إسلام ويب

التحذير من الخدعة الكبيرةللشيخ : محمد المنجد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جبل الناس على حب الدنيا والجري وراءها، فهي حلوة خضرة، والمرء من فتنتها على خطر عظيم، وقد تتغلب عليها الفتن استدراجاً للكافرين، وقد تتغلب المحن تمحيصاً للمؤمنين. وفي هذه المادة تجلية للنظرة الإسلامية إلى الدنيا، وكيف سعى الإسلام لتحرير الناس من أسرها، وربطهم بالآخرة ونعيم الجنة العظيم. كما بينت هذه المادة بعض خصائص الدنيا، فقد أرشدت إلى ما يحتاجه المرء منها، لكي يسعى لتحصيله، بحيث لا يخل بعلاقته مع ربه.

    1.   

    فتنة الدنيا وحقارتها

    قال تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً [الكهف:45] وقال الله عز وجل: الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً [الكهف:46] وقال الله تعالى: أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ [التوبة:38].

    إنه تحذير من الله تعالى للذين يركنون إلى هذه الحياة الدنيا يقول لهم: أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ [التوبة:38] هل اطمأننتم إليها؟ هل انشغلتم بها؟ هل تظنون أنكم ماكثون فيها أبداً؟! اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [الحديد:20] .. وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ [العنكبوت:64] ومعنى لهي الحيوان: يعني هي الحياة المستقرة الدائمة وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ [القصص:60].

    إن ما في هذه الحياة الدنيا من أنواع الزينة هي فتنة للناس فعلاً، إنها تشدهم ببهرجها، إنها تشغلهم بمتعتها ولذتها، قال الله تعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ [آل عمران:14] المسومة: المعلمة المطهمة، الأنعام والحرث: أي المزروعات.

    تحرير الأمة من أسر الدنيا

    لماذا سميت الدنيا بالدنيا؟ الدنيا من الدنو، الدنيا عكس العليا، ونحن نعيش في هذه الحياة الدنية الناقصة القصيرة الفانية، ولذلك فإن نظر المسلم يتطلع دائماً وأبداً إلى الآخرة ولا ينشغل بما في هذه الدنيا من الزخارف، إن الدنيا حلوة خضرة حتى لا يقول أحد: إن الدنيا ليس فيها متاع ولا بهرج، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن الدنيا حلوة خضرة ) أي: أن فيها فتناً وملذات وجمالاً وما يشغل ويلهي (إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله تعالى مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء) رواه مسلم .

    ولقد مثل لنا النبي صلى الله عليه وسلم الحياة الدنيا بالنسبة للآخرة بمثل عجيب، فقال عليه الصلاة والسلام: (ما الدنيا في الآخرة إلا كما يمشي أحدكم إلى اليم فأدخل إصبعه فيه فما خرج منه فهو الدنيا) اغمس إصبعك في البحر ثم أخرجه فما علق به من النداوة هو نسبة الدنيا إلى الآخرة.

    كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصاً على أن يحرر الأمة من أسر الدنيا ويقول لهم: (إن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه، وعالماً أو متعلماً) فالذي في الدنيا ملعون لأنه يشغل عن طاعة الله إلا ما كان من طاعة الله، إلا ذكر الله وما والاه ولو كان نكاحاً يستعين به على العفة، أو مالاً يستعين به على الصدقة والصلة والنفقة الواجبة، أو راحة يقوم بعدها للعبادة، إلا ذكر الله وما والاه وما كان تابعاً له وما خدمه، أو عالماً ومتعلماً.

    وكان النبي عليه الصلاة والسلام يضرب المثل القولي والفعلي للدنيا (فمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة بالعالية -وهي ناحية في المدينة - فمر بالسوق فمر بجدي أسك -صغير الأذن- ميت فتناوله فرفعه فقال: بكم تحبون أن هذا لكم؟ قالوا: ما نحب أنه لنا بشيء وما نصنع به، والله لو كان حياً لكان عيباً فيه أنه أسك فكيف وهو ميت؟! قال عليه الصلاة والسلام: فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم) رواه الإمام أحمد وهو حديث صحيح.

