اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كيف ندعو إلى الله؟ للشيخ : سعيد بن مسفر


كيف ندعو إلى الله؟ - (للشيخ : سعيد بن مسفر)
إن الله سبحانه وتعالى خلق الجنة والنار، وجعل لكل واحدة منها طرقاً موصلة إليها، فالجنة لها طرق ومسارات إذا بحث عنها الإنسان وسار عليها بلغ مقصده، والنار لها طرق ومسارات؛ فإذا أعرض الإنسان عن الله وجنته والطرق الموصلة إليها سار في طرق الشيطان والنار والعياذ بالله، ومن الأسباب المؤدية لدخول الجنة الدعوة إلى الله، مع الأخذ بالرصيد الكافي من العلم الشرعي، والصبر على ما يعرض للمرء في طرق الدعوة.
خطوات في اختيار الطريق إلى الجنة
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله على نعمه وآلائه التي لا تحصى ولا تعد، له الحمد تبارك وتعالى، وله الفضل والمنة، له الحمد بالإسلام، وله الحمد بالإيمان، وله الحمد بالقرآن، وله الحمد بكل نعمة أنعم بها علينا من قديم أو حديث، أو سر أو علانية، أو حي أو ميت، أو شاهد أو غائب، له الحمد حتى يرضى، وله الحمد إذا رضي.ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.وبعد:فضيلة مدير المعهد.. أيها الإخوة الكرام المشرفون على برنامج التوعية في هذه المؤسسة العلمية..أيها الإخوة الطلاب الذين حرصوا على الحضور في هذا اللقاء المبارك، الذي لم أكن قد تهيأت له بالمادة العلمية التي تليق به، على اعتبار أنه لقاء أخوي فقط، وليست محاضرة أو كلمة، وإن كنت لست من فرسان هذه الميادين، وقد أنفع في مجال ولا أنفع في مثل هذا المجال أمام العلماء، وأمام طلبة العلم المتقدمين في العلم والسن؛ ولكن قِدتُ إليه فنسأل الله أن يعينني وإياكم.هذه الدنيا أو هذه الحياة -أيها الشباب- ورطة، من خلق فيها فقد ورط، ولا مخرج له من هذه الورطة إلا باللجوء إلى الله، يقول الله عز وجل: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ * وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ [الذاريات:50-51].الورطة: هي المهلكة والابتلاء والمحنة والفتنة، الله يقول: إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [الكهف:7] ويقول عز وجل: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [الملك:2] أي: ليختبركم وليوجدكم على مسرح هذه الحياة من أجل الافتتان، ومن أجل الابتلاء والاختبار؛ ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيي عن بينة.لم يؤخذ لنا رأي في قضية وجودنا في هذه الحياة، هل أخذ رأي أحدنا؟ لا. خلقنا رغم إرادتنا، ولم يؤخذ لنا رأي في قضية انتقالنا من هذه الحياة، ولو أخذ لنا رأي ما كان أحدنا يريد أن يموت؛ لأن الإنسان يكد ويتعب ويحصل ويتوظف ويبني ويتزوج ويصير له أولاد، فإذا صلحت له الدنيا من كل جانب جاء الموت ليشطبها من كل جانب.لهوت وغرتك الأماني وعندمـا أتمت لك الأفراح فوجئت بالقبر فليس لنا رأي في المجيء، وليس لنا رأي في الانتقال، وإنما نحن مطلوب منا أن نعمل في هذه الدنيا عملاً صالحاً، والله عز وجل سيجازينا في الآخرة على ضوء ما نعمل في هذه الحياة، فالذي يريد أن يخلِّص نفسه من الورطة، والذي يريد أن يخلِّص نفسه من هذه الفتنة ومن هذا الابتلاء ليس له مجال ولا طريق إلا باللجوء إلى الله؛ لأنه سيقدم على الله شاء أم أبى، وستكون له المعاملة في الآخرة على ضوء معاملته لله في هذه الدنيا.إذا كنت في الدنيا كما يريد الله، كان الله لك في الآخرة كما تريد، وإذا كنت في الدنيا بعكس مراد الله، كان الله لك بعكس مرادك في الدار الآخرة، وأنت الآن تكسب وتعمل، وسوف ترحل وتقدم على الله، وتجيء بشيء مثقل إما بالحسنات أو بالسيئات، والله يقول: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [النمل:89-90] ويقول في آية أخرى: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا [الأنعام:160].