إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. أبو إسحاق الحويني
  4. بين ابن عباس وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما [1، 2]

بين ابن عباس وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما [1، 2]للشيخ : أبو إسحاق الحويني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد كان الصحابة رضوان الله عليهم القدوة في العبادة والعلم والأخلاق والحرص على الاستزادة من الخير، وكان ابن عباس رضي الله عنه من أشدهم حرصاً على ذلك، ولهذا وغيره كان عمر رضي الله عنه يقدمه ويدنيه في مشورته، وبين أيدينا مثال على حرص ابن عباس على العلم، إذ يسأل عمر عن آية نزلت في أمهات المؤمنين، وتتابع الحديث بينهما حتى فتحا لنا وللأمة نافذة مشرقة تصف حياة الرعيل الأول وأحوالهم -الخاصة والعامة- التي يفترض أن تكون قدوتنا ودستور حياتنا.

    1.   

    حرص ابن عباس على العلم وتفضيل عمر له

    إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    أخرج الشيخان البخاري ومسلم وغيرهما من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: (لم أزل حريصاً على أن أسأل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن المرأتين اللتين قال الله فيهما: إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا [التحريم:4] حتى حج وحججت معه، وعدل وعدلت معه بالإداوة ، فقضى حاجته، ثم جاء فكشفت عليه منها، فقلت: يا أمير المؤمنين! من المرأتان اللتان قال الله فيهما: إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا [التحريم:4]؟ فقال عمر : واعجباً لك يا ابن عباس ! هما عائشة وحفصة ، ثم استقبل عمر الحديث يسوقه قال: كنت أتناوب النزول إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنا وجار لي من الأنصار من بني أمية بن زيد، وهم من عوالي المدينة ، فكنت أنزل يوماً وينزل يوماً، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي أو غيره، وإذا نزل هو فعل مثل ذلك، وكنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا على الأنصار إذا هم قوم تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار.فصخبت عليَّ امرأتي ذات يوم فراجعتني، فأنكرت أن تراجعني. فقالت: ولِمَ تنكر أن أراجعك يا ابن الخطاب وأزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم يراجعنه ويهجرنه اليوم حتى الليل؟! قال: فقلت: أوتفعل حفصة ذلك؟ لقد خابت وخسرت.

    قال: ثم جمعت عليَّ ثيابي ونزلت إلى حفصة فقلت: أي بنية! أتغاضب إحداكن النبي صلى الله عليه وسلم اليوم حتى الليل؟ قالت: نعم.

    فقال لها: أو أمنتِ أن يغضب الله لغضب رسوله فتهلكي؟ لا تستكثري النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا تسأليه شيئاً، ولا تهجريه، وسليني ما بدا لكِ، ولا يغرنكِ أن كانت جارتكِ -يعني عائشة - أوضأ وأحب إلى النبي صلى الله عليه وسلم منكِ.

    قال: وكنا نتحدث أن غسان تنعل الخيل لغزونا، فنزل صاحبي الأنصاري نوبته، ثم جاءني عشاءً فطرق الباب طرقاً شديداً، وقال: أثم هو؟ قال: فخرجت إليه، فقال: حدث اليوم أمر عظيم! قلت: ماذا؟! جاء غسان؟ قال: لا، بل ما هو أهول من ذلك وأعظم؛ طلق النبي صلى الله عليه وسلم نساءه.

    فقلت: قد كنت أعلم أن ذلك يوشك أن يكون، ونزلت فصليت الفجر مع النبي صلى الله عليه وسلم، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم مشربة له، وجلست عند المنبر مع رهط يبكي بعضهم؛ فغلبني ما أجد فأتيت المشربة، فإذا غلام أسود فقلت له: استأذن لـعمر . فدخل ثم خرج، قال: ذكرتك له فصمت.

    قال عمر: فرجعت، فجسلت بجنب المنبر، ثم غلبني ما أجد، فقلت للغلام: استأذن لـعمر . فدخل ثم خرج، قال: ذكرتك له فصمت، فرجعت إلى المنبر فجلست فغلبني ما أجد، فأتيت الغلام فقلت: استأذن لـعمر . فدخل ثم خرج، قال: ذكرتك له فصمت. فانصرف فلما وصلت إلى الباب إذا هو يدعوني، وقال: قد أذن لك.

    قال: فدخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وإذا هو مضطجع على حصير، ليس بينه وبين الحصير فراش، قد أثر الحصير في جنبه.

    فقلت: يا رسول الله! أطلقت نساءك؟

    فرفع بصره إليَّ وقال: لا.

    فقلت: الله أكبر! ثم أردت أن أستأنس فقلت: يا رسول الله! لو رأيتنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة إذا هم قوم تغلبهم نساؤهم؛ فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم.

    قال: فقلت له: يا رسول الله لو رأيتني وأنا أقول لـحفصة : لا يغرنك إن كانت جارتكِ أوضأ منكِ وأحب إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم مرة أخرى، فجلست.

    ثم أدرت نظري في بيته فلم أرَ شيئاً يرد البصر غير أهبة ثلاثة، فقلت: يا رسول الله! ادع الله أن يوسع على أمتك، فقد وسع على فارس والروم وهم لا يعبدون الله. وكان متكئاً فجلس فقال: أوفي هذا أنت يا ابن الخطاب ؟! هؤلاء قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا.

    فقلت: يا رسول الله! استغفر لي.

    وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أقسم ألا يدخل على نسائه شهراً من شده موجدته عليهن، فلما انقضت تسعٌ وعشرون دخل على عائشة فقالت له: يا رسول الله! قد أقسمت أن لا تدخل علينا شهراً، فقد دخلت علينا من تسع وعشرين أعدها عداً. فقال لها: الشهر تسعٌ وعشرون، فكان ذلك الشهر تسعاً وعشرين.

    ثم بدأ النبي صلى الله عليه وسلم فخير عائشة فاختارته، ثم خير نساءه كلهن فقلن مثلما قالت عائشة) .

    الصحابة قدوة في علمهم وسلوكهم

    هذا الحديث الجليل يوقفنا على طرف من حياة المسلمين رأساً ومرءوسين، ويبين لك السبب في تماسك هذا المجتمع، والسبب أنهم جعلوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الأفئدة، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه يحكي طرفاً من حياته مع بعض أصحابه.

    فياليتنا إذ نسمع مثل هذا الكلام نترجمه وننقله إلى الواقع؛ فإن بيننا وبين نصوص الإسلام بوناً بعيداً، وأنا أشبه واقع المسلمين مع نصوص الإسلام قرآناً وسنة بهرم، هذا الهرم أو هذا المثلث حاد الزاوية، له ثلاثة نقاط: رأس وهذا ضلع وذاك ضلع، حياة المسلمين الأولى هي هذه النقطة التي في رأس المثلث، فكلما نزلت زادت المسافة بين الضلعين، فإذا أردت أن تقل المسافة اصعد إلى فوق.

    وهكذا: كلما اقتربنا من القرن الأول سلوكاً وعلماً وعملاً قل الفرق ما بين الواقع والمثال، وكلما ابتعدنا عن هذا القرن الفاضل ونزلنا إلى تحت -مثل هذا الزمان- وجدت هذا البون شاسعاً.

    هذه النقطة لا أبعاد فيها، ليس فيها طول ولا عرض، وإذا كان فيها طول وعرض فهو يسير جداً لا يكاد يذكر.. وقد قال النبي صلى الله عليه وآله سلم : (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) فكان القرن الثاني والثالث فرعاً عن القرن الأول، إذاً ما بقي إلا القرن الأول.

