اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , بين ابن عباس وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما [1، 2] للشيخ : أبو إسحاق الحويني


بين ابن عباس وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما [1، 2] - (للشيخ : أبو إسحاق الحويني)
لقد كان الصحابة رضوان الله عليهم القدوة في العبادة والعلم والأخلاق والحرص على الاستزادة من الخير، وكان ابن عباس رضي الله عنه من أشدهم حرصاً على ذلك، ولهذا وغيره كان عمر رضي الله عنه يقدمه ويدنيه في مشورته، وبين أيدينا مثال على حرص ابن عباس على العلم، إذ يسأل عمر عن آية نزلت في أمهات المؤمنين، وتتابع الحديث بينهما حتى فتحا لنا وللأمة نافذة مشرقة تصف حياة الرعيل الأول وأحوالهم -الخاصة والعامة- التي يفترض أن تكون قدوتنا ودستور حياتنا.
حرص ابن عباس على العلم وتفضيل عمر له
إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.أخرج الشيخان البخاري ومسلم وغيرهما من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: (لم أزل حريصاً على أن أسأل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن المرأتين اللتين قال الله فيهما: إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا [التحريم:4] حتى حج وحججت معه، وعدل وعدلت معه بالإداوة ، فقضى حاجته، ثم جاء فكشفت عليه منها، فقلت: يا أمير المؤمنين! من المرأتان اللتان قال الله فيهما: إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا [التحريم:4]؟ فقال عمر : واعجباً لك يا ابن عباس ! هما عائشة وحفصة ، ثم استقبل عمر الحديث يسوقه قال: كنت أتناوب النزول إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنا وجار لي من الأنصار من بني أمية بن زيد، وهم من عوالي المدينة ، فكنت أنزل يوماً وينزل يوماً، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي أو غيره، وإذا نزل هو فعل مثل ذلك، وكنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا على الأنصار إذا هم قوم تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار.فصخبت عليَّ امرأتي ذات يوم فراجعتني، فأنكرت أن تراجعني. فقالت: ولِمَ تنكر أن أراجعك يا ابن الخطاب وأزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم يراجعنه ويهجرنه اليوم حتى الليل؟! قال: فقلت: أوتفعل حفصة ذلك؟ لقد خابت وخسرت. قال: ثم جمعت عليَّ ثيابي ونزلت إلى حفصة فقلت: أي بنية! أتغاضب إحداكن النبي صلى الله عليه وسلم اليوم حتى الليل؟ قالت: نعم.فقال لها: أو أمنتِ أن يغضب الله لغضب رسوله فتهلكي؟ لا تستكثري النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا تسأليه شيئاً، ولا تهجريه، وسليني ما بدا لكِ، ولا يغرنكِ أن كانت جارتكِ -يعني عائشة - أوضأ وأحب إلى النبي صلى الله عليه وسلم منكِ.قال: وكنا نتحدث أن غسان تنعل الخيل لغزونا، فنزل صاحبي الأنصاري نوبته، ثم جاءني عشاءً فطرق الباب طرقاً شديداً، وقال: أثم هو؟ قال: فخرجت إليه، فقال: حدث اليوم أمر عظيم! قلت: ماذا؟! جاء غسان؟ قال: لا، بل ما هو أهول من ذلك وأعظم؛ طلق النبي صلى الله عليه وسلم نساءه.