إسلام ويب

بين الهداية والانتكاسللشيخ : محمد المنجد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الهداية منة من الله على كثير من عباده، ولها أسباب منها: العلم.. الإيمان.. التوبة.. المجاهدة.. الرفقة الصالحة... كما أن للهداية عوائق كثيرة منها: الاحتجاج بالمشيئة.. تكرار الوقوع في المعصية.. التسويف… وقد تحدث الشيخ عن قصص بعض التائبين، ثم انتقل إلى موضوع الانتكاس، وعرض في بداية كلامه عن الانتكاس بعض الرسائل التي يشكو أصحابها الانتكاس، ثم تحدث عن أسباب الانتكاس.

    1.   

    مقدمة في الهداية وفضلها

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    أحييكم -أيها الإخوة- في مطلع هذا الموسم من الدروس وأقول لكم: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل لقاءنا هذا لقاءً في طاعته، وأن يجعل مجلسنا هذا مجلساً مباركاً ونافعاً لنا جميعاً، وأن يجعل ما نسمع حجة لنا لا علينا.

    يجدد الإنسان إيمانه بحلق الذكر وملاقاة إخوانه، والعودة لما كان متعوداً عليه من الطاعات والعبادات التي كان يمارسها في مكانٍ معين، كالمدرسة أو الجامعة، ونحو ذلك من الأنشطة الإسلامية، ولا شك أن مثل هذه العودة في بداية العام الدراسي لها أثرٌ في النفس، والعبد دائماً ينبغي أن يتقلب في مواسم الطاعات والعبادات، فسواء كان في عملٍ أو وظيفةٍ أو إجازةٍ فإنه يعبد الله سبحانه وتعالى.

    ودرسنا في هذه الليلة: بين الهداية والانتكاس، هذا الدرس هو انطلاقٌ من الحقيقة التي أقسم الله عليها بعدة أقسام في كتابه الكريم فقال الله عز وجل: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا [الشمس:1] يعني: ضوءها وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا [الشمس:1-5] أي: ذات البناء أو ومن بناها؟ فيكون قد أقسم بنفسه: وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا [الشمس:6] يعني: دحاها وبسطها وقسمها: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا [الشمس:7] يعني: خلقها مستقيمة على الفطرة القويمة: فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس:8] بين لها طريق الخير والشر، وهنا يأتي جواب القسم: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10].

    قال بعض أهل العلم من المفسرين: زكاها: أي: زكى نفسه بطاعة الله وطهرها من الأخلاق الرديئة والرذائل، ودساها: يعني: أخملها بخزيانه إياها عن الهدى حتى ركب المعاصي وترك طاعة الله عز وجل، فالشاهد قوله سبحانه: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10].

    فمن زكاها: فهذه هي الهداية، ومن دساها: فهذا هو الانتكاس، بين الهداية والانتكاس.

    هداية النفس تزكيتها

    ونتحدث أولاً عن الهداية في هذه التزكية التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يسألها ربه كما جاء في صحيح مسلم : (اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنتَ خير من زكاها، أنت وليها ومولاها) الهداية المقصودة: هي الهداية التوفيقية التي هي من الله، وهي أعظم نعم الله على العبد، وهي التي اختص الله بها: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص:56].

    يحبب إلى العبد الإيمان، ويكره إليه الكفر والفسوق والعصيان، هذه هي الهداية التي لا يملكها إلا الله عز وجل، وهي المقصودة لقوله تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت:69] وهي المعنية في قوله عز وجل: وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [يونس:25].

    والهداية يا إخواني منةٌ من الله على عباده، كما قال عز وجل: بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ [الحجرات:17].. كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ [النساء:94].

    وقد استشعر الصحابة هذا المعنى وهو أن الهداية منة من الله ونعمة، ولذلك جاء في صحيح البخاري عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه، قال: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر فسرنا ليلاً، فقال رجلٌ من القوم لـعامر بن الأكوع ، ألا تسمعنا من هنيهاتك؟ -وكان عامر رجلاً شاعراً- فنزل يحدو بالقوم يقول:

    اللهم لو لا أنت ما اهتدينا          ولا تصدقنا ولا صلينا

    فاغفر فداءً لك ما اقتفينا     وثبت الأقدام إن لاقينا

    فلما سمعه النبي صلى الله عليه وسلم، قال: من هذا؟ قالوا: عامر ، فقال: يرحمه الله).

    وأعظم منةٍ من الله على نبيه صلى الله عليه وسلم هي الهداية كما قال الله عز وجل وعدد نعمه على نبيه صلى الله عليه وسلم: وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى [الضحى:7-8].

    وبين النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة هذا فقال عندما جمع الأنصار في الخطبة المؤثرة المشهورة: (يا معشر الأنصار! ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟ وعالةً فأغناكم الله بي؟) فبدأ أولاً بذكر الهداية من الضلالة، فالضلالة هي: الشرك، والهداية: الإيمان، وثنى بالتأليف والجمع وثلث بالغنى والمال، فرتب النعم ترتيباً بالغاً.

    وأهل الجنة حينما يدخلون الجنة يحمدون الله على نعمة الهداية التي هداهم في الدنيا: وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ [الأعراف:43].

    قال الطبري رحمه الله: الحمد لله الذي وفقنا للعمل الذي أكسبنا هذا الذي نحن فيه من كرامة الله وفضله وصرف عذابه عنا، هذه الهداية من الله يقذفها في قلوب من يشاء من عباده، وأحياناً يهتدي الشخص فجأةً بين عشيةٍ وضحاها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح في شأن المهدي قال: (المهدي منا أهل البيت يصلحه الله في ليلة) فـالمهدي حقاً سيخرج وهو من أشراط الساعة ويحكم سبع سنين، يملأ الأرض عدلاً، كما ملئت ظلماً، ويعطي المال بدون عدٍ ولا إحصاء، وإنما يحثو حثيه، هذا الرجل يصلحه الله في ليلة، الهداية ليست لها قاعدة ولا مكان، فإن الله سبحانه وتعالى قد يهدي الرجل في أفسق الأماكن، وقد يضل بعضهم في مكة، فكثيرون من الناس ذهبوا إلى أمريكا فأضلهم الله، وبعضهم ذهبَ إلى هناك فهداه الله، فهذا شيء من الله لا يملكه أحد: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص:56].

    1.   

    أسباب الهداية

    لكن للهداية أسباب كثيرة فمنها:

    أولاً: العلم؛ العلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته، فمن أراد الهداية فلا بد أن يكون عالماً بالله وأسمائه وصفاته: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد:19] وأن يعلم حق الرب على عبده وهو: أن يعبده لا يشرك به شيئاً.

    ثانياً: الإيمان، فهو من أعظم أسباب الهداية، الإيمان الذي هو الاعتقاد والتصديق بالجنان، والنطق باللسان، والعمل بالأركان، الذي يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان، وقال الله عز وجل: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ [التغابن:11].

    إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ [يونس:9] فالإيمان من أعظم أسباب الهداية.

    ثالثاً: الدعاء: وهو العبادة ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60] ونحن نقول في الصلاة: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6] دلنا على الصراط المستقيم، وفقنا لطريقة الشرع وزدنا هدى، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد قال لـعلي رضي الله عنه: (يا علي ! سل الله الهدى والسداد، واذكر بالهدى هدايتك الطريق، وبالسداد تسديدك السهم) فضرب له المثل الحسي: إذا سألت الله الهداية تذكر كيف إذا خرجت إلى مدينة أو بلد سلكت طريقاً فإنك تجتهد في معرفة الطريق والاستدلال إلى المكان، وعدم الضياع عن هذا الطريق وفقدانه، وتذكر بطلبك السداد، تذكر بالسداد تسديدك السهم، فإن الذي يسدد يصوب ويجتهد.

    ومن أسباب الهداية: التوبة، كما قال الله عز وجل: وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ [الرعد:27] فإذا أناب العبد هداه الله سبحانه وتعالى.

    السبب الخامس من أسباب الهداية: المجاهدة؛ يقول الله سبحانه: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت:69] والمجاهدة على نوعين: مجاهدة النفس، ومجاهدة الشيطان، وأيضاً جهاد أعداء الله، فأما مجاهدة النفس فهي أنواع، فمنها: مجاهدة النفس على تعلم الهدى، وثانياً: مجاهدة النفس على العمل بالعلم، وثالثاً: مجاهدة النفس على الدعوة لهذا العلم، ورابعاً: مجاهدتها على الصبر على الأذى في سبيل الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.

    وأما مجاهدة الشيطان فإنها تكون بأمرين:

    مجاهدة الشيطان بالشبهات التي يلقيها في نفس العبد، وكذلك مجاهدته على الشهوات التي يلقيها في نفس العبد ويثيرها.

    ومن أسباب الهداية أيضاً: الجماعة الطيبة، قال الله عز وجل: قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى [الأنعام:71] وكيف يقتنع الشخص بأن الهداية هي مصلحته؟

    بأن يعلم أنه هو المستفيد من الهداية ليس الله عز وجل، وأنه هو المتضرر من الضلالة وليس الله عز وجل: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ [يونس:108].

    وجاء في الحديث القدسي: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجلٍ واحدٍ منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً).

