اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , بين الهداية والانتكاس للشيخ : محمد المنجد


بين الهداية والانتكاس - (للشيخ : محمد المنجد)
الهداية منة من الله على كثير من عباده، ولها أسباب منها: العلم.. الإيمان.. التوبة.. المجاهدة.. الرفقة الصالحة...كما أن للهداية عوائق كثيرة منها: الاحتجاج بالمشيئة.. تكرار الوقوع في المعصية.. التسويف… وقد تحدث الشيخ عن قصص بعض التائبين، ثم انتقل إلى موضوع الانتكاس، وعرض في بداية كلامه عن الانتكاس بعض الرسائل التي يشكو أصحابها الانتكاس، ثم تحدث عن أسباب الانتكاس.
مقدمة في الهداية وفضلها
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1].يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].أما بعد:أحييكم -أيها الإخوة- في مطلع هذا الموسم من الدروس وأقول لكم: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل لقاءنا هذا لقاءً في طاعته، وأن يجعل مجلسنا هذا مجلساً مباركاً ونافعاً لنا جميعاً، وأن يجعل ما نسمع حجة لنا لا علينا.يجدد الإنسان إيمانه بحلق الذكر وملاقاة إخوانه، والعودة لما كان متعوداً عليه من الطاعات والعبادات التي كان يمارسها في مكانٍ معين، كالمدرسة أو الجامعة، ونحو ذلك من الأنشطة الإسلامية، ولا شك أن مثل هذه العودة في بداية العام الدراسي لها أثرٌ في النفس، والعبد دائماً ينبغي أن يتقلب في مواسم الطاعات والعبادات، فسواء كان في عملٍ أو وظيفةٍ أو إجازةٍ فإنه يعبد الله سبحانه وتعالى.ودرسنا في هذه الليلة: بين الهداية والانتكاس، هذا الدرس هو انطلاقٌ من الحقيقة التي أقسم الله عليها بعدة أقسام في كتابه الكريم فقال الله عز وجل: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا [الشمس:1] يعني: ضوءها وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا [الشمس:1-5] أي: ذات البناء أو ومن بناها؟ فيكون قد أقسم بنفسه: وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا [الشمس:6] يعني: دحاها وبسطها وقسمها: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا [الشمس:7] يعني: خلقها مستقيمة على الفطرة القويمة: فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس:8] بين لها طريق الخير والشر، وهنا يأتي جواب القسم: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10]. قال بعض أهل العلم من المفسرين: زكاها: أي: زكى نفسه بطاعة الله وطهرها من الأخلاق الرديئة والرذائل، ودساها: يعني: أخملها بخزيانه إياها عن الهدى حتى ركب المعاصي وترك طاعة الله عز وجل، فالشاهد قوله سبحانه: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10].فمن زكاها: فهذه هي الهداية، ومن دساها: فهذا هو الانتكاس، بين الهداية والانتكاس.