فقلت: قد كنت أعلم أن ذلك يوشك أن يكون، ونزلت فصليت الفجر مع النبي صلى الله عليه وسلم، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم مشربة له، وجلست عند المنبر مع رهط يبكي بعضهم؛ فغلبني ما أجد فأتيت المشربة، فإذا غلام أسود فقلت له: استأذن لـعمر . فدخل ثم خرج، قال: ذكرتك له فصمت.قال عمر: فرجعت، فجسلت بجنب المنبر، ثم غلبني ما أجد، فقلت للغلام: استأذن لـعمر . فدخل ثم خرج، قال: ذكرتك له فصمت، فرجعت إلى المنبر فجلست فغلبني ما أجد، فأتيت الغلام فقلت: استأذن لـعمر . فدخل ثم خرج، قال: ذكرتك له فصمت. فانصرف فلما وصلت إلى الباب إذا هو يدعوني، وقال: قد أذن لك.قال: فدخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وإذا هو مضطجع على حصير، ليس بينه وبين الحصير فراش، قد أثر الحصير في جنبه.فقلت: يا رسول الله! أطلقت نساءك؟فرفع بصره إليَّ وقال: لا.فقلت: الله أكبر! ثم أردت أن أستأنس فقلت: يا رسول الله! لو رأيتنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة إذا هم قوم تغلبهم نساؤهم؛ فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم. قال: فقلت له: يا رسول الله لو رأيتني وأنا أقول لـحفصة : لا يغرنك إن كانت جارتكِ أوضأ منكِ وأحب إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم مرة أخرى، فجلست.ثم أدرت نظري في بيته فلم أرَ شيئاً يرد البصر غير أهبة ثلاثة، فقلت: يا رسول الله! ادع الله أن يوسع على أمتك، فقد وسع على فارس والروم وهم لا يعبدون الله. وكان متكئاً فجلس فقال: أوفي هذا أنت يا ابن الخطاب ؟! هؤلاء قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا.فقلت: يا رسول الله! استغفر لي.وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أقسم ألا يدخل على نسائه شهراً من شده موجدته عليهن، فلما انقضت تسعٌ وعشرون دخل على عائشة فقالت له: يا رسول الله! قد أقسمت أن لا تدخل علينا شهراً، فقد دخلت علينا من تسع وعشرين أعدها عداً. فقال لها: الشهر تسعٌ وعشرون، فكان ذلك الشهر تسعاً وعشرين.ثم بدأ النبي صلى الله عليه وسلم فخير عائشة فاختارته، ثم خير نساءه كلهن فقلن مثلما قالت عائشة) .
  عظيم حب الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم وحالنا اليوم
قال عمر : ( وكنا نتحدث أن غسان تنعل الخيل لغزونا ) وغسان موالون لملوك الروم، وكانوا في الشام ، وكان المسلمون قد أمنوا كل الجهات إلا من جهة ملك غسان فقد كان يهدد أنه سوف يغزوهم في المدينة ، فكان الصحابة على أتم استعداد لملاقاة هذا الرجل إذا تحرك إلى المدينة .واستخدم هذه الاستعارة الجميلة: ( تنعل الخيل لغزونا ) الرجل إذا انتعل فهذا معناه أنه سيمشي وسيمضي، و(تنعل الخيل): أي تهيئ الخيل لتغزونا.ففي يوم من الأيام بعد صلاة العشاء، وفي نوبة هذا الأنصاري جاء فضرب الباب ضرباً شديداً، في بعض الروايات قال عمر : (فخرجت إليه عرياناً -طبعاً ليس عرياناً بمعنى غير متستر، وإنما لم يكن متهيئاً بكامل زيه، وهو دال عن السرعة والمبادرة- فقلت: مالك؟ قال: حدث اليوم أمر عظيم. قال: أجاءت غسان -لأن هذا هو الأمر العظيم الذي كانوا يتوقعونه، وما خطر ببال عمر أبداً هذا الذي سيسمعه من الأنصاري-؟. قال: لا، بل ما هو أهول من ذلك وأعظم!). ما أعظم حبهم للنبي صلى الله عليه وسلم حتى إن تَكَدُّرَ خاطره صلى الله عليه وسلم كان عندهم أعظم من أن تستولي غسان على المدينة، ما كانوا يصبرون على أن يلحقه أذى أياً كان!! أمّا ما يجري الآن في زماننا في حق النبي عليه الصلاة والسلام فما كان الصحابة يسمحون بعشر عشر معشاره؛ لأن محبتهم كانت صادقة، الآن الرسول عليه الصلاة والسلام يسب في ديار المسلمين ويلمز ويغمز، وقد صرح بعضهم به تصريحاً، لما رسم أحدهم في رسومه الساخرة (الكاريكاتير) ديكاً وتسع دجاجات، وكتب فوق -هذا كان سنة خمسة وستين في جريدة الأهرام - هذا الرسم "محمد جمعة وزوجاته التسعة" من الذي تزوج تسعاً في المسلمين ولا يحل إلا أربعة لسائرهم؟ من الذي تزوج تسعاً فقط؟ هو النبي عليه الصلاة والسلام، يخرج الرسم بهذا السفور الفاضح، ومع ذلك يظل هذا الرجل في مكانه ولا يحاسب، وكل هذا بدعوى حرية الرأي وحرية الكلمة، وأننا لا نحجر على كلام أحد.. كيف لا نحجر؟ إذا كان هناك إنسان يستحق أن يحجر عليه فليحجر عليه، فالألفاظ قوالب المعاني.إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سمع رجلاً يوماً يقول: (والله! ما أبي بزانٍ ولا أمي بزانية. فجلده الحد، وقال: إن هذا تعريض بالزنى) أي: لو أن الأب أو الأم كانا طاهرين، لِمَ نفيت التهمة عنهما؟ أكيد هناك أصل لهذه التهمة، فجلده حد القاذف؛ لأن هذا فيه إيماء وفيه معنى القذف بالزنى.فالنبي عليه الصلاة والسلام يعتدى عليه، ويعتدى على سنته من قبل الجهلة الذين لا يعرفون شيئاً في هذا العلم، كل يوم لما أطالع مثلاً بعض الصحف لا يكاد يوم يمر إلا وفيه هجوم على السنة، أو على القرآن أو على النبي عليه الصلاة والسلام، أو على الله تبارك وتعالى.فأغرى هذا أعداءنا وجرأهم، فرسموا النبي عليه الصلاة والسلام على صورة خنزير، وفي الضربة الأخيرة للعراق في شهر رمضان كانت الصواريخ التي تضرب بها بغداد مكتوب عليها: (هدية رمضان للمسلمين) فلما استنكر بعض المسلمين هذا رد الرئيس الأمريكي وقال: أحد الجنود كتبه ماذا نصنع به؟! متأسفين.. وانتهى الأمر على هذا، وما أرى حالنا اليوم إلا كما يقول الشاعر:لَوْ كُنْتُ مِنْ مَازِنٍ لَمْ تَسْتَبحْ إِبِلِيبَنُو اللَّقِيطَةِ مِنْ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانا إذًا لَقامَ بِنَصْرِي مَعْشَرٌ خُشُنٌ عِنْدَ الْحَفِيظَةِ إِنْ ذُو لُوثَةٍ لاَناقَوْمٌ إذا الشَّرُّ أبْدَى نَاجِذَيْهِ لَهُمْ طَارُوا إلَيْهِ زَرَافاتٍ وَوُحْدَانالاَ يَسْأَلُونَ أخَاهُمْ حِينَ يَنْدُبُهُمْ فِي النَّائِبَاتِ عَلى ما قالَ بُرْهانَالَكِنَّ قَوْمِي وَإنْ كانُوا ذَوِي عَدَدٍ لَيْسُوا مِنَ الشَّرِ فِي شَيءٍ وَإنْ هانَايَجْزُونَ مِنْ ظلَمْ أهْلِ الظُّلْمِ مَغْفِـرَةً وَمنْ إسَاءَة أهْلِ السُّوءِ إِحْسَانَاكأَنَّ رَبَكَ لَمْ يَخْلُقْ لِخَشْيَتِهِ سِوَاهُمُ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ إِنْسَاناالورع البارد هذا أغرى أعداءنا أن يعتدوا على النبي عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك الاعتداء الصارخ لم يكن هناك أي رد فعل رسمي لأي بلد من بلاد المسلمين.يا أخي: اسحب السفير، اعمل احتجاجاً رسمياً، اعمل مؤتمراً صحفياً، اعترض، قل: كيف تسبون نبينا؟ كيف ترسمونه على هيئة خنزير؟ هذا أقل ما يجب، لكن لم يكن هناك أي رد فعل رسمي على الإطلاق، كأن هذا النبي لا يدين بدينه أحد..!الرسول عليه الصلاة والسلام لما طلق نساءه، يقول هذا الصحابي لما سأله عمر : ( أجاءت غسان ؟ يقول: بل ما هو أهول من ذلك وأعظم ) مجرد أن يطلق نساءه هذا أعظم من أن تستولي غسان على المدينة .فقال عمر : ( قد كنت أعلم أن ذلك يوشك أن يكون ) لماذا؟ لأن له مقدمات: المرأة التي تعترض على زوجها وتهجره، وتنشز عليه... ماذا يُتصور أن يكون رد فعله تجاه ذلك التصرف الخاطئ؟!الرجل الذي تتدفق دماء الرجولة في عروقه لا يطيق أن تفعل به المرأة ذلك، أنها تهجره، وكلما يأمرها تعصيه، ولا تسمع له كلاماً، وتحط من كلامه، وأي رجل يأبى هذا.فهذه مقدمات كان عمر يرى أنها قد تؤدي إلى ذلك، ولذلك أول ما سمع الخبر قال: (قد كنت أعلم أن ذلك يوشك أن يكون)، فنزل وصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر، والنبي عليه الصلاة والسلام بعد الصلاة دخل المشربة، ما كلم أحداً -المشربة: غرفة ملحقة بالمسجد- ولم يجرؤ عمر بن الخطاب أن يراجعه أو أن يكلمه؛ لأنه كان غاضباً، فجلس مع قوم عند المنبر، قال عمر :(يبكي بعضهم).أنا على يقين -بما أعلمه من سير الصحابة- لو أن واحداً من هؤلاء الذين يبكون عند المنبر طلقت ابنته لما بكى.. فلماذا يبكي إذاً؟ يبكي لتكدر خاطره عليه الصلاة والسلام، مجرد أنه متكدر الخاطر -متعكر- هذا يقلقه؛ لأنهم كان يحبونه غاية الحب.هذا الموقف موقف مهيج ومثير، ناس يبكون حزناً.. قال عمر: (فغلبني ما أجد) يعني: ما كان في صدره من الهم والغم غلبه فلم يصبر على هذه الجلسة، وذهب إلى هذا الغلام وقال له: استأذن لـعمر.أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
المرأة .. والمجتمع
الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
 من آداب الاستئذان
استأذن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال الغلام: (ذكرتك له فصمت) هذا الغلام اسمه رباح، وكان واقفاً على باب الرسول، واحتج أهل العلم بهذا على جواز أن يتخذ الإمام حاجباً إذا دعت إلى ذلك ضرورة، وأن اتخاذ الحجاب والحراس أمر له أصل في الشرع إذا دعا إلى ذلك داع، وإلا فإنه يجوز للإمام ألا يتخذ حاجباً ولا يتخذ بواباً، وفي هذا أدلة، منها: أن النبي صلى الله عليه وسلم -كما في الصحيحين - مر على امرأة تبكي عند قبر جديد فقال: (يا أمة الله! اتقي الله واصبري. فقالت: إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي. فلما مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأُخبِرَت المرأة أنه رسول الله فزعت وانطلقت خلفه، فجاءت بيته فلم تجد حاجباً ولا بواباً، فاعتذرت إليه، فقال لها عليه الصلاة والسلام: إنما الصبر عند الصدمة الأولى) .وفي اتخاذ الحاجب والبواب هذا الحديث وحديث آخر، حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم وكله بباب بستان وقال: لا يدخل أحد. فجاء أبو بكر فأراد أن يدخل، فقال له: على رسلك، فاستأذن له النبي صلى الله عليه وسلم فأذن له، قال: ائذن له وبشره بالجنة، فأذن له وبشره بالجنة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم جالساً على حافة البئر، وقد دلى رجليه في البئر فجاء أبو بكر الصديق وجلس بجانبه ودلى رجليه في البئر.