    وهذه الهداية التي يقذفها الله سبحانه وتعالى في قلب من يشاء من عباده قد تكون عقب أمرٍ من الأمور وشيءٍ من الأشياء، فبعض الناس قد يهتدي من خطبة أو محاضرة، أو موعظة، أو دعاء تراويح، أو بعد حجٍ أو عمرةٍ، وبعضهم يهتدي لرؤيا يراها أو حادث يصيبه أو مصيبة كفقد وظيفته، أو موت قريبٍ، أو يمرض مرضاً تضعف نفسه فيه فيرجع إلى حقيقة أمره، ويفكر في شأنه فيهتدي، وبعضهم يهتدي بنصيحة أو دعوة يدعو بها رجل، وبعضهم يهتدي من رؤيةٍ نكبات المسلمين وما أصابهم، وبعضهم يهتدي بمرافقة الرفقة الطيبة، وبعضهم يكون مهتدياً من صغره، لتربيةٍ طيبةٍ في البيت.

    وأسباب الهداية كثيرة والتي يجعلها الله سبحانه وتعالى سبباً لدخول هذا النور إلى قلب العبد، وربما لو أنكم عدتم بأذهانكم إلى الوراء كل واحدٍ منكم، ففكر في السبب -إذا كان مستقيماً- الذي به أدخل الله الإيمان إلى قلبه، لوجد قصةً أو حادثةً كانت كذلك، ويمكنكم المشاركة بكتابة هذا الأمر من سببٍ عجيبٍ أو قصةٍ مؤثرة كانت سبباً في هدايتك أو هداية شخصٍ تعرفه، لنرى في الختام أمثلة واقعية من هذه الأشياء فيتعجب العبد من أقدار الله سبحانه وتعالى، وقد تكون الهداية بحدث تعقبه الهداية فوراً، وقد يهتدي الإنسان تدريجياً كما إذا دخل في وسطٍ طيب، فإنه يبدأ بالتأثر وممارسة العبادات وهكذا حتى يصل إلى الهداية والاستقامة والالتزام بشريعة الله سبحانه وتعالى، فقد لا يحس بالنقل المفاجئ بين عشية وضحاها ولكن يصل إلى المطلوب.

    1.   

    أناس عادوا إلى الله

    لنتحدث عن بعض القصص من الماضين الذين هداهم الله سبحانه وتعالى، كيف هداهم، وأمثلة عن هذه الأسباب.

    جبير بن مطعم وكيف اهتدى

    فمن ذلك هداية جبير بن مطعم الصحابي رضي الله تعالى عنه وكان قد جاء في أسارى بدر ، وهؤلاء من حكمة النبي عليه الصلاة والسلام وفطنته أنه جعله في مكانٍ قريبٍ من المسجد، وكان ربما جعل الأسير في المسجد حتى يسمع القرآن وصوت النبي صلى الله عليه وسلم به، قال جبير : (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ * أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ [الطور:35-37] قال جبير : كاد قلبي أن يطير، وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي) يعني: سكن وثبت، وهذا الحديث في صحيح البخاري رحمه الله.

    قال ابن كثير : فكان سماعه هذه الآية من هذه السورة من جملة ما حمله على الدخول في الإسلام بعد ذلك، فقد تكون الهداية نتيجة أسباب تجتمع وقد لا تكون في وقتٍ واحد، لكن هذا السبب الآن مع سبب آخر بعده بشهر أو شهرين، أو سنة أو سنتين تحصل الأسباب التي تؤدي بالشخص إلى الهداية.

    زاذان وسبب هدايته

    ومن التابعين: زاذان رحمه الله قال الذهبي في سير أعلام النبلاء : زاذان أبو عمر الكندي مولاه الكوف البزاز الضرير أحد العلماء الكبار، قال ابن عدي : تاب على يد ابن مسعود وعن أبي هاشم قال: قال زاذان : كنتُ غلاماً حسن الصمت جيد الضرب على الطمبور -وهو آلة من آلات العزف- فكنت مع صاحبٍ لنا وعندنا نبيذ -خمر- وأنا أغنيهم فمر ابن مسعود فدخل وضرب الباطية -يعني: إناء الخمر- فبددها وكسر الطمبور، ثم قال: [لو كان ما يسمع من حسن صوتك يا غلام بالقرآن كنتَ أنت أنت] -أي: لو كنت بدلاً من أن تصرف هذه الطاقة الصوتية الجميلة بهذا الغناء المحرم جعلته في القرآن كنتَ أنتَ أنتْ- ثم مضى فقلت لأصحابي: من هذا؟ قالوا: هذا ابن مسعود ، فألقي في نفسي التوبة فسعيت أبكي وأخذت بثوبه فأقبل علي فاعتنقني وبكى وقال: [مرحباً بمن أحبه الله، اجلس ثم دخل وأخرج تمراً] وكثير من الأسانيد تجد فيها هذا الرجل زاذان رحمه الله.

    القعنبي

    ورجلٌ آخر من أهل الحديث وهو القعنبي من الرواة المشهورين قال أحد أولاده: كان أبي يشرب النبيذ ويصاحب الأحداث -أي: جماعةٌ من الفسقة- فدعاهم يوماً وقد قعد على الباب ينتظرهم -ينتظر هذه الشلة من أهل السوء- فمر شعبة بن الحجاج -المحدث المشهور الثقة المتقن الضاد- على حماره والناس خلفه يهرعون فاستغرب من المنظر فقال: من هذا؟ قيل: شعبة ، قال: وماذا شعبة ؟! قالوا: محدث، فقام إليه هذا القعنبي وعليه إزارٌ أحمر -معروف أن هذا اللبس ليس من لبس المؤمنين، فلقد نهينا عن لبس الأحمر الخالص للرجال- فقام إليه وعليه إزارٌ أحمر، فقال له: حدثني، فقال له: ما أنتَ من أصحاب الحديث فأحدثك! -لا سيماك سيما أصحاب الحديث ولا الهيئة ولا المنظر- ما أنت من أصحاب الحديث فأحدثك! فأشهر سكينه وقال: تحدثني أو أجرحك، فقال له: حدثنا منصور عن ربعي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت).

    فرمى سكينته ورجع إلى منزله، فقام إلى جميع ما كان عنده من الشراب فأراقه وقال لأمه: الساعة يأتون أصحابي، فأدخليهم وقدمي الطعام إليهم، فإذا أكلوا فخبريهم بما صنعت بالشراب حتى ينصرفوا، ومضى من وقته إلى المدينة فلزم مالك بن أنس فأثر عنه ثم رجع إلى البصرة -وقد مات شعبة- فما سمع منه غير هذا الحديث.

    الفضيل بن عياض

    و الفضيل بن عياض رحمه الله توبته مشهورة نقلها الذهبي رحمه الله أيضاً فقال: عن الفضل بن موسى : كان الفضيل بن عياض شاطراً -يعني: لصاً، الشاطر: هو اللص يقطع وينهب- يقطع الطريق بين أبي ورد وسرخس وكان سبب توبته أنه عشق جاريةً فبينما هو يرتقي الجدران إليها إذ سمع تالياً يتلو قول الله عز وجل: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ [الحديد:16].

    هذا جاره يقوم الليل بالقرآن، وهذا يتسور إلى المرأة الجدار ليفعل بها الفاحشة، فلما سمعها قال: بلى يا رب -وقعت في قلبه موقعاً، إذا شاء الله أن يهدي رجلاً كشف الحجب الكثيفة التي كانت تغطي قلبه، فدخل النور: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ [الحديد:16] قال: بلى يا رب قد آن، فرجع فآواه الليل إلى خيمة، فإذا فيها أناس مسافرون، فقال بعضهم: نرحل، وقال بعضهم: حتى نصبح، لا نرحل الليلة، فإن فضيلاً على الطريق يقطع علينا، وقد سمعهم بالمصادفة قال: ففكرت وقلت: أنا أسعى بالليل بالمعاصي وقوم من المسلمين هاهنا يخافونني، وما أرى الله ساقني إليهم إلا لأرتدع، اللهم إني قد تبتُ إليك وجعلت توبتي مجاورة البيت الحرام.

    توبة لص في بيت مالك بن دينار

    والأمثلة كثيرة جداً من الهداية، لكن هذه قصة أخيرة عن توبة أحد اللصوص: جاء في سيرة مالك بن دينار ، في سير أعلام النبلاء ، قيل: دخل عليه لصٌ -أي: على مالك بن دينار وكان معروفاً بالزهد- فما وجد اللص ما يأخذه فانتبه مالك فنادى اللص قائلاً له: لم تجد شيئاً من الدنيا، فهل ترغب في شيءٍ من الآخرة؟ قال: نعم. قال: توضأ وصلِّ ركعتين، ففعل ثم جلس وخرج إلى المسجد فسئل مالك : من ذا؟ قال: جاء ليسرق فسرقناه.

    فهذا مثال عن ما يمكن أن ينتقل إليه الشخص من الإجرام إلى الاستقامة، ومن الضلالة إلى الهداية وهذا هو المطلوب، إذا صفت النفوس وأقبلت على الله فإن الله يهدي، وإذا ابتغى العبد أسباب الهداية فإن الله لا يضله، الله عز وجل رحيمٌ بعباده، لا يضل من أراد الهداية، لكن الناس أنفسهم يظلمون بعدم إرادتهم الهداية.

    1.   

    معوقات الهداية

    وقد مر معنا من أسباب الهداية: المجاهدة: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت:69].

    وهذه المجاهدة هي التي خالفها الكثير من الناس فلذلك لا يهتدون؛ أو أنهم يعلمون شيئاً من الشريعة والدين، لكنهم لا يعلمون الكثير ولا يطبقون.