    وهذا الحديث الذي نتولى شرحه في هذه الخطبة دليل ظاهر على ذلك، الذي يحكي هذه الحكاية هو عمر بن الخطاب ، وإن كان الحديث حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال: (لم أزل حريصاً على أن أسأل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن المرأتين اللتين قال الله فيهما: إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا [التحريم:4]) .

    في رواية البخاري قال: (ظللت سنة أريد أن أسأل عمر بن الخطاب فتمنعني هيبته، حتى حج وحججت معه، وعدل -أي: ترك طريق الناس ليقضي حاجته- فلما قضى حاجته وجاء وكانت الإداوة -وهي شيء يشبه الإبريق فيه ماء- في يد ابن عباس ، وهو يصب عليه وضوءه قال: يا أمير المؤمنين! إنني أريد أن أسألك منذ سنة، ولكن تمنعني هيبتك. فقال: يا ابن أخي! إذا علمت أن عندي علماً فاسألني.

    فقال له: من المرأتان اللتان قال الله فيهما: إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا [التحريم:4]؟

    فقال: واعجباً لك يا ابن عباس !) وإنما تعجب عمر رضي الله عنه من هذا إما لشدة تتبع ابن عباس لتفسير القرآن، ومعروف أنه ترجمان القرآن ، وكان من أكثر الصحابة تفسيراً، وهناك نتف تفسيرية كثيرة عن ابن عباس ، فالذي له هذا الباع في التفسير كيف خفي عليه مثل هذا الموضع؟

    أو لأنه ما ظن أن ابن عباس يتتبع مثل هذه وتبلغ عنايته حتى يعرف أسباب النزول، وكان لـابن عباس مكانة عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما في الصحيحين أيضاً ( أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يُدخل ابن عباس مع مشايخ بدر . فلما دخل ابن عباس أكثر من مرة -وكان عمر حريصاً على إدخاله مع شيوخ بدر- فغضب عبد الرحمن بن عوف ، وقال: ماله يدخل هذا ولنا ولدان مثله -لنا غلمان مثله-: فسمعها عمر فأسرها في نفسه.

    فلما اجتمعوا يوماً قال لهم: ما تقولون في قوله تعالى: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا [النصر:1-3] ما تقول يا فلان؟

    فقال: إن الله عز وجل أمر نبيه: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر:1] أن يستغفر ربه.

    وأنت يا فلان؟ قال: أقول كما قال صاحبنا.

    وأنت يا فلان؟ كلهم يقول ما قال الأول.

    فقال: وما تقول يا ابن عباس ؟ قال: يا أمير المؤمنين! هذا أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلامة موته؛ لأنه (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) ودخل الناس أفواجاً في دين الله فما بقاؤه؟! فإنه قد أدى ما عليه. قال: هذا أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فقال عمر : والله يا ابن أخي! ما أعلم منها إلا ما تقول.

    قال ابن عباس : وكان يريد أن يريهم ما عندي، فقال لهم عمر بن الخطاب بعد ذلك: إنه من حيث علمتم -أي أنه ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم- ) .

    فكان لـابن عباس هذه المكانة عند عمر ، فتعجب أن يفوته هذا الموضع مع شهرته، ومع أن خبر عائشة وحفصة في هذا شاع بين المسلمين.

    وفي هذا دلالة على أن الشيء قد يخفى عن الإمام الجليل ويعلمه من هو دونه، وإنما نقول هذا لبعض المقلدة الذين إذا قيل لهم: إن الإمام الفلاني لم يعلم بالحديث الفلاني، يقولون: كيف لا يعلم هو به وتعلم أنت به، وهو أعلم منك؟!.

    نعم هو أعلم من حيث الجملة، لكن جزئيات العلم لا تتناهى، ولم يجمع واحد قط -بدءاً من أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلى أدنى رجل- العلم كله ولا جزئيات العلم في صدره، لا يجمع جزئيات العلم جميعاً في صدره إلا نبي، أما غير الأنبياء فقرنهم الله عز وجل بالعجز، ووصفهم بالحاجة، فما منا من أحد -كما يقول الشافعي رحمه الله- إلا وتعزب عنه سنة للنبي صلى الله عليه وسلمُ وقد يكون عند المفضول من العلم ما ليس عند الفاضل.

    وخذ مثالاً للخضر وموسى عليهما السلام، ولا شك عند جميع المسلمين أن موسى أفضل من الخضر ، ومع ذلك لما أراد الله عز وجل أن يعلم موسى عاتبه وذلك عندما سأله رجل من بني إسرائيل فقال: يا كليم الله! أتعلم أحداً هو أعلم منك؟ قال: لا؛ فعتب الله عليه أنه لم يرد العلم إليه، قال: إن لي عبداً بمجمع البحرين هو أعلم منك.. وبعد ذلك قصة الخضر وموسى عليهما السلام معروفة، ولكن كان عند الخضر من العلم ما لم يكن عند موسى ، والخضر مفضول وموسى فاضل.

    فقد يكون عند المفضول من العلم ما ليس عند الفاضل، فينبغي على المرء أن يتواضع لله، وأن يعلم أن في الزوايا خبايا، وأن في الناس بقايا؛ فلا ينبغي أن يستطيل على أحد.

    فهاهو ابن عباس مع اهتمامه بالتفسير وتقدمه فيه، خفي عليه موضع يعرفه جل المسلمين.

    من سلوكيات الصحابة ونسائهم

    (ثم استقبل عمر رضي الله عنه الحديث يسوقه، قال: كنت أتناوب النزول إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنا وجار لي من الأنصار من بني أمية بن زيد ، وهم من عوالي المدينة) وهذا يدلك على حرص عمر بن الخطاب على تحصيل العلم، وأن طالب العلم لا يشترط له أن يتفرغ، ما كان عمر متفرغاً، إنما كان صاحب همة.

    ومن هذا ننبه بعض طلبة العلم إلى أن من يقول: أنا لا أستطيع أن أطلب العلم إلا إذا تفرغت. نقول له: لا، لو كنت صاحب همة لا يعوقك عن طلب العلم ما تجده من العمل.

    فقسم عمر رضي الله عنه الأيام بينه وبين صاحبه، ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم يوماً، ويكون صاحبه في تجارته أو زراعته، ثم ينزل عمر إلى تجارته أو زراعته، ويكون هذا الأنصاري عند النبي صلى عليه الصلاة والسلام، فيأتيه بخبر ذلك اليوم، لو نزل وحي أتاه به، ولو قضى النبي صلى الله عليه وسلم في قضية أتاه بها، ولو قال حديثاً أو حدثت واقعة يقص عليه ما حدث من خبر ذلك اليوم.

    قال رضي الله عنه: (كنت أتناوب النزول إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنا وجار لي من الأنصار، ينزل يوماً وأنزل يوماً. قال: وكنا معشر قريش قوماً نغلب النساء، فلما قدمنا على الأنصار إذا هم قوم تغلبهم نساؤهم) وفي بعض الروايات (قال: فلما أنزل الله عز وجل ذكر النساء تبجحن، ورأين أن لهن علينا فضلاً) فبدأت النساء لما نزل الوحي يشاركن الرجل في العبادة وتحمّل تكاليف الشريعة، وأهل مكة أم القرى، يعاملون النساء معاملة مباينة لمعاملة أهل المدينة، فأهل المدينة يعاملون النساء معاملة ألطف من معاملة أهل مكة.

    وفي بعض الروايات الأخرى قال عمر : (وإنما كانت المرأة لحاجة أحدنا، فإذا أحتاجها قضى حاجته، ثم لا يكون لها بعد ذلك ذكر ولا كلام) .

