إسلام ويب

الهجرة الهجر العزلةللشيخ : أبو إسحاق الحويني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الولاء والبراء أصل من أصول الإسلام، فلا يتم إيمان عبد حتى يوالي أولياء الله، ويتبرأ من أعداء الله، ومن كل ما يعبد من دون الله .. وحتى تتم البراءة التامة من أعداء الله تعالى فقد شرع الله تعالى الهجرة من أرض الكفر إلى أرض الإسلام، وشرع الهجر لأعداء الله تعالى من الكفار والمشركين وأهل البدع، وكذلك الهجر للمعاصي وأهلها، ولكل شيء يخالف دين الإسلام.

    1.   

    البراءة من أعداء الله ومن كل ما يعبد من دون الله

    إن الحمد لله، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    يعتبر أبو الوفاء ابن عقيل هو أحد علماء الحنابلة، عاش معظم حياته في القرن الخامس الهجري، ومات في أوائل القرن السادس، وهو صاحب أطول كتاب أُلف، لا أقول: في الإسلام فقط، ولكن في الدنيا كلها، فقد ذكر ابن رجب رحمه الله في ذيل طبقات الحنابلة أن له كتاباً يسمى كتاب (الفنون) يقع في ثمانمائة مجلد، وكان واعظاً ماهراً، وعالماً أصولياً بارعاً، له كلمة حكيمة يقول فيها: (إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان، فلا تنظر إلى تزاحمهم على أبواب الجوامع، ولا تنظر إلى صراخهم في الموقف بـ(لبيك اللهم لبيك)، ولكن انظر إلى مواطأتهم لأعداء الشريعة).

    إذا رأيتهم يواطئون أعداء الله ورسوله، ويلقون إليهم بالمودة؛ فلا تغتر بزحامهم على أبواب الجوامع .. إنه يأتي يصلي في الصف الأول ويرتشي .. ويأتي يصلي في المسجد ويزني ويشرب الخمر، فلا تنظر إلى هذا الزحام، ولكن انظر إلى مواطأتهم لأعداء الشريعة.

    نحن اليوم مع ثلاثة نماذج هي آثار للبراء: الهجرة، والهجر، والعزلة.. هذه كلها نواتج للبراءة من أعداء الله ورسوله، وإنما ركزت عليها؛ لأن الولاء لا يكون إلا بعد براءة صحيحة، ألم تسمع إلى قول الله عز وجل: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا [البقرة:256]، فقدم الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله؛ إذ لا يستقيم إيمان بالله إلا بعد كفر بالطاغوت .. رجل عنده بقايا من الكفر بالطاغوت لا يؤمن بالله حق إيمانه، فيبدأ بتطهير قلبه أولاً، كمثل الإناء، فإذا كان في قعر الإناء بقايا طين فصببت فيه الماء الزلال تعكر الماء كله، كذلك إذا كان في القلب بقايا من الإيمان بالطاغوت فصببت فيه الإيمان بالله؛ تعكر الإيمان كله، فلا يسلم لك إيمانك إلا إذا كان القلب نقياً من الكفر بالطاغوت.

    إن مواطأة أعداء الشريعة أعظم جريمة يرتكبها المسلم؛ لأنها باب من أبواب الكفر، والرسول عليه الصلاة والسلام عندما بايع جرير بن عبد الله حين جاءه مسلماً قال: (أبايعك على أن لا تشرك بالله شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتفارق المشركين)؛ وذلك لما لمخالطة المشركين من الأذية على القلب.

    1.   

    مشروعية الهجرة إلى الله تعالى بترك الأهل والأوطان

    حتى تتم لذلك لتتم البراءة شرعت الهجرة، وشرع الهجر، وشرعت العزلة .. فأما الهجرة فنوعان: هجرة، وهجر.

    هجرة بالبدن، وهي: مفارقة الأرض والخلان والأخدان والإخوان, وهذا أعظم ما يفعله العبد المتبرئ من أعداء الله عز وجل؛ لمشقته على النفس، وأول من هاجر هو إبراهيم عليه السلام وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [العنكبوت:26].. وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ [الصافات:99]، فشرعت الهجرة بعده؛ إذ أن الله عز وجل امتن عليه بأن الحنيفية السمحة كانت على يديه ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل:123]، فسنت الهجرة بالبدن ومفارقة الأرض لكل مؤمن يدين بدين الحنيفية بعد إبراهيم عليه السلام.

    وهاجر لوط أيضاً، وهاجر نبينا عليه الصلاة والسلام وأصحابه بإذنه قبل ذلك.

    ومن الخسة بمكان أن يربط المرء عواطفه بتراب، أبى الله للمسلم إلا الرفعة، فلا يربط المسلم نفسه بالتراب، حتى ولو كان أشرف مكان على وجه الأرض وهي مكة .. إن مكة وهي بلد الله الحرام، وهي أحب بلاد الله إلى الله، كانت يوماً ما دار كفر، تركها النبي صلى الله عليه وسلم وهاجر منها، فالمسلم لا يرتبط بأرض أبداً؛ ولذلك قال الله عز وجل: وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [النحل:41-42]، (والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا) أي: أخرجوا قسراً من أرضهم وأموالهم ظلماً وعدواناً .. لماذا تخرجه؟ لماذا تستحل ماله؟ لماذا تشرده؟ هذا ظلم، لكنهم هاجروا في الله من بعد ما ظلموا، (لنبوئنهم في الدنيا حسنة) والحسنة: هي التمكين في الأرض، (ولأجر الآخرة أكبر) إذا وافى ربه عز وجل، فقد أخذ الله عز وجل على نفسه أنه من خرج من أرضه أن تبارك وتعالى يعزه ويوطئ له الأرض، (لنبوئنهم) اللام والنون المشددة للتأكيد، ولأجر الآخرة أكبر.

    ولذلك كان من تمام هجرة المسلمين إلى المدينة: أن النبي صلى الله عليه وسلم منع المهاجر أن يظل في مكة بعد النسك أكثر من ثلاثة أيام، فقال للصحابة: (لا يحل لرجل هاجر من مكة إلى المدينة أن يرجع فيستوطن مكة مرة أخرى)، له ثلاثة أيام بعد النسك فقط، وبعدها لا يحل له أن يبقى في مكة ؛ حتى لا يرجع في ما وهبه وفعله لله عز وجل، فهذه هي هجرة الصحابة رضي الله عنهم.

    ولذلك يقول سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لما مرض في حجة الوداع: (مرضت مرضاً أشرفت فيه على الموت، فعادني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأيته بكيت. قال: ما يبكيك؟ فقلت له: أخشى أن أموت بمكة)، أي: يموت في الأرض التي هاجر منها، يريد أن يكون عمله لله عز وجل؛ لأن أمامه نموذجاً محزناً وهو سعد بن خولة ، فقد مات رضي الله عنه بمكة، فحزن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأى سعد بن أبي وقاص أنه مرض مرضاً شديداً خاف أن يموت بمكة .. ما خاف على أمواله، ولا خاف على بنته الوحيدة آنذاك، إنما خشي أن يموت بالأرض التي هاجر منها، فقال عليه الصلاة والسلام: (لعل الله أن يحييك فينتفع بك قوم ويضر بك آخرون، لكن البائس سعد بن خولة )، يرثي له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مات بمكة ، ووصفه بالبائس لأنه مات بمكة.

    كل هذا حتى يبقى العمل لله عز وجل، فلا يلوث بالتراب؛ لأنه ليس من عقائدنا التمسك بالأرض، فهذه الأرض التي ولدت فيها إن عجزت أن تطيع الله فيها فيجب عليك الهجرة، لا تقل: بلدي التي ولدت فيها، فما هذا من قول المسلمين، والنبي صلى الله عليه وسلم لما التفت إلى مكة وقال: (والله إنك لأحب أرض الله إلى الله، وأحب أرض الله إلي)؛ لم يكن يمجد الأرض كما يمجدونها الآن، وكما يستغلون هذا الحديث استغلالاً خطأً، فيزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب مكة ويحب الأرض .. لا والله، إنما قال: (إنك لأحب أرض الله إلى الله)، فلذلك هي أحب الأرض إلينا وإن لم نكن من أهلها؛ لأنها أحب الديار إلى الله، فكذلك هي أحب الديار إلينا.

    إنما حقر النبي صلى الله عليه وسلم التمسك بالأرض ليخف وقع البلاء عليه، فإذا فارقت بلدك وفارقت ملاعب صباك، وفارقت أموالك التي أنفقت فيها شطر عمرك، فيقول لك: لا تحزن، ليخف البلاء عليك إذا فارقت وطنك.

    الهجرة بالبدن من أرض الكفر إلى أرض الإسلام واجبة، ومن الديار التي تقام فيها شعائر أهل البدع إلى الديار التي تقام فيها السنة واجبة، وكذلك تشرع الهجرة من البلد التي غلب على أهلها كسب الحرام.

    وكل هذا بحسب طاقة الإنسان، فإن كل واجب إنما يكون بحسب الطاقة.

    1.   

    الهجر .. أحكامه وأنواعه

    إن عجزت أن تخرج من بلدك، وعجزت أن تفارق بالبدن، ولم تستطع أن تحقق الهجرة، فما بقي إلا الهجر.

    واعلم أن أصل الهجر بين المسلمين حرام، وقد صح عن عائشة رضي الله عنها وأنس وابن عمر وأبي هريرة وابن مسعود وجماعة من الصحابة يزيد عددهم عن عشرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى المسلمين أن يتهاجرا فوق ثلاثة أيام، فقال: (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام)، وهذا الهجر محرم بإجماع العلماء.

    والهجر المحرم هو الهجر لأجل الدنيا، أن تهجر أخاك للدنيا المحضة، لا لسبب شرعي، فإن هذا لا يحل ولا يجوز.

    وقد تهاجر اثنان فكتب أحدهما إلى الآخر:

    يا سيدي عندك لي مظلمـة فاستفت فيها ابن أبي خيثمه

    لحديث يرويه عن شيخـه قال روى الضحاك عن عكرمه

    عن ابن عباس عن المصطفى نبينا المبعوث بالمرحمه

    إن صدود الإلف عن إلفـه فوق ثلاث ربنا حرمه

    فعاده ووصل رحمه.

    وهكذا كان أهل العلم، ففي الدنيا لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث على الإطلاق.

    إن التباغض الحادث بين المؤمنين لا يقطع أخوة الإيمان قال تعالى: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:9-10]، هكذا ذكرت الأخوة بعد البغضاء والشحناء، فكذلك أخوك المسلم ينبغي أن تواليه وإن كان بينك وبينه مظلمة، ولا يحل لك أن توالي الكافر وإن أحسن إليك، فإذا أساء إليك أخوك فينبغي أن تواليه؛ لأن أخوة الإيمان لا تنقطع بالمشاحنات، ولذلك مع هذا التهاجر والاقتتال وصفهم الله عز وجل بالإيمان وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا [الحجرات:9]، فكل إنسان نواليه على قدر ما فيه من المحبة لله ورسوله، ونعاديه على قدر ما فيه من الذنب والمعصية والبدع، وأصل الهجر بين المسلمين حرام.

    وينقطع الهجر بالسلام والكلام، قال النبي صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث: (... يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)، لكن إذا كان الهجر لسبب شرعي فهو جائز إلى آخر العمر، فيجوز لك أن تقطعه إلى آخر العمر، لكن هذا أيضاً له ضوابط.

    الزجر بالهجر تابع للمصلحة والمفسدة

    (الزجر بالهجر) قاعدة نص عليها العلماء، لكنها تدور مع المصلحة، والزجر: أن تزجر العاصي والمبتدع بهجره، هذا هو معنى قول العلماء: (الزجر بالهجر) مثلاً: رجل عاصٍ تؤدبه .. امرأة ناشز تؤدبها بالهجر .. مبتدع تؤدبه بالهجر، وكل هذا في إطار المصلحة الراجحة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال: (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام) هجر ثلاثة من خيار المؤمنين خمسين ليلة، هجر كعب بن مالك ، وهلال بن أمية الواقفي ، ومرارة بن الربيع ؛ لما تخلفوا عن غزوة تبوك، بل قال كعب : ( وكنت آتيه في مجلسه فألقي عليه السلام، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام أم لا؟ ) ونهى النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يكلموا هؤلاء الثلاثة.

    وأيهما أولى بالهجر: كعب بن مالك أم عبد الله بن أبي ابن سلول ؟ وهو رأس المنافقين، الذي تولى كبر حديث الإفك، ورمى السيدة العفيفة الطاهرة عائشة بالزنا، أيهما أولى أن يهجر، وأن يضيق عليه الخناق، وأن يؤدب؟ أليس هذا المنافق رأس المنافقين أولى بذلك؟!

    ومع ذلك قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله! أفلا نقتله؟ قال: معاذ الله أن يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه)، وعاش هذا الرجل، وقد صان دمه وعرضه وحياته بإظهار كلمة الإسلام، ومات فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم ودفنه؛ بل وكفنه ببردة له، وليس ذلك بنافعه عند الله، كونه يتدثر ببردة النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن صلة الرحم أقوى من البردة، ومع ذلك فإن أبا لهب لم ينفعه أنه كان عم النبي عليه الصلاة والسلام، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يا صفية ! عمة رسول الله! اعملي، فأني لا أملك لك من الله شيئاً، يا فاطمة ! بنت محمد! اعملي، فأني لا أملك لك من الله شيئاً)، فإذا كانت صلة الأرحام لا تنفع؛ فالبردة لا تنفع من باب أولى، ومع ذلك صلى عليه، ودفنه، وسجاه ببردته.. وهذا يدلنا على أن مسألة الهجر خاضعة للمصلحة، فإن المسلم إذا هجرته إنما وكلته إلى دينه.

    يقول سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: (بينما أنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل، فأعطاه عطاء، فقال: يا رسول الله! أعطيت فلاناً كذا وكذا، وإنه لمؤمن. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أو مسلم، ثم قال عليه الصلاة والسلام: إني لأعطي الرجل العطاء، وأذر من هو أحب إلي منه، أدعهم لإيمانهم)، إذاً: أخوك المؤمن لو هجرته وغلظت عليه فإنك تعلم أنك ستعود إليه ويعصمه إيمانه من الفجور في الخصوم.

    وفي معجم الطبراني الكبير بسند قوي عن سالم بن عبد الله بن عمر قال: ( عرست في زمان أبي -أي: تزوج- فآذن أبي الناس، ودعاهم إلى وليمة العرس، وستروا البيت ببجاد أخضر -أي: شبيه بالستائر- قال: فجاء أبو أيوب الأنصاري ، فلما رأى البجاد وقف، وتغير لونه، والتفت إلى أبي، وقال: أهكذا تسترون الجدر ببجاد أخضر؟! قال سالم : فاستحيا أبي وخفض رأسه -وابن عمر أحد السادة الورعين- وقال: يا أبا أيوب ! غلبنا النساء -ماذا نعمل؟ هذا عمل الحريم!- فقال أبو أيوب : لئن خفنا أن يغلب النساء أحداً فلا يغلبنك، والله لا أكلت لكم طعاماً أبداً، وخرج أبو أيوب ولم يحضر وليمة العرس ).

    إنه يكل ذلك الهجر إلى عبد الله بن عمر وإلى إيمانه، فإن ابن عمر لا يفجر في الخصومة، بل سوف يذهب إليه ويترضاه لما بينهما من الإيمان والآصرة القوية، لكن إذا كان الرجل فاجراً، رقيق الدين، فإذا غلظت عليه فجر في الخصومة، وازداد بعداً من الالتزام، فليس هناك أي مصلحة في أن تفعل معه مثل ما فعل أبو أيوب مع ابن عمر ، فالمسألة مرتبطة بالمصلحة والمفسدة، ولذلك تحتاج إلى فقيه، كثر التهاجر والصرم بيننا بسبب الجهل الواقع بين المسلمين، لا يتهاجر عالمان أبداً إلا على شيء ديني شرعي.

    الهجر لأجل التأديب

    الزجر بالهجر له درجات منها: التأديب، فإذا تجاوز ولدك حده، أو امرأتك، أو من لك عليه ولاية؛ جاز لك أن تهجره أكثر من ثلاثة أيام تأديباً، ولمعنى شرعي كما قلنا، كما روى البخاري في صحيحه من حديث عروة بن الزبير رضي الله عنه قال: ( باعت عائشة بيعاً .. أو قال: وهبت هبةً -وكانت عائشة كريمة، سخية اليد- فبلغ ذلك عبد الله بن الزبير وهو الأخ الأكبر لـعروة بن الزبير ، وهو ابن أسماء بنت أبي بكر أخت عائشة ، فـعائشة هي خالته، وقد كانت رضي الله عنها سخية، وعبد الله بن الزبير كان فيه بخل، فلما علم أن عائشة رضي الله عنها وهبت قطعة أرض كبيرة- فقال: لتنتهين عائشة أو لأحجرن عليها. فبلغ ذلك عائشة فقالت: أو قال ذلك؟ لله علي ألا أكلمه إلى أن أموت -نذرت:أي: نذراً واجب الوفاء-، فطال الهجر على عبد الله بن الزبير ، واستشفع بطوب الأرض أن تكلمه عائشة ، وكل ذلك وعائشة تأبى تمام الإباء -ولا يخفى ما لـعائشة رضي الله عنها من الفقه في دين الله عز وجل، فليست من النساء اللواتي يعتركن على الدنيا أو يهجرن للدنيا- فلما طال الهجر على عبد الله بن الزبير ذهب إلى المسور بن مخرمة ، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث ، وكلاهما من بني زهرة، فشكا إليهما، فقالا: نحتال لك حيلة، فجاءوا بعباءة واسعة، والمسور بن مخرمة واقف هنا، وعبد الرحمن هنا، وقالا له: ادخل في وسطنا، وتدثروا ثلاثتهم بالعباءة، ووقفوا على الباب عند عائشة واستأذنوا، قالت: من؟ قال: المسور وعبد الرحمن . فقالت: ادخلا، قالا: ندخل كلنا؟ قالت: ادخلوا كلكم، فدخلوا جميعاً، فدخل عبد الله بن الزبير ورفع الستر، ورمى نفسه على عائشة يقبلها وهو يعتذر، وهي تشيح عنه، يكلمها فلا تكلمه، ويتوسل إليها فلا تقبل توسله، والمسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود يناشدانها الله عز وجل أن تكلمه، فما زالا بها حتى كلمته وسط دموعها الغزيرة، وهي تقول: إني نذرت والنذر شديد، ثم أعتقت عائشة رضي الله عنها في ذلك أربعين رقبة حتى تتحلل من نذرها ).

    يقول العلماء: هذا المثال يدل على جواز أن يهجر المرء تأديباً، لا سيما إذا كان لمعنى شرعي؛ لأنه لا يجوز لـابن الزبير أن يتدخل في هبة عائشة لغيرها، فإنه إذا ملك الإنسان ملكاً فهو حر في هبته أو بيعه، ولا يحل لأحد أن يفتات عليه، فهذه مرتبة من مراتب الهجر لمعنى شرعي.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

    العلم من شروط الهجر

    الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

    أيها الإخوة الكرام! الهجر نوع من الجهاد، وهو فرع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد اشترط العلماء في الآمر والناهي أن يكون عالماً بالمسألة التي سينكرها أو سيأمر بالمعروف فيها، فمن التبس عليه ذلك توقف.

    لقد رمانا أناس كثيرون في أول الالتزام بالخروج عن الإسلام؛ لأننا دللناهم على السنة الغائبة، وكانوا يزعمون أننا جئنا بدين جديد، فهل هم محقون؟ هل جئنا نحن بدين جديد أم أنهم أنكروا علينا بالجهل القديم؟ لقد أنكروا علينا بالجهل القديم، فهناك بعض المسائل الدقاق التي تخفى على طالب العلم فضلاً عن العوام.

    إذاً: قبل أن ينكر -فضلاً عن أن يهجر- لابد أن يكون عالماً بما يأمر به أو ينهى عنه.

    وهذا الهجر لا يختص بهجر الأبدان فقط؛ بل إنه يشمل كل ما يضاد الله ورسوله ودينه؛ كهجر المجلات الخليعة، والصحف الوقحة التي تناوئ الإسلام، مثل صحيفة الدستور، والمجلات الفاجرة التي تنادي جهرةً بتنحية شريعة الله عز وجل، ويقولون: ما تأخرنا إلا بسبب تحكيم الشريعة .. والعجب أنهم يصرحون بذلك ويرجعون إلى بيوتهم آمنين مطمئنين! هذا هو العجب العجاب! إنني أقرأ كلام بعض هؤلاء فأحس بدبيب الأفاعي تحت السطور، وأرى حيات لجلدها حفيف ولأنيابها جرش من خلف السطور! إنما أرسلوا هذه الحيات والأفاعي من بنات أفكارهم ليغتالوا قلوبنا وأفكارنا، وليشككوا في انتمائنا للإسلام ..

    كمثل كشيش أفعى أجمعت لعضـي فهي تحك بعضها ببعض

    هذا هو كلامهم، لاسيما أن أكثر الذين يتعاطون هذه الصحف والمجلات ليسوا من الدعاة حتى يقول: أنا أقرأ لكي أرد .. إنما هم من العوام، وقد يقال: لو أن داعية ترخص واشترى مجلة من هذه المجلات؛ ليعلم حقيقة الحرب الدائرة على الإسلام، ويبصر الجماهير بما يحاك لها في الظلام، قد يقال: إن هذا جائز؛ كما أنه أجيز لأهل الإسلام أن يقرءوا التوراة والإنجيل ليردوا على أهل الكتاب، وأبيح للعلماء أن يقرءوا كتب أهل البدع ليردوا عليهم من كتبهم، وقد نبغ عندنا علماء أجلاء كانوا أفقه لدين النصرانية من لمباشنودا ، والذي يقرأ كتاب الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، لشيخ الإسلام ابن تيمية ؛ يعرف قدر هذا الشيخ، وقدر فهمه للنصرانية.

    يقول ابن كثير رحمه الله في أحداث سنة بضع وسبعمائة: إنه قابل أحد القساوسة، الذين هم البطاركة الكبار الذين يشار إليهم بالبنان، قال: فجادلته في دينه، فرأيته يفهم من دينه شيئاً.. سبحان الله! يفهم من دينه شيئاً! إذاً ابن كثير كان أعلم منه بالنصرانية، فقد كان هؤلاء العلماء وعلى رأسهم شيخ الإسلام ابن تيمية ينقلون من الإنجيل ويحاججون هؤلاء بإنجيلهم.

    فإذا جاز للمسلم أن يفعل ذلك لغرض المصلحة الراجحة، فلا يحل للعوام الذين لا ينتصبون للرد على هؤلاء أن يقرءوا مثل هذا، ولا يشتروا مثل هذه الصحف؛ لما يخشى عليهم من تزيين العبارات، والرسول عليه الصلاة والسلام عندما رأى صحيفةً من التوراة في يد عمر قال: (ما هذا يا عمر ؟ قال: صحيفة من التوراة كتبها لي رجل يهودي. فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلت وجهه حمرة، وكان إذا غضب كأنما فقئ في وجهه حب الرمان، وقال: أمتهوكون في يا ابن الخطاب ؟! -أي: أمتحيرون؟- والله لقد جئتكم بها بيضاء ناصعة، والذي نفسي بيده لو كان موسى حياً ما حل له إلا اتباعي)، لِمَ يخشى على مثل عمر أن تكون هناك عبارة منمقة مزينة تخترق قلبه.

    وكما قال سفيان الثوري : القلوب ضعيفة والشبهة خطافة.

    نسأل الله تبارك وتعالى أن يعصم قلوبنا من الشيطان وشبه أولياء الشيطان، اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين.

    اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا.

    رب آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، إنك نعم المولى ونعم النصر.

    1.   

    الزجر بالهجر

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على رسوله الأمين، محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..

    إن الزجر بالهجر قاعدة من قواعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولو أن المسلمين امتثلوا هذه القاعدة لخف وقع المعصية في ديارهم، ولقل أهل البدع، لا سيما إذا كان للزاجر سلطان.

    أصحاب المحلات الذين يظنون أن العمال الذين يعملون عندهم ليسوا تحت مسئوليتهم نقول لهم: إن العامل إذا ترك الصلاة فهي في عنق صاحب المحل، لماذا يذهب أصحاب المحلات ويتركون محلاتهم وفيها العمال يعملون؟ لو أن هذا العامل أساء في العمل، أو أتلف بضائع المحل لأزاحه عن العمل، وليس بعيداً أن يقدمه للنيابة ويرفع ضده قضية إذا تبين له أنه سرق شيئاً من البضائع، أو إذا تأخر عن موعد فتح المحل مرة أو مرتين بما وقع في نفس صاحب المحل أن هذا الرجل مهمل، فإنه يستغني عن عمله؛ لأنه عق صاحب العمل، فإذا عق ربك تبارك وتعالى كيف ساغ وهان عليك أن يبقى معك مع هذا العقوق؟

    لو أن كل صاحب محل اشترط على العامل أن يصلي الصلوات الخمس في جماعة لقضينا على هذا التهاون الذي نراه في ديار المسلمين.

    إن البيع وقت النداء يوم الجمعة محرم، قال العلماء: فكذلك البيع وقت النداء للصلوات الخمس؛ لجامع العلة المشتركة بين الحكمين.

    إذاً: لا يجوز أن تعقد صفقة بيع والمؤذن يؤذن، بل توقف عن كل شيء، كما توقف البيع إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة، قال الله عز وجل: وَذَرُوا الْبَيْعَ [الجمعة:9] أي: اتركوه، وإذا أمر الله عز وجل بترك شيء فإنه يكون حراماً، فكل أصحاب المحلات سيسألون عن هؤلاء العمال، فينبغي أن يُهجر، فإن العامل إذا علم أن عيشه سيقطع، وهو محتاج للوظيفة، فهو على استعداد أن يمسك ذيل بغلة السلطان في سبيل لقمة العيش، فإن البعض قد يرتشي ويعمل المحرمات، ويعتذر بأنه يريد أن يأكل لقمة العيش.

    فإذا كان في سبيل طلب لقمة العيش سوف يرتكب المحرمات، فحينما تأمره بتقوى الله عز وجل والصلوات الخمس سوف يلقى هذا الأمر عنده -لو عنده مسحة إيمان وإسلام- قبولاً وراحة، فإنه سيريح نفسه من الشغل، ويغسل وجهه من العرق الذي عليه، فهي ساعة راحة بعد العمل المضني.

    فلو أن أصحاب المحلات فعلوا ذلك لفعلوا خيراً كبيراً، فكم تكلم الدعاة في هذا الأمر، وناشدوا أصحاب المحلات أن يتقوا الله في هذا الأمر، إننا نريد أن نرى المحلات مغلقة في وقت الصلاة، مكتوباً عليها عبارة (مغلق للصلاة)، نريد أن نرى هذه العبارة مرة أخرى، نريد أن نرى الناس كلهم يتوجهون إلى الصلاة، فلا بيع ولا شراء.

    وأنت على ما عودت الزبون، ولي تجربة في هذا الأمر، ففي مطلع الثمانينيات عندما كنت أشتغل في بقالة في مدينة نصر وفي المنطقة الأولى -في منطقة راقية- وكان هذا المحل له رواج؛ لأمانة صاحبه، ولأنه كان يأتي بأحسن البضاعة، فكنا نبيع بنحو ثلاثة آلاف جنيه في اليوم الواحد.

    المهم أن المنطقة الأولى هناك في مدينة نصر معروف أنها منطقة راقية، وفيها مسجد رابعة العدوية، الذي صار في مكان مسجد عمر مكرم، ومسجد عمر مكرم كان الناس إذا أرادوا أن يدخلوا أحداً الجنة -بزعمهم- يمرون بجنازته من عند مسجد عمر مكرم، وبعد أن ازدحم مكان هذا المسجد وتلوث بدخان السيارات وغيرها؛ استبدلوا مسجد رابعة العدوية بمسجد عمر مكرم.

    وهنا فائدة نحوية: وهي أن الباء في الاستبدال تلحق بالمتروك، فيقال: استبدلوا مسجد رابعة بمسجد عمر مكرم، ولذلك يقول العلماء: باء الاستبدال إنما تلتحق بالشيء المتروك، فلو كان عندك ثياب أسمال بالية، وأتيت بقميص جديد، وأردت أن تعبر أنك استبدلت هذا القميص بهذا القميص، فتقول: استبدلت الثوب الجديد بثوب قديم.

    فالباء هذه تلصق بالشيء الذي تركته، قال الله تبارك وتعالى: وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ [النساء:2]، فهم تركوا الشيء الطيب، وقال تعالى: أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ [البقرة:61] وهم هنا تركوا الخير، الذي هو المن والسلوى، ولذلك جاءت الباء في الذي هو خير واسمها (باء الاستبدال).

    فالمهم: أن هذا المسجد صار المسجد الرسمي الذي تأتي منه الجنائز العسكرية ... وهذا كله لأن الحي راقٍ، فأول ما بدأت العمل كان المحل يزدحم في أوقات الصلوات، والشيطان يزيد العمل .. والرزق يكثر، وكيف تترك الزبائن؟ وسوف تصلي بعد قليل .. وهكذا.

    فقلت لصاحب المحل -وهو رجل أحسبه من المؤمنين المخلصين، ولا أزكيه على الله عز وجل- قلت له: إنه لا يجوز البيع وقت النداء، فقال: الزبائن كثير، وكلهم أناس أكابر، ومستواهم عالٍ، وسوف يغضبون علينا، وأنا من سنة سبعة وستين وأنا على هذا الحال..

    فقلت له: نبدأ ونجرب، فأول ما يؤذن نوقف البيع، وبدأنا في هذا الأمر، فأتى إلينا رجل في وقت الأذان، فقلت له: لا بيع ولا شراء، أنت الآن تسمع الأذان، (الله أكبر) يعني: الله أكبر من البيع والشراء والفلوس ومن كل شيء، فقال: ولماذا؟ أين صاحب المحل؟ قلت له: صاحب المحل سبقني، ذهب يتوضأ، وأنا لن أبيع، وكان هناك ثلاثة أو أربعة أو خمسة فخرجوا من المحل.

    الشيء العصيب هو أننا رجعنا من المسجد ووجدناهم واقفين في باب المحل! لم يذهبوا ليصلوا معنا، فهذه آية من الله عز وجل أن رزقك منتظر لك، مع أن هناك عدة محلات، من الممكن أن يأخذهم الغيظ فيشترون من أي محل آخر، ولا يرجعون إلى هذا المحل على الإطلاق، لكن الأمر كما قال الله عز وجل: مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [هود:56]، فإذا قدر الله عليه أن يقف هنا فسوف يقف؛ لأن الله أخذ بناصيته، والمال الذي معه قد كتب لي ..

    ثم استمرت هذه المسألة ولم نجد كبير عناء، إلا شيئاً يسيراً في البداية، وبعد نحو شهر أو شهرين كان إذا أذن المؤذن لم نجد أحداً.. لماذا؟ لأنه كان إذا أراد أحد أن يشتري شيئاً ينظر إلى الساعة أولاً، يقول لي أحدهم: كنت إذا أردت أن أرسل البنت أنظر إلى الساعة، فإذا وجدت أن الظهر قد اقترب فلا أدعها تذهب.

    فنحن نناشد أصحاب المحلات .. نناشدهم الله عز وجل الذي هو أقوى من سلطة القانون، عندما يسمعون الأذان أن يغلقوا المحلات، ويصطحبوا العمال للصلاة، وإذا ثبت أن العامل تهرب، وجلس يدخن في دورة المياه وقت الصلاة، فعليه أن يفصله من العمل، فإن الذي يخون الله عز وجل لن يكون أميناً في عمله على الإطلاق .. يخون الملك العلام، القوي، القادر عليه، وبكل جرأه وبجاحة، ولا يؤثر فيه إطلاقاً أي تأثير، فهل تتصور أنه سيعمل لك حساباً؟ لا والله، هذا خائن.. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنفال:27].

    فالزجر بالهجر عن طريق المشاحاة، وعن طريق قطع الحوافز، بل عن طريق الفصل الجذري، هذا يعيد لنا بهاء المجتمع الإسلامي، فينبغي لنا استخدام قاعدة الزجر بالهجر حتى تقل المعاصي واللامبالاة الموجودة في المجتمع.

    والداعية إلى الله عز وجل لابد أن يكون لطيفاً وظريفاً وخفيفاً، ودائماً يقول كلاماً حسناً، لكنه أحياناً يحتاج إلى أن يستخدم المشرط مع بعض الناس.

    اتصل بي أحدهم فقال: أنا أريد فلاناً. قلت: أنا فلان. قال: صلِّ على النبي. عليه الصلاة والسلام، طيب.. زيد النبي صلاة. عليه الصلاة والسلام، وحد الله.. قلت: لا إله إلا الله. قال: انظر.. أنا طلقت طلقات ليس لها عدد، وأريد أن أعرف هل أنا أعيش الآن في حلال أم في حرام؟ قلت له: أنت تعيش في حرام، وهذه لا تحتاج إلى مفتي. فقال: وهل أنا تكلمت؟ قلت له: نعم، تقول لي: إنك طلقت طلقات ليس لها عدد، والطلقات إنما هي ثلاث فقط، فلو أنك طلقت ثلاث مرات لحرمت عليك امرأتك، وأنت الآن تقول: إنها طلقات ليس لها عدد، ثم تأتي وتسألني: أأنا في حلال أم حرام! فقال: احلم علي واسمع مني هذا الكلام .. قلت لها في المرة الأولى: هات كوب الشاي، فلم تأت به، فقلت لها: أنت طالق. قلت: وقعت ...

    ثم قال: وقلت لها: اعملي كذا وإلا فأنت طالق، وغير ذلك من الأمور التافهة التي لا يمكن أن يعملها رجل عاقل ... إلخ ما دار بيني وبينه من كلام.

    فهل هناك أحد يستفتي في هذه المسألة ويسأل هل هو في حلال أم في حرام؟! وهذا السائل هل ينفع أن يكون أباً؟ أو يصلح أن يكون جديراً بلقب الأبوة؟! وهل يتصور أن ينجب هذا الرجل أبناءً حتى ينفعوه هو على الأقل؟ بل هل من الممكن أن ينفعوا أنفسهم؟!

    فهذا النمط من الناس إذا استفتاك أحدهم بهذه الصورة فإنه سيضيع وقتك، فلا بأس أن تغلق السماعة ولا تكلمه؛ لأنك مضطر أحياناً لاستخدام مثل هذا: الزجر بالهجر.