فأنت الآن تحصد وتعمل، سواء تعمل في طريق الخير أو في طريق الشر، والناس مذ خلقوا ووطئوا هذه الأرض وهم مسافرون، وما من يوم يمر ولا شهر ينتهي ولا سنة تتبدل إلا وأنت تقطع بهذه السنة وبهذا الشهر؛ وبهذا اليوم وبهذه الساعة وبالدقيقة مرحلة من مراحل عمرك إلى الله وإلى الدار الآخرة، وهذه اللحظة أو هذا اليوم أو هذا الشهر فيه عمل.هل يستطيع الإنسان أن يقف على عجلة الزمن فلا يعمل لا عملاً صالحاً ولا عملاً سيئاً؟ لا. فلا بد من عمل؛ لأنه بين أمر ونهي، وبين طاعة ومعصية، وبين استجابة لله واستجابة للشيطان، فإذا استجاب لله لم يستجب للشيطان، إذا رفض أمر الله استجاب للشيطان، إذا أمره الله بالصلاة وقام إلى الصلاة أطاع الله، وإذا أمره الله بالصلاة ولم يقم قام الشيطان بدعوته إلى النوم وترك الصلاة، فترك الصلاة فأطاع الشيطان، فهو بين أمر الله أو نهيه، وبين أمر الشيطان أو نهيه.وهو يستجيب إما لهذا وإما لهذا، وتنتقل الساعة والشهر واليوم والسنة، وهو يملأ هذه الخزائن بهذا العمل، ثم يقدم على الله تبارك وتعالى، وهناك يجازى على ضوء ما سبق أن قدم وعلى ضوء ما سلك في هذه الدنيا، هذه قضية ليس فيها جدال بين أهل العقول. لكن لسائل أن يقول: كيف الطريق إلى الله؟ ومن أي السبل نسلك على الله؟ لأن الشيطان يسول للناس أن طريق الهداية والالتزام والتدين والاستقامة طريق شائك وطريق صعب، ولا يمكن أن يسير فيه أحد، وأنه طريق معتم ومظلم، والحقيقة عكس ذلك، الطريق إلى الله من أسهل الطرق، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (وإنه ليسير على من يسره الله عليه) اللهم يسره علينا يا رب العالمين! طريق سهل ممهد مضاء واضح، كما سمعتم في خطبة الشيخ سعد كالمحجة البيضاء -المحجة: هي الطريق الواضح- ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، هذا الطريق -طريق الجنة، طريق الإيمان، طريق الهداية، طريق الالتزام- له أربع مسارات، وله أيضاً قبل ذلك ثلاث خطوات:
 الخطوة الثالثة: إصلاح الحاضر بفعل الأوامر وترك النواهي
وماذا بقي معك بعد الماضي والمستقبل؟ بقي الحاضر الذي نعنيه الآن، ما من لحظة تمر عليك الآن إلا ولله عز وجل أمر ونهي عليك، اجتهد أن تنفذ الأمر وتترك النهي فقط، إذا أمر الله بالصلاة تصلي، إذا أمر الله بالصوم تصوم، إذا أمر الله بالحج تحج، إذا كنت صاحب مال وأمر الله بزكاته فزك، ثم ماذا بعد؟نهى الله عن النظر إلى الحرام فلا تنظر إلى الحرام..نهى الله عن سماع الغناء والحرام فلا تسمع..نهى الله عن الغيبة والنميمة فلا تغتب ولا تنم..نهى الله عن البطش باليد في الحرام فلا تبطش بيدك حراماً..نهى الله عن أن تسعى بقدمك إلى الحرام فلا تمش.. لماذا؟أنت مقيد، أنت عبد رباني تسير على نور من الله..أنت تنظر بالله.. وتسمع بالله.. وتتكلم بالله.. وتبطش بالله.. وتمشي بالله.. لأنك عبد مع الله.. نور الله قلبك.. فتح الله بصيرتك.. ربطك به.. لست عبداً حيوانياً.. لست عبداً شهوانياً.. لست إنساناً شيطانياً.. لست عبد هواك ولا عبد شيطانك.. لا.أنت إنسان تسير في الأرض ومعلق بالسماء: أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ [آل عمران:162] .. أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الملك:22] ليس هذا كهذا أبداً.هذه هي المراحل الثلاث التي تصلحها أيها الشاب قبل الهداية: أن تصلح الماضي بالاستغفار، وتصلح المستقبل بالنية الحسنة، وتصلح الحاضر بالعزم على أنك لا تعصي الله فيه، ولا ترتكب معصية ولا تترك لله فيه طاعة.