    الفرق العظيم بين العبادة وأعمال الدنيا

    الدنيا بكل ما فيها من المصانع اليوم والمزارع الضخمة والعمارات الشاهقة والمخترعات أهون على الله من جدي ميت صغير الأذنين على أهله، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب المثال تلو المثال في توضيح هذه القضية إصراراً منه صلى الله عليه وسلم على أن تكون المسألة حية في حس الناس، قال: (إن مطعم ابن آدم قد ضرب مثلاً للدنيا) الطعام الذي نأكله في دخوله وخروجه مثل للدنيا، قال عليه الصلاة والسلام: (وإن قزحه وملحه فانظر إلى ما يصير) فهات أشهى طبق من أطباق الطعام في الدنيا بعد تحسينه وتمليحه ماذا يصير عند خروجه من الآكل، ماذا يصير برائحته وبمظهره ومنظره؟! هكذا الدنيا.

    وكان النبي صلى الله عليه وسلم حريصاً على أن يبين لنا أيضاً أن العبادة أهم من الدنيا وما فيها، وأن الشيء اليسير من الجنة أغلى وأعلى من الدنيا وما فيها فقال صلى الله عليه وسلم: (رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله -في أول النهار- أو الغدوة -في آخر النهار- خير من الدنيا وما عليها) وقال عليه الصلاة والسلام: (لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها ولقاب قوس أحدكم -موضع القوس- أو موضع قدمه في الجنة خير من الدنيا وما فيها، ولو اطلعت امرأة من نساء أهل الجنة إلى الأرض لملأت ما بينهما ريحاً ولأضاءت ما بينهما، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها) رواه الإمام أحمد وهو حديث صحيح.

    1.   

    عظمة نعيم الجنة

    من أجل ذلك كان أدنى أهل الجنة منزلة له مثل الدنيا أضعافاً مضاعفة، جاء في الحديث الصحيح (أن موسى عليه السلام سأل ربه فقال: يا رب! ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ قال: هو رجل يجيء بعدما يدخل أهل الجنة الجنة فيقال له: ادخل الجنة، فيقول: أي ربي! كيف وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم؟ فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل ملك من ملوك الدنيا، فيقول: رضيت ربي، فيقول: هو لك ومثله ومثله ومثله ومثله فيقول في الخامسة رضيت ربي رضيت فيقول: هذا لك وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك، فيقول: رضيت ربي -هذا أدنى رجل في الجنة، خمسة أمثال ملك من ملوك الدنيا ثم اضرب في عشرة وبالإضافة إلى ذلك له ما اشتهت نفسه ولذت عينه- قال موسى لله تعالى: ربِّ فأعلاهم منزلة -من هو أعلى أهل الجنة إذاً منزلة؟- قال: أولئك الذين غرست كرامتهم بيدي وختمت عليها، فلم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر) رواه الإمام أحمد وهو حديث صحيح.

    ولذلك كانت غمسة في الجنة تنسي كل ما مر بالعبد من شقاء الدنيا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار فيصبغ في جهنم صبغة واحدة ثم يقال له: يا ابن آدم! هل رأيت خيراً قط؟ هل مر بك نعيمٌ قط؟ فيقول: لا والله يا رب! ما مر بي نعيم قط ولا رأيت خيراً قط، ويؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ في الجنة صبغة فيقال له: يا ابن آدم! هل رأيت بؤساً قط، هل مرت بك شدة قط؟ فيقول: لا والله يا رب! ما مر بي بؤسٌ قط ولا رأيت شدة قط) رواه مسلم.