    الاحتجاج بالمشيئة

    من معوقات الهداية: الاحتجاج بالمشيئة، هذا الذي نسمعه كثيراً من الناس، الذين يقولون: لو شاء الله لهدانا، وهؤلاء قد سبقهم الكفار بالاحتجاج بالمشيئة، فقال الله عنهم: وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ [الزخرف:20] لو شاء الرحمن ما عبدنا هؤلاء وأشركنا في الله، وقال عز وجل في آية أخرى: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا [الأنعام:148].

    احتج المشركون بالمشيئة، كلامهم في الظاهر صحيح، لو شاء الله ما أشركوا لا شك في ذلك: إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:20]، لكن الله عز وجل كذبهم، وقال في آية الأنعام: كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [الأنعام:148] وقال في آية الزخرف: مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ [الزخرف:20].

    فكيف كذبهم وظاهر كلامهم صحيح؟!

    الجواب: لأن مرادهم بكلامهم: لو شاء الله ما أشركنا، قولهم: إن الله لما كان قادراً على منعهم ولم يمنعهم دل ذلك عندهم على أنه راضٍ عنهم وعن الشرك، قالوا: لو لم يكن راضياً لصرفنا، فكذبهم الله على هذا الزعم، وأن الله لو شاء شيئاً لا يعني أنه يحبه، ولو قدر شيئاً ليس يقتضي ذلك أنه يحبه، فإن الله يشاء الخير ويشاء الشر سبحانه وتعالى، ولا يمكن أن تقول: ما دام الله شاء هذا، يعني: أن الله يحبه وأن الله يقره، أبداً.

    ولذلك هؤلاء العصاة الذي يقولون: لو شاء الله لصرفنا عن هذا الشرك، لو شاء الله لهدانا، نقول: إذا كنتم تحتجون بواقعكم على أنه صحيح، بأن الله شاء ذلك فأنتم ضلال، فالله عز وجل شاء كل ما يقع، لا يقع شيءٌ إلا بمشيئته قطعاً، خلافاً لمن ضل في ذلك من القدرية ، وإذا كنتم تقولون: إننا مجبورون على الفعل، ولو شاء الله لأخرجنا، لكنه جبرنا على المعصية، فنقول: أنتم ضلالٌ أيضاً، فإن الله سبحانه وتعالى قد أعطاكم الإرادة.

    قدر الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض، وكتب أهل الجنة وأهل النار، وأقام الحجة على الجميع بإرسال الرسل وإنزال الكتب، ووفق من شاء توفيقه، ولم يوفق من سبق عليه الكتاب الشقاء، وخلق لكل إنسانٍ قدره، فلا يحتج أحد بأنه مجبور؛ لأن له قدرة وإرادة، ولا يحتج أحد على الغواية بأنه لا يعرف الحق، فالله قد أرسل الرسل وأنزل الكتب، وبين طريق الخير والشر: وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ [البلد:10] وهذا الفاسق الذي يفعل ما يفعل يفعله مختاراً ليس مجبوراً، طائعاً غير مكره هو الذي اختار شرب الخمر فشرب، وهو الذي اختار الزنا فزنى، وهو الذي اختار سماع الغناء فسمع، وهو الذي اختار الإسبال فأسبل ونحو ذلك، فهو الذي اختار بإرادته وقدرته التي أعطاه الله إياها ولذا اختار الشر، فلا يصح بعد ذلك لإنسان أن يقول: أنا مجبور! أو أن يحتج بمشيئة الله على أن الله يرضى واقعة السيئ، كلا.

    بعد هذا كله لو خالف فهو يستحق العقاب، والهداية لا تصل إلى الناس من الشباك وهم يتفرجون أو وهم نائمون، تصل إليهم الهداية يقولون: نحن ننتظر الهداية تظن أن الهداية شيءٌ سيأتي من خلفك فيقذف فيك بدون أي عملٍ منك؟! بل إن الإنسان لو رأى أمامه أشد الحوادث تأثيراً! لو كان قلبه مغلفاً لا يريد التأثر فإنه لن يتأثر.

    تكرار الوقوع في المعصية

    ومن عوائق الهداية: تكرار الوقوع في المعصية، فإن بعض الناس يقول في نفسه: أنا أدخن وأترك ثم أدخن وأترك، ثم أدخن وأترك، أنا أحلق اللحية ثم أعفيها، أحلقها ثم أعفيها، ثم أحلقها ثم أعفيها، أنا أسمع الأغاني ثم أترك، وأسمع الأغاني ثم أترك، فيقول: أنا لستُ مستعداً لهذا التردد؛ فيفلت العنان لنفسه وهواه، ويرجع إلى الضلال ويستمر فيه، فنقول له: يا هذا! لا شك أنك عند رجوعك عن الباطل، وإن كان لفترة مؤقتة فإنك أحسن من الذي يستمر عليه دائماً! إذا رجعت فأنت أحسن من الذي يدخن دائماً أو يحلق دائماً أو يسمع المحرمات دائماً، ثم إن الازدواجية التي وقعت فيها ينبغي أن تدفعك إلى الثبات على الحال الحسن، واختيار الخير، وليس أن ترجع وتستقر على الحال السيئ،

    ثم إن الإنسان إذا وقع في معصية فإن ذلك لا يعني أن يترك بقية الطاعات، هب أنك وقعت في معصية، هل تترك بقية الطاعات، وتقول: ما دام ارتكبت بعض المعاصي، إذاً سأسلك سبيل المعاصي المفتوح بجميع ما فيه؟ كلا. ثم إن هذا الحديث يدل على أن الإنسان إذا فعل معصية، فإنه يرجع ويتوب، وليس أن يقول: وقعت فأكمل فيما وقعت فيه، لا.

    عن ابن مسعود قال: (جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! وجدت امرأةً في بستان ففعلت بها كل شيء، غير أني لم أجامعها، قبلتها ولزمتها ولم أفعل غير ذلك، فافعل بي ما شئت، فلم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم شيئاً، فذهب الرجل، فقال عمر : لقد ستر الله عليه لو ستر نفسه، فأتبعه رسول الله صلى الله عليه وسلم النظرة ثم قال: ردوه علي، فردوه عليه، فقرأ عليه قول الله عز وجل: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ [هود:114] فقال معاذ رضي الله عنه -وفي رواية: عمر -: يا رسول الله! أله وحده أم للناس كافة؟ قال: بل للناس كافة).

    فنقول: إذا وقع الإنسان في معصية لا يستسلم، بل يقبل على الله ويتوب، يذهب ويتوضأ ويصلي ركعتي التوبة، وإذا كانت جريمة يذهب فيعمل عمرة أو يحج من أجل هذه المعصية، فإن عمر قال عن ذنبٍ فعله: [فعملت لذلك أعمالاً من أجل هذا الذنب].

    القنوط من رحمة الله

    ومن عوائق الهداية: أن بعض الناس يعتقد أن الله لا يمكن أن يغفر له، وأن ذنوبه كثيرة جداً، من كثرة سيئاته لا يمكن أن يغفر الله له، وهذا باطل، وهذا سوء ظن بالله، وهو شكٌ في قدرة الله، بل إن الله عز وجل قد قال في الحديث القدسي: (من علمَ أني ذو قدرةٍ على مغفرة الذنوب غفرتُ له ولا أبالي، ما لم يشرك بي شيئاً).

    إذاً لا يمكن للإنسان أن يقول: لن أدخل الهداية؛ لأن ذنوبي أكثر من أن يغفرها الله، هذا باطل وهذا اعتقادٌ محرم، بل ينبغي أن يتوب إلى الله، ويقبل على الله ما دام لا يشرك بالله شيئاً: (لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً، لأتيتك بقرابها مغفرة).

    النظرة الخاطئة للالتزام

    ومن عوائق الهداية: اعتقاد أن جو الهداية شدة وتزمت ووسوسة ورهبنة وحرمان وتحريم الضحك ونحو ذلك من الأشياء الباطلة.

    الجواب: كلا. فإن جو الهداية على عكس من ذلك، هو اطمئنان وسكون وسرور وحبور وفرح نفسي وطمأنينة يقذفها الله في قلوب المهتدين، ويحصل في قلوبهم من أنواع السرور ما يحمد به العبد ربه على نعمة الهداية، وليست الهداية تحريماً للطيبات، فإن الله قد قال: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ [الأعراف:32] من الذي حرمها؟ الله أباحها فمن الذي يجرؤ على تحريمها؟!

    التسويف

    ومن عوائق الهداية: التسويف؛ فإن بعض الناس يخطر في باله خاطر الهداية، يأتيه خاطر من الملك أن يهتدي؛ لأن الله جعل مع الإنسان ملكاً وشيطاناً، الملك يأمره بالخير والشيطان يأمره بالشر.

    يأتيه الخاطر من الملك أن يتوب ويهتدي، ويترك ما هو فيه من الباطل، فبعض الناس يسوف يقول: سوف أفعل ذلك إن شاء الله في المستقبل سوف أفعل ذلك، فنقول: هذا شيءٌ لا تعرف نهايته، فقد تموت قبل ذلك، وتقول نفسٌ: يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّه [الزمر:56] لو أن الله هداني: وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ [سبأ:54] وقد يقال له عند موته: كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون:100] وهذا التسويف من أضر الأشياء على العبد، فبسببه تؤخر التوبة وتؤخر مشاريع الانتقال إلى طريق الخير والهداية بسبب التسويف، كلما جاء بواب الخير كلما جاء طارق الخير صرفه بواب لعلّ وعسى، ثم إن الإنسان إذا استمر في الشر صار الشر عادة، فصار ترك الشر صعباً عليه، كمثل رجلٍ خرجت له نبتةٌ في بيته، في مكان غير مناسب مؤذٍ، فقال: اليوم أقتلعها، غداً أقتلعها وهي تنمو وتكبر اليوم أقتلعها غداً أقتلعها، حتى إذا كبرت وصارت جذورها ضاربةً في الأرض وقويت صار هو في المقابل أضعف وأعجز، والشجرة صارت أقوى وأكبر فأنى له أن يقتلعها؟! ولذلك من البداية غير ولا تسوف.