الطريق إلى الجنة تمر عبر مسارات
أما الطريق فكما يوضحها الشيخ: أبو بكر الجزائري في رسالة له، يقول:الطريق بالنسبة للجنة سهلة جداً، فهناك أربعة مسارات: اثنين في اتجاه الجنة، واثنين في اتجاه النار، الذي في اتجاه الجنة طريق واضح أبيض، محجة بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فيها مساران لا بد من السير فيهما:
 المسار الثاني: العمل الصالح
وبعد الإيمان الطريق الثاني وهو العمل الصالح الذي هو ممثل في الشريعة، فلنصل الصلوات الخمس بكمال الطهارة والخشوع والخضوع في جماعة المسلمين، ولنؤد الزكاة، ولنصم رمضان، ولنحج البيت الحرام، ولنقرأ القرآن، ولندع إلى الله، ولنأمر بالمعروف، ولننه عن المنكر، ولنتعلم دين الله؛ لأن هذه رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم ونحن ورثته: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف:108].ولكن "على بصيرة" هذه كلمة مهمة؛ لأن من الناس من يدعو إلى الله على غير بصيرة فيعميها، يريد أن يكحلها فيعميها، والبصيرة: هي الفقه في الدين والفهم لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأسلوبه وهديه في الدعوة، هدي الرسول صلى الله عليه وسلم واضح، وهو: الحكمة واللين، وعدم العنف، والصبر، والتؤدة، لكن القسوة والعنف والشدة والمضاربة هذه ما تؤدي إلى دعوة، تؤدي إلى ردود فعل تجعل الناس أعداءً للدين، حتى في بيتك أنت الآن عندما تأتي وأنت مستقيم ملتزم متدين وتريد الهداية، تدخل البيت وربما تجد أشياء لا تحبها، وتجد أنها مغايرة ومناقضة لما ينبغي أن يكون.وتريد أن تغير الوضع في البيت بمجرد قلم منك، فتقوم بالصياح على أبيك وأمك وعلى إخوانك، وتظن بهذا أنك تدعو إلى الله..! ليس هذا أسلوب الدعوة، أنت بهذا الأسلوب عندما تقف بقوة وبعنف وبمجابهة مع أمك وأبيك وإخوانك تضطرهم إلى أن يقفوا ضدك، ويكرهوك ويكرهوا دعوتك ودينك، وبالتالي يعادونك، وأي شيء يرون أنه يغيظك يعملونه بدلاً من أن يكونوا أنصاراً لك على الخير وأعواناً على الدين.أذكر لكم قصة لشاب من الشباب الطيب عمره ست عشرة سنة -وقد هداه الله ووفقه- ولكنه مسكين بحكم عدم السعة بالعلم، دخل إلى البيت وأخذ يغير من قريب ومن بعيد، ويخاصم، ويصيح على أمه وأبيه وإخوانه.. المهم أن أمه ضجرت منه وتصدت له، وأصبحت تبحث عن كل شيء يغيظه تفعله.. قال لها: لا تخرجي إلى السوق، قالت: لا. والله سأخرج. وكانت تخرج إلى السوق وهي متغطية فأصبحت تخرج وهي كاشفة! إذا دخل ورأته وكان الراديو مغلقاً ترفع الصوت جداً، وتقول: إن كنت رجلاً تعال وأغلقه، وإذا اقترب منها ضربته بالعصا.. المهم صارت تعاديه في كل شيء، وأخيراً اضطر المسكين إلى أن يخرج من البيت، والخروج من البيت هدف من أهداف الشيطان من أجل زعزعة كيان الأسرة وفك رباطها، وفي نفس الوقت إظهار أنك -ما شاء الله- تحب في الله وتبغض في الله، وكنت فاشلاً في دعوتك مع أرفق الناس بك أمك وأبيك، فأعلنت التمرد عليهم والسلبية.وهذه طريق سهلة يستطيع كل واحد أن يعملها: أن أترك أهلي وأذهب لأقعد في المسجد.. هذه سلبية، الإيجابية أنني أستطيع أن أصلح هذه الأم، وأن أصلح هذا الأب وأصلح الإخوان، فبم أصلحهم؟