    فلما هاجروا من مكة إلى المدينة، والطبع ينتقل من إنسان إلى آخر؛ بدأت النساء يرمقن فعل نساء الأنصار مع أزواجهن، وينقلن مثل هذا الأدب إلى بيوتهن، انظر إلى لطف عمر وحسن تعبيره، مع أنه معترض! قال: (فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار) ولم يقل: من قلة أدب.. مع أنها من وجهة نظر عمر قلة أدب، لأنه معترض، ومع ذلك يقول: (فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار) وفي الألفاظ سعة، فالعرب كان عندهم ذوق رفيع في استخدام الألفاظ، مثلاً: (القافلة) إنما تقال للذين رجعوا ولا تقال للذين ذهبوا. ومع ذلك يقولون للذين ذهبوا (قافلة)؛ تيمناً برجوعها. (اللديغ) كانوا يسمونه (سليماً) رجاء سلامته، الصحراء كانوا يسمونها (مفازة) تفاؤلاً بالنجاة منها.

    ثم هذا أوقع من أن يذكر اللفظ الصريح.

    فـعمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: (فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار) وفي رواية أخرى أيضاً في صحيح البخاري : (يأخذن من أرابيب نساء الأنصار) (الأرب): هو العقل.

    قال: (فصخبت عليَّ امرأتي ذات يوم فراجعتني) والصخب من وجهة نظر عمر ، مجرد أنها تراجعه.

    في بعض الروايات قال: (فتناولت قضيباً فضربتها، وقلت لها: أتراجعينني؟ قالت: ولِمَ لا أراجعك؟ وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم يراجعنه، وليس هذا فقط، بل ويهجرنه اليوم حتى الليل) وهذا يبين لك أثر القدوة.

    وقد تعبر كلمة واحدة عن مكنون ما في النفس، على سبيل المثال مرة وفي بعض المؤتمرات في بعض البلاد رجل نيف على التسعين عاماً، معه عصا يتوكأ عليها، وذهب إلى هذا المؤتمر، وبعد ذلك قال: أيها الناس! اسمعوني.. رفع العصا، وقال: العصا هذه معوجّة من أين؟ قالوا له: من فوق. قال لهم: السلام عليكم.

    هذا الذي أراد أن يقوله، ومضى الرجل بعد أن أوصل رسالة مهمة إلى أذهان الحاضرين.

    القدوة له أثر عظيم في استقامة المجتمع، إن الله تبارك وتعالى حكم عدل، إذا كان الرأس صالحاً رزقه الله مرءوسين صالحين، وإذا كان فاسداً رزقه فاسدين، هذه من السنن الكونية التي لا تتخلف، والله عز وجل لا يحابي أحداً من عباده.

    فامرأة عمر بن الخطاب تقول له: لِمَ تنكر وأزواج النبي -اللاتي هن القدوة- يفعلن كذا وكذا؟! (يراجعنه، بل ويهجرنه اليوم حتى الليل) ولم تقل: ويهجرنه الليل حتى الصبح؛ لأن هذا لا يجوز، ولا تقع فيه واحدة من أزواج النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن المرأة إذا باتت هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح، إنما الواحدة منهن كانت تغاضب النبي عليه الصلاة والسلام من أول النهار إلى آخر النهار.

    زوجات النبي صلى الله عليه وسلم وفضل عائشة

    قال عمر : (فأفزعني ذلك، وقلت: أوتفعل حفصة ذلك؟!) ولم يقل: أتفعل عائشة ، أتفعل أم سلمة ؛لأن الإنسان إنما يكون عطوفاً على ولده، يبحث عن ولده قبل أن يبحث عن غيره، ما ذكر إلا حفصة وقال: ( لقد خابت وخسرت، ثم جمع ثيابه ونزل في الحال، وقال: أي بنية! أتغاضب إحداكن النبي صلى الله عليه وسلم وتهجره اليوم حتى الليل؟ قالت: نعم. قال: وما يؤمنكِ أن يغضب الله لغضب رسوله فتهلكي؟ لا تسألي النبي صلى الله عليه وسلم ولا تراجعيه، ولا تهجريه، وسليني ما بدا لكِ ).

    الإمام البخاري رحمه الله بوب على هذا الحديث لأجل هذه الفقرة، قال: ( باب موعظة الرجل ابنته لحال زوجها )، يا ليت الآباء الذين زوجوا بناتهم يتعلمون من هذا الدرس، ( باب موعظة الرجل ابنته لحال زوجها ).

    أي رجل منا له بنت فزوجها ذراعه مكسور مهما كان ملكاً مطاعاً، وإذا كان زوج البنت ليس بذاك الرجل النبيل، ومع ذلك أنت ممكن تنفق على بنتك، وتعطيه مالاً، وتثني عليه بما ليس فيه ليستقيم الحال بخلاف الولد.

    فأنت ينبغي عليك أن تعين زوج ابنتك، ولا تحرض ابنتك عليه، ومن المشاكل الكثيرة الشائعة التي زلزلت البيوت أن الأب مثلاً ممكن يذهب فيقرّع زوج البنت أمام البنت، يقول له: أنت غلطان، وهي محقة، المفروض تفعل كذا وكذا.. لا يا أخي! ينبغي أن تظل قوامة الرجل كما هي، ولا توغر صدره، مر ابنتك بالمعروف والإحسان، فإذا خلوت بزوجها فمره بالإحسان، لكن لا تسمح لابنتك أن تذكر سيئات الزوج هكذا أمامه، كل هذا رعاية لصدر الزوج، وإعمالاً لتمام قوامته على المرأة، كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال لها: ( لا تسأليه، ولا تستكثريه، ولا تهجريه، وسليني ما بدا لكِ. ثم قال لها: ولا يغرنكِ أن كانت جارتكِ أوضأ منكِ وأحب إلى النبي صلى الله عليه وسلم -وهو يريد بذلك عائشة- ) يريد أن يقول لها: إن عائشة أجمل منكِ، ولها دلال على النبي عليه الصلاة والسلام، فقد يحتمل ذلك لها لمكانتها عنده، فإذا حاولت أن تقلديها لا يحتمل لكِ؛ لأنه ليس لكِ من المكانة مثل ما لها.

    وكانت عائشة رضي الله عنها محبوبة جداً لدى النبي عليه الصلاة والسلام، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا ينكر ذلك، بل كان يبديه أحياناً، لما حدث بينه وبين بعض زوجاته كلام بشأن عائشة قال: (لا والله، ما نزل الوحي في لحاف امرأة غيرها) وجعل هذا منقبة لها، وكان هذا -كما قلت سابقاً- لا ينكره النبي عليه الصلاة والسلام حتى علمه الصحابة، فكانوا يتحرون بهداياهم ليلة عائشة كما في الصحيحين ، من حديثها أيضاً رضي الله عنها، قالت: ( كان المسلمون يتحرون بهداياهم ليلة عائشة ) فحبيب حبيبي حبيبي، إذا أكرمت من أحب أحببتك.

    فكان الصحابة يعلمون ذلك، فكانوا يتحرون بهداياهم ليلة عائشة ، من أراد أن يهدي النبي صلى الله عليه وسلم هدية فإنه يمكث حتى إذا كانت ليلة عائشة يعطيه الهدية، حتى صار عند عائشة هدايا كثيرة، وأزواج النبي عليه الصلاة والسلام يعلمن ذلك، فما أعجبهن هذا الحال، فأردن أن يراجعن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، وأنه يقسم الهدايا عليهن، فأرسلن أحب الناس إليه، وهي فاطمة رضي الله عنها.