    ربط الالتزام بأشياء أخرى

    ومن معوقات الهداية: ربط الأشياء بعضها ببعض، وترتيب الأشياء بعضها على بعض، وهذا من حيل الشيطان، كما قال بعضهم مرةً قال لي: أنا أشتهي وأريد أن أعفي لحيتي ، قلتُ: ما الذي يمنعك من ذلك؟ قال: لأنني عقدت العزم على أن أفعل ذلك بعد حدوث شيءٍ معين، وما هو؟ قال: إنني الآن في مرحلة الخطوبة يعني: الآن أخطب وأتقدم إلى الناس لأتزوج، فإذا تزوجت أنوي أن أحج بالمرأة، فإذا حججت بها فمن ذلك الوقت -من بعد الحج- سأترك المنكرات وأعفي لحيتي، فهذا علق قضية هذه الطاعة على الزواج! ثم يعلق الزواج على الحج، فيربط الأشياء بعضها ببعض، ويقول: أريد شيئاً نهائياً، فنقول: ابدأ من الآن حتى إذا دخلت سهل عليك، لكن أن تقول: سأفعل ذلك إذا تزوجت وحججت وعند ذلك عصمت نفسي وعند ذلك صرتُ عفيفاً، والحج يهدم ما قبله، وابدأ عند ذلك صفحةً جديدة، نقول: يا أخي! التوبة تفتح لك صفحة جديدة، ليس بشرط أن تتزوج وتحج حتى تفتح صفحة جديدة! ممكن أن تفتح صفحة جديدة الآن، وما يدريك فقد يأتيك ملك الموت قبل أن تتزوج أو قبل أن تحج، فما عذرك عند الله؟!.

    الاحتجاج بواقع بعض الملتزمين

    ومن عوائق الهداية أيضاً: الاحتجاج بواقع بعض الناس الذين ظاهرهم الالتزام، لكنهم عندهم معاصٍ وإساءات، فيقول لك: انظر هذا فلان، لحيته هذا طولها، ومع ذلك رأيته ينظر إلى النساء، أو أنه يلعب بفواتير الشركة، أو أنه ليس بنظيف، أو أن فلانة محجبة، لكن أنها تفعل من وراء الحجاب أشياء، نقول: وما لك ولهم، إذا كان ظاهرهم الطاعة، وباطنهم عندهم فسق؟ هل هذه حجة أمام الله تحتج بها يوم القيامة؟ إذا سألك: لماذا لم تسلك سبيل الاستقامة والهداية قلت: فلان هذا ظاهر الهداية، لكن في الحقيقة عنده أمور أخرى؟!

    نعلم بأن هناك منافقين بالمجتمع هل ألوان النفاق هي حجةٌ لك على ترك الهداية؟ أبداً لا يمكن أن تكون حجة: عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة:105] الحق نفسك، قبل أن تؤتى فلا تستطيع الحراك.

    وكذلك فإن الإنسان يلجأ إلى المنهج، ولو انحرف الأشخاص، فهو لا يربط هدايته بفلان أو فلانة، فإذا ضل فلان ضل معه، وإذا اهتدى فلان اهتدى معه، كلا.

    بل هو دائماً مع المنهج مع القرآن والسنة يدور معهما حيثما دارا، ولا عليه من تصرفات الناس وأخطائهم؛ أخطاء الناس ليست بحجة على الشريعة، الشريعة هي حجة على الناس، ونحن نعرف الرجال بالحق، ولا نعرف الحق بالرجال.

    اعتقاد أن النية الطيبة وحدها تكفي

    وكذلك من معوقات الهداية: اعتقاد أن النية الطيبة وحدها تكفي، وأن الأعمال لا داعي لها ما دام أن القلب طيبٌ وسليم، فنقول: هذا زعمٌ فاسد، الله عز وجل قال لأهل الجنة: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [النحل:32] فالأعمال سبب لدخول الجنة، فإذا لم تعمل، فبأي شيءٍ تدخل الجنة، والله عز وجل مدح الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فإذا لم تعمل الصالحات، فبأي شيءٍ تنجو يوم القيامة؟!: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ [البروج:11]، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ [يونس:9].. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً [مريم:96].

    هؤلاء الناجون، لكن إذا لم تعمل الصالحات؟ فبأي شيءٍ أو على أي حالٍ تكون يوم القيامة، الإيمان قولٌ وعمل، أما الضلال هم الذين يقولون الإيمان هو: الاعتقاد بالقلب والتصديق فقط.

    النظر إلى من هو دونه في الالتزام

    ومن معوقات الهداية أيضاً: أن ينظر الشخص إلى من هو دونه في الدين، فيقول: أنا أصلي الصلوات الخمس، فلان يقطع الصلوات، وإذا كان يقطع الصلوات قال: أنا أفضل من فلان؛ فلان لا يصلي أبداً، وإذا كان لا يصلي أبداً، قال: أنا أفضل من البوذي وعابد البقر، فنقول: هذا مفهوم خاطئ وهذه نظرة منحرفة، فإن الإنسان في الدين ينظر إلى من هو أعلى منه، ثم أنه قد جعل لنا قدوة نقتدي به وأمرنا باتباعه: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21]، قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران:31].. فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام:90].

    لكن متى تنظر إلى من هو دونك؟ في أمور الدنيا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (انظروا إلى من هو أسفل منكم في أمور الدنيا، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم) رواه أحمد ومسلم وغيرهما.

    فعلى الإنسان أن ينظر إلى من هو دونه في الدنيا، فيرى من هو أسوأ منه حالاً فيحمد الله على النعمة التي هو فيها، لكن في الدين، لا يقارن نفسه بمن هو أدنى منه، وإلا فإنه سينزل درجات أو دركات.

    النظر إلى المكاسب والمغانم الدنيوية

    ومن عوائق الهداية: هواة المكاسب والمغانم الدنيوية، فبعض الناس يعملون في أعمال محرمة كرجلٍ يعمل في مؤسسة ربوية، أو في عمل محرم في فندقة أو سياحة يشارك في المحرمات كالفواحش والخمور، ونحو ذلك من الأعمال المحرمة، فإذا جاءه خاطر الهداية، قال: الآن لو اهتديت، وجب علي ترك العمل؛ لأنه محرم يتناقض مع الهداية، فإذا تركت العمل فات المرتب والمرتبة! وأين أجد عملاً آخر؟ أو فاتني الجاه والمنصب، كما وعظ أبو العتاهية الشاعر الخليع أبا نواس فماذا رد عليه أبو نواس ، قال:

    أتراني يا عتاهي تاركاً تلك الملاهي     أتراني مفسداً بالنسك عند القوم جاهيِ

    تريدني أن أصبح متنسكاً فأفسد جاهي عند القوم، أنا محدثهم أو أنا مضحكهم والذي أقص عليهم القصص التي ترفه عنهم ونحو ذلك، فكان مقرباً من بعض السلاطين، وكان يحبه الوجهاء والأغنياء ونحو ذلك من السفهاء والفسقة، فيأتون به يحدثهم ويقص عليهم، فإذا اهتدى معناه أنه سيترك هذه الأجواء وتفوته الأعطيات، أو يكون الإنسان في مكان يأخذ الرشاوى والعمولات، فإذا جاء خاطر الهداية، قال: سيفوتني هذا الدخل وهذه الأموال، هذه أشياء دنيوية زائلة، والدنيا كلها ملعونة بنص الحديث: (الدنيا ملعونة؛ ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه، أو عالمٌ ومتعلم) ثم نقول: إن الله عز وجل يقول: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3].

    فاتركها لله يعوضك الله خيراً منها.

    حب التحرر وعدم التقيد

    ومن عوائق الهداية: حب التحرر وعدم التقيد، وإن بعض الناس يعتقد أن الهداية تقييدات وكبت للحريات، وتعتقد بعض الفتيات بأن الالتزام كبتٌ لحريتها، وتركٌ للزينة والخروج والكلام في الهاتف، كما يعتقد ذلك أيضاً بعض الفسقة من الناس يقولون: هذا تقييد، هذه قيود نحن لا نريد القيود، نصافح النساء والأقارب وغير المحارم، نتبرج، نسافر إلى بلاد الكفار، نسيح في الأرض، نسمع ما نشاء، نرى الأفلام، لا نريد الهداية؛ الهداية تقيدنا، وتكبلنا، وهي ثقيلة على النفس.

    نقول: هذا صحيح، لكن اعلم أنك أن تكون عبداً لله خيرٌ من أن تكون عبداً لشهواتك، وأن الجنة قد حفت بالمكاره، ولا شك أن هذه الأشياء المحرمات تقييد لا شك، لكن من قيد نفسه بالشريعة في الدنيا، أخذ حريته يوم القيامة، ومن كان عبداً لشهواته في الدنيا، فهو من أهل النار يوم القيامة، ثم إن الطاعة فيها حلاوة، وهذا شيء ثابت ومجرب، قاله العلماء والزهاد والعباد، كما قال بعضهم: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة! وقال بعض السلف : إنه لتمر بالقلب ساعة أقول فيها لنفسي: إن كان أهل الجنة دائماً في مثل هذا، فهم في نعيمٍ كبير.