بالصبر.. بالأسلوب.. بالحكمة.. أصبر عليهم ولا أجادلهم، حتى ولو أراهم على المنكرات، أنا نفسي آخذ بالكمال.. أنا نفسي كإنسان ملتزم لا أسمع حراماً .. لا أمشي في الحرام.. لا آكل الحرام.. لا أسهر على حرام.. آخذ نفسي بكل كمال.. لكن غيري آخذهم بالقوة؟ كلا. كلا، بل آخذهم باللين، والذي يطيعني الله يحييه والذي لا يطيعني الله يجزيه الخير أدعو له في الليل والنهار.أما أن الذي يطيعني الله يحييه، والذي لا يطيعني الله يلعنه، والله لا يُرد عليه إلا بقول: هذا خبيث، هذا ليس فيه خير، وأبغضه وأخاصمه.سبحان الله! أنت كنت من قبل هكذا، أنت متى اهتديت؟ بعض الشباب ليس له سوى شهرين أو ثلاثة أو أربعة أو سنة، حسناً أنت كنت ضالاً، لو أنه جاء أحدهم وأنت عاصٍ وضال وجاءك بهذا الأسلوب، بالله كيف يكون وضعك؟ أكنت تطيعه أو تضاربه؟ تضاربه رأساً، وتقول له: اذهب يا شيخ وريحنا منك.. لكن ربي هداك، ولهذا يقول الله: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللهُ عَلَيكُم [النساء:94] الله منَّ عليك بالهداية فارحم هؤلاء الناس.فهذا الشاب يقول: بعدما تعب منها خرج، وجاءني يشكو عليَّ، فلما شكا عليَّ قلت له: يا أخي أنت أخطأت، حقيقة أنت السبب في فساد أمك، أمك طيبة وصالحة، ولكن أسلوبك هو الذي أفسدها، وعليك أن تصلح ما أفسدت.قال: كيف أصلح ما أفسدت؟قلت له: ارجع إلى البيت.قال: كيف أرجع والمنكرات؟قلت له: في غرفتك لا تسمع المنكرات ولا تنظر إلى المنكرات، لكن لا تقل لهم شيئاً، جئت وهم على المنكرات دعهم، أمك تريد أن تخرج إلى السوق اذهب معها، يقول الله: وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا [العنكبوت:8] لكن: وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً [لقمان:15] فأنت في نفسك لا تطعهم في المعصية لكن دعهم على ما يريدون وتدرج رويداً رويداً.اغتنم الفرص، اهتم بالمناسبات، استغل الأوقات التي يكون فيها يقظة عندهم مثل الوفاة، مثل المرض، مثل الموعظة، عظهم بكلمة، لا تعطهم الكثير، بل مثل المريض، الآن المريض إذا أتيت عليه وهو مريض سوف يموت هل تفتح فمه وتدخل الأرز غصباً؟ هو لا يريد الزاد، هو مريض الآن، تأتي له بالأرز واللحم وتأتي له بالإدام والفاكهة، وتقول له: كل. يقول: لا والله. فماذا يحصل؟ ماذا تقول له؟ تقول له: من فضلك، لأجل خاطري، هذه الملعقة فقط، والله إذا لم تأكل الزاد لن آكل ولن أتغدى، أكرمني هذه المرة، فيقول: يا ولدي.. أنا لا أريد أن آكل، أو تقول أمك -إذا كبرت-: يا ولدي أنا لا أريد أن آكل، يا ولدي أنا مريضة، فتقول: لقمة فقط، فتقول: هات هذه اللقمة، وتأكلها بغصب.أو أنك تقول: لا والله لا بد أن تأكل غصباً عنك، ثم تأخذ وتمسك لحيته من فوق ومن تحت ثم تأتي بالصحن وتصبه! لو فعلت هذا ماذا يحصل؟ ماذا يقول لك أبوك أو أمك؟ يقول: الله لا يكثر خيرك، ولا يجمل حالك أنت ولا زادك، لا أريد الزاد بهذه الطريقة، أكثر الشباب الآن.. لا، يريد أن يغصب أمه أو أباه ويدحس الدين دحساً في قلوبهم، اسمعي.. اسمعي، خذي.. حتى تكرهك، وتقول: اتركنا منك ومن كتبك وأشرطتك ودينك.. يا أخي! هذا الأسلوب ليس من أساليب الدعوة، الأسلوب يكون باللين، تأخذها مرة بالسيارة وتسمعها شريطاً، إذا قالت: أغلق، تقول: طيب.فقال لي هذا الرجل: والآن ماذا أفعل؟ فقلت له: الآن اذهب إلى البيت وثلاثة أشهر لا تقل لها ولا كلمة، إلا عندما تحييها في الصباح وفي المساء، وتسلم على يدها ورأسها، وتقبلها، وتطيعها، ولا تغير منكراً، قال: طيب، جزاك الله خيراً. ذهب الرجل ثلاثة أشهر وهو مثل العسل في البيت، جالس معهم في البيت، وأي طلب يرسلونه يذهب هو، وكان في السابق لا يدخل البيت وإنما يبقى مع الإخوان في الله، مع الزملاء، لا يشتري لأهله شيئاً ولا ينفعهم بشيء، لكن الآن عندما ذهب وأصبح موجوداً باستمرار، أي طلب إلا وهو الأول؛ أحبوه.. فهو معهم موجود في البيت.بعد ثلاثة أشهر قالت الأم: تعال يا ولدي -الله يوفقك- الحمد لله الذي هداك -انظر.. اعتبرت سكوته هداية على مفهومها هي- ماذا بك؟ فقال لها: الحمد الله، الحقيقة أنا كنت من قبل مخطئاً، كنت أغير عليك، وأنت فيك خير، وأنت طيبة، وأنت فيك دين وإيمان، لكن أنا المخطئ، أنا قليل الدين، أنا الذي ما عرفت كيف أتكلم ولا شيء، الآن ماذا تريدين؟ قالت: يا ولدي.. ما رأيك في السوق؟ قال: ليس فيه شيء، اخرجي، ولو خرجتِ ماذا يضر؟أنت صاحبة دين، وأنت فيك غيرة، قالت: يا ولدي والله لن أخرج مرة ثانية لأجل خاطرك، انظر كيف أتت المبادرة منها هي، والله لن أخرج مرة ثانية .. وهذا السوق خبيث، ليس فيه إلا رجال وليس فيه شيء، اذهب يا ولدي وائت لنا بالمقاضي، قال: أبشري، ما دام عرفتِ فأنا خادمكِ، أي طلب تريديه أنا آتي لكِ به، وأرجع الذي لا يصلح، ولو يطلع ويرجع عشر مرات.قالت: وهذا الفيديو -لديها فيديو وأفلام- ما رأيك فيه؟ قال: ليس فيه شيء، اتركيه، الذي يريد أن يشاهد يشاهد، والذي لا يريد أن يشاهد على (كيفه) قالت: أعوذ بالله! كيف أتركه في بيتنا، وأنت ولدنا وفيك خير وأنا إن شاء الله فيَّ خير، وأبوك فيه خير؟ والله لن يجلس في البيت، أخرجه، أصبحت أمه داعية، ذهب أبوه في الليل يريد أن يسهر، قالت: انظر.. ربي رزقنا بولد صالح وطيب، ونحن نعاديه وضده، لماذا؟ما رأيك لو ولدنا فاسق أو زاني أو يبيع مخدرات أو مع الخمور أو في القهاوي؟ هل نحن نغضب؟ قال: نعم والله نغضب، قالت: طيب لما هداه ربي هل يصلح أن نعاديه؟ قال: لا والله، بل نعينه.وبعد ذلك وإذا بالأسرة كلها، جاء الإخوان يقول الولد: كنت أذهب إلى المسجد وأصلي في الأمام، وآخذهم بالعصا أضربهم بها، فيخرج واحد يختبئ في الحمام، والثاني يختبئ في (الحوش) وأضاربهم ولا أقول لهم شيئاً، أما الأب فقال: انظروا والله لو يتأخر واحد عن المسجد .. لأن كلمة الأب ليست مثل كلمة الأخ، أنت تهدد لكن ليس لك عليهم سلطة فهم إخوانك، لكن أبوك إذا هدد يملك أن يصنع شيئاً، فكان الأب وكانت الأم وكانت الأسرة كلها في سبيل الهداية بسبب لطف الولد، الدعوة تكون بأسلوبك ومنهجك ولكن باللطف، لا تستعجل.الهداية تنقسم إلى قسمين: هداية إرشاد ودلالة، وهداية اتباع واهتداء.الأول: على الأنبياء وأتباعهم.والثاني: لله.حسناً أنت تريد أن تبقى على ما تشاء، تريد أن تدعو الآن، أو تريد أن تدعو الناس غداً، أو أنت على مراد الله؟!أنت على مراد الله، وليس الله على مرادك، الله إذا أراد لك الهداية التزمت، أنت اسلك فيها فقط، ولذلك يقول الله عز وجل: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص:56] وقال:إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ [الشورى:48] .. لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ [البقرة:272] هداهم ليس بيدك، ما أدراك لعلك يوماً من الأيام تقول لواحد: قال الله وقال رسوله، وإذا لم طعك تقاطعه، تقول: والله هذا خبيث وليس فيه خير.. لا يا أخي.. فيه خير ولكن لم يأذن الله بعد.مريض.. الآن يريد أن يدخل المستشفى هل بمجرد دخوله واستلقائه على السرير وإعطائه إبرةً وحبوباً، إذا لم يقم متعافياً وإلا أخرجوه، وقالوا: هذا أعطيناه إبرة في الصباح، وأعطيناه إبرة في الظهر، وأعطيناه إبرة في المغرب، وأعطيناه حبوباً وشراباً ثم لم يتعاف، هذا ليس فيه خير..اتركوه!ما رأيكم: هل يفعلون هكذا، أو يصبرون عليه؟ يصبرون عليه، يعطى حبوباً في الصباح، وحبوباً في المساء شهراً وشهرين، وسنة وسنتين، وقياس ضغط، وحرارة، ومراجعة، وكشفية، وعمليات، وإشاعات، وفحوصاً، حتى يعافيه الله، وهل العافية بيد الطبيب؟ والله لو أنه بيده لكان من يوم أن دخل لا يبقى مريض في المستشفى، لو أن العافية بيد من يبني المستشفى والطبيب كان كل من يدخل قال: اكتبوا لهذا العلاج وأخرجوه، خلصونا منه.لكن ليس لديه عافية، لديه علاج والعافية بيد الله، وأنت تعرف العلاج والعافية بيد الله، لكن إذا استعجلت الهداية وطلبت أن يكون الله على مرادك بحيث إذا لم يهده الله قاطعته، لا. فأنت مخطئ ولا تصلح للدعوة، أنت لا تدعو إلى الله بل تدعو إلى نفسك، أنت لا تعرف سنة الله في الهداية، أنت تفسد أكثر مما تصلح، يمكن كان الناس قبل هدايتك أحسن حالاً منك، لكن بأسلوبك وعنفك وشدتك جعلت الناس كلهم أعداء لدينك بسوء خلقك، لكن اصبر وتمهل، واجعل عندك نفساً طويلاً، وادع الناس في النهار إلى الله، وادع الله في الليل للناس.الطفيل بن عمرو من قبائل زهران ذهب إلى قبيلته ودعاهم فطردوه، ثم رجع إلى المدينة قال: يا رسول الله! هؤلاء دوس ليس فيهم خير، ادع الله عليهم أن يهلكهم، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه ثم قال: (اللهم اهد دوساً وائت بهم جميعاً) ما قال: اللهم أهلك دوساً، ثم قال للطفيل: (اذهب وانظر كيف صنعوا). فلما ذهب ما رجع إلا بسبعين من أهل دوس كلهم مؤمنون، بأسباب الدعوة والحكمة، وقد قال الله تعالى: وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ [آل عمران:159].ويحدثنا أحد الإخوة يقول: إنه كان في الرياض ذاهباً إلى الصلاة -وهو في الهيئة- وهو مأمور أن ينبه الناس إلى الصلاة، فمر على أحد الناس وقد أذن المؤذن وأوشكت الصلاة على الإقامة، وهو جالس في الدكان (جزار يبيع لحماً) ولا يريد أن يصلي لأنه ملطخ بالدماء ولا يعرف كيف يصلي، ومر عليه، كان يغلق قبل خوفاً من رجال الهيئة، لكن تأخر في الإغلاق فمر عليه هذا وقال له: لماذا لا تصلي يا حمار؟ فالآخر غلبه الشيطان والسكين في يده، فقال: أنا حمار؟ تعال أريك من الحمار.. وهجم عليه بالسكين، فالآخر خاف ولم يعرف كيف يقابله، الأول لديه سكين وهذا ليس معه إلا السواك؛ فهرب إلى البيت، وإذا به يغير ثوبه وبشته وحذاءه وتلثم، ثم مر على الدكان وإذا بالأول ما زال يشتعل ويتقلب من شدة الغضب، يريد أن يفتك بأي شيء، وإذا بهذا يقول له: السلام عليكم، كيف أنت يا أخي؟ عساك طيب، بارك الله فيك، الله يوفقك، الله يهديك، أرى الإيمان في وجهك، انظر كيف الدين في وجهك يا أخي، أما سمعت الأذان والآن تقام الصلاة؟ ما رأيك؟ كل الناس يموتون، والله لا ينفعنا في هذه الدنيا إلا الصلاة والعمل الصالح، هل تريد أن تكون في النار؟ هل تريد أن تكون مثل اليهود والنصارى؟ يا أخي! انظر العصاة كثير، وأنا ما نصحتهم كلهم وما نصحتك إلا أنت لأن الخير في وجهك، فذاك سكن غضبه، وقال: جزاك الله خيراً يا أخي، الله يجزيك الخير، والله مر شخص أراد أن يذبحني أو أذبحه: أتى ليقول لي: صل يا حمار.. وهل الحمار يصلي..؟! قلت: والله سأريه أنني حمار أو هو لكنه هرب؛ والآن جزاك الله خيراً يا أخي، ولكن كيف أصلي وأنا نجس؟ قال: كيف نجس؟ قال: عليَّ جنابة.فهذا ما يعرف الصلاة، فأراد أن يغلق عليه الدكان بحيث يهرب لا من هنا أو من هناك، لكن الموعظة الطيبة رققت قلبه ودعته إلى الله، قال: بسيط يا أخي بسيط، هيا معي إلى البيت، عندي بيت قريب من هنا تتوضأ فيه وتغير وتغتسل، وعندي ثوب سأعطيك إياه لكي تصلي فيه، وبعد ذلك أعلمك كيف الوضوء وكيف الصلاة، وإن شاء الله أملي فيك خير وأنك من أهل الجنة إن شاء الله، ولا زال يشجعه؛ فأغلق الدكان وذهب معه إلى البيت -وقد فاتتهم الصلاة- فاغتسل الرجل وأعطاه ثوباً وسروالاً و(فنيلةً) و(غترة) وطيبه، ودخل به إلى المجلس وصلى به، نعم فاتت عليه الصلاة لكنه أنقذ مسلماً من النار، فاتته فريضة لكنه أحيا نفساً: وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً [المائدة:32].بعد ذلك قال له: ما رأيك في الرجل الذي أتاك في السابق؟ قال: الله لا يذكره بالخير! والله لو أنني لحقته لذبحته أو يذبحني. قال: ما رأيك لو تسامحه لوجه الله؟ سامحه لوجه الله.. قال: الله يسامحه، ما دام أنني اهتديت الله يسامحه. انظر لو كان كما كان قبل أن يهتدي لما سامحه، لكن لما اهتدى أصبح عنده وازع الدين. قال: حسناً، ما رأيك كيف أصنع بهذه الجزارة؟ عملنا فيه لحم، ودماء، وكروش، كيف أصلي وكيف أشتغل؟قال له: الجزارة هذه مهنة لا تصلح لك، مهنة لا تعينك على طاعة الله، والأولى أن تبحث لك عن مهنة ثانية. قال: أي مهنة؟ قال: حول محلك هذا من محل جزارة إلى محل فاكهة، بيني وبينك؛ مني رأس المال وأنت منك الجهد. قال: جزاك الله خيراً. ويقوم هذا الأخ ويشاركه في هذا المحل ويصير الجزار من الطيبين ومن الصالحين بالأسلوب الطيب.الدعوة إلى الله يا إخوان تحتاج إلى لطف، وإلى طريقة حسنة، وأسلوب طيب، حتى يقبل الناس منك إذا كنت تدعو إلى الله، أما إذا كنت تدعو لنفسك، لكي يقال: فلان شجاع وبطل وغيور على محارم الله، فهذا رياء، والله لا يقبله، والله يقول: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً [الفرقان:23].العمل الصالح: صلاة وزكاة وصيام وحج وبر للوالدين، هذه ننبه عليها الشباب الذين اهتدوا، من الشباب من يهتدي لكنه يعق أمه.. لا يجوز لك أبداً، لا يجوز لك بأي حال من الأحوال أن تعقها حتى ولو كانت فاسدة، حتى ولو كانت مشركة: وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً [لقمان:15] لا تطعها في معصية الله، لكن في غير ذلك يجب عليك أن تطيعها في كل شيء، والأم إذا عاملتها باللين والطاعة فإنها سوف تستجيب لك إن شاء الله.صلة الأرحام.. إكرام المسلمين.. زيارة إخوانك في الله.. كل هذه من الطاعات، نكون بهذين الأمرين: الإيمان والعمل الصالح قد قطعنا المسارين وقطعنا الطريق إلى الجنة إن شاء الله.
الطريق إلى النار يكون عبر مسارات
بقي الطريقان المانعان من الجنة المؤديان إلى النار، وهما طريقان في عكس الاتجاه وهما: طريق الشرك بالله وطريق المعاصي.