    فصبغة واحدة في الجنة أنسته كل ما مر به في الدنيا من أكدار وهموم وآلام وفقر ومصائب وعري (ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها) ركعتان فقط خير من الدنيا وما فيها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يضرب المثل لأصحابه، وبالإضافة إلى ذلك يعقد المقارنات، لما وزع الغنائم على المؤلفة قلوبهم بعد غزوة حنين، حزن بعض الأنصار أنه لم يعطهم شيئاً، فجمعهم عليه الصلاة والسلام وألقى فيهم خطبته المؤثرة التي بكوا بعدها حتى بلوا لحاهم، قال لهم في تلك الخطبة: (أما ترضون أن يذهب الناس بالدنيا وتذهبون برسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: بلى -وفي رواية للبخاري - أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا وترجعون برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيوتكم؟ قالوا: بلى) فالدنيا في كفة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في كفة، رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلى المؤمنين من الدنيا وما فيها.

    امتحان المؤمن ومحنه في الدنيا

    لما كانت الدنيا بالنسبة للمؤمنين في الغالب دار مصائب وآلام واختبار وامتحان، لأن الواحد يعاني من الشدة وهو يرى هذه الفتن أمامه ثم يصبر، فالمؤمن إما أن يكون مبتلى بأذى العدو نتيجة للتمسك بدينه، وكذلك يكون مبتلى بوطأة الدنيا على حسه وهو يقاومها ويدافعها.

    هذا فيه شدة على النفس، لما كانت الدنيا هي كل شيء بالنسبة للكفار ومنتهى أمال الكفار فهم لا يرجون ورائها شيئاً لأجل هذه الأسباب قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) لما سأل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، الزوج الكريم النبي المعصوم الزيادة في النفقة أنزل الله آية التخيير، وهي قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً [الأحزاب:28] أعطيكن من المال ما شئتن ثم أفارقكن وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً [الأحزاب:29] فرضين بقلة النفقة، واخترن الله ورسوله والدار الآخرة، فلذلك هن زوجاته في الآخرة عليه الصلاة والسلام، فلا يحل لأحد أن ينكحهن من بعده.

    لما كانت الدنيا فتناً، وكانت الدنيا بهرجاً، وكانت الدنيا زينة، أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالتقلل منها وقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) وعد نفسك من أهل القبور، وكان عليه الصلاة والسلام مثلاً في هذا (فلما دخل عليه عمر في قصة الإيلاء وكان عليه الصلاة والسلام على حصير -ما بينه وبين الحصير شيء- وتحت رأسه وسادة من أدم -يعني من جلد- حشوها ليف وإن عند رجليه قرضاً مضبوراً -أي: مجموعاً- وعند رأسه أضباً معلقة -وهو الجلد غير المدبوغ- فرأى عمر أن الحصير أثر في جلد النبي صلى الله عليه وسلم فبكى، فسأله عليه الصلاة والسلام: ما يبكيك؟ فقلت: يا رسول الله! إن كسرى وقيصر فيما هما فيه من النعيم وأنت رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحصير؟ فأجابه صلى الله عليه وسلم بالعبارة الذهبية: أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة) حديث صحيح.

    وكان عليه الصلاة والسلام يقول: (مالي وللدنيا.. وما للدنيا ومالي، والذي نفسي بيده ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكبٍ سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من النهار ثم راح وتركها) حديث صحيح.

    كان عليه الصلاة والسلام يرفض وجود الأشياء التي تشغله عن الله وذكره (كان لعائشة ستر فيه تماثيل طير فلما رآه عليه الصلاة والسلام قال: يا عائشة ! حوليه فإني كلما دخلت فرأيته ذكرت الدنيا) حديث صحيح.