    فإذاً الإيمان له حلاوة، والحلاوة هذه تنسيك جميع التقييدات التي تتصورها أنت عائقاً عن الهداية.

    الخوف من اضطهاد المجتمع والأهل وأذيتهم

    ومن عوائق الهداية: خوف الاضطهاد والأذية التي قد تكون من بعض الأقرباء أو أهل البيت، بل قد تكون من الأب والأم والإخوان، أو من زملاء العمل، أو الدراسة، أو الجيران، ونحوهم من أهل الشارع، فيمر المتمسك بالدين بينهم فيستهزئون ويسخرون ويلمزون ويغمزون بمظهره أو لحيته وثوبه، أو حجابها، وربما تعدت الأذية إلى أن يسجن أو يفصل أو يضرب ونحو ذلك من أنواع الاضطهاد والأذية، فنقول: هذه طبيعة هذا الدين: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ [العنكبوت:2].

    هذا طريق الأنبياء، الجنة حفت بالمكاره، وليس من الصحيح أن تتصور أنك إذا اهتديت فلابد أن تجد الطرق معبدة مذللة، وكل الناس يضربون لك تحية احترام، لا. فإنك ستصاب بسبب التزامك بالدين بأنواع من الأذى، هذا ما حصل للنبي عليه الصلاة والسلام، سبوه وشتموه وخنقوه وبصقوا في وجهه، وجعلوا الشوك في طريقه، وضعوا سلى الجزور على رقبته .. عذبوا أصحابه .. وسلسلوهم بالسلاسل .. قتلوا بعضهم .. جرحوهم وحاصروهم في الشعب .. جوعوهم .. حملوا السلاح عليهم، إذاً الإنسان الذي يتصور أنه إذا اهتدى سيعيش في أمان وسلام، هذا تصور عن هذا الدين وهو تصور ناقص مشوه ليس بصحيح.

    نعم. ليس بالضرورة أن تحدث لك مشكلات، لكن إذا حدثت فينبغي لك أن تتوقع ذلك، خصوصاً في هذا الزمان الذي هو زمان الغربة؛ غربة الدين، وغربة الإسلام، وبعض الناس يقول: أنا سأجرب الالتزام والدخول في الهداية وأرى، إذا صارت أموري جيدة والناس احترموني أكملت الطريق، وإلا رجعت، هذا الذي يعبد الله على حرف: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الحج:11].

    كان بعضهم يأتي إلى المدينة يسلم، يقول: نجرب هذا الإسلام، فإن نتجت خيله ورزق ولداً وجاءه مال، قال: هذا دينٌ حسن، وإذا لم تنتج خيله ولا جاءه ولد، ولا رزق مالاً، قال: هذا دين سوء قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ [الحج:11].

    فنقول: التزامك بالدين هذا يكلفك أشياء كثيرة، فيه مصاعب، وفتن، لا شك في ذلك، يتفاوت الناس فيها، ولذلك لابد من توطين النفس على هذا، أما أن نفر من الواقع ونفر من الزحف لأي أذى نصادفه ونرجع وننتكس ونقول: مالنا وللمشاكل؟ ودعونا من الالتزام بهذا الدين فإنه مشاكل ومصائب، فلا شك أن صاحب هذا مسكين، وهو الخاسر؛ لأن هذه الدنيا زائلة وماضية وعابرة بكل ما فيها من الفتن والاضطهادات والمشكلات، فهي زائلة وعابرة، والحياة الحقيقية في الآخرة: وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [العنكبوت:64].

    الحيوان: الحياة الأبدية الدائمة المستقرة.

    وبعد ما عبرنا على بعض الأمور التي تتعلق بالهداية، فإننا نتكلم -إن شاء الله- في الشق الثاني من هذا الموضوع عن قضية الانتكاس.

    1.   

    الانتكاس

    قد سبق الكلام في موضوع الانتكاس في بعض المحاضرات الماضية، ونريد أن نجدد بعض المفاهيم والتصورات، وأن نعيد إلى الأذهان بعض القضايا المتعلقة بذلك، ولأبدأ هذا الشق معكم ببعض الرسائل التي جاءتني متنوعة، اخترت منها رسالة من عامل ورسالة من فتاة، ورسالة من شاب، ورسالة من داعية، كلها تتعلق بموضوع الانتكاس.

    فلنقرأ بعض هذا، ثم نبين بعض الأسباب والعلاجات.

    رسالة من شاب منتكس

    هذه رسالةٌ من شابٍ تائهٍ يتخبط، فأرجو أن تقرأ رسالتي بدون ملل لأهميتها القصوى وأرجو الرد عليها بسرعة.

    أنا شابٌ عمري ثمانية وعشرون سنة، حاصل على الشهادة الفلانية ومتزوج وعندي طفلان، وأتيت للعمل، وراتبي كذا، وقد انقلبت حياتي رأساً على عقب، فأنا كنتُ في بلدي شاباً ملتزماً جداً، وأصلي الصلوات الخمس في وقتها، وفي الشتاء والليل والبرد القارس وأصلي الفجر، وأقوم الليل، وأقرأ وأحفظ القرآن وأزور في الله وأتصدق.

    ولا يفوتني درسٌ علميٌ ديني، وكنتُ أدعو الله ولا أسمع الأغاني، وإذا رأيت تلفازاً أدرت له ظهري والنساء عندنا عاريات وبرغم ذلك كنتُ أغض بصري، وغير ذلك من أعمال الخير ولا أزكي نفسي على الله، ولكن ماذا حدث لي الآن؟

    انظر الفارق بين القلب الخير والقلب القاسي أصبحتُ لا أصلي في المسجد سوى وقتين أو ثلاثة، ولا أصلي الفجر إلا قليلاً، أستمع إلى الغناء، وأشاهد التلفاز، بل في بعض الأحيان الفيديو، ولم أحضر درساً علمياً واحداً سوى خطبة الجمعة، ومع أن النساء في حجاب أحسن حالاً في المكان الذي أنا فيه، رغم ذلك أنظر إليهن، ونسيت ما حفظته من القرآن، وألغو في كلامي، وأتحدث ما كنتُ أستحي منه قبل ذلك، وغير ذلك من الأمور التي أستغرب أنا شخصياً من فعلها، وهذا التحول له أسباب منها:

    أولاً: أنا أسكن مع شابين لا يحلون حلالاً ولا يحرمون حراماً إلا نادراً، ويستمعون الغناء والموسيقى والتلفاز بكثرة، وقد جاهدتهم ولكن أصبحت أخوض معهم، ليس عندي وقت لحضور دروس العلم، ووجدت الناس قلوبهم مغلقة وقاسية ولا هم له سوى جمع المال، لا أجد أصدقاء يعينوني على طاعة الله، وكذلك فإنني أبيع العطورات، وتدخل علي النساء وهن على كل شكلٍ وقد تطلب الواحدة مني وتقول: هل تبغي؟ فإذا وجدتني أصمت من هول الصدمة تلاحقني، وتقول: هات مائتين ريال وهيا، وفي مواجهة هذه الفتنة قمت بأعمال العادة السرية التي لم أستعملها في حياتي، وأنا الآن بعيدٌ عن أهلي إلى آخر الرسالة.

    فتاة تشكو الانتكاس

    وهذه رسالة من فتاةٍ تقول:

    كنتُ أعيش في هذه الدنيا في طاعة الله، وأصلي وأتصدق وأذكر الله عز وجل، وكنتُ أقوم بأعمالٍ كثيرة من الطاعات، ولكن الآن انقلب أمري رأساً على عقب، فصرتُ لا أصلي وأكره الصلاة، وقطعت رحمي ونسيتُ أهلي وتشاحنت مع أخواتي على دنيا فانية، واغتبت أختي، وكذلك فإنني الآن حزينة على نفسي أشد الحزن، ولا أدري كيف لا أعود عن خطئي، وأنا الآن غافلة وتراودني المشاعر للتوبة الصادقة، ولقد ظلمت نفسي وضيعتها وأهويتُ بها في الجحيم كل ذلك حدث خلال سنةٍ واحدة، أقطع الصلوات، وصيامي عن الطعام والشراب فقط، كنتُ أقسم مصروف المدرسة بيني وبين الصدقة، والآن لا أخرج شيئاً، وإن سألتني عن لساني فلقد اتخذت الكذب هواية، والغيبة فاكهة، والنميمة وسيلة لأعيش بها، والشتائم والمسبات صارت روتيناً دارجاً لا أستطيع تركه، وإن سألت عما أرى فإنني أرى الأفلام ولا أغض بصري، وأسهر على المسلسلات، وأذني لسماع الموسيقى والأغاني، والحسد قائم، وأنا عاقةٌ لوالدي، وأهملت حتى في الدراسة ... إلى آخر هذه الرسالة الطويلة.

    ورسالة أخرى من شاب من المغرب يقول:

    كنتُ في بيتٍ تربيت فيه تربية دينية وأحافظ على الصلوات منذُ الصغر، وأرافق والدي إلى المسجد وأنا ابن ثلاث سنين، وأتقنت كل العبادات، وأحسست برضا الله ورضا الناس، وكنت الوحيد الذي يدخل المسجد في سن مبكرة كسني، وكانت تلك السنوات أحسنها ما في تاريخ ميلادي، لكن ما أن وصلت إلى سن المراهقة بدأت أتأخر في صفوف المصلين، وفجأةً انقطعت عن الصلوات، ورافقت أصدقاء السوء من حولي، وفارقت بلدي للدارسة فانقطعت عن أهلي ووالدتي، وتولد عندي مرضان خبيثان، مرض حب المال وحب الشهوة! واستعملت ذلك فيما حرم الله ووقعت على الأخص في فواحش الزنا واللواط حتى بالحيوانات والسرقة من الأسرة، وأكل أموال أصحاب الدين، والغش ... وإلى آخره.

    وعرضتُ عن كتاب الله، وانكببت على قراءة الكتب الخليعة ومشاهدة أفلام الجنس، ولم أعمل بأحكام كتاب الله، مع العلم أنني أعرفها تمام المعرفة، وأعرف الفرق بين الحلال والحرام، والمكروه والمستحب، كلما تذكرت ذلك يحترق قلبي ألماً وحزناً حتى دراستي التي كنتُ متفوقاً فيها أصبحت في هذه السنة أنفر منها ... إلى آخر الرسالة الطويلة.

    رسالة من داعية يشكو كثرة المنتكسين

    وهذه الرسالة الأخيرة من داعية من إحدى المدن يقول:

    أكتب إليك هذه الرسالة بمدادٍ من الأسى والحزن، ومزيد من التحرق والتأسف بسبب الواقع المرير الذي تعيشه مدينتنا، الذي يتألم منه كل من في قلبه غيرة على دين الإسلام، ويبكي منه كل من يرى تدهور هذا الحال والرجوع إلى الخلف، وكأننا نسير بعكس ما يسير عليه العالم من الصحوة والرجوع إلى الله، وألخص هذا الواقع في النقاط التالية:

    أولاً: منذُ فترة ونحن نرى حالات كثيرة من الانتكاس والانحراف بين شباب هذه المدينة، فهذا شابٌ سلك الصراط المستقيم منذُ سنتين أو ثلاث، وفي هذه الأيام الأخيرة انتكس وانحرف إلى حالةٍ شديدة، سهر على الحرام ومشاهدة الخنا والفجور وسماع الغناء والمعازف وترك الصلاة، وعقوق الوالدين، وجولات على السيارات في الأسواق .. معاكسات .. تفحيط في الشوارع .. فعل الفواحش ... إلى آخره.

    انتكاس شاب عمره خمس عشرة سنة

    وهذا شابٌ آخر عمره خمس عشرة سنة تقريباً كان في جاهليةٍ وفسق، فبدأ يماشي الشباب الملتزم فترةً ليست بالقصيرة منذُ صغره، وفي هذه الأيام استطاع الشباب الفاسد أن يذهبوا به إلى صفوفهم، وأن يجعلوه واحداً منهم، وصار أسوأ مما كان عليه أولاً، والحالات كثيرة جداً يطول عدها وسردها في هذا المقام: ولكن هذه مجرد أمثلة لهذا التساقط المؤلم، وكثرة الانحرافات التي جعلتنا نتوقع أن أي ملتزم وتائب جديد قد ينحرف بعد فترة قصيرة لما يراه من الواقع المرير، وأصبحنا نخشى على كثيرٍ من الشباب مهما كان عهدهم بالالتزام قديماً.

    ثانياً: لم تنفع المناصحة لمثل هؤلاء المنحرفين ولا الرسالة ولا الشريط الإسلامي ولا المكالمة الهاتفية ولم تجد معهم طريقة.

    في أول الأمر:

    يبدأ بالمجاملات والمداهنة معنا في أول انحرافه ثم يعلنها أخيراً أنه ترك الالتزام وسلك طريق الفسق.

    وكثيرٌ من هؤلاء يعطيهم آباؤهم السيارات ويطلقون العنان لهم في الفساد.

    ثالثاً: ونحن نعتقد أن هناك بعض الأشياء المدبرة من بعض أصحاب السوء من المنافقين، حتى أن بعضاً من الشباب الفاسد يظهر الالتزام مدة قصيرة، ويدخل بين أوساط الملتزمين، ولكنه ينحرف ساحباً معه اثنين أو ثلاثة، وخاصةً من الصغار ... إلى آخر هذه الرسالة.

    وهذه الرسائل تعبر عما نريد أن نتكلم عنه في قضية الانتكاس.

    1.   

    أسباب الانتكاس

    لما تكلمنا عن موضوع الهداية -أيها الإخوة- والأسباب التي تجعل الإنسان يهتدي إلى الله عز وجل، لابد أن نتحدث في المقابل عن قضية الانتكاس التي تصيب بعض الذين يدخلون في هذا الدين ويسلكون سبيل الاستقامة، ونحن لا نريد أن نهول الأمر، ونقول: ليست هذه هي الأكثرية والحمد لله، بل إنه ولله الحمد الذي يدخل في هذا الدين، ويعرفه، قلما يتركه، وإنما الترك يكون من الذين في قلوبهم مرض ولا شك في ذلك، ممن في قلبه مرض من الأمراض فيترك الالتزام بهذا الدين، أما إنسان دخل الدين وعرفه وعرف الحق وذاق حلاوة الإيمان وجاهد نفسه، فإن الله لا يضله، فالله رحيم بعباده.

    ومسألة الانتكاس هذه مسألة نسبية، فمن الناس من يرتد عن الدين، بمعنى يخرج منه بالكلية، فيصبح كافراً بعد إسلامه: وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ [البقرة:217] وبعض هؤلاء قد يكفرون بترك الصلاة بالكلية مثلاً، أو سب الدين والاستمرار على ذلك، أو غير ذلك من المكفرات، وبعض الناس يترك الالتزام إلى الفسق فيعمل بعض المنكرات والمحرمات يقع فيها مرةً أخرى، فيعود إلى أمور من الشهوات المحرمة، أو الأشياء الأخرى كأن يحلق لحيته ويدخن ويسمع الأغاني ويشاهد الأفلام وهكذا.

    ومن الناس من لا يفعل المحرمات لكنه يبرد بروداً ويفتر فتوراً مذموماً، فبعد أن كان داعية إلى الله نشيطاً يطلب العلم، أصبح غير طالب للعلم ولا داعية إلى الله، يعني: يترك واجبات من الدين، فيكون مقصراً ويقول: أنا أريد أن أصبح مسلماً عادياً، وطبعاً هذا في الغالب يترك النوافل والمستحبات كقيام الليل وقراءة القرآن والصدقة والذكر تخف عنده جداً، وبعض الناس قد يترك المستحبات فترة لفتور ثم يعود مرةً أخرى، هذا وضع طبيعي، أقصد: أنه في دائرة المقبول: (فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى) إذا كان الفتور لا يجعلك تترك واجباً، أو ترتكب محرماً فأنت بخير، لكن النظر الآن في الانتكاس في هؤلاء الذين يعودون ويرتدون على أدبارهم.

    لقد حفل التاريخ بقصص وأنواع من الناس الذين ارتدوا على أدبارهم، كالكاتب النصراني الذي أسلم وكان عند النبي صلى الله عليه وسلم فترة ثم ارتد، والناس الذين ارتدوا بسبب حادثة المعراج التي لم تقبلها عقولهم وتصدقها فارتدوا، وبعض الناس الذين ذهبوا إلى مكانٍ بعيد، كما تنصر عبيد الله بن جحش لما ذهب إلى الحبشة ، إن هؤلاء ومثلهم الذين دخلوا في هذا الدين هو ينطبق عليهم قول الله عز وجل: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ [الأعراف:175-176] إذاً هو الذي اتبع هواه: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ [الأعراف:176] لابد أن يعلم المنتكس أن الله ناصرٌ دينه مهما حصل من حالات الانتكاس: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [المائدة:54].

    وهدد الله هؤلاء المنتكسين المرتدين على أدبارهم بقوله: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ [محمد:38].

    نقول: أيها الإخوة! إن اتساع الصحوة وانتشارها جعل هناك حالات كثيرة من الدخول في طريق الهداية، وتسببت بعض الأشياء في خروج بعض الذين دخلوا من طريق الهداية مرةً أخرى.

    عدم معرفة الدين كاملاً يسبب الانتكاس

    ونريد أن نتكلم عن بعض الأسباب التي تؤدي إلى هذا الأمر، ونتحدث ونحن نعلم أن الله سبحانه وتعالى لا يضل إنساناً يريد الهداية، ولعل من أعظم الأسباب:

    أن بعض هؤلاء المنتكسين لما دخلوا في طريق الهداية دخلوا في أوله، لم يدخلوا فيه بالكلية، وإنما ذاقوا شيئاً من الحلاوة، عرفوا شيئاً من الحق، عرفوا شيئاً من العلم، لكنهم لم يسلكوه كما ينبغي وكما يجب، ولذلك الذي بدأ في أول الطريق يسهل عليه أن يعود، بخلاف الذي دخله دخولاً تاماً، فنجد أكثر هؤلاء المنتكسين الذين ينتكسون بعد فترة وجيزة من التزامهم، وليس الأكثرية الذين ينتكسون بعد فترة طويلة من الالتزام، أناس تغير واقعهم فترة وجيزة من الزمن، أطلق لحيته، حافظ على الصلوات في المسجد، بدأ يقرأ بعض الكتب، يسمع بعض الأشرطة، يحضر بعض الدروس، ثم بعد ذلك يرجع مرةً أخرى وينتكس، هذا الشخص ما فقه دين الله عز وجل، ولا دخل نور الإيمان في قلبه كما ينبغي، هذا عرف طرفاً وعرف شيئاً وذاق شيئاً، ثم رجع مرةً أخرى.

    خطأ الاقتداء والتعلق بغير المنهج الإسلامي

    ونقول: إن السبب في كثير من الحالات هو خطأ الاقتداء، فبعض هؤلاء دخل في طريق الهداية لارتياحٍ عاطفي، أو تعلقٍ بشخص (بشخصه) لا بمنهجه ودينه، تقبل الأحكام؛ لأنه خرجت من فم فلان، يصبح فلان كأنه هو الوسيط بينه وبين الله، فإذا ابتعد فلان أو سافر حدثت المشكلات وصار الانقلاب، وإذا رجع فلان تحسنت أحواله، نقول: إن فساد الاقتداء هو سبب انتكاس هذا الشخص، وبعض الناس يكون عنده من يسانده من قريب أو صاحب فإذا غادره ابتعد عنه وحصلت الزلزلة والانتكاس، إن هذا لم يعتصم بالله، ولم يقبل على الله، إنه لم يأوِ إلى ركنٍ شديد، ولذلك تراجع، ولذلك قضية التعلق بالأشخاص دائماً من الأسباب التي تكون في الانتكاس: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً [آل عمران:144] ينبغي أن يكون التدين لله.

    سلوك طريق الهداية لأغراض فانية

    ومن الأسباب أيضاً التي تكون الانتكاس: أن يكون دخول بعض الناس في هذا المشوار طريق الهداية لأجل تحصيل منفعة دنيوية، كما يدخل بعضهم في جمعيةٍ أو نشاطٍ إسلامي، يبتغي السمعة أو الدرجات ونحو ذلك، أو أنه يريد أن يخطب فتاةً أو امرأةً فيتبين فترة من الزمن حتى إذا سألوا عنه قالوا: صاحب دين، أو أنه يريد أن يدرس في كليةٍ شرعية ولا يناسب الحال أن يكون مظهره منحرفاً فهو يريد أن يتوصل إلى وظيفة في القضاء أو غير ذلك، فيغير من شكله أو طريقته لأجل المنصب والوظيفة، هذا الشخص ما غير لله، إنما غير لطمع ومنفعة دنيوية، ولذلك فإن الانتكاس غالب في حال مثل هؤلاء الأشخاص.

    والذين يدخلون الدين ويتوقعون أن ينتفعوا، وأن يقدم لهم الآخرون الخدمات، هؤلاء الأشخاص ما دخلوا في الدين لله، ولذلك فإن رجوعهم متوقع وليس بغريبٍ أبداً، بل هو الأقرب، لذا لابد للإنسان إذا دخل في الدين أن يدخل لله، وأن يجرد نفسه من جميع المطامع الدنيوية، ليس الدخول في البداية -أيها الإخوة- تجربة لكي يقول الشخص: أفعل وأقرر بعدها ماذا أفعل؟! بل هو الخيار الوحيد الذي ليس لك غيره، لأنه ليس ثم إلا النار بعد ذلك.

    عدم التخلص من شوائب الماضي

    وبعض الناس يكون من أسباب انتكاسهم أنهم لا يخلصون أنفسهم من شوائب الجاهلية بالكمال، فيدخل في الدين ويدخل معه أنواعاً من المنكرات يقيم عليها وتكون هذه المنكرات سبب انتكاسهم في المستقبل، فمن ذلك ألا يقطع الصلة بأصحاب السوء، مع أن قطعها واجب، والرجل العالم لما نصح قاتل المائة بالخروج من البلد بماذا نصحه؟ لأن البلد بلد سوء، اذهب إلى قرية كذا وكذا فإن فيها أناساً يعبدون الله، فاعبد الله معهم، لا يصلح أن يكون الشخص كالشاة الحائرة بين الغنمين، يذهب إلى هؤلاء ثم إلى هؤلاء، يلقى هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه، هذا لا يجوز، لابد أن يقطع الصلة بأصحاب السوء والماضي السيئ، لا يجوز أن يبقي شيئاً يذكره بالماضي السيئ، فإن بقاءه سبب من أسباب الغواية والرجوع إلى الفساد.

    ثم إن الشخص الذي يدخل في الهداية لابد أن يوطن نفسه على التربية، لا بد أن يتربى على هذا الدين، يتعلم هذا الدين، يمارس العبادات، يدخل مع الرفقة الطيبة، يعمل للإسلام، العمل للإسلام من أكبر المثبتات التي تثبت الشخص؛ لأنه يكون في حالة هجوم، بينما لو قعد وقال: أنا أريد أن أكون مسلماً عادياً هذا ستتناوشه المهلكات من كل جانب، ولذلك ينبغي أن يمارس الإنسان التربية في نفسه .. طلب العلم .. الدعوة إلى الله عز وجل، إذا مارس ذلك حافظ على نفسه من الانتكاس.

    عدم الإكثار من سماع المواعظ

    وكذلك فإنه لا يصلح أن يكون السبب الذي يبقينا في دائرة الهداية هو أثر من موعظةٍ سابقة دون ازدياد من مواعظ أخرى، أو أثر من علمٍ سمعناه دون ازدياد من العلم، أو أثر من أخوةٍ طيبة دون الازدياد منها، لابد من الازدياد وتأسيس النفس على تقوى من الله ورضوان.

    الانعزال عن الرفقة الصالحة

    ثم إن بعض الناس الذين يميلون إلى الفردية، ولا يريدون أن يعيشوا في جو الأخوة الإسلامية والجماعة الطيبة والرفقة الصالحة، هؤلاء من أكثر الناس تعرضاً للانتكاس، فهذا الدين قائم على أن يكون المؤمنون كالجسد الواحد، والله سبحانه وتعالى امتن على عباده بأن ألف بين قلوبهم، ولذلك يا أيها الإخوة! قلنا في أول محاضرة عندما تكلمنا عن تذكير النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار: (كنتم ضلالاً فهداكم الله بي) كانوا متفرقين فألفهم الله وجمعهم بالنبي صلى الله عليه وسلم، فهذا دين جماعي، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية.

    ولابد أن يعلم الشخص كذلك أن الالتزام ليس له حدٌ محدد والهداية ليس لها حدٌ محدد، فلابد أن يستمر في العمل، لسنا كـالصوفية الذين يقولون: إذا وصلت إلى مرتبة اليقين سقطت عنك التكاليف، لا شيء اسمه سقوط التكاليف، لابد أن نستمر في العبادة.

    الآفات القلبية سبب للانتكاس

    وكذلك من الأمور المهمة: أن نطهر أنفسنا من الآفات القلبية؛ فالآفات القلبية خطيرة جداً، فمثلاً: العجب .. الغرور .. الكبر، هذه الأمور التي تكون عند بعض الناس ولا تظهر؛ لأنها خفية خصوصاً إذا صار معها شهوات خفية، كحب الرئاسة، وحب الظهور، لابد أن تؤدي إلى قضايا من مراءاة الخلق، وإلى التعاظم والانتكاس في النهاية، كما حصل لبعض الناس الذين كان بعضهم من أهل العلم، لكن بسبب ما كان في قلوبهم من هذه الآفات، حصلت عندهم هذه الانتكاسات، وقد ذكر العلماء حالات من ذلك، قالوا: كان فلان من الذين يطلبون الورع والزهد وقيام الليل واقتفاء آثار العباد، وكنا نجتنب المزاح بحضرته، وبعد ذلك فتن وتراجع وسقط، فتنته إحدى بنات الحرس وألقت عصاها به، فافتتن الرجل وانتكس ورجع، وفلان اختصر كتاب كذا، كان يعلم في القراءات ونحو ذلك وكان مجتهداً ومثابراً على النسخ، ولكن حصل له خذلان وتراجع، جاءت فترة ضعف والرجل ما جاهد نفسه ولا قاوم نفسه، فنسي كل شيء.

    وآخر عشق فتىً نصرانياً حتى ترك العلم وأهل العلم، حتى ألف لهذا النصراني كتاباً في تفضيل التثليث على التوحيد.

    فإذاً هذه القضايا الداخلية قضايا خطيرة جداً، لابد أن تعالج من البداية، فإذا تركت قضية العجب والغرور وحب الرئاسة فإنها تستفحل وتستشري وتقضي على الشخص في النهاية.

    الشعور بالكمال سبب في الانتكاس

    وكذلك من أسباب الانتكاس إحساس بعض الناس أنه صار كاملاً لا ينقصه شيء، ولذلك يكون هذا من أسباب كبره وعجبه بنفسه، فيسقط بعد فترة من الزمن.

    وكذلك الحسد، فكم تسبب في فتنة أناس، والتساهل واتباع الرخص واحتقار الصغائر من الأسباب التي تؤدي إلى الانتكاس، قيل لبعض أهل العلم: إن فلاناً يبيح الغناء، وفلاناً يبيح النبيذ وفلاناً يبيح كذا، قال: إن الذي يبيح الغناء لا يبيح النبيذ، والذي يبيح النبيذ لا يبيح الغناء، ونحو ذلك، فهذا يتتبع سقطات العلماء ويأخذ بالرخص، ويجمعها معاً فيتبعها.

    فهذا العالم أخطأ، سواء أخطأ لجهل أو هوى أو أخطأ لاجتهادٍ خاطئ، وإذا تتبعت الرخص خرجت من الدين، ولذلك فالذي يقول: والله فلان رخص في الأخذ من اللحية، وفلان رخص في الغناء إذا كان ما فيه أشياء من وصف النساء، والموسيقى إذا صارت هادئة لا بأس ونحو ذلك من الأشياء، فإن هذا هو بداية الانتكاس بل هو الشروع في الانتكاس فعلاً، إن تتبع الرخص من المشكلات والقضايا الخطيرة التي أودت بأشخاصٍ كثيرين وأوصلتهم إلى معسكر أهل الباطل.

    عدم هجر قرناء السوء

    ومن الأمور التي ينبغي الحرص عليها كذلك وتجنبها: عدم مخالطة أهل السوء والاستئناس بهم، وعدم القعود معهم، لا يجوز أن نقعد معهم لغير حاجة شرعية، مصلحتها راجحة، وبعض الطيبين يتساهلون في الجلوس مع أهل الفسق والفجور، ولابد أن يأخذ منهم وأن يتأثر بهم، ولو سألته وقلت: أجبني بصدق: عندما خرجت منهم هل قلبك على الحال التي كان عليها قبل الدخول عليهم؟

    أبداً لا يمكن أن يكون كذلك، وهذه المسألة -الجلوس مع الفسقة إيناساً لهم أو استئناساً بهم- هي من أسباب الانتكاس ولا شك.

    فلا يجوز الجلوس معهم، الله سبحانه وتعالى نهانا عن الجلوس مع هؤلاء.

    وقلنا قبل قليل قضية التهاون بالصغائر، مثل نظرة إلى امرأة أجنبية، تكون هذه هينة، أو مشاهدة شيء محرم يستهين به، ثم يستمر شيئاً فشيئاً كما قال بعضهم: كنت أولاً أرفض أي نوع من أنواع الرشوة ولا أقبل أي هدية، ثم قال: صرت أنتقي أقول: هذا يمكن ما يتأثر ولا يطلب مني شيئاً يتعلق بالوظيفة فآخذ منه، ثم فتحت المجال قليلاً فصرت آخذ بشروط، أقول: هات هدية هات كذا لكن بشرط أن لن أفعل خدمة، ثم تنازلت عن الشرط وفي النهاية قال: صرت أنتقي الهدايا انتقاءً وأشترط في النهاية، أقول: لا بد أن تأتي لي بكذا.

    فالناس الذين يتساهلون في البداية يتسع الخرق عليهم في النهاية، ولذلك لنجتنب الصغائر وهي محقرات الذنوب؛ لأن الإنسان يحتقرها وهي التي تورد المهالك: (يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه) وبعض الناس يقول: أترك حضور اجتماع العمل لأجل الصلاة ماذا يقولون عني؟ قد يكتب فينا المدير تقريراً سيئاً، قد يخصم علي كذا، أو أمنع من الترقية، طالب يحضر فيلماً في موسيقى ويتساهل في ذلك يقول: يخصم علي درجات أو يسجلني غائباً أو يستهزئ بي الطلاب في الفصل، نقول: هذه بداية التنازلات، أيها الإخوة! سلم التنازلات لا ينتهي، والإنسان إذا تعود واستمرأت نفسه التنازل سهل الذي يليه، وهكذا حتى يقع في النهاية.

    الاشتغال بالدنيا

    من أسباب الانتكاس: الاشتغال بالدنيا، فبعض الناس كانوا عباداً زهاداً أتقياءً دعاة، يطلبون العلم، اشتغلوا بالتجارة، وبعضهم ربما اشتغل بالتجارة لسبب ديني أن يقول: أكسب عيشاً حلالاً وأتصدق وأدعم المسلمين بدلاً من أن أترك الفسقة يعملون أنا أدخل في التجارة، لكن لا يدخل بمقدمات صحيحة، ولا بعهدٍ متين مع الله، ولا بنفسية خالية من الشح، ولكنه يدخل على وهنه، ويتغير شيئاً فشيئاً، حتى يكون في النهاية بعض الناس المتساهلين من التجار أحسن منه وأكثر صدقاتٍ منه، ويتوسع ويتوسع حتى يقع في الحرام، ويترك الواجبات وقد لا يخرج صدقة فصدقاته شحيحة، لو قارنت نسبة الصدقات التي كان يتصدق بها وهو طالب لوجدت رصيد التصدق وهو طالب أكثر مما تصدق وهو تاجر: وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [التوبة:75-76].

    فانتبهوا يا أيها المشتغلون بالتجارة المقبلون على الدنيا أو طلب الوظائف الكثيرة، أو العمل في أكثر من وظيفة، لربما تكون هذه الوظائف سبباً في فتنتك وانتكاستك، ولا تجد وقتاً للعبادة، إن الضرورة لها حالات، لكن الذي يقبل للتوسع في الدنيا يكون هذا من أسباب انتكاسه، وبعض الناس ينتكسون بسبب التخويف والإرجاف، فيسمع عن حالات، أو يسمع عن تعذيب، وسجن ونحو ذلك وابتلاءات وقعت لبعض الناس فيخاف ويخشى الناس وينسحب! ينبغي أن يكون حالنا كما قال الله: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران:173]، هذا هو الحال، لا أننا إذا سمعنا الأخبار أو تطايرت الأنباء، خفنا وجبنا وتراجعنا وانسحبنا، أو إذا حصل لأحدٍ شيء خاف الآخرون وتركوا التمسك بالدين، هذا فعل الذي لم يثبت، ولم يشأ الله أن يثبت قدميه على طريق الهداية.

    السفر إلى بلاد الكفار

    ثم إن من الأمور المهمة التي ينبغي أن تجتنب حتى لا يقع الانتكاس: ترك الصحبة الطيبة والابتعاد عنهم، كم كانت الإجازات والسفر إلى الخارج والابتعاد عن أهل الخير في هذه السياحة ونحوها من الأمور التي أردت بأشخاص كان لهم فضل ودين وعلم ودعوة في أسفل السافلين! ورجعوا وقد تغيروا بعضهم أسبوعين، أحدهم ذهب إلى أمريكا دورة أسبوعين فقط، كان يعبد الله وحالته طيبة ورجع مقلوباً رأساً على عقب، معجب بالكفار أيما إعجاب، ماسك للشوكة باليسار والسكين باليمين، وقد كان قبل قليل -أسبوعين- يعرف السنن ويقوم بالعبادات، وهو الآن رجع منقلباً تمام الانقلاب، فنقول: لا شك أن الذهاب إلى بلاد الكفار بشكل عام وكذلك الابتعاد عن الطيبين بشكل خاص من أسباب الانتكاس.

    بعض الأقارب يكون فيهم فسق، فيضغطون على الإنسان وينتقدونه ويهاجمونه ويقاطعونه ويحرمونه من العطايا وربما من الإرث ومن المصروف وربما طردوه من البيت وتعاونوا عليه، وجعلوا المغريات أمامه، وجلبوا الأفلام إليه والصور وأمروه بمصافحة بنت عمه أو بنت خاله ونحو ذلك، أو أن هذه تشد أمها الحجاب من على رأسها، وتراقبها عند الخروج من البيت تتأكد هل هي مستمرة في عدم الحجاب أم لا، هذا الإكراه الذي يحدث لابد أن يستعين فيه الإنسان بالله، وأن يعتصم بالله عز وجل.

    نعم. إنه لا يأثم إذا أكره، لكن لابد أن يكرهه بقلبه، بعض الناس يزول كراهية المنكر بقلبه إذا أجبر عليه وهذه خطورة، نحن لا نقول: يأثم إذا أكره لكن لابد أن يستمر على كره هذا المنكر في قلبه، وأن يصبر على هذه الفتن وعلى هذه المحاكمات التي قد يعملونها له، أو يشهرون به في المجالس ويستهزئون به فيعلم أن هذه سنة المرسلين، وتعلم المرأة التي هددها زوجها بالطلاق لنزع الحجاب أن الدنيا ابتلاءات وأنها فتن، فتصبر على ذلك.

    وكذلك أيها الإخوة: فإننا أيضاً نذكر في هذا المجال بقضية طاعة الله عز وجل إذا خلا الإنسان بنفسه، وأن الخلوة بالنفس ينبغي أن يكون الإنسان فيها مستحضراً لمراقبة الله عز وجل له، وأن يعلم أن الله مطلعٌ عليه، ناظرٌ إليه، يرى حركاته وسكناته، ولابد على الإنسان إذا أحس بشيءٍ أن يرجع، إذا قصر في صلاة الفجر أن يعود مرةً أخرى، ثم إننا نوصي الدعاة إلى الله عز وجل بالحكمة في معالجة المنتكسين بالصبر والمواصلة والتذكير بالماضي وانتقاء الأشخاص المؤثرين الذين لا يكرههم الشخص ولا زالت تربطهم به علاقةٌ طيبة.

    ونذكر بالقاعدة في الهجر، القاعدة الشرعية: إذا أدى الهجر إلى منكرٍ أكبر وساءت أحوال الشخص أكثر لا يجوز الهجر، وإذا كان الهجر علاجاً يرده فالهجر يكون هجراً شرعياً، وقلَّ من الناس من يفقه ذلك.

    ولابد لأهل التربية أن يربوا الناس على دين الله عز وجل، وليس على التعلق بالشخصيات، لابد أن تكون الأسس قوية، والإنسان كذلك أن يذكر الناس الذين فيهم ضعف، أنه مهما رأى المنتكسين من حوله والمتساقطين، فإن ذلك لا يصلح أن يدفعه للتشبه بهم أو أن يبرر انتكاسه بهذا أبداً.

    إذا نوقش واحد من هؤلاء يفوته الظهر والعصر لينام وقد يكلم النساء بالهاتف فإذا نوقش قال: فلان كذا.. أنت تكلمني بينما فلان يفعل ذلك، وفلان انتكس، وفلان كان ملتزماً وانتكس، فنقول: هذه محاولة التبرير فاشلة لا تصلح أبداً ولا تكون عذراً عند الله سبحانه وتعالى.

    ونسأل الله عز وجل أن يهدينا وإياكم الصراط المستقيم. وأن يثبتنا على الدين القويم، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا. وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.