 المسار الثاني: المعاصي والذنوب
المسار الثاني: مسار المعاصي والذنوب، وطريق المعاصي والذنوب ووصولها إليك من سبعة أبواب:-باب العين: ومعصيته النظر المحرم إلى النساء، أو إلى ما متع الله به الناس من متاع الحياة الدنيا.والأذن: ومعصيتها سماع الغناء، أو الغيبة أو النميمة، أو ساقط القول، أو رديء الكلام.الجارحة الثالثة هي اللسان: وهو كثير الآفات، فيه أكثر من تسع عشرة آفة: الكذب .. الغيبة.. النميمة.. الجدال.. المراء.. القول بالزور.. القول على الله بغير حق.. الخوض فيما لا يعني.. الخوض في الباطل.. الحلف الفاجر.. إخلاف الوعد.. كل هذه من اللسان.هذه ثلاث جوارح.الجارحة الرابعة: اليد، ومعاصيها أن تمدها إلى ما حرم الله، أو أن تكتب بها شيئاً حرمه الله، أو أن تأخذ بها شيئاً حرمه الله. الجارحة الخامسة: الرجل، ومعصيتها أن تنقلك إلى مكان لا يرضى الله عنه.الجارحة السادسة: الفم والبطن، ومعصيته أن ينزل فيه شيء حرمه الله من رباً أو حرام، أو رشوة أو تبغ أو دخان، أو (شمة) أو (جراك) أو (قات) أو أي شيء من هذه الخبائث، أو خمر أو مخدرات.والجارحة السابعة: جارحة الفرج، يزني به الإنسان أو يلوط.هذه هي المعاصي، إذا استطعت أن تقيم من نفسك حارساً على أبواب المعاصي السبعة وخلصت من الشرك إلى التوحيد، وقمت بالإيمان والعمل الصالح فقد نجوت، وقد خلصت من الورطة التي ورطها أكثر الناس في هذه الدنيا، ولا مخلص لك من ورطة هذه الحياة إلا بهذا الطريق إن كنت تريد النجاة في هذه الدنيا والآخرة، أما إذا كنت لا تريد فانتظر، قال تعالى: فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ [الأعراف:71].أسأل الله تبارك وتعالى أن يسلك بي وبكم سبيل المؤمنين، وأن ينجينا وإياكم من عذابه عز وجل إنه على كل شيء قدير، والله أعلم.والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأسئلة

 كيفية قراءة القرآن وختمه في رمضان
السؤال: هل يستطيع الإنسان أن يختم القرآن الكريم في شهر رمضان المبارك بكثرة القراءة؟الشيخ: حسناً، أولاً: يستطيع الإنسان أن يختم القرآن ليس في رمضان مرة بل في رمضان مرات ومرات، وقد قرأت في كتب العلم وكنت أقف عندهم وأتحير: كيف أن بعض أهل العلم كان له في رمضان ستون ختمة، الشافعي رحمه الله كان يختم في رمضان ستين ختمة، في كل يوم ختمتين، ختمة في الليل وختمة في النهار!فأقول في نفسي: كيف؟ هل نقعد شهراً ... ونختم مرة واحدة؟ فجربت مرة من المرات اعتكفت في أحد المساجد، وقلت: لأجربن هذا اليوم، هل أستطيع أن أختم القرآن مرة، فبدأت بعد صلاة الفجر في تلاوة القرآن وانتهيت منه قبل المغرب بحوالي ساعة، ختمته كله، لكنني لم أكن أتوقف إلا للصلاة، فعرفت أن ما ذكر وما نقل أنه صحيح.وبعد ذلك قراءتهم رحمهم الله قراءة متمكنة، القرآن اختلط بدمائهم، وأصبحت ألسنتهم وشفاههم كأنها مصنوعة للقرآن، لم يعد فيها تعب، يمارسون القرآن وهو سهل عليهم، رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به -يعني: متمكن، أصبح مثل الآلة- مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران: أجر القراءة وأجر المشقة).لكن في سبيل التحصيل، لا يقعد يتعتع في البيت ويقول: أنا أريد أجرين .. لا. إذا كان يتعتع ولا يتعلم هذا يمكن أن يكون عليه وزر، لكن يتعتع عند التعلم والتلقي، فلا بد أن يتعلم حتى يستقيم لسانه، فهذا الأخ الذي يقول: هل يستطيع الإنسان؟نعم يستطيع الإنسان أن يقرأ القرآن في رمضان ليس مرة بل مرات كثيرة، ولكن ورد في بعض الآثار: أن السنة ألا يختم في أقل من ثلاثة أيام بلياليها؛ لأنه لو ختم في أقل من ثلاث فسيؤدي هذا إلى انقطاعه عن مصالحه، وربما لا يفهم المراد من القرآن، ولكن الشافعي رحمه الله كان متفرغاً للعلم، ليس له مصلحة واحدة في الدنيا، حتى قيل أنه قال: من اشتغل عن العلم بشراء بصلة لم فاتته مسألة، يقول: من اشتغل عن العلم بشراء حزمة بصل لا يتعلم، فكيف أنه يشتغل عن العلم بشراء (كشف) كل يوم ومعه بيان من زوجته بالحاجات، كيف يتعلم هذا؟ لا يتعلم.. والله المستعان!

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كيف ندعو إلى الله؟ للشيخ : سعيد بن مسفر

http://audio.islamweb.net