    قالت عائشة: (فدخلت فاطمة لا تخطئ مشيتها مشية النبي صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم في لحافي، فدخلت فقال: أهلاً بابنتي! فأجلسها، فقالت: يا رسول الله! إن أزواجك يسألنك العدل في ابنة ابن أبي قحافة . فقال: أي بنيتي! أتحبينني؟ قالت: أجل. قال: فأحبي هذه. وذهبت إليهن وهن مؤتمرات في بيت إحداهن، فلما دخلت قالت: والله! لا أراجعه فيها أبداً) ، فأرسلن بعد ذلك زينب ، وهي التي كانت تسامي عائشة رضي الله عنها في المنزلة عند النبي عليه الصلاة والسلام.

    قالت عائشة : (فدخلت زينب والنبي صلى الله عليه وسلم في لحافي، فكلمت النبي عليه الصلاة والسلام، ثم وجهت كلاماً لـعائشة وأضجعت في الكلام -يعني: قالت كلاما قوياً- قالت عائشة : فنظرت إلى النبي صلى الله عليه وسلم هل يكره أن أنتصر؟ -يعني: لو رددت عليها هل يكره ذلك؟- قالت: فلما علمت أنه لا يكره أن ينتصر قمت لها فأفحمتها، فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إنها ابنة أبي بكر!) أي: لا تغلب.

    فانظر إلى هذا الوفاء من قبل عائشة رضي الله عنها تقول: ( فنظرت إليه هل يكره أن أنتصر؟ ) المرأة ينبغي أن تراعي شعور زوجها، فلا تأتي الشيء الذي يكرهه أبداً، هذا من العشرة بالمعروف، من حقه عليها، ولم يأذن النبي صلى الله عليه وسلم بقسمة الهدايا؛ لأن هذا ليس ملكاً له عليه الصلاة والسلام، إنما يسأل الرجل -إذا تزوج بأكثر من امرأة- العدل فيما يملك، أما الهدايا فلا تدخل في هذا؛ ولهذا لم يجبهن النبي عليه الصلاة والسلام.

    وكانت أخبار عائشة رضي الله عنها فاشية يتحدث بها الخاص والعام، فيقول عمر بن الخطاب لها: يا بنيتي ليس لكِ من الإجلال ولا المكانة ولا الجمال مثل عائشة ، فلا تقلديها، فإنه يحتمل لها ولا يحتمل لكِ. وهكذا وعظها أبوها، وحضها على أن تعاشر النبي صلى الله عليه وسلم بالمعروف.

    عظيم حب الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم وحالنا اليوم

    قال عمر : ( وكنا نتحدث أن غسان تنعل الخيل لغزونا ) وغسان موالون لملوك الروم، وكانوا في الشام ، وكان المسلمون قد أمنوا كل الجهات إلا من جهة ملك غسان فقد كان يهدد أنه سوف يغزوهم في المدينة ، فكان الصحابة على أتم استعداد لملاقاة هذا الرجل إذا تحرك إلى المدينة .

    واستخدم هذه الاستعارة الجميلة: ( تنعل الخيل لغزونا ) الرجل إذا انتعل فهذا معناه أنه سيمشي وسيمضي، و(تنعل الخيل): أي تهيئ الخيل لتغزونا.

    ففي يوم من الأيام بعد صلاة العشاء، وفي نوبة هذا الأنصاري جاء فضرب الباب ضرباً شديداً، في بعض الروايات قال عمر : (فخرجت إليه عرياناً -طبعاً ليس عرياناً بمعنى غير متستر، وإنما لم يكن متهيئاً بكامل زيه، وهو دال عن السرعة والمبادرة- فقلت: مالك؟ قال: حدث اليوم أمر عظيم. قال: أجاءت غسان -لأن هذا هو الأمر العظيم الذي كانوا يتوقعونه، وما خطر ببال عمر أبداً هذا الذي سيسمعه من الأنصاري-؟. قال: لا، بل ما هو أهول من ذلك وأعظم!).

    ما أعظم حبهم للنبي صلى الله عليه وسلم حتى إن تَكَدُّرَ خاطره صلى الله عليه وسلم كان عندهم أعظم من أن تستولي غسان على المدينة، ما كانوا يصبرون على أن يلحقه أذى أياً كان!!

    أمّا ما يجري الآن في زماننا في حق النبي عليه الصلاة والسلام فما كان الصحابة يسمحون بعشر عشر معشاره؛ لأن محبتهم كانت صادقة، الآن الرسول عليه الصلاة والسلام يسب في ديار المسلمين ويلمز ويغمز، وقد صرح بعضهم به تصريحاً، لما رسم أحدهم في رسومه الساخرة (الكاريكاتير) ديكاً وتسع دجاجات، وكتب فوق -هذا كان سنة خمسة وستين في جريدة الأهرام - هذا الرسم "محمد جمعة وزوجاته التسعة" من الذي تزوج تسعاً في المسلمين ولا يحل إلا أربعة لسائرهم؟ من الذي تزوج تسعاً فقط؟ هو النبي عليه الصلاة والسلام، يخرج الرسم بهذا السفور الفاضح، ومع ذلك يظل هذا الرجل في مكانه ولا يحاسب، وكل هذا بدعوى حرية الرأي وحرية الكلمة، وأننا لا نحجر على كلام أحد.. كيف لا نحجر؟ إذا كان هناك إنسان يستحق أن يحجر عليه فليحجر عليه، فالألفاظ قوالب المعاني.

    إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سمع رجلاً يوماً يقول: (والله! ما أبي بزانٍ ولا أمي بزانية. فجلده الحد، وقال: إن هذا تعريض بالزنى) أي: لو أن الأب أو الأم كانا طاهرين، لِمَ نفيت التهمة عنهما؟ أكيد هناك أصل لهذه التهمة، فجلده حد القاذف؛ لأن هذا فيه إيماء وفيه معنى القذف بالزنى.

    فالنبي عليه الصلاة والسلام يعتدى عليه، ويعتدى على سنته من قبل الجهلة الذين لا يعرفون شيئاً في هذا العلم، كل يوم لما أطالع مثلاً بعض الصحف لا يكاد يوم يمر إلا وفيه هجوم على السنة، أو على القرآن أو على النبي عليه الصلاة والسلام، أو على الله تبارك وتعالى.

    فأغرى هذا أعداءنا وجرأهم، فرسموا النبي عليه الصلاة والسلام على صورة خنزير، وفي الضربة الأخيرة للعراق في شهر رمضان كانت الصواريخ التي تضرب بها بغداد مكتوب عليها: (هدية رمضان للمسلمين) فلما استنكر بعض المسلمين هذا رد الرئيس الأمريكي وقال: أحد الجنود كتبه ماذا نصنع به؟! متأسفين.. وانتهى الأمر على هذا، وما أرى حالنا اليوم إلا كما يقول الشاعر:

    لَوْ كُنْتُ مِنْ مَازِنٍ لَمْ تَسْتَبحْ إِبِلِي بَنُو اللَّقِيطَةِ مِنْ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانا

    إذًا لَقامَ بِنَصْرِي مَعْشَرٌ خُشُنٌ عِنْدَ الْحَفِيظَةِ إِنْ ذُو لُوثَةٍ لاَنا

    قَوْمٌ إذا الشَّرُّ أبْدَى نَاجِذَيْهِ لَهُمْ طَارُوا إلَيْهِ زَرَافاتٍ وَوُحْدَانا

    لاَ يَسْأَلُونَ أخَاهُمْ حِينَ يَنْدُبُهُمْ فِي النَّائِبَاتِ عَلى ما قالَ بُرْهانَا

    لَكِنَّ قَوْمِي وَإنْ كانُوا ذَوِي عَدَدٍ لَيْسُوا مِنَ الشَّرِ فِي شَيءٍ وَإنْ هانَا

    يَجْزُونَ مِنْ ظلَمْ أهْلِ الظُّلْمِ مَغْفِـرَةً وَمنْ إسَاءَة أهْلِ السُّوءِ إِحْسَانَا

    كأَنَّ رَبَكَ لَمْ يَخْلُقْ لِخَشْيَتِهِ سِوَاهُمُ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ إِنْسَانا

    الورع البارد هذا أغرى أعداءنا أن يعتدوا على النبي عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك الاعتداء الصارخ لم يكن هناك أي رد فعل رسمي لأي بلد من بلاد المسلمين.

    يا أخي: اسحب السفير، اعمل احتجاجاً رسمياً، اعمل مؤتمراً صحفياً، اعترض، قل: كيف تسبون نبينا؟ كيف ترسمونه على هيئة خنزير؟ هذا أقل ما يجب، لكن لم يكن هناك أي رد فعل رسمي على الإطلاق، كأن هذا النبي لا يدين بدينه أحد..!

    الرسول عليه الصلاة والسلام لما طلق نساءه، يقول هذا الصحابي لما سأله عمر : ( أجاءت غسان ؟ يقول: بل ما هو أهول من ذلك وأعظم ) مجرد أن يطلق نساءه هذا أعظم من أن تستولي غسان على المدينة .

    فقال عمر : ( قد كنت أعلم أن ذلك يوشك أن يكون ) لماذا؟ لأن له مقدمات: المرأة التي تعترض على زوجها وتهجره، وتنشز عليه... ماذا يُتصور أن يكون رد فعله تجاه ذلك التصرف الخاطئ؟!

    الرجل الذي تتدفق دماء الرجولة في عروقه لا يطيق أن تفعل به المرأة ذلك، أنها تهجره، وكلما يأمرها تعصيه، ولا تسمع له كلاماً، وتحط من كلامه، وأي رجل يأبى هذا.

    فهذه مقدمات كان عمر يرى أنها قد تؤدي إلى ذلك، ولذلك أول ما سمع الخبر قال: (قد كنت أعلم أن ذلك يوشك أن يكون)، فنزل وصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر، والنبي عليه الصلاة والسلام بعد الصلاة دخل المشربة، ما كلم أحداً -المشربة: غرفة ملحقة بالمسجد- ولم يجرؤ عمر بن الخطاب أن يراجعه أو أن يكلمه؛ لأنه كان غاضباً، فجلس مع قوم عند المنبر، قال عمر :(يبكي بعضهم).

    أنا على يقين -بما أعلمه من سير الصحابة- لو أن واحداً من هؤلاء الذين يبكون عند المنبر طلقت ابنته لما بكى.. فلماذا يبكي إذاً؟ يبكي لتكدر خاطره عليه الصلاة والسلام، مجرد أنه متكدر الخاطر -متعكر- هذا يقلقه؛ لأنهم كان يحبونه غاية الحب.

    هذا الموقف موقف مهيج ومثير، ناس يبكون حزناً.. قال عمر: (فغلبني ما أجد) يعني: ما كان في صدره من الهم والغم غلبه فلم يصبر على هذه الجلسة، وذهب إلى هذا الغلام وقال له: استأذن لـعمر.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

    1.   

    المرأة .. والمجتمع

    الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

    إفساد المرأة أمر متعمد

    اعوجاج النساء سبب دمار البيوت، وذهاب الدفء، وقد علم أعداؤنا أن قاعدة بنياننا المرأة، فشرعوا في إفسادها، وصارت كل المؤتمرات التي تعقد في جنبات العالم -وخصوصاً في ديار المسلمين- المقصود بها إصدار قرارات لإفساد المرأة، وإعطائها أكبر قدر من الحرية؛ والقصد بهذه الحرية: أن تخرج من قبضة الرجل.

    مؤتمر السكان كل قراراته كان المقصود بها إفساد المرأة، تجريم ختان المرأة، والغريب أنه صدر قانون بغاية السرعة، نحن نعلم أن القوانين حبك لها في الخفاء طويلاً، هذا القانون صدر في أقل من شهر وتضمن تجريم ختان المرأة، وأنه إذا ضبط أي طبيب أو أي أحد متلبس بختان امرأة يعاقب بالسجن كذا وبغرامة مالية..

    وصاحب ذلك معركة صاخبة، لكنها مضحكة مؤلمة، صرح فيها بعض من سيقف بين يدي الله غداً لا ينفعه أحد: ( أن الختان ليس له أصل في الشريعة الإسلامية) وهؤلاء لا أقول: إنهم جهلة، فهم يدرسون العلوم الشرعية ومع هذا يقولون: إن الختان ليس له أصل، وأن هذه عادة جاهلية، وأن هذا فيه اعتداء على أنوثة المرأة. وكأنهم يخاطبون الصم البكم العمي، الذين لا يقرءون ولا يسمعون ولا يرون.

    المجلس أباح -منذ سنوات- الاختلاط والإجهاض، ويقرر إمكانية أن تتولى المرأة العمودية -تصبح عمدة- وأباح أن تسافر المرأة إلى الخارج رغم أنف زوجها ... والبقية تأتي.

    إفساد المرأة أمر متعمد، (90%) من فساد البيوت على عنق المرأة وعلى عاتقها، وأيضاً (90%) من استقرار البيوت على عاتق المرأة؛ لذلك ينبغي على المرأة المسلمة أن لا تخذلنا في معركتنا الفاصلة، مع هذه القوى المناوئة لشرع الله عز وجل، إذا تحاكمت المرأة إلى الشرع فقد أسقطت كل هذه القوانين التي قننت لإفسادها، لا ينبغي عليها أن تخذلنا في معركتنا، ولا ينبغي أن يؤتى الإسلام من قبل المرأة المسلمة.

    واستكمالاً لما تقدم من شرح حديث ابن عباس في الشطر الأول للمادة أقول وبالله التوفيق: عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوصي ابنته برسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تستكثريه، ولا تهجريه، ولا تراجعيه، وسليني ما بدا لك) .

    من آداب الاستئذان

    استأذن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال الغلام: (ذكرتك له فصمت) هذا الغلام اسمه رباح، وكان واقفاً على باب الرسول، واحتج أهل العلم بهذا على جواز أن يتخذ الإمام حاجباً إذا دعت إلى ذلك ضرورة، وأن اتخاذ الحجاب والحراس أمر له أصل في الشرع إذا دعا إلى ذلك داع، وإلا فإنه يجوز للإمام ألا يتخذ حاجباً ولا يتخذ بواباً، وفي هذا أدلة، منها:

    أن النبي صلى الله عليه وسلم -كما في الصحيحين - مر على امرأة تبكي عند قبر جديد فقال: (يا أمة الله! اتقي الله واصبري. فقالت: إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي. فلما مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأُخبِرَت المرأة أنه رسول الله فزعت وانطلقت خلفه، فجاءت بيته فلم تجد حاجباً ولا بواباً، فاعتذرت إليه، فقال لها عليه الصلاة والسلام: إنما الصبر عند الصدمة الأولى) .

    وفي اتخاذ الحاجب والبواب هذا الحديث وحديث آخر، حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم وكله بباب بستان وقال: لا يدخل أحد. فجاء أبو بكر فأراد أن يدخل، فقال له: على رسلك، فاستأذن له النبي صلى الله عليه وسلم فأذن له، قال: ائذن له وبشره بالجنة، فأذن له وبشره بالجنة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم جالساً على حافة البئر، وقد دلى رجليه في البئر فجاء أبو بكر الصديق وجلس بجانبه ودلى رجليه في البئر.

    قال أبو موسى : فقلت في نفسي: إن يرد الله بفلان خيراً يأتِ به، يريد أخاً له -طمعاً أن يقول له أيضاً: بشره بالجنة، فهو يتمنى أن يأتي أخوه في هذه اللحظة حتى يبشر بالجنة- قال: فجاء عمر . فقلت: على رسلك، واستأذن له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ائذن له وبشره بالجنة، فأذن له وبشره بالجنة، فجاء عمر فجلس بجانب أبي بكر ودلى رجليه في البئر.

    ثم جاء عثمان قال: على رسلك. فاستأذن له، قال: ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه. فقال عثمان : الله المستعان. فدخل عثمان ، فلم يجد بجانبهم مكاناً، فجلس في مقابلهم ودلى رجليه في البئر).

    قال سعيد بن المسيب رحمه الله: فأولتها ( قبورهم )؛ لأن أبا بكر وعمر دفنا بجانب النبي صلى الله عليه وسلم ودفن عثمان في مقابلهم في البقيع .

    ففي هذا دليل على جواز أن يتخذ الأمير أو العالم أو الحاكم حاجباً إذا دعت إلى ذلك ضرورة.

    وفي قوله: (استأذن لـعمر) دلالة على استحباب أن يسمي المستأذن نفسه، ما قال له: ائذن لي، -مع أنه معروف- إنما قال: استأذن لـعمر . وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكره أن يستأذن عليه المستأذن فيقول: أنا. كما في حديث جابر في صحيح مسلم (أنه استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من؟ قال: أنا. قال جابر فسمعته يقول: أنا أنا؟! كأنما كرهها) .

    قال ابن الجوزي رحمه الله: إنما كره النبي صلى الله عليه وسلم (أنا) لأنها تشعر بالكبر، فكأن قائلها يقول: أنا الذي لا أذكر نسبي، ولا أنسب نفسي لشهرتي. كأنما قال ذلك فكرهها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (استأذن لـعمر . قال: فدخل ثم خرج، قال: ذكرتك له فصمت. فرجع عمر إلى المنبر مرة أخرى) .

    وللبحث صلة بعد الصلاة إن شاء الله.

    اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.

    اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا.

    رب آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.

    1.   

    التعامل مع النساء

    إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.

    لما دخل عمر بن الخطاب على النبي صلى الله عليه وسلم سأله: (يا رسول الله! هل طلقت نساءك؟ قال: لا. فقال عمر : الله أكبر!) في بعض الروايات أن أم سلمة سمعت تكبير عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قالت: (فلما سمعنا تكبير عمر علمنا أنه لم يكن طلاقاً) طبعاً عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما بلغه هذا الخبر عن صاحبه الأنصاري نزل فصلى الفجر، ثم أتى حفصة فدخل عليها وهي تبكي قال: (ما يبكيكِ؟! أولم أكن حذرتك؟! هل طلقكن النبي صلى الله عليه وسلم؟! قالت: لا) في بعض الطرق الأخرى قال عمر : (ولولاي لطلقكِ) .

    فلما سأل عمر النبي عليه الصلاة والسلام: هل طلقت نساءك؟ قال: لا؛ فكبر، فأراد عمر أن يؤنسه فذكر ما قاله لـحفصة ، ومثل هذا لا يقال عادة، لكن عمر أراد أن يستأنس وأراد أن يضحك عليه الصلاة والسلام ليزيل عنه ما يجد.

    قال: (يا رسول الله! لو رأيتنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا على الأنصار إذا هم قوم تغلبهم نساؤهم، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم) العلماء يقولون: أن تبسمه صلى الله عليه وسلم يدل على أنه رضي طريقة الأنصار في معاملة النساء، والنبي عليه الصلاة والسلام كان أحسن الناس لأهله كما صرح هو بذلك، قال: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) .

    بكل أسف قد تجد الرجل حسن الخُلق، بساماً ضاحكاً في الخارج مع أصحابه، فإذا دخل البيت دخل وعلى وجهه الغضب، ولا يبتسم.. لماذا؟ النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إن النساء عوان عندكم) (عوان) أي: أسيرات، فالمرأة أول ما تتزوجها تدخل السجن مباشرةً .. لماذا؟ لأنها لا تستطيع أن تتزوج غيرك، وإذا سافرت وتركتها ظلت معلقة بك، ما تستطيع أن تأخذ الإفراج إلا بالطلاق، فالمرأة لما دخلت سجنك كن كريماً، فالرسول عليه الصلاة والسلام قدوتنا في ذلك وقد حث ورغب في الإحسان إليهن.. وأنا أوصي إخواني أن يطالعوا كتب الشمائل -شمائل النبي عليه الصلاة والسلام- والكتب التي تعنى بأخلاقه عليه الصلاة والسلام، مثل شمائل الترمذي ، ومثل أخلاق النبي لـأبي الشيخ ، وهناك الشمائل لـأبي الحسين البغوي ، وهو من أجمع هذه الكتب.

    واربط حياتك بحياة النبي عليه الصلاة والسلام، وحاول أن تنقل ما تتعلمه إلى حياتك، ولن تشقى على الإطلاق.

    تعدد الزوجات .. والقسط في الهدي النبوي

    النبي عليه الصلاة والسلام من جوانب عظمته: أنه كان معه تسع نساء وانظر ماذا فعل في الدنيا، كان قلبه لربه تبارك وتعالى، وكان لا يغفل طرفة عين عن الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتفقد حاجات المسلمين برغم أنه متزوج بتسع!

    والمشادّة عادة تكون مع الرجل إذا تزوج بأكثر من امرأة، يكون باب الملاحاة أوسع منه من أن يكون زوج امرأة واحدة.

    فأنت إذا نظرت إلى النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب ترى عجباً، هناك حديث في الصحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في السفر يذهب إلى جمل عائشة) فكان دائماً وهو مسافر يبحث أين الجمل ويذهب إلى الجمل، وهو كان راكباً ناقته، ويذهب هناك لكي يتحاورا ويتسامرا.

    ففي مرة من المرات في سفر كانت حفصة مع عائشة، فـحفصة رضي الله عنها عملت حيلة، فقالت لها: ألا نبدل ركابينا، أنا أركب جملك وأنت تركبين جملي، وعائشة رضي الله عنها ما فطنت إلى الذي تريد حفصة .

    فأتى الرسول صلى الله عليه وسلم وذهب إلى جمل عائشة ، الذي تركبه حفصة وبقي يتحدث مع حفصة .

    وأول ما رأت عائشة رضي الله عنها هذا المنظر غارت، حتى دعت على نفسها أن تلدغها حية، انظر إلى أين وصل الأمر! يصل الأمر إلى أنها تدعو على نفسها أن حية تلدغها، وتقول: ( اللهم! رسولك ولا أقدر أن أقول له شيئاً ) ومع ذلك كانت عائشة وحفصة أختان متوائمتان، كانت الغيرة فعلاً موجودة، لكن كانت الغيرة حميدة إذ لم تتجاوز الحد، كانت غيرة مؤقتة، والمرأة التي تريد أن تنفرد بزوجها وتستبد به تتمنى أن تهلك أختها أو لا تستريح إلا إذا طلقت أختها.. لا؛ لم يقع ذلك بين أمهات المؤمنين، مع أن المعروف عند كثير من الضرائر ليس مجرد الكراهية لبعضهن وإنما يتعدى الأمر إلى كراهيتهن للرجل، أما النبي عليه الصلاة والسلام فقد كان محل المحبة والإجلال في أفئدة نسائه جميعاً.

    بعض إخواننا المتزوجين بأكثر من زوجة ممكن أن يطلق إحداهن بسبب أنه يريد أن تكون الزوجتان متفقتان مع بعض، نقول: يا أخي! هذا ليس من شغلك، المهم أن يحببنك كلهن، وأن تكون محبوباً عند الكل ودعك منهن سواء كانت بينهن محبة أو غيرة وكراهية، هذه مسألة أنت ما لك دعوة بها، المهم أن يحببنك، كلما تدخل البيت -أي بيت تدخله- تجد منهن المحبة.

    والبعض من الرجال يصر أن يسكنهن في بيت واحد، ويأكلن من أكل واحد، ويقول لهما: تعاليا حتى نقرأ كلنا في كتاب الله -مثلاً- ويحاول إجبارهن على الاندماج مع بعض فالرجل هذا يسبح ضد التيار.

    لا يا أخي! ما كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم كذلك، كان كل امرأة لها بيت، حتى لو كانت المرأتان في بيت واحد فأنت سوف تمشي على الجمر، ولن تأخذ راحتك أبداً.. لماذا؟ إذا نظرت إلى إحداهن غارت الأخرى وأضرمت عليك البيت ناراً ومشاكل وهكذا مع الأولى، وستظل كل يوم في تحقيق وفي محضر، أما عندما تكون في بيت مستقل فلن يكون الأمر كذلك، النبي عليه الصلاة والسلام لما أرسلت صفية بطبيخ لها -إدام- وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد دعا جماعة من أصحابه في بيت عائشة ، وصفية أرسلت بهذا الإدام -يعني: طبيخ - وكانت صانعة طعام جيدة حتى لقد وصفت عائشة رضي الله عنها طعامها فقالت: ( ما رأيت صانعة طعام أجود من صفية ).

    فأول ما أتي بالطبيخ ورائحته تفوح، وطبعاً عائشة لا تطبخ مثلها، فـعائشة ظنت أن صفية بعثت هذا الطبق حتى يُرى الفرق بين طبخها وطبخ عائشة ، فغارت ورمت الإناء حتى انكسر، فالنبي عليه الصلاة والسلام فطن للمسألة هذه، والصحابة جالسون والحدث كان أمامهم؛ فتبسم النبي عليه الصلاة والسلام وقال: (غارت أمكم، وأخذ إناء عائشة رضي الله عنها وأرسله إلى صفية وقال: إناء بإناء وطعام بطعام).

    لو حصل مثل هذا الأمر مع شخص آخر من الممكن أن يكون فيه طلاق للمرأة، لا يا أخي! الرسول عليه الصلاة والسلام كان يعامل النساء معاملة راقية جداً، والنساء ضعيفات يحتجن إلى الرفق والسماحة.

    ربنا سبحانه وتعالى أعطى الرجل القدرة على أن يعاشر أربع نسوة، وما ملك من الإماء، لديه القدرة على أن يتعامل مع أربع نسوة، ويكون صادقاً في تعامله معهن جميعاً، يعني مثلاً يمكن يبث بحبه للمرأة الأولى والثانية والثالثة والرابعة، لا أحد يقول لي : يا غشاش! أو يا كذاب! والمرأة غير الرجل، ربنا سبحانه وتعالى لما خلق الرجل خلق عنده هذه الطاقة وهذا الصبر، بدليل أنه أعطاه أربعاً، فهو إذا قال للمرأة الأولى مثلاً: أنا أحبك، فهو يحبها، وإذا قال للثانية: أنا أحبك، فهو يحبها فعلاً، لكن المرأة لو قالت لغير زوجها: أنا أحبك؛ فهي كاذبة؛ لأن الله عز وجل لم يجعل لقلبها إلا مكان رجل واحد فقط، بينما جعل للرجل أربعاً، فالرجل لما يوزع في أربع جهات فهو صادق، المرأة لو وزعت في جهتين تكون كاذبة.

    وجوب مراعاة نفسية المرأة والتودد إليها

    ربنا عز وجل خلق الرجل على خلقة، وخلق المرأة أيضاً على خلقة، فالمرأة ضعيفة، كثيرة الظنون، قال صلى الله عليه وسلم: (إن المرأة لا تستقيم لك على طريقة) إياك أن تتصور أن المرأة سوف تمشي معك كما تحب على طريقة واحدة.

    فكل يوم المرأة لها طريقة، فإذاً ينبغي أن تعلم أن الله عز وجل خلق المرأة على هذا؛ فتعذرها، ولا تعامل المرأة كمعاملة الرجل.. لماذا؟ لأن خُلقها دون خُلق الرجل، وخَلقها دون خَلق الرجل، ومزاجها دون مزاج الرجل، فالنبي عليه الصلاة والسلام كانت هذه سيرته رفق ورحمة وسماحة، ومن ذلك حديث مسابقة النبي صلى الله عليه وسلم عائشة في غزوة من الغزوات.

    وبصراحة: كم واحداً منا فعل مع امرأته هذا أو قريباً من هذا؟ الكثير من الناس يرى الرفق بالمرأة يجرئها عليه وإذا قسى عليها لانت له واحترمته، ولذلك لابد أن تعامل معاملة قوية وحاسمة، وهذا خلاف هدي النبي عليه الصلاة والسلام.

    ولنا في حديث أم زرع درس تربوي عظيم، ويظهر مدى وكيف أن النبي صلى الله عليه وسلم كان على أعلى وأرقى الأخلاق، وتبسط مع عائشة رضي الله عنها وسمع منها هذا الحديث الطويل برغم أنه محمل ومثقل بأعباء الدعوة إلى الله عز وجل.

    والبخاري بوب على هذا الحديث -حديث أم زرع - قال: ( باب السمر مع الأهل). بينما من الناس من يرى أن المرأة كل حكاياتها ليست مهمة، ويقول -بكل تبجح- آتي أحط دماغي لكي أستريح ثلث ساعة، وهي تشغلني بهذا الكلام الفارغ!

    فنقول لهذا وأمثاله: هذا الرجل الذي لم يتأدب بأدب النبي عليه الصلاة والسلام بينما الرجل العاقل هو الذي يشعرها بحلاوة حديثها، والاستماع فن! الاستماع فن!

    المرأة لما تحكي لك صبر نفسك ثلث ساعة، صبر نفسك ربع ساعة لما تحكي لك مثل هذه الحكايات، لأن هذه حياتها، وأنت طول النهار في الخارج، وهي طول النهار مع الأولاد، فأول ما يأتي زوجها تريد أن تتكلم معه أي كلام، فتفتح معه أي حوار؛ لأن الحياة الرتيبة ليس فيها شيء يستحق الحوار، فإذاً لابد أن تفاتحك بشيء كهذا.

    وتأمل في هذا الخلق العظيم للرجل العظيم النبي عليه الصلاة والسلام في ليلة سمع عائشة رضي الله عنها تحكي حكاية أم زرع ، فاختار النبي صلى الله عليه وسلم أجود مثال، وشبه نفسه عليه الصلاة والسلام به تطييباً لخاطر عائشة ، بل أضاف إلى ذلك شيئاً من عنده عليه الصلاة والسلام تطييباً لخاطرها، قال لها: (كنت لكِ كـأبي زرع لـأم زرع -في رواية للنسائي - قالت: يا رسول الله! بل أنت خير من أبي زرع) ، وفي رواية الزبير بن بكار قال لها: (كنت لكِ كـأبي زرع لـأم زرع ، غير أني لا أطلقكِ) لأن أبا زرع طلق امرأته.

    فالنبي عليه الصلاة السلام كان حسن العشرة جداً مع أهله وبه يجب الائتساء، قال سبحانه: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21].

    فمعنى أنه يتبسم عند أن سمع عمر يقول: (والأنصار تغلبهم نساؤهم) إذاً: رضي سيرة الأنصار مع النساء، فقال عمر رضي الله عنه: ( يا رسول الله! لو رأيتني وأنا أقول لـحفصة : لا يغرنكِ أن كانت جارتكِ أوضأ منكِ ) ، وهذا من أدب عمر رضي الله عنه في استخدام الكلام، ما قال: (ضرتكِ) إنما قال: (جارتك)؛ لأن الجار له حقوق، فالرجل المتزوج بامرأتين إذا ذكر إحدى امرأتيه للأخرى يقول: أختك، كما أنك -مثلاً- إذا ذكرت ابن أخيك لابنك تقول له: أخوك.. لماذا؟ لأن فيه استعطافاً.

    ثم أنت لا تنقل شيئاً من حياتك في هذا البيت إلى هذا البيت، إذ أن هذا التصرف أكبر غلطة! وهو أن الرجل ينقل حياته ويتحدث عن تصرفاته في بيت إحداهن للأخرى.

    وأنا في المشاكل أو الحالات التي رأيتها في البيوت التي فيها تعدد، وفيها عدم الاستقرار؛ في الغالب بسبب الرجل.. لماذا؟ لأنه يذهب يحكي حياته وعشرته مع المرأة الأخرى.

    يأكل مثلاً طبيخاً معيناً -ملخوية مثلاً بالبامية- فيقول لها: تسلم يديكِ! البامية التي أنا أكلتها البارحة كانت حلوة مثل هذه أيضاً..! يعني كأنك تريد أن تقول أنها مثلها؟! هي المرأة لا تقبل أصلاً هذا! حتى لو كانت دونها، يعني هذا أن حياتك هنا غير حياتك هنا.

    الإحسان إلى المرأة وإكرامها

    إن هناك بيوتاً -بكل أسف- تتصدع كل يوم بسبب عدم الثقة، بينما الرسول عليه الصلاة والسلام كانت حياته عنواناً للود والوئام، والمعاملة المبنية على التفاهم والحوار وعدم تهميش الآخر.

    المرأة تحتاج إلى مداراة، لكن ليس معنى المداراة أن تكذب وتقسم على الكذب، هذا لا يحل أبداً، المداراة: أنك توري بالكلام فقط، ولا تقسم على المداراة، قال صلى الله عليه وسلم: (إن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وأن تركته ظل على عوج، فاقبلوهن على عوج) .

    وبما أن المرأة ضلع أعوج هكذا، فأنت لابد أن تتعوج لكي يتلاءم الشيئان على بعض، لو أنت مثل السيف، وهي -ربنا خلقها هكذا- (عوجاء) لا يحصل التطابق والائتلاف، فلأجل حياة سوية سعيدة عليك أن تجاريها وتداريها كي يحصل الائتلاف والشعور بالكيان الواحد.

    فالنبي عليه الصلاة والسلام طالب الرجل أن ينزل من مكانته إلى المرأة، فقال عليه الصلاة والسلام: (إن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج الضلع أعلاه فإن أردت أن تقيمه -أي: تجعله سوياً مثلك- كسرته) وأنا على يقين لو أن المرأة صارت كالرجل لطلقها الرجل.. لماذا؟ لأن الرجل ليس من الممكن أن يعيش مع رجل آخر في البيت، ويخضع له ويطيعه ويمتثل أمره، ويسعى لتوفير راحته؛ بخلاف المرأة، فإن كمالها في اعوجاجها، ونقصها الذي يحوجها إلى الرجل، ولا تستطيع الاستغناء عنه، وبذا يكون التكامل والبناء الواحد.

    لكن لو استوت مثلك فلن تستطيعا أن تعيشا معاً أبداً.

    فكذلك ينبغي على الرجل أنه يراعي هذه المسألة.

    عاملوا النساء معاملة كريمة وتذكروا قول النبي عليه الصلاة والسلام: (إنكم أخذتموهن بكلمة الله) فمن الرجال من إذا تزوج المرأة يسب أباها وجدها وسائر قرابتها.. والله يا أخي! أنت ما تزوجت المرأة يوم تزوجتها من وليها على هذا، ولو كان أبوها يعلم أنك تسبه أو المرأة تعلم أنك تسبها وتسب أباها ما قبلتك زوجاً. إذاً أنت لم توفِ بالعقد والعهد، فاحفظ العهد ووفِ بالعقد، العقد الذي هو كلمة الله تبارك وتعالى.

    ثم قال عمر بن الخطاب : ( يا رسول الله! لو رأيتني وأنا أقول لـحفصة لا يغرنكِ أن كانت جارتكِ أوضأ منكِ ) وعائشة كانت تلقب (بالحميراء) والحميراء: هي المرأة البيضاء التي يخالط بياضها حمرة، وليست بيضاء مثل الأعاجم الذين تحس أن بياضهم برص، وإنما كانت بيضاء بياضاً ناعماً مشرباً بحمرة، وهذا يعطي جمالاً.

    فيقول: (لا يغرنك أن كانت جارتكِ أوضأ -الوضاءة: الجمال- وأحب إلى النبي صلى الله عليه وسلم منكِ فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم مرة أخرى، قال عمر : فجلست ) وهذا من فقه عمر ، لأنه لابد أنك إذا حادثت رجلاً حزيناً، أن تستأنس قبل أن تجالسه وقبل أن تكلمه أول ما جلس عمر بن الخطاب جعلت عينه تدور في البيت قال: (فما رأيت فيها شيئاً يرد البصر غير أهبة ثلاثة -الإهاب: الجلد، أي: ثلاثة جلود هذا الذي كان في بيته عليه الصلاة والسلام- فقلت: يا رسول الله! ادع الله أن يوسع على أمتك، فقد وسع على فارس والروم وهم لا يعبدون الله. وكان متكئاً فجلس -وهذا يدل على اهتمام النبي عليه الصلاة والسلام بما سيقوله؛ لأن الأمر الذي قاله عمر يستحق التعليق- قال: أوفي هذا أنت يـابن الخطاب -يعني أأنت تقول هذا وأنت الرجل في علمه، وفي قربه مني، وفي فقهه؛ وتقول مثل هذا الكلام- هؤلاء قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا } .

    هنا مسألة أحب أن أجليها؛ لأنه حصل فيها خلط، كل الأحاديث التي تزهد في الدنيا بعض الغالين نفاها، وقال: ليس من الممكن أن المسلم يطلق الدنيا ويتزوج الخوالي، وأن أحاديث الزهد هذه أغلبها أحاديث قيلت في مناسبات مخصوصة لا ينبغي أن تعمم، وأنه ينبغي على المسلمين أن يمتلكوا الدنيا حتى يقاوموا أعداءهم ويقاتلوهم، وطائفة أخرى تركت الدنيا لأعدائنا فعلاً.. والحق بين الإفراط والتفريط.

    أحاديث الزهد في الدنيا المقصود بها زهد القلب، وليس المقصود بها زهد اليد، المقصود بالأحاديث الحاضة على الزهد في الدنيا أن يزهد المرء في الدنيا بقلبه، وأن تكون الدنيا في يده، فإذا خلا قلبه من الدنيا وقصرها في يده كان كالطراز الأول من الصحابة رضي الله عنهم.

    اليوم نحن نحتاج إلى هذا المال لإقامة حياتنا، ولا نستطيع أن نقاوم أعداءنا إلا بامتلاك هذا المال، وامتلاك السلاح، وامتلاك التكنولوجيا وهذه الأشياء، وهذا لا يكون إلا بمال، لكن لا ينطوي قلبك على حب الدنيا، كل هذه الأثرة التي ذكرها علماؤنا السالفون في أحاديث الزهد في الدنيا لاذعات قوية لا يستغني المرء عنها لسلامة قلبه.

    فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (هؤلاء عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا) وليس معنى ذلك أننا نعيش فقراء، وأننا لا نبحث عن تحصيل دنيانا، الكلام هذا غير صحيح، لكن المقصود أن لا تغزو الدنيا قلوبنا، وعلى هذا تتنزل كل الأحاديث الحاضة على التجافي عن الدنيا وعدم التكالب عليها.

    أسأل الله تبارك وتعالى أن ينفعنا وإياكم بما علمنا، وأن يعلمنا ما جهلنا.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.