 هداية النفس تزكيتها
ونتحدث أولاً عن الهداية في هذه التزكية التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يسألها ربه كما جاء في صحيح مسلم : (اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنتَ خير من زكاها، أنت وليها ومولاها) الهداية المقصودة: هي الهداية التوفيقية التي هي من الله، وهي أعظم نعم الله على العبد، وهي التي اختص الله بها: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص:56].يحبب إلى العبد الإيمان، ويكره إليه الكفر والفسوق والعصيان، هذه هي الهداية التي لا يملكها إلا الله عز وجل، وهي المقصودة لقوله تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت:69] وهي المعنية في قوله عز وجل: وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [يونس:25].والهداية يا إخواني منةٌ من الله على عباده، كما قال عز وجل: بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ [الحجرات:17].. كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ [النساء:94].وقد استشعر الصحابة هذا المعنى وهو أن الهداية منة من الله ونعمة، ولذلك جاء في صحيح البخاري عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه، قال: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر فسرنا ليلاً، فقال رجلٌ من القوم لـعامر بن الأكوع ، ألا تسمعنا من هنيهاتك؟ -وكان عامر رجلاً شاعراً- فنزل يحدو بالقوم يقول:اللهم لو لا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا فاغفر فداءً لك ما اقتفينا وثبت الأقدام إن لاقينا فلما سمعه النبي صلى الله عليه وسلم، قال: من هذا؟ قالوا: عامر ، فقال: يرحمه الله).وأعظم منةٍ من الله على نبيه صلى الله عليه وسلم هي الهداية كما قال الله عز وجل وعدد نعمه على نبيه صلى الله عليه وسلم: وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى [الضحى:7-8].وبين النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة هذا فقال عندما جمع الأنصار في الخطبة المؤثرة المشهورة: (يا معشر الأنصار! ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟ وعالةً فأغناكم الله بي؟) فبدأ أولاً بذكر الهداية من الضلالة، فالضلالة هي: الشرك، والهداية: الإيمان، وثنى بالتأليف والجمع وثلث بالغنى والمال، فرتب النعم ترتيباً بالغاً.وأهل الجنة حينما يدخلون الجنة يحمدون الله على نعمة الهداية التي هداهم في الدنيا: وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ [الأعراف:43].قال الطبري رحمه الله: الحمد لله الذي وفقنا للعمل الذي أكسبنا هذا الذي نحن فيه من كرامة الله وفضله وصرف عذابه عنا، هذه الهداية من الله يقذفها في قلوب من يشاء من عباده، وأحياناً يهتدي الشخص فجأةً بين عشيةٍ وضحاها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح في شأن المهدي قال: (المهدي منا أهل البيت يصلحه الله في ليلة) فـالمهدي حقاً سيخرج وهو من أشراط الساعة ويحكم سبع سنين، يملأ الأرض عدلاً، كما ملئت ظلماً، ويعطي المال بدون عدٍ ولا إحصاء، وإنما يحثو حثيه، هذا الرجل يصلحه الله في ليلة، الهداية ليست لها قاعدة ولا مكان، فإن الله سبحانه وتعالى قد يهدي الرجل في أفسق الأماكن، وقد يضل بعضهم في مكة، فكثيرون من الناس ذهبوا إلى أمريكا فأضلهم الله، وبعضهم ذهبَ إلى هناك فهداه الله، فهذا شيء من الله لا يملكه أحد: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص:56].
أسباب الهداية