    هجر المبتدع والعاصي

    لو أن رجلاً مبتدعاً ينشر بدعة في حيك، فلا تسلم عليه، وإذا كنت تعلم أن إلقاء السلام عليه لا يصده عن بدعته فسلم عليه، وتودد إليه، وأعطه بعض الهدايا، وزره في بيته، وأخبره أن هذا لا يحل، ولا يجوز، وابذل معه كل ما في وسعك، فإذا لم ينفع معه كل ما سبق فلم يبق لك إلا أن تهجره ولا تسلم عليه.

    فإذا قيل: إن هذا مسلم، أقول: أنا أعرف أنه مسلم، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام لما هجر كعب بن مالك كان كعب يلقي عليه السلام، يقول كعب : ( فكنت أقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام أم لا؟ ) والرسول عليه الصلاة والسلام لما أمر المسلمين ألا يكلموا هؤلاء الثلاثة، يقول كعب : ( فلما شق علي هجر المسلمين ذهبت إلى حائط أبي قتادة ، وهو ابن عمي، وأحب الناس إلي، فتسورت الحائط، فوجدت أبا قتادة في بستانه، فألقيت عليه السلام، فوالله ما رد علي السلام، وأبو قتادة من خيار المسلمين، وكعب من خيار المسلمين، فهذا مسلم مع مسلم، فلا يقال إذاً: إن المسلم لا يجوز هجره أو عدم السلام عليه للمصلحة، لا، يقول كعب : ( فألقيت عليه السلام، فوالله ما رد علي السلام. فقلت: يا أبا قتادة ! نشدتك الله ألا تعلم أني أحب الله ورسوله؟ فقال: الله أعلم. ففاضت عيناي ).

    فمسألة ترك السلام على المسلم مسألة مشروعة، طالما أن فيه المعنى الذي من أجله هجرته.

    إذاً: الزجر بالهجر يرفع البدعة من بيننا.

    ولو علم العصاة أنه لا محل لهم ولا عيش في ديار المسلمين؛ لاستخفوا بعصيانهم وراء الجدر، مثلاً: شارع نبوي المهندس هنا شارع قذر، موبوء، كل البذاءات والفواحش موجودة هناك .. رجال ونساء مختلطون، وأصوات الموسيقى في السيارات تصم الآذان، وأنا أتكلم عن الشارع وليس عن سكان الشارع، فإنه شارع قذر، وكل شارع يمارس فيه العصيان بغير نكير فأهله من تعساء الحظ، لأنهم متاخمون للمعاصي، وإني كلما مررت في هذا الشارع أستعيذ بالله عز وجل، حتى أصبحت لا أكاد أمر فيه من هول ما أرى بالنسبة لبلد كبلدنا.

    لا يوجد أحد يقول لي: يا أخي! نحن رضي الله عنا، هذا شارع الهرم والإسكندرية والمصيف والبلازا... والكلام هذا؟ لا، نحن نقيس الشوارع بنظيرها عندنا، وفي الآخر محافظتنا تعتبر من الأرياف، ويعتبر إلى حد ما فيها الاستتار والحشمة أفضل من المدن الكبرى مثل القاهرة والإسكندرية والمنصورة وهذه البلاد، وهذا من رحمة الله عز وجل أننا بادون في الأعراب، لا عندنا حضارة ولا مصايف ولا آثار ولا متاحف لكي نبتلى بالعراة الذين يلبسون الميني جب إلى فوق الركب ويأتون يفترجون، لكن هذا الشارع إذا قيس بنظائره من الشوارع الأخرى كان هذا في غاية القبح.

    فنحن نقول للآباء الذين عندهم سيارات: اتقوا الله عز وجل، ولا تعصوا الله بالنعمة، تعطي ابنك السيارة ويظل يلعب بها، وهو يشرب السيجارة، ويسمع الديسكو بأعلى صوت يصم الآذان .. هل هذا هو شكر النعمة؟ أعطاك الله رجلاً تمشي عليها، ثم أعطاك سيارةً تركبها وحرم غيرك من رجله ومن السيارة فأين شكر النعم؟! لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم:7] .

    إذاً: هجر أهل المعاصي يقلل من وجود المعصية، وكذلك هجر التعامل معهم أيضاً.

    فإذا كان هناك رجل غير ملتزم، ويتظاهر بالفسوق والعصيان، وعنده بقالة، أو محل ملابس، فلا تشتري منه، بل اذهب واشتر من عند الملتزم، فإن الملتزم إذا فتح الله عليه سيكفل أسراً جائعة، وسيخرج الزكاة من ماله، فكم من تجار خير فتحوا بيوتاً للفقراء والمساكين، جزاهم الله خيراً، وأسأل الله عز وجل أن ينمي لهم أموالهم، وأن يبارك لهم فيها، فإذا قصدنا أحد هؤلاء التجار لكي يكسي عرياناً، أو يطعم جائعاً، أو يكفل أسرة فقيرة، فلن يتأخر أبداً.

    وعندما تذهب وتشتري من عند رجل ملتزم بضاعة أغلى مما هي عند الرجل الفاسق وتحتسبها لله عز وجل، يبارك لك فيها.

    كذلك إذا احتسبت القيمة الزائدة عند هذا الرجل؛ لأنه يزكي ويطعم الفقراء والمساكين، فقد تكون شريكاً له إذا ربح، فإن يد الله عز وجل سحاء، ينفق بالليل والنهار، لا يغيضها شيء، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.

    كذلك من باب أولى اعتزال الصحف والمجلات الخليعة والمنحرفة، وليس هذا الأمر مقتصراً على الذين يهاجمون الإسلام.. بل هناك نمط من المفتين يخافون من أهل الفسق، فبدلاً من أن يفتوا بشرع الله تعالى فيوصفون بالإرهاب والتطرف والتشدد، يفتون الناس بغير شرع الله؛ بل يحللون الحرام ويحرمون الحلال والعياذ بالله!

