بالصحن وتصبه! لو فعلت هذا ماذا يحصل؟ ماذا يقول لك أبوك أو أمك؟ يقول: الله لا يكثر خيرك، ولا يجمل حالك أنت ولا زادك، لا أريد الزاد بهذه الطريقة، أكثر الشباب الآن.. لا، يريد أن يغصب أمه أو أباه ويدحس الدين دحساً في قلوبهم، اسمعي.. اسمعي، خذي.. حتى تكرهك، وتقول: اتركنا منك ومن كتبك وأشرطتك ودينك.. يا أخي! هذا الأسلوب ليس من أساليب الدعوة، الأسلوب يكون باللين، تأخذها مرة بالسيارة وتسمعها شريطاً، إذا قالت: أغلق، تقول: طيب.

    فقال لي هذا الرجل: والآن ماذا أفعل؟ فقلت له: الآن اذهب إلى البيت وثلاثة أشهر لا تقل لها ولا كلمة، إلا عندما تحييها في الصباح وفي المساء، وتسلم على يدها ورأسها، وتقبلها، وتطيعها، ولا تغير منكراً، قال: طيب، جزاك الله خيراً.

    ذهب الرجل ثلاثة أشهر وهو مثل العسل في البيت، جالس معهم في البيت، وأي طلب يرسلونه يذهب هو، وكان في السابق لا يدخل البيت وإنما يبقى مع الإخوان في الله، مع الزملاء، لا يشتري لأهله شيئاً ولا ينفعهم بشيء، لكن الآن عندما ذهب وأصبح موجوداً باستمرار، أي طلب إلا وهو الأول؛ أحبوه.. فهو معهم موجود في البيت.

    بعد ثلاثة أشهر قالت الأم: تعال يا ولدي -الله يوفقك- الحمد لله الذي هداك -انظر.. اعتبرت سكوته هداية على مفهومها هي- ماذا بك؟ فقال لها: الحمد الله، الحقيقة أنا كنت من قبل مخطئاً، كنت أغير عليك، وأنت فيك خير، وأنت طيبة، وأنت فيك دين وإيمان، لكن أنا المخطئ، أنا قليل الدين، أنا الذي ما عرفت كيف أتكلم ولا شيء، الآن ماذا تريدين؟ قالت: يا ولدي.. ما رأيك في السوق؟ قال: ليس فيه شيء، اخرجي، ولو خرجتِ ماذا يضر؟

    أنت صاحبة دين، وأنت فيك غيرة، قالت: يا ولدي والله لن أخرج مرة ثانية لأجل خاطرك، انظر كيف أتت المبادرة منها هي، والله لن أخرج مرة ثانية .. وهذا السوق خبيث، ليس فيه إلا رجال وليس فيه شيء، اذهب يا ولدي وائت لنا بالمقاضي، قال: أبشري، ما دام عرفتِ فأنا خادمكِ، أي طلب تريديه أنا آتي لكِ به، وأرجع الذي لا يصلح، ولو يطلع ويرجع عشر مرات.

    قالت: وهذا الفيديو -لديها فيديو وأفلام- ما رأيك فيه؟ قال: ليس فيه شيء، اتركيه، الذي يريد أن يشاهد يشاهد، والذي لا يريد أن يشاهد على (كيفه) قالت: أعوذ بالله! كيف أتركه في بيتنا، وأنت ولدنا وفيك خير وأنا إن شاء الله فيَّ خير، وأبوك فيه خير؟ والله لن يجلس في البيت، أخرجه، أصبحت أمه داعية، ذهب أبوه في الليل يريد أن يسهر، قالت: انظر.. ربي رزقنا بولد صالح وطيب، ونحن نعاديه وضده، لماذا؟

    ما رأيك لو ولدنا فاسق أو زاني أو يبيع مخدرات أو مع الخمور أو في القهاوي؟ هل نحن نغضب؟ قال: نعم والله نغضب، قالت: طيب لما هداه ربي هل يصلح أن نعاديه؟ قال: لا والله، بل نعينه.

    وبعد ذلك وإذا بالأسرة كلها، جاء الإخوان يقول الولد: كنت أذهب إلى المسجد وأصلي في الأمام، وآخذهم بالعصا أضربهم بها، فيخرج واحد يختبئ في الحمام، والثاني يختبئ في (الحوش) وأضاربهم ولا أقول لهم شيئاً، أما الأب فقال: انظروا والله لو يتأخر واحد عن المسجد .. لأن كلمة الأب ليست مثل كلمة الأخ، أنت تهدد لكن ليس لك عليهم سلطة فهم إخوانك، لكن أبوك إذا هدد يملك أن يصنع شيئاً، فكان الأب وكانت الأم وكانت الأسرة كلها في سبيل الهداية بسبب لطف الولد، الدعوة تكون بأسلوبك ومنهجك ولكن باللطف، لا تستعجل.

    الهداية تنقسم إلى قسمين: هداية إرشاد ودلالة، وهداية اتباع واهتداء.

    الأول: على الأنبياء وأتباعهم.

    والثاني: لله.

    حسناً أنت تريد أن تبقى على ما تشاء، تريد أن تدعو الآن، أو تريد أن تدعو الناس غداً، أو أنت على مراد الله؟!

    أنت على مراد الله، وليس الله على مرادك، الله إذا أراد لك الهداية التزمت، أنت اسلك فيها فقط، ولذلك يقول الله عز وجل: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص:56] وقال:إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ [الشورى:48] .. لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ [البقرة:272] هداهم ليس بيدك، ما أدراك لعلك يوماً من الأيام تقول لواحد: قال الله وقال رسوله، وإذا لم طعك تقاطعه، تقول: والله هذا خبيث وليس فيه خير.. لا يا أخي.. فيه خير ولكن لم يأذن الله بعد.

    مريض.. الآن يريد أن يدخل المستشفى هل بمجرد دخوله واستلقائه على السرير وإعطائه إبرةً وحبوباً، إذا لم يقم متعافياً وإلا أخرجوه، وقالوا: هذا أعطيناه إبرة في الصباح، وأعطيناه إبرة في الظهر، وأعطيناه إبرة في المغرب، وأعطيناه حبوباً وشراباً ثم لم يتعاف، هذا ليس فيه خير..اتركوه!

    ما رأيكم: هل يفعلون هكذا، أو يصبرون عليه؟ يصبرون عليه، يعطى حبوباً في الصباح، وحبوباً في المساء شهراً وشهرين، وسنة وسنتين، وقياس ضغط، وحرارة، ومراجعة، وكشفية، وعمليات، وإشاعات، وفحوصاً، حتى يعافيه الله، وهل العافية بيد الطبيب؟ والله لو أنه بيده لكان من يوم أن دخل لا يبقى مريض في المستشفى، لو أن العافية بيد من يبني المستشفى والطبيب كان كل من يدخل قال: اكتبوا لهذا العلاج وأخرجوه، خلصونا منه.

    لكن ليس لديه عافية، لديه علاج والعافية بيد الله، وأنت تعرف العلاج والعافية بيد الله، لكن إذا استعجلت الهداية وطلبت أن يكون الله على مرادك بحيث إذا لم يهده الله قاطعته، لا. فأنت مخطئ ولا تصلح للدعوة، أنت لا تدعو إلى الله بل تدعو إلى نفسك، أنت لا تعرف سنة الله في الهداية، أنت تفسد أكثر مما تصلح، يمكن كان الناس قبل هدايتك أحسن حالاً منك، لكن بأسلوبك وعنفك وشدتك جعلت الناس كلهم أعداء لدينك بسوء خلقك، لكن اصبر وتمهل، واجعل عندك نفساً طويلاً، وادع الناس في النهار إلى الله، وادع الله في الليل للناس.

    الطفيل بن عمرو من قبائل زهران ذهب إلى قبيلته ودعاهم فطردوه، ثم رجع إلى المدينة قال: يا رسول الله! هؤلاء دوس ليس فيهم خير، ادع الله عليهم أن يهلكهم، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه ثم قال: (اللهم اهد دوساً وائت بهم جميعاً) ما قال: اللهم أهلك دوساً، ثم قال للطفيل: (اذهب وانظر كيف صنعوا). فلما ذهب ما رجع إلا بسبعين من أهل دوس كلهم مؤمنون، بأسباب الدعوة والحكمة، وقد قال الله تعالى: وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ [آل عمران:159].

    ويحدثنا أحد الإخوة يقول: إنه كان في الرياض ذاهباً إلى الصلاة -وهو في الهيئة- وهو مأمور أن ينبه الناس إلى الصلاة، فمر على أحد الناس وقد أذن المؤذن وأوشكت الصلاة على الإقامة، وهو جالس في الدكان (جزار يبيع لحماً) ولا يريد أن يصلي لأنه ملطخ بالدماء ولا يعرف كيف يصلي، ومر عليه، كان يغلق قبل خوفاً من رجال الهيئة، لكن تأخر في الإغلاق فمر عليه هذا وقال له: لماذا لا تصلي يا حمار؟ فالآخر غلبه الشيطان والسكين في يده، فقال: أنا حمار؟ تعال أريك من الحمار.. وهجم عليه بالسكين، فالآخر خاف ولم يعرف كيف يقابله، الأول لديه سكين وهذا ليس معه إلا السواك؛ فهرب إلى البيت، وإذا به يغير ثوبه وبشته وحذاءه وتلثم، ثم مر على الدكان وإذا بالأول ما زال يشتعل ويتقلب من شدة الغضب، يريد أن يفتك بأي شيء، وإذا بهذا يقول له: السلام عليكم، كيف أنت يا أخي؟ عساك طيب، بارك الله فيك، الله يوفقك، الله يهديك، أرى الإيمان في وجهك، انظر كيف الدين في وجهك يا أخي، أما سمعت الأذان والآن تقام الصلاة؟ ما رأيك؟ كل الناس يموتون، والله لا ينفعنا في هذه الدنيا إلا الصلاة والعمل الصالح، هل تريد أن تكون في النار؟ هل تريد أن تكون مثل اليهود والنصارى؟ يا أخي! انظر العصاة كثير، وأنا ما نصحتهم كلهم وما نصحتك إلا أنت لأن الخير في وجهك، فذاك سكن غضبه، وقال: جزاك الله خيراً يا أخي، الله يجزيك الخير، والله مر شخص أراد أن يذبحني أو أذبحه: أتى ليقول لي: صل يا حمار.. وهل الحمار يصلي..؟! قلت: والله سأريه أنني حمار أو هو لكنه هرب؛ والآن جزاك الله خيراً يا أخي، ولكن كيف أصلي وأنا نجس؟ قال: كيف نجس؟ قال: عليَّ جنابة.

    فهذا ما يعرف الصلاة، فأراد أن يغلق عليه الدكان بحيث يهرب لا من هنا أو من هناك، لكن الموعظة الطيبة رققت قلبه ودعته إلى الله، قال: بسيط يا أخي بسيط، هيا معي إلى البيت، عندي بيت قريب من هنا تتوضأ فيه وتغير وتغتسل، وعندي ثوب سأعطيك إياه لكي تصلي فيه، وبعد ذلك أعلمك كيف الوضوء وكيف الصلاة، وإن شاء الله أملي فيك خير وأنك من أهل الجنة إن شاء الله، ولا زال يشجعه؛ فأغلق الدكان وذهب معه إلى البيت -وقد فاتتهم الصلاة- فاغتسل الرجل وأعطاه ثوباً وسروالاً و(فنيلةً) و(غترة) وطيبه، ودخل به إلى المجلس وصلى به، نعم فاتت عليه الصلاة لكنه أنقذ مسلماً من النار، فاتته فريضة لكنه أحيا نفساً: وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً [المائدة:32].

    بعد ذلك قال له: ما رأيك في الرجل الذي أتاك في السابق؟ قال: الله لا يذكره بالخير! والله لو أنني لحقته لذبحته أو يذبحني. قال: ما رأيك لو تسامحه لوجه الله؟ سامحه لوجه الله.. قال: الله يسامحه، ما دام أنني اهتديت الله يسامحه. انظر لو كان كما كان قبل أن يهتدي لما سامحه، لكن لما اهتدى أصبح عنده وازع الدين. قال: حسناً، ما رأيك كيف أصنع بهذه الجزارة؟ عملنا فيه لحم، ودماء، وكروش، كيف أصلي وكيف أشتغل؟

    قال له: الجزارة هذه مهنة لا تصلح لك، مهنة لا تعينك على طاعة الله، والأولى أن تبحث لك عن مهنة ثانية. قال: أي مهنة؟ قال: حول محلك هذا من محل جزارة إلى محل فاكهة، بيني وبينك؛ مني رأس المال وأنت منك الجهد. قال: جزاك الله خيراً. ويقوم هذا الأخ ويشاركه في هذا المحل ويصير الجزار من الطيبين ومن الصالحين بالأسلوب الطيب.

    الدعوة إلى الله يا إخوان تحتاج إلى لطف، وإلى طريقة حسنة، وأسلوب طيب، حتى يقبل الناس منك إذا كنت تدعو إلى الله، أما إذا كنت تدعو لنفسك، لكي يقال: فلان شجاع وبطل وغيور على محارم الله، فهذا رياء، والله لا يقبله، والله يقول: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً [الفرقان:23].

    العمل الصالح: صلاة وزكاة وصيام وحج وبر للوالدين، هذه ننبه عليها الشباب الذين اهتدوا، من الشباب من يهتدي لكنه يعق أمه.. لا يجوز لك أبداً، لا يجوز لك بأي حال من الأحوال أن تعقها حتى ولو كانت فاسدة، حتى ولو كانت مشركة: وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً [لقمان:15] لا تطعها في معصية الله، لكن في غير ذلك يجب عليك أن تطيعها في كل شيء، والأم إذا عاملتها باللين والطاعة فإنها سوف تستجيب لك إن شاء الله.

    صلة الأرحام.. إكرام المسلمين.. زيارة إخوانك في الله.. كل هذه من الطاعات، نكون بهذين الأمرين: الإيمان والعمل الصالح قد قطعنا المسارين وقطعنا الطريق إلى الجنة إن شاء الله.

    1.   

    الطريق إلى النار يكون عبر مسارات

    بقي الطريقان المانعان من الجنة المؤديان إلى النار، وهما طريقان في عكس الاتجاه وهما: طريق الشرك بالله وطريق المعاصي.

    المسار الأول: الإشراك بالله

    فالشرك بالله: أن تعبد مع الله غيره، وأن تجعل لله نداً وقد خلقك، أن تحب إنساناً أكثر من الله، أن تخاف من إنسان أكثر من الله، أن تصرف أي شيء من أنواع العبادات من رهبة أو رغبة أو خشوع أو خضوع، أو استغاثة أو استعانة لغير الله تبارك وتعالى، أو دعاء أو نذر، أو رجاء أو توكل أو أي شيء من أنواع العبادة يجب ألا يصرف إلا إلى الله.

    ثم لا ندعو ولياً ولا نبياً، ولا نذهب إلى كاهن ولا إلى عراف ولا مشعوذ، ولا نصدق أحداً من هؤلاء الكاذبين الذين يدعون أنهم يعالجون علاجاً عربياً، إنما هي كهانة وشعوذة، أما العلاج الشرعي من كتاب الله وسنة رسول الله أو من أدوية محسوسة مثل الحبوب، أما كتاب وتذهب تمحيه وتشرب ماءه، فهذا كله كهانة وشعوذة.. هذا هو الطريق الأول وهو الشرك بالله.

    المسار الثاني: المعاصي والذنوب

    المسار الثاني: مسار المعاصي والذنوب، وطريق المعاصي والذنوب ووصولها إليك من سبعة أبواب:-

    باب العين: ومعصيته النظر المحرم إلى النساء، أو إلى ما متع الله به الناس من متاع الحياة الدنيا.

    والأذن: ومعصيتها سماع الغناء، أو الغيبة أو النميمة، أو ساقط القول، أو رديء الكلام.

    الجارحة الثالثة هي اللسان: وهو كثير الآفات، فيه أكثر من تسع عشرة آفة: الكذب .. الغيبة.. النميمة.. الجدال.. المراء.. القول بالزور.. القول على الله بغير حق.. الخوض فيما لا يعني.. الخوض في الباطل.. الحلف الفاجر.. إخلاف الوعد.. كل هذه من اللسان.

    هذه ثلاث جوارح.

    الجارحة الرابعة: اليد، ومعاصيها أن تمدها إلى ما حرم الله، أو أن تكتب بها شيئاً حرمه الله، أو أن تأخذ بها شيئاً حرمه الله.

    الجارحة الخامسة: الرجل، ومعصيتها أن تنقلك إلى مكان لا يرضى الله عنه.

    الجارحة السادسة: الفم والبطن، ومعصيته أن ينزل فيه شيء حرمه الله من رباً أو حرام، أو رشوة أو تبغ أو دخان، أو (شمة) أو (جراك) أو (قات) أو أي شيء من هذه الخبائث، أو خمر أو مخدرات.

    والجارحة السابعة: جارحة الفرج، يزني به الإنسان أو يلوط.

    هذه هي المعاصي، إذا استطعت أن تقيم من نفسك حارساً على أبواب المعاصي السبعة وخلصت من الشرك إلى التوحيد، وقمت بالإيمان والعمل الصالح فقد نجوت، وقد خلصت من الورطة التي ورطها أكثر الناس في هذه الدنيا، ولا مخلص لك من ورطة هذه الحياة إلا بهذا الطريق إن كنت تريد النجاة في هذه الدنيا والآخرة، أما إذا كنت لا تريد فانتظر، قال تعالى: فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ [الأعراف:71].

    أسأل الله تبارك وتعالى أن يسلك بي وبكم سبيل المؤمنين، وأن ينجينا وإياكم من عذابه عز وجل إنه على كل شيء قدير، والله أعلم.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    1.   

    الأسئلة

    الدعوة إلى الله أفضل الطرق المؤدية إلى الجنة

    السؤال: أي الطريقين أفضل: أن أمكث بمصحفي في محرابي متفرغاً لعبادة الله، هارباً من غضب الله، وأستزيد من الأجر، أو أن أدعو إلى الله، وهذا الطريق بلا شك أنه أقل من الأول في كسب الأجر، فأي الطريقين أسلك؟

    الجواب: من قال لك: إن الطريق الثاني هو أقل أجراً من الطريق الأول؟ بل العكس، الطريق الثاني هو أعظم أجراً وأبقى وأدوم من الطريق الأول، الطريق الأول طريق منفعته لازمة لك فقط، حسنات تجمعها لنفسك، لكن الطريق الثاني طريق منفعته متعدية إلى غيرك.

    إذا دعوت إلى الله، وهدى الله على يديك رجلاً واحداً فإنه خير لك من حمر النعم، أو خير لك من الدنيا وما عليها، وأيضاً فإن هداية الإنسان الواحد على يديك ستكون كل أعماله من صلاة وزكاة وصيام وحج وبر وكل حسناته، تأتي يوم القيامة تجدها صورة كأصل في ميزان حسناتك؛ لأن من دل على هدى كان له مثل أجر فاعله دون أن ينقص من أجر صاحبه شيء، ومن دل على إثم أو ضلال كان عليه من الوزر مثل ما على فاعله دون أن ينقص من وزر فاعله شيء.

    فعملية الجلوس في المحراب متضرعاً تقرأ، هذه ليست طريقة الرسل، هل بعث الله الرسل على هذا المنوال، وتركهم يجلسون في المساجد والزوايا يعبدون الله ويتضرعون؟

    لا أبداً. بعث الله الرسل في أواسط أقوامهم وكلفهم بحمل الرسالة، ثم لما انتصر الدين هل جلس الصحابة في مكة والمدينة يتعبدون أم تشتتوا وتفرقوا وماتوا في كل بقاع الأرض؟

    ما من بقعة في السند ولا في الهند ولا في الشرق والغرب إلا وفيها قبر مسلم، كان في إمكانه أن يجلس في زاوية من الزوايا ويقرأ ويتعبد، لكن لا، ما هذا بصحيح، الطريق الدعوة والانتقال بها، ودعوة الناس لكن على هدي الرسول صلى الله عليه وسلم: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ [يوسف:108] الذي لا يدعو إلى الله على بصيرة لا يدعو إلى الله حقيقة، بل يدعو إلى الشيطان وإلى نفسه: أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف:108] نسأل الله لي ولك أن نكون من أهل البصيرة في دين الله.

    كيفية معالجة مرض ضعف الإيمان

    السؤال: أنا شاب أجد في نفسي الثقل أمام الأوامر الشرعية، فهل هذا نفاق؟ وكيف السبيل إلى تقبل الأوامر الشرعية بنفس طيبة؟

    الجواب: هذا ليس نفاقاً ولكنه ضعف في الإيمان، الآن إذا جئت إلى مريض وطلبت منه أن يحمل لك كيساً هل يستطيع حمله؟ مريض على السرير، وقلت له: من فضلك.. ارفع لي هذا الكيس على السرير -كيس أرز أو كيس حبوب أو سكر- لا المريض لا يستطيع، لكن إذا أصبح متعافي نشيطاً فإنه يستطيع، فأنت ثقل الطاعات والأوامر الشرعية عليك يدل على ضعف ومرض في قلبك.

    كيف تعالجه؟

    بالعلاج الإيماني: عن طريق حلق الذكر، ومجالسة العلماء، وكلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومؤاخاة الطيبين، والبعد عن السيئين.. هذه وسائل العلاج، وبعد ذلك بالمجاهدة؛ لأن الله يقول: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت:69].

    والعلم بالتعلم، والصبر بالتصبر، والدين بالمجاهدة، جاهد، أنت يصعب عليك أنك تقوم أو يثقل عليك أن تقوم لصلاة الفجر، ولماذا؟ لأنك تريد النوم، جاهد نفسك حتى تصبح العبادات والطاعات في حقك ملكات راسخة، وعادات ثابتة تمارسها بسهولة، هذه تحتاج إلى مبادرة من نفسك، لا أحد يستطيع أن يداويك في هذا الموضوع، لا تتصور من العالم أن يقول لك: أنا سأحمل عنك جزءاً من الصلاة، لا. ولا المدرس ولا الزميل ولا .. بل أنت أنت، البداية منك، والمبادرة من جانبك، لأنها داخلة ضمن دائرة مسئولياتك أنت، في أن تهتدي وتحمل دين الله بقوة إن شاء الله.

    حكم من أصبح جنباً في رمضان من العادة السرية ولم يغتسل

    السؤال: رجل يعمل العادة السرية ليلة رمضان ثم يتسحر وينوي الصوم ولا يغتسل بل يكتفي بالوضوء، فما رأيكم في ذلك؟

    الجواب: العادة السرية عادة محرمة بالكتاب وبالسنة، والمسلم الوقاف عند أوامر الله لا يعملها، قبل أن نعطيك ونفتيك في سحورك وفي صيامك، نقول: إن هذا محرم؛ لأن الله يقول: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ [المعارج:29] إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ يعني: الإماء فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ [المعارج:30-31] هل تريد أن تكون معتدياً على حدود الله تبارك وتعالى؟

    هذه الآية قد جاءت في سورة المؤمنون، فالله أخبر في هذه الآية أن الذي لا يقتصر على الزوجة أو على ملك اليمين، ويبحث عن شيء فوق ذلك أنه ما أفلح، وأنه عادٍ، وأنه غير حافظ لحدود الله عز وجل، فليتق الله هذا الشاب في نفسه، ولا يعمل هذه العادة.

    والرسول صلى الله عليه وسلم في السنة يقول: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة -يعني: الزواج والنفقة- فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم -ولم يقل: عليه بيده- فإنه له وجاء).

    نكاح اليد الذي يسمونه "العادة السرية" اسمه في الشرع "نكاح اليد" وصاحبه ملعون (لعن الله ناكح يده) وفي الأثر: أنه يأتي يوم القيامة ويده حبلى منه، ما من حيوان منوي يخرج منك عن طريق العادة السرية إلا حملت منه يدك ولكن لا يظهر منه الحمل الآن، ويظهر الحمل يوم القيامة.

    فيا أخي المسلم تب إلى الله أول شيء.

    أما قضية الصوم حال أنك تسحرت ولم تغتسل، فإن الرجل إذا أصبح جنباً -من الحلال أو من الاحتلام- وصام فإن صيامه صحيح؛ لأنه لا يشترط في نية الصوم الطهارة، تقول عائشة (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح جنباً فيصوم ثم يغتسل ويتوضأ) أما هذا الذي يقول: أنه مارس العادة السرية وتوضأ، فوضوءه غير رافع للحدث الأكبر؛ لأن العادة السرية خروج ماء هو مني وفي الحديث (الماء من الماء) أي: ماء الغسل يجب بخروج الماء وهو (المني) أي: أنه يوجب الغسل، فلا يرتفع الحدث الأكبر عنك بالطهارة الصغرى وهي الوضوء، فينبغي لك أن تعود إلى البيت وأن تغتسل وأن تقضي جميع الصلوات التي صليتها بالوضوء؛ لأنها لم تقبل منك.

    كيفية قراءة القرآن وختمه في رمضان

    السؤال: هل يستطيع الإنسان أن يختم القرآن الكريم في شهر رمضان المبارك بكثرة القراءة؟

    الشيخ: حسناً، أولاً: يستطيع الإنسان أن يختم القرآن ليس في رمضان مرة بل في رمضان مرات ومرات، وقد قرأت في كتب العلم وكنت أقف عندهم وأتحير: كيف أن بعض أهل العلم كان له في رمضان ستون ختمة، الشافعي رحمه الله كان يختم في رمضان ستين ختمة، في كل يوم ختمتين، ختمة في الليل وختمة في النهار!

    فأقول في نفسي: كيف؟ هل نقعد شهراً ... ونختم مرة واحدة؟ فجربت مرة من المرات اعتكفت في أحد المساجد، وقلت: لأجربن هذا اليوم، هل أستطيع أن أختم القرآن مرة، فبدأت بعد صلاة الفجر في تلاوة القرآن وانتهيت منه قبل المغرب بحوالي ساعة، ختمته كله، لكنني لم أكن أتوقف إلا للصلاة، فعرفت أن ما ذكر وما نقل أنه صحيح.

    وبعد ذلك قراءتهم رحمهم الله قراءة متمكنة، القرآن اختلط بدمائهم، وأصبحت ألسنتهم وشفاههم كأنها مصنوعة للقرآن، لم يعد فيها تعب، يمارسون القرآن وهو سهل عليهم، رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به -يعني: متمكن، أصبح مثل الآلة- مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران: أجر القراءة وأجر المشقة).

    لكن في سبيل التحصيل، لا يقعد يتعتع في البيت ويقول: أنا أريد أجرين .. لا. إذا كان يتعتع ولا يتعلم هذا يمكن أن يكون عليه وزر، لكن يتعتع عند التعلم والتلقي، فلا بد أن يتعلم حتى يستقيم لسانه، فهذا الأخ الذي يقول: هل يستطيع الإنسان؟

    نعم يستطيع الإنسان أن يقرأ القرآن في رمضان ليس مرة بل مرات كثيرة، ولكن ورد في بعض الآثار: أن السنة ألا يختم في أقل من ثلاثة أيام بلياليها؛ لأنه لو ختم في أقل من ثلاث فسيؤدي هذا إلى انقطاعه عن مصالحه، وربما لا يفهم المراد من القرآن، ولكن الشافعي رحمه الله كان متفرغاً للعلم، ليس له مصلحة واحدة في الدنيا، حتى قيل أنه قال: من اشتغل عن العلم بشراء بصلة لم فاتته مسألة، يقول: من اشتغل عن العلم بشراء حزمة بصل لا يتعلم، فكيف أنه يشتغل عن العلم بشراء (كشف) كل يوم ومعه بيان من زوجته بالحاجات، كيف يتعلم هذا؟ لا يتعلم.. والله المستعان!