لكن للهداية أسباب كثيرة فمنها:أولاً: العلم؛ العلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته، فمن أراد الهداية فلا بد أن يكون عالماً بالله وأسمائه وصفاته: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد:19] وأن يعلم حق الرب على عبده وهو: أن يعبده لا يشرك به شيئاً.ثانياً: الإيمان، فهو من أعظم أسباب الهداية، الإيمان الذي هو الاعتقاد والتصديق بالجنان، والنطق باللسان، والعمل بالأركان، الذي يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان، وقال الله عز وجل: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ [التغابن:11].إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ [يونس:9] فالإيمان من أعظم أسباب الهداية.ثالثاً: الدعاء: وهو العبادة ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60] ونحن نقول في الصلاة: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6] دلنا على الصراط المستقيم، وفقنا لطريقة الشرع وزدنا هدى، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد قال لـعلي رضي الله عنه: (يا علي ! سل الله الهدى والسداد، واذكر بالهدى هدايتك الطريق، وبالسداد تسديدك السهم) فضرب له المثل الحسي: إذا سألت الله الهداية تذكر كيف إذا خرجت إلى مدينة أو بلد سلكت طريقاً فإنك تجتهد في معرفة الطريق والاستدلال إلى المكان، وعدم الضياع عن هذا الطريق وفقدانه، وتذكر بطلبك السداد، تذكر بالسداد تسديدك السهم، فإن الذي يسدد يصوب ويجتهد. ومن أسباب الهداية: التوبة، كما قال الله عز وجل: وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ [الرعد:27] فإذا أناب العبد هداه الله سبحانه وتعالى.السبب الخامس من أسباب الهداية: المجاهدة؛ يقول الله سبحانه: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت:69] والمجاهدة على نوعين: مجاهدة النفس، ومجاهدة الشيطان، وأيضاً جهاد أعداء الله، فأما مجاهدة النفس فهي أنواع، فمنها: مجاهدة النفس على تعلم الهدى، وثانياً: مجاهدة النفس على العمل بالعلم، وثالثاً: مجاهدة النفس على الدعوة لهذا العلم، ورابعاً: مجاهدتها على الصبر على الأذى في سبيل الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.وأما مجاهدة الشيطان فإنها تكون بأمرين:مجاهدة الشيطان بالشبهات التي يلقيها في نفس العبد، وكذلك مجاهدته على الشهوات التي يلقيها في نفس العبد ويثيرها.ومن أسباب الهداية أيضاً: الجماعة الطيبة، قال الله عز وجل: قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى [الأنعام:71] وكيف يقتنع الشخص بأن الهداية هي مصلحته؟بأن يعلم أنه هو المستفيد من الهداية ليس الله عز وجل، وأنه هو المتضرر من الضلالة وليس الله عز وجل: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ [يونس:108].وجاء في الحديث القدسي: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجلٍ واحدٍ منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً).وهذه الهداية التي يقذفها الله سبحانه وتعالى في قلب من يشاء من عباده قد تكون عقب أمرٍ من الأمور وشيءٍ من الأشياء، فبعض الناس قد يهتدي من خطبة أو محاضرة، أو موعظة، أو دعاء تراويح، أو بعد حجٍ أو عمرةٍ، وبعضهم يهتدي لرؤيا يراها أو حادث يصيبه أو مصيبة كفقد وظيفته، أو موت قريبٍ، أو يمرض مرضاً تضعف نفسه فيه فيرجع إلى حقيقة أمره، ويفكر في شأنه فيهتدي، وبعضهم يهتدي بنصيحة أو دعوة يدعو بها رجل، وبعضهم يهتدي من رؤيةٍ نكبات المسلمين وما أصابهم، وبعضهم يهتدي بمرافقة الرفقة الطيبة، وبعضهم يكون مهتدياً من صغره، لتربيةٍ طيبةٍ في البيت. وأسباب الهداية كثيرة والتي يجعلها الله سبحانه وتعالى سبباً لدخول هذا النور إلى قلب العبد، وربما لو أنكم عدتم بأذهانكم إلى الوراء كل واحدٍ منكم، ففكر في السبب -إذا كان مستقيماً- الذي به أدخل الله الإيمان إلى قلبه، لوجد قصةً أو حادثةً كانت كذلك، ويمكنكم المشاركة بكتابة هذا الأمر من سببٍ عجيبٍ أو قصةٍ مؤثرة كانت سبباً في هدايتك أو هداية شخصٍ تعرفه، لنرى في الختام أمثلة واقعية من هذه الأشياء فيتعجب العبد من أقدار الله سبحانه وتعالى، وقد تكون الهداية بحدث تعقبه الهداية فوراً، وقد يهتدي الإنسان تدريجياً كما إذا دخل في وسطٍ طيب، فإنه يبدأ بالتأثر وممارسة العبادات وهكذا حتى يصل إلى الهداية والاستقامة والالتزام بشريعة الله سبحانه وتعالى، فقد لا يحس بالنقل المفاجئ بين عشية وضحاها ولكن يصل إلى المطلوب.