    صورة مشرقة من زهد الصحابة

    وكان أصحابه من بعده عليه الصلاة والسلام كذلك في زهدهم وتنازلهم عن الدنيا، ولذلك جاء أن عمر رضي الله عنه أخذ أربعمائة دينار فجعلها في صرة ثم قال للغلام: اذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجراح ثم تله ساعة في البيت حتى تنظر ما يصنع، فذهب بها الغلام إليه، فقال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حوائجك، فقال: وصله الله ورحمه كما وصلنا، ثم قال: تعالي يا جارية اذهبي بهذه السبعة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان حتى أنفذها كلها وانتهت، فرجع الغلام إلى عمر بن الخطاب فأخبره ووجده قد أعد مثلها لـمعاذ بن جبل ، فقال: اذهب بها إلى معاذ بن جبل ثم تله في البيت ساعة حتى تنظر ما يصنع، فذهب بها إلى معاذ فقال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في حاجتك فقال: وصله الله ورحمه، يا جارية! اذهبي إلى فلان بكذا وإلى بيت فلان بكذا وأهل بيت فلان بكذا، فاطلعت امرأة معاذ من البيت فقالت: ونحن والله مساكين فأعطنا فلم يبق في الخرقة إلا ديناران فدحا بهما إليها، هذا حظ زوجة معاذ من زوجها، ديناران، فرجع الغلام إلى عمر فأخبره فسر بذلك عمر ، وقال: [إنهم إخوة بعضهم من بعض] رواه ابن المبارك في كتاب الزهد.

    وحتى أغنياء الصحابة كانت لهم وقفات إذا جاءهم شيء من الدنيا، أتي عبد الرحمن بن عوف يوماً بطعام وكان صائماً فلما نظر إلى الطعام أمامه تذكر أشياء فماذا تذكر عبد الرحمن بن عوف ؟ قال: قتل مصعب بن عمير وهو خير مني -يقولها تواضعاً- فلم يوجد ما يكفن به إلا بردة إن غطي رأسه بدت رجلاه وإن غطيت رجلاه بدا رأسه، وقتل حمزة وهو خير مني، لقد خشيت أن يكون قد عجلت لنا طيباتنا في حياتنا الدنيا أو قال: ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط وأعطينا من الدنيا ما أعطينا وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام، رواه البخاري .

    هكذا كان الموقف من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من هذه الدنيا التي ذكرها الله ورسوله.

    نسأل الله سبحانه وتعالى أن يقينا شر الحياة الدنيا، وأن يجعلنا في هذه الحياة الدنيا من السعداء، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يجعل حياتنا في هذه الدنيا عوناً على طاعته.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    الكفاف صورة لوسطية الإسلام

    الحمد لله رب العالمين أشهد أن لا إله إلا الله ولي المتقين، أشهد أنه رب الأولين والآخرين، ونور السماوات والأرضين، سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يشاء، وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، وعلى آله وأزواجه وذريته إلى يوم الدين.

    عباد الله: يختلف الناس في عملهم بالدنيا، فمنهم من يرى أن يجمع كل ما يستطيع أن يجمعه، ومنهم من يكسل عن العمل ويترك العمل ويترك الكسب، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد انتقى أمراً وسطاً هو أحب مستويات العيش إليه...

    الكفاف أي: لا لك ولا عليك، لا زيادة ولا نقصان، لا زيادة تشغل ولا نقصان يكون به الإنسان متألماً محموماً منشغلاً.

    ولذلك دعا النبي صلى الله عليه وسلم ربه أن يجعل رزق أهل بيته كفافاً، وقال عليه الصلاة والسلام مذكراً بنعمة الكفاف: (من أصبح منكم آمناً في سربه معافىً في جسده عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها) رواه البخاري في الأدب المفرد وهو حديث حسن.

    علة انتشار الفقر بين المسلمين

    يقول بعض الناس: لماذا حرم كثير من المسلمين المال؟ لماذا انتشر الفقر بين المسلمين؟ لماذا يعيش كثير من المسلمين تحت مستوى الفقر؟

    نقول: بعض هذا مما أصابهم من الذل وتسلط الكفرة عليهم نتيجة تنحية الشريعة والبعد عن الدين، وبعض هذا رحمة من الله في أنه لم يجعل لهم ما يطغون به ويتجبرون، وفقراء المسلمين سيدخلون الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة عام، قال النبي صلى الله عليه وسلم مبيناً السبب الذي يكون وراء حرمان الله لبعض المؤمنين المخلصين من الدنيا، قال عليه الصلاة والسلام: (إذا أحب الله عبداً حماه من الدنيا كما يحمي أحدكم سقيمه الماء) كما يحمي بعضنا المريض من الماء؛ لأن الماء يضره وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله ليحمي عبده المؤمن من الدنيا وهو يحبه كما تحمون مريضكم الطعام والشراب تخافون عليه) حديث صحيح رواه الإمام أحمد رحمه الله.

    إذاً: ليس حرمان الله لبعض المؤمنين من الدنيا كرهاً لهم ولا إذلالاً، وإنما يريد الله أن يخفف عنهم وخلق الإنسان ضعيفاً، قلة المال أخف للحساب.

    وإذا سأل سائل فقال: لماذا إذاً يعطي الله الكفرة المجرمين المتجبرين الطغاة العتاة المتمردين على شرع الله الذين يشتمونه ويسبونه صباحاً ومساءً، الذين يحادونه ويحادون رسله ويعذبون أولياءه، لماذا يعطيهم الدنيا؟ وعندهم زراعات القمح وعندهم القوة وأسبابها، وعندهم الغنى والأموال الطائلة، وعندهم المخترعات والأبنية، لماذا يعطيهم وهم مقيمون على كفرهم؟ يقول النبي صلى الله عليه وسلم مبيناً الحكمة من ذلك (إذا رأيت الله تعالى يعطي العبد من الدنيا ما يحب وهو مقيم على معاصيه فإنما ذلك منه استدراج) .. (أو في شك أنت يا ابن الخطاب ؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا) .

    ما يريد الله أن يجعل للكفرة في الآخرة من نصيب، الجنة سلعة غالية ما في الآخرة من النعيم لا يستحقه الكفار، ولذلك يعجل لهم طيباتهم في الدنيا، وكل كافر عمل معروفاً من صلة أو صدقة أو كلمة طيبة أو معونة فإن الله يعطيه بها في الدنيا صحة وأموالاً وأولاداً، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له فيها نصيب.

    وكذلك من الأمور العجيبة في الدنيا، ومن حقارتها عند الله أنها لا تساوي جناح بعوضة، وأنه يعطيها من يحب ومن لا يحب، فترى الغنى موجوداً عند الكافر والفاجر، كما يوجد عند بعض المسلمين، يعطيها من يحب ومن لا يحب ولا يعطي الآخرة إلا من يحب.

    سنة الله في مداولة الدنيا بين الناس

    ومن العجائب في الدنيا أن الله تعالى لم يجعل لشيء فيها استمراراً ولا ارتفاعاً متواصلاً، ولا بد أن يخفض ويذل، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن حقاً على الله تعالى ألا يرفع شيئاً من أمر الدنيا إلا وضعه) رواه البخاري رحمه الله .

    إذاً: لا يدوم في الدنيا سلطان ولا مال ولا عمرٌ ولا حياة ولا قوة، فتجد الناس والمجتمعات إذا ارتفعوا في قوة أعقبها ضعف وتفكك وانهيار، وإذا صحوا في شباب أعقبه أمراض وهرم وموت مفند، وإذا ارتفعوا في مال أعقبه إفلاس وفقر وضياع، فمن رحمة الله ألا يجعل الارتفاع في الدنيا دائماً، وإنما لا بد أن يجعل بعده ضعفاً وهواناً وانخفاضاً، وإلا لكانت الفتنة أعظم بكثير مما هي عليه الآن.

    ومن تأمل في الواقع عرف تلك الحكمة الربانية العظيمة، فأنت ترى المجتمعات في عنفوانها وقوتها لا يمر عليها سنوات إلا وتصبح في تفرق وتمزق وشقاق، وترى أعظم الناس غنى لا بد أن يعقبه شيء من الفقر والإفلاس، وإلا هرم مفند وموت عاجلٌ يقطعه عن التلذذ بماله وغناه.

    وهكذا ترى لله تعالى في خلقه عجائب لا يمكن أن يستمر في الدنيا أحد على قوته، ولا أن يستمر أحد في الدنيا على غناه، فإن الأرض لله يورثها من يشاء ولله عاقبة الأمور.

    الدنيا لا تصفو لشارب، ولا تبقى لصاحب، ولا تخلو من فتنة، ولا من محنة، فأعرض عنها قبل أن تعرض عنك، واستبدل بها قبل أن تستبدل بك، فإن نعيمها ينتقل، وأحوالها تتبدل، ولذاتها تفنى، وآثارها تبقى، لذاتها أحلام، الدنيا مثل الحية، لين مسها، قاتل سمها، النقمة فيها نازلة والنعمة فيها زائلة.

    وكل هذا الكلام -يا إخواني- إنما هو لنعقل أن السعي للآخرة والمسارعة في العمل للآخرة وأن لا تشغلنا الدنيا بحطامها عن السعي والعبادة.

    قال بعض السلف: مثل الدنيا والآخرة مثل الضرتين إن أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى، وهذا ينبهنا أيضاً ويوجب علينا الاستعداد ليوم الرحيل.

    قال سليمان بن عبد الملك لـأبي حازم : مالنا نكره الموت؟ قال: لأنكم خربتم آخرتكم، وعمرتم دنياكم، فكرهتم أن تنتقلوا من العمار إلى الخراب، وكذلك فإن هذا الكلام يفضي بنا إلى عدم التعلق بزينة الدنيا وزخرفها عندما يعلم العبد أن المتاع زائل وأنه هو زائل إن لم يزل المتاع قبله، وكذلك فإن الدنيا قيمتها عظيمة في وقتها.

    العمر: فهو محل العمل.

    الدنيا ساعة فاجعلها طاعة.

    انتهاز الفرصة. (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ).

    قال بعض السلف: الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما.

    السعي للدنيا والمسارعة للآخرة

    ولا يفهم مما تقدم من الكلام أن الدين يأمرنا بترك الدنيا والأخذ بأسباب الرزق أبداً، بل إنه يأمرنا بالسعي والمشي فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ [الملك:15] ولكن المقصود هو تقديم السعي للآخرة على العمل للدنيا، وأن يكون وقتنا في السعي للآخرة أكثر من وقتنا للسعي في الدنيا؛ لأن الله بدأ بالآخرة فقال: وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ [القصص:77] ثم قال: وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا [القصص:77]، وهو يقول في آيات الآخرة: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [آل عمران:133] .. سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [الحديد:21] ويقول في أمر الدنيا: فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا [الملك:15].

    فأمر بالمسارعة والمسابقة في الآخرة وبالمشي في الدنيا، ومعلوم أن المسابقة والإسراع أشد من المشي، فعلم أنه لا بد من التزود للدار الباقية في هذه الدار الفانية، وكذلك فإن هذا الكلام لا يعني أبداً أن نترك الكفرة يخوضون فيها كما يشاءون، ويسعون فيها كما يريدون وإنما ننازعهم ونغالبهم، فإن الله أمرنا بمغالبتهم ومنازعتهم وجعل الله التدافع بين الكفرة والمسلمين من أسباب صلاح الأرض، ولولا التدافع لفسدت الأرض وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً [الحج:40] .. وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ [البقرة:251] ولكن الله يسلط من يشاء على من يشاء.

    وكذلك فإن هذا الموضوع يعيننا على التهوين من أثر المصائب التي تحصل لنا، ويسلينا عما يصيبنا من الضيق في الأرزاق، يسلينا عما يصيبنا من قلة المال وضيق ذات اليد.

    ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل مدخلنا في الدنيا حميداً، ومخرجنا منها حميداً، وأن يجعلنا ممن جعل حياتهم في الدنيا طاعة له.

    اللهم ألهمنا رشدنا وقنا شر أنفسنا، اللهم آمنا في أوطاننا، اللهم آمنا في الأوطان والدور، وأصلح الأئمة وولاة الأمور. اللهم ارزقنا شكرك يا عفو يا غفور، اللهم انصر المجاهدين، واكبت أعداء الدين، وأخرج اليهود من بيت المقدس أذلة صاغرين، يا رب العالمين!

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

    وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.