قال أبو موسى : فقلت في نفسي: إن يرد الله بفلان خيراً يأتِ به، يريد أخاً له -طمعاً أن يقول له أيضاً: بشره بالجنة، فهو يتمنى أن يأتي أخوه في هذه اللحظة حتى يبشر بالجنة- قال: فجاء عمر . فقلت: على رسلك، واستأذن له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ائذن له وبشره بالجنة، فأذن له وبشره بالجنة، فجاء عمر فجلس بجانب أبي بكر ودلى رجليه في البئر.ثم جاء عثمان قال: على رسلك. فاستأذن له، قال: ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه. فقال عثمان : الله المستعان. فدخل عثمان ، فلم يجد بجانبهم مكاناً، فجلس في مقابلهم ودلى رجليه في البئر).قال سعيد بن المسيب رحمه الله: فأولتها ( قبورهم )؛ لأن أبا بكر وعمر دفنا بجانب النبي صلى الله عليه وسلم ودفن عثمان في مقابلهم في البقيع .ففي هذا دليل على جواز أن يتخذ الأمير أو العالم أو الحاكم حاجباً إذا دعت إلى ذلك ضرورة. وفي قوله: (استأذن لـعمر) دلالة على استحباب أن يسمي المستأذن نفسه، ما قال له: ائذن لي، -مع أنه معروف- إنما قال: استأذن لـعمر . وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكره أن يستأذن عليه المستأذن فيقول: أنا. كما في حديث جابر في صحيح مسلم (أنه استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من؟ قال: أنا. قال جابر فسمعته يقول: أنا أنا؟! كأنما كرهها) .قال ابن الجوزي رحمه الله: إنما كره النبي صلى الله عليه وسلم (أنا) لأنها تشعر بالكبر، فكأن قائلها يقول: أنا الذي لا أذكر نسبي، ولا أنسب نفسي لشهرتي. كأنما قال ذلك فكرهها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (استأذن لـعمر . قال: فدخل ثم خرج، قال: ذكرتك له فصمت. فرجع عمر إلى المنبر مرة أخرى) .وللبحث صلة بعد الصلاة إن شاء الله.اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين. اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا. رب آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.
التعامل مع النساء
إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.لما دخل عمر بن الخطاب على النبي صلى الله عليه وسلم سأله: (يا رسول الله! هل طلقت نساءك؟ قال: لا. فقال عمر : الله أكبر!) في بعض الروايات أن أم سلمة سمعت تكبير عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قالت: (فلما سمعنا تكبير عمر علمنا أنه لم يكن طلاقاً) طبعاً عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما بلغه هذا الخبر عن صاحبه الأنصاري نزل فصلى الفجر، ثم أتى حفصة فدخل عليها وهي تبكي قال: (ما يبكيكِ؟! أولم أكن حذرتك؟! هل طلقكن النبي صلى الله عليه وسلم؟! قالت: لا) في بعض الطرق الأخرى قال عمر : (ولولاي لطلقكِ) .فلما سأل عمر النبي عليه الصلاة والسلام: هل طلقت نساءك؟ قال: لا؛ فكبر، فأراد عمر أن يؤنسه فذكر ما قاله لـحفصة ، ومثل هذا لا يقال عادة، لكن عمر أراد أن يستأنس وأراد أن يضحك عليه الصلاة والسلام ليزيل عنه ما يجد.قال: (يا رسول الله! لو رأيتنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا على الأنصار إذا هم قوم تغلبهم نساؤهم، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم) العلماء يقولون: أن تبسمه صلى الله عليه وسلم يدل على أنه رضي طريقة الأنصار في معاملة النساء، والنبي عليه الصلاة والسلام كان أحسن الناس لأهله كما صرح هو بذلك، قال: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) .بكل أسف قد تجد الرجل حسن الخُلق، بساماً ضاحكاً في الخارج مع أصحابه، فإذا دخل البيت دخل وعلى وجهه الغضب، ولا يبتسم.. لماذا؟ النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إن النساء عوان عندكم) (عوان) أي: أسيرات، فالمرأة أول ما تتزوجها تدخل السجن مباشرةً .. لماذا؟ لأنها لا تستطيع أن تتزوج غيرك، وإذا سافرت وتركتها ظلت معلقة بك، ما تستطيع أن تأخذ الإفراج إلا بالطلاق، فالمرأة لما دخلت سجنك كن كريماً، فالرسول عليه الصلاة والسلام قدوتنا في ذلك وقد حث ورغب في الإحسان إليهن.. وأنا أوصي إخواني أن يطالعوا كتب الشمائل -شمائل النبي عليه الصلاة والسلام- والكتب التي تعنى بأخلاقه عليه الصلاة والسلام، مثل شمائل الترمذي ، ومثل أخلاق النبي لـأبي الشيخ ، وهناك الشمائل لـأبي الحسين البغوي ، وهو من أجمع هذه الكتب.واربط حياتك بحياة النبي عليه الصلاة والسلام، وحاول أن تنقل ما تتعلمه إلى حياتك، ولن تشقى على الإطلاق.
 الإحسان إلى المرأة وإكرامها
إن هناك بيوتاً -بكل أسف- تتصدع كل يوم بسبب عدم الثقة، بينما الرسول عليه الصلاة والسلام كانت حياته عنواناً للود والوئام، والمعاملة المبنية على التفاهم والحوار وعدم تهميش الآخر.المرأة تحتاج إلى مداراة، لكن ليس معنى المداراة أن تكذب وتقسم على الكذب، هذا لا يحل أبداً، المداراة: أنك توري بالكلام فقط، ولا تقسم على المداراة، قال صلى الله عليه وسلم: (إن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وأن تركته ظل على عوج، فاقبلوهن على عوج) .وبما أن المرأة ضلع أعوج هكذا، فأنت لابد أن تتعوج لكي يتلاءم الشيئان على بعض، لو أنت مثل السيف، وهي -ربنا خلقها هكذا- (عوجاء) لا يحصل التطابق والائتلاف، فلأجل حياة سوية سعيدة عليك أن تجاريها وتداريها كي يحصل الائتلاف والشعور بالكيان الواحد.فالنبي عليه الصلاة والسلام طالب الرجل أن ينزل من مكانته إلى المرأة، فقال عليه الصلاة والسلام: (إن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج الضلع أعلاه فإن أردت أن تقيمه -أي: تجعله سوياً مثلك- كسرته) وأنا على يقين لو أن المرأة صارت كالرجل لطلقها الرجل.. لماذا؟ لأن الرجل ليس من الممكن أن يعيش مع رجل آخر في البيت، ويخضع له ويطيعه ويمتثل أمره، ويسعى لتوفير راحته؛ بخلاف المرأة، فإن كمالها في اعوجاجها، ونقصها الذي يحوجها إلى الرجل، ولا تستطيع الاستغناء عنه، وبذا يكون التكامل والبناء الواحد.لكن لو استوت مثلك فلن تستطيعا أن تعيشا معاً أبداً. فكذلك ينبغي على الرجل أنه يراعي هذه المسألة. عاملوا النساء معاملة كريمة وتذكروا قول النبي عليه الصلاة والسلام: (إنكم أخذتموهن بكلمة الله) فمن الرجال من إذا تزوج المرأة يسب أباها وجدها وسائر قرابتها.. والله يا أخي! أنت ما تزوجت المرأة يوم تزوجتها من وليها على هذا، ولو كان أبوها يعلم أنك تسبه أو المرأة تعلم أنك تسبها وتسب أباها ما قبلتك زوجاً. إذاً أنت لم توفِ بالعقد والعهد، فاحفظ العهد ووفِ بالعقد، العقد الذي هو كلمة الله تبارك وتعالى. ثم قال عمر بن الخطاب : ( يا رسول الله! لو رأيتني وأنا أقول لـحفصة لا يغرنكِ أن كانت جارتكِ أوضأ منكِ ) وعائشة كانت تلقب (بالحميراء) والحميراء: هي المرأة البيضاء التي يخالط بياضها حمرة، وليست بيضاء مثل الأعاجم الذين تحس أن بياضهم برص، وإنما كانت بيضاء بياضاً ناعماً مشرباً بحمرة، وهذا يعطي جمالاً.