 هداية النفس تزكيتها
ونتحدث أولاً عن الهداية في هذه التزكية التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يسألها ربه كما جاء في صحيح مسلم : (اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنتَ خير من زكاها، أنت وليها ومولاها) الهداية المقصودة: هي الهداية التوفيقية التي هي من الله، وهي أعظم نعم الله على العبد، وهي التي اختص الله بها: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص:56].يحبب إلى العبد الإيمان، ويكره إليه الكفر والفسوق والعصيان، هذه هي الهداية التي لا يملكها إلا الله عز وجل، وهي المقصودة لقوله تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت:69] وهي المعنية في قوله عز وجل: وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [يونس:25].والهداية يا إخواني منةٌ من الله على عباده، كما قال عز وجل: بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ [الحجرات:17].. كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ [النساء:94].وقد استشعر الصحابة هذا المعنى وهو أن الهداية منة من الله ونعمة، ولذلك جاء في صحيح البخاري عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه، قال: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر فسرنا ليلاً، فقال رجلٌ من القوم لـعامر بن الأكوع ، ألا تسمعنا من هنيهاتك؟ -وكان عامر رجلاً شاعراً- فنزل يحدو بالقوم يقول:اللهم لو لا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا فاغفر فداءً لك ما اقتفينا وثبت الأقدام إن لاقينا فلما سمعه النبي صلى الله عليه وسلم، قال: من هذا؟ قالوا: عامر ، فقال: يرحمه الله).وأعظم منةٍ من الله على نبيه صلى الله عليه وسلم هي الهداية كما قال الله عز وجل وعدد نعمه على نبيه صلى الله عليه وسلم: وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى [الضحى:7-8].وبين النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة هذا فقال عندما جمع الأنصار في الخطبة المؤثرة المشهورة: (يا معشر الأنصار! ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟ وعالةً فأغناكم الله بي؟) فبدأ أولاً بذكر الهداية من الضلالة، فالضلالة هي: الشرك، والهداية: الإيمان، وثنى بالتأليف والجمع وثلث بالغنى والمال، فرتب النعم ترتيباً بالغاً.وأهل الجنة حينما يدخلون الجنة يحمدون الله على نعمة الهداية التي هداهم في الدنيا: وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ [الأعراف:43].قال الطبري رحمه الله: الحمد لله الذي وفقنا للعمل الذي أكسبنا هذا الذي نحن فيه من كرامة الله وفضله وصرف عذابه عنا، هذه الهداية من الله يقذفها في قلوب من يشاء من عباده، وأحياناً يهتدي الشخص فجأةً بين عشيةٍ وضحاها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح في شأن المهدي قال: (المهدي منا أهل البيت يصلحه الله في ليلة) فـالمهدي حقاً سيخرج وهو من أشراط الساعة ويحكم سبع سنين، يملأ الأرض عدلاً، كما ملئت ظلماً، ويعطي المال بدون عدٍ ولا إحصاء، وإنما يحثو حثيه، هذا الرجل يصلحه الله في ليلة، الهداية ليست لها قاعدة ولا مكان، فإن الله سبحانه وتعالى قد يهدي الرجل في أفسق الأماكن، وقد يضل بعضهم في مكة، فكثيرون من الناس ذهبوا إلى أمريكا فأضلهم الله، وبعضهم ذهبَ إلى هناك فهداه الله، فهذا شيء من الله لا يملكه أحد: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص:56].
أناس عادوا إلى الله
لنتحدث عن بعض القصص من الماضين الذين هداهم الله سبحانه وتعالى، كيف هداهم، وأمثلة عن هذه الأسباب.
 توبة لص في بيت مالك بن دينار
والأمثلة كثيرة جداً من الهداية، لكن هذه قصة أخيرة عن توبة أحد اللصوص: جاء في سيرة مالك بن دينار ، في سير أعلام النبلاء ، قيل: دخل عليه لصٌ -أي: على مالك بن دينار وكان معروفاً بالزهد- فما وجد اللص ما يأخذه فانتبه مالك فنادى اللص قائلاً له: لم تجد شيئاً من الدنيا، فهل ترغب في شيءٍ من الآخرة؟ قال: نعم. قال: توضأ وصلِّ ركعتين، ففعل ثم جلس وخرج إلى المسجد فسئل مالك : من ذا؟ قال: جاء ليسرق فسرقناه.فهذا مثال عن ما يمكن أن ينتقل إليه الشخص من الإجرام إلى الاستقامة، ومن الضلالة إلى الهداية وهذا هو المطلوب، إذا صفت النفوس وأقبلت على الله فإن الله يهدي، وإذا ابتغى العبد أسباب الهداية فإن الله لا يضله، الله عز وجل رحيمٌ بعباده، لا يضل من أراد الهداية، لكن الناس أنفسهم يظلمون بعدم إرادتهم الهداية.