    سئل بعضهم في مجلة الشباب -كما حدثني من أثق بنقلهم- عن التدخين: أحرام هو أم حلال؟ فقال: إذا كان الموظف مرتبه مائة جنيه فهو حرام عليه، لكن إذا كان دخله كبيراً فلا بأس بالتدخين!! أهذه فتوى؟ وعلى ضوئها نستطيع أن نقول: إذا كان الموظف مرتبه مائة جنية فلا يشرب الخمر، وإذا كان مرتبه أكثر فلا بأس أن يشرب الخمر!! فما هو أصل القياس الصحيح الذي يجعلنا نلحق هذا الدخان بالخمر، ولو من وجه أو وجهين؟!

    ولماذا لا يريد أن يقول: إن التدخين حرام؟ لو أن الأطباء اجتمعوا، وجميع منسوبي وزارة الصحة، وأخرجوا لنا تقريراً بأن التدخين مضر؛ فسوف نحرمه، ومع هذا فإن كل المجامع الطبية العالمية بما فيها المجامع المصرية في بلادنا، ووزارة الصحة، تقاريرها الرسمية وغير الرسمية تقول: إن التدخين مضر جداً بالصحة، وهذا الكلام يكتب على علب السجائر بأمر من القانون، وإلا فإن أصحاب المصانع لا يريدون كتابة هذه العبارة، لكنهم مجبورون من قبل القانون.

    إذاً: مذهب الدولة الرسمي في السجائر أنها ضارة جداً بالصحة، والمفتي الذي أفتى بهذه الفتوى له فتوى بتحريم الدخان، وهي موجودة عندي، لكنه يفتي كل سنة بفتوى ثم يتراجع عنها، كما أفتى في رمضان أن نصوم مع السعودية، ثم أفتى بأن لكل بلد مطلعه، وإلى الآن لم يبتوا فيها، مع أن المسألة عند أي رجل عنده قدر من أصول الشريعة، لا يتردد على الإطلاق في الأخذ باتحاد المقال، رعاية لمصالح المسلمين.

    فأنت عندما تشتري هذه الصحف وفيها مثل هذا الكلام، وتقرأ فيها مثل هذه الفتاوى التي لا يحكمها خطام ولا زمام، ولا ترجع إلى أصل صحيح، فمن حيث أردت الخير لدغك ثعبان، فلابد أن تصون نفسك ومالك، فبدلاً من أن تشتري هذه الصحف بأربعين قرشاً، تصدق بها على مسكين خير لك.

    والله الذي لا إله غيره لقد اتصلت بي في الأسبوع الماضي أسرة تبكي لأنها لا تجد شيئاً، ويبيتون على الطوى، ولا يوجد في البيت كسرة خبز، وليس عندهم رجل يعولهم، كلهم نساء، فعندما قلنا لبعض الناس: اذهبوا إلى البيت الفلاني واعملوا كذا.. قال: إن المرأة قبلت قدمه، وظل النساء يبكين طوال الفترة وهو يعطيهن ما يسد رمقهن ويشبع جوعتهن، وقد كانوا أصحاب عز، ولكن أباهم مات، والعم أكل الميراث .. في قصة معروفة، وبقيت المرأة وبناتها يبيتون على الطوى لا يجدون رغيف خبز يأكلونه.

    إذاً: الأربعون قرشاً سوف تشتري بها ثمانية أرغفة، وسوف تطعم بها أربعة أو خمسة جائعين، وتكون قد ادخرتها لنفسك، فأنفق من مالك فإن أولادك لن ينفعوك إذا لم يكونوا ملتزمين بأمر الله تعالى، إنهم سيختصمون في الميراث وأنت ما زلت جثة ساخنة، وبعد أن تدفن سيرجعون ويقتتلون على الميراث ولن يترحموا عليك.

    لقد حضرت مرة مشاجرة بين أصحاب ميراث، مع أن أباهم لم يكن له إلا أربعون يوماً منذ أن مات، وإذا بالولد يصيح ويغضب، ويريد الدنيا، ويريد أن يتزوج قبل تقسيم الميراث، ويريد كذلك سيارة أسوة بإخوته، ويقول: إن أباه ظالم، إنه كان يعطي لفلان وفلاناً وتركني، ولم أكن أعرف أنه سيموت، وإلا فإنه كان سيعطيني .. وأخته تقول له: يا أخي! هذا أبوك لم يمر عليه إلا أيام، فقال: الله يرحمه، لا تجعليني أغلط عليه!!

    فهل يستحق هذا الولد شربة ماء؟! هل يستحق أن تترك له جنيهاً واحداً؟! لقد حرم الأب نفسه من الطيبات والمأكولات والمشروبات، بل حتى من الصدقة؛ كي يورث لابنه شيئاً، وإذا به بعد موت أبيه يفعل هكذا!!

    فينبغي أن تكثر من صدقة السر؛ فإن هذا هو الحساب الجاري الذي ستتركه لنفسك، وعندما تموت سوف تلقى ما أنفقت أمامك، وأنت وحدك الذي ستنتفع به، وبهذا تكون قد تركت لأولادك شيئاً ونفعت نفسك أيضاً.

    إذاً: الزجر بالهجر ضرورة شرعية، نحن في أمس الحاجة إليها في هذا العصر، فابنك الذي لا يصلي لا تجلس معه، ولا يأكل معك على مائدة واحدة، ولا تسوي بينه وبين الذي يصلي في الهبة، فالولد الذي يصلي أعطه وأكرمه، والذي لا يصلي لا تعطه؛ لأن عطاءك إنما هو بالموالاة لله عز وجل، فمن كان ولياً لله واليناه، ومن كان عدواً لله عاديناه.

    وكما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : الولاء والبراء إنما هو على قدر الخير والشر في الإنسان، يوالى بقدر ما فيه من الخير، ويعادى ويهجر على قدر ما فيه من الشر.

    وإذا عرف ابنك أنك ستطرده، وأنك لن تسامحه على الإطلاق في مسألة ترك الصلاة، فهل سيتمادى؟ لا.

    إذاً: الزجر بالهجر قاعدة من قواعد الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر ينبغي أن نحييها في مجتمعاتنا.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.