فيقول: (لا يغرنك أن كانت جارتكِ أوضأ -الوضاءة: الجمال- وأحب إلى النبي صلى الله عليه وسلم منكِ فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم مرة أخرى، قال عمر : فجلست ) وهذا من فقه عمر ، لأنه لابد أنك إذا حادثت رجلاً حزيناً، أن تستأنس قبل أن تجالسه وقبل أن تكلمه أول ما جلس عمر بن الخطاب جعلت عينه تدور في البيت قال: (فما رأيت فيها شيئاً يرد البصر غير أهبة ثلاثة -الإهاب: الجلد، أي: ثلاثة جلود هذا الذي كان في بيته عليه الصلاة والسلام- فقلت: يا رسول الله! ادع الله أن يوسع على أمتك، فقد وسع على فارس والروم وهم لا يعبدون الله. وكان متكئاً فجلس -وهذا يدل على اهتمام النبي عليه الصلاة والسلام بما سيقوله؛ لأن الأمر الذي قاله عمر يستحق التعليق- قال: أوفي هذا أنت يـابن الخطاب -يعني أأنت تقول هذا وأنت الرجل في علمه، وفي قربه مني، وفي فقهه؛ وتقول مثل هذا الكلام- هؤلاء قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا } .هنا مسألة أحب أن أجليها؛ لأنه حصل فيها خلط، كل الأحاديث التي تزهد في الدنيا بعض الغالين نفاها، وقال: ليس من الممكن أن المسلم يطلق الدنيا ويتزوج الخوالي، وأن أحاديث الزهد هذه أغلبها أحاديث قيلت في مناسبات مخصوصة لا ينبغي أن تعمم، وأنه ينبغي على المسلمين أن يمتلكوا الدنيا حتى يقاوموا أعداءهم ويقاتلوهم، وطائفة أخرى تركت الدنيا لأعدائنا فعلاً.. والحق بين الإفراط والتفريط.أحاديث الزهد في الدنيا المقصود بها زهد القلب، وليس المقصود بها زهد اليد، المقصود بالأحاديث الحاضة على الزهد في الدنيا أن يزهد المرء في الدنيا بقلبه، وأن تكون الدنيا في يده، فإذا خلا قلبه من الدنيا وقصرها في يده كان كالطراز الأول من الصحابة رضي الله عنهم.اليوم نحن نحتاج إلى هذا المال لإقامة حياتنا، ولا نستطيع أن نقاوم أعداءنا إلا بامتلاك هذا المال، وامتلاك السلاح، وامتلاك التكنولوجيا وهذه الأشياء، وهذا لا يكون إلا بمال، لكن لا ينطوي قلبك على حب الدنيا، كل هذه الأثرة التي ذكرها علماؤنا السالفون في أحاديث الزهد في الدنيا لاذعات قوية لا يستغني المرء عنها لسلامة قلبه.فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (هؤلاء عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا) وليس معنى ذلك أننا نعيش فقراء، وأننا لا نبحث عن تحصيل دنيانا، الكلام هذا غير صحيح، لكن المقصود أن لا تغزو الدنيا قلوبنا، وعلى هذا تتنزل كل الأحاديث الحاضة على التجافي عن الدنيا وعدم التكالب عليها.أسأل الله تبارك وتعالى أن ينفعنا وإياكم بما علمنا، وأن يعلمنا ما جهلنا.أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , بين ابن عباس وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما [1، 2] للشيخ : أبو إسحاق الحويني

http://audio.islamweb.net