معوقات الهداية
وقد مر معنا من أسباب الهداية: المجاهدة: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت:69].وهذه المجاهدة هي التي خالفها الكثير من الناس فلذلك لا يهتدون؛ أو أنهم يعلمون شيئاً من الشريعة والدين، لكنهم لا يعلمون الكثير ولا يطبقون.
  الخوف من اضطهاد المجتمع والأهل وأذيتهم
ومن عوائق الهداية: خوف الاضطهاد والأذية التي قد تكون من بعض الأقرباء أو أهل البيت، بل قد تكون من الأب والأم والإخوان، أو من زملاء العمل، أو الدراسة، أو الجيران، ونحوهم من أهل الشارع، فيمر المتمسك بالدين بينهم فيستهزئون ويسخرون ويلمزون ويغمزون بمظهره أو لحيته وثوبه، أو حجابها، وربما تعدت الأذية إلى أن يسجن أو يفصل أو يضرب ونحو ذلك من أنواع الاضطهاد والأذية، فنقول: هذه طبيعة هذا الدين: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ [العنكبوت:2].هذا طريق الأنبياء، الجنة حفت بالمكاره، وليس من الصحيح أن تتصور أنك إذا اهتديت فلابد أن تجد الطرق معبدة مذللة، وكل الناس يضربون لك تحية احترام، لا. فإنك ستصاب بسبب التزامك بالدين بأنواع من الأذى، هذا ما حصل للنبي عليه الصلاة والسلام، سبوه وشتموه وخنقوه وبصقوا في وجهه، وجعلوا الشوك في طريقه، وضعوا سلى الجزور على رقبته .. عذبوا أصحابه .. وسلسلوهم بالسلاسل .. قتلوا بعضهم .. جرحوهم وحاصروهم في الشعب .. جوعوهم .. حملوا السلاح عليهم، إذاً الإنسان الذي يتصور أنه إذا اهتدى سيعيش في أمان وسلام، هذا تصور عن هذا الدين وهو تصور ناقص مشوه ليس بصحيح.نعم. ليس بالضرورة أن تحدث لك مشكلات، لكن إذا حدثت فينبغي لك أن تتوقع ذلك، خصوصاً في هذا الزمان الذي هو زمان الغربة؛ غربة الدين، وغربة الإسلام، وبعض الناس يقول: أنا سأجرب الالتزام والدخول في الهداية وأرى، إذا صارت أموري جيدة والناس احترموني أكملت الطريق، وإلا رجعت، هذا الذي يعبد الله على حرف: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الحج:11].كان بعضهم يأتي إلى المدينة يسلم، يقول: نجرب هذا الإسلام، فإن نتجت خيله ورزق ولداً وجاءه مال، قال: هذا دينٌ حسن، وإذا لم تنتج خيله ولا جاءه ولد، ولا رزق مالاً، قال: هذا دين سوء قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ [الحج:11].فنقول: التزامك بالدين هذا يكلفك أشياء كثيرة، فيه مصاعب، وفتن، لا شك في ذلك، يتفاوت الناس فيها، ولذلك لابد من توطين النفس على هذا، أما أن نفر من الواقع ونفر من الزحف لأي أذى نصادفه ونرجع وننتكس ونقول: مالنا وللمشاكل؟ ودعونا من الالتزام بهذا الدين فإنه مشاكل ومصائب، فلا شك أن صاحب هذا مسكين، وهو الخاسر؛ لأن هذه الدنيا زائلة وماضية وعابرة بكل ما فيها من الفتن والاضطهادات والمشكلات، فهي زائلة وعابرة، والحياة الحقيقية في الآخرة: وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [العنكبوت:64].الحيوان: الحياة الأبدية الدائمة المستقرة. وبعد ما عبرنا على بعض الأمور التي تتعلق بالهداية، فإننا نتكلم -إن شاء الله- في الشق الثاني من هذا الموضوع عن قضية الانتكاس.
الانتكاس
قد سبق الكلام في موضوع الانتكاس في بعض المحاضرات الماضية، ونريد أن نجدد بعض المفاهيم والتصورات، وأن نعيد إلى الأذهان بعض القضايا المتعلقة بذلك، ولأبدأ هذا الشق معكم ببعض الرسائل التي جاءتني متنوعة، اخترت منها رسالة من عامل ورسالة من فتاة، ورسالة من شاب، ورسالة من داعية، كلها تتعلق بموضوع الانتكاس.فلنقرأ بعض هذا، ثم نبين بعض الأسباب والعلاجات.
 انتكاس شاب عمره خمس عشرة سنة
وهذا شابٌ آخر عمره خمس عشرة سنة تقريباً كان في جاهليةٍ وفسق، فبدأ يماشي الشباب الملتزم فترةً ليست بالقصيرة منذُ صغره، وفي هذه الأيام استطاع الشباب الفاسد أن يذهبوا به إلى صفوفهم، وأن يجعلوه واحداً منهم، وصار أسوأ مما كان عليه أولاً، والحالات كثيرة جداً يطول عدها وسردها في هذا المقام: ولكن هذه مجرد أمثلة لهذا التساقط المؤلم، وكثرة الانحرافات التي جعلتنا نتوقع أن أي ملتزم وتائب جديد قد ينحرف بعد فترة قصيرة لما يراه من الواقع المرير، وأصبحنا نخشى على كثيرٍ من الشباب مهما كان عهدهم بالالتزام قديماً.ثانياً: لم تنفع المناصحة لمثل هؤلاء المنحرفين ولا الرسالة ولا الشريط الإسلامي ولا المكالمة الهاتفية ولم تجد معهم طريقة.في أول الأمر:يبدأ بالمجاملات والمداهنة معنا في أول انحرافه ثم يعلنها أخيراً أنه ترك الالتزام وسلك طريق الفسق.وكثيرٌ من هؤلاء يعطيهم آباؤهم السيارات ويطلقون العنان لهم في الفساد.ثالثاً: ونحن نعتقد أن هناك بعض الأشياء المدبرة من بعض أصحاب السوء من المنافقين، حتى أن بعضاً من الشباب الفاسد يظهر الالتزام مدة قصيرة، ويدخل بين أوساط الملتزمين، ولكنه ينحرف ساحباً معه اثنين أو ثلاثة، وخاصةً من الصغار ... إلى آخر هذه الرسالة.وهذه الرسائل تعبر عما نريد أن نتكلم عنه في قضية الانتكاس.
أسباب الانتكاس
لما تكلمنا عن موضوع الهداية -أيها الإخوة- والأسباب التي تجعل الإنسان يهتدي إلى الله عز وجل، لابد أن نتحدث في المقابل عن قضية الانتكاس التي تصيب بعض الذين يدخلون في هذا الدين ويسلكون سبيل الاستقامة، ونحن لا نريد أن نهول الأمر، ونقول: ليست هذه هي الأكثرية والحمد لله، بل إنه ولله الحمد الذي يدخل في هذا الدين، ويعرفه، قلما يتركه، وإنما الترك يكون من الذين في قلوبهم مرض ولا شك في ذلك، ممن في قلبه مرض من الأمراض فيترك الالتزام بهذا الدين، أما إنسان دخل الدين وعرفه وعرف الحق وذاق حلاوة الإيمان وجاهد نفسه، فإن الله لا يضله، فالله رحيم بعباده.ومسألة الانتكاس هذه مسألة نسبية، فمن الناس من يرتد عن الدين، بمعنى يخرج منه بالكلية، فيصبح كافراً بعد إسلامه: وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ [البقرة:217] وبعض هؤلاء قد يكفرون بترك الصلاة بالكلية مثلاً، أو سب الدين والاستمرار على ذلك، أو غير ذلك من المكفرات، وبعض الناس يترك الالتزام إلى الفسق فيعمل بعض المنكرات والمحرمات يقع فيها مرةً أخرى، فيعود إلى أمور من الشهوات المحرمة، أو الأشياء الأخرى كأن يحلق لحيته ويدخن ويسمع الأغاني ويشاهد الأفلام وهكذا.ومن الناس من لا يفعل المحرمات لكنه يبرد بروداً ويفتر فتوراً مذموماً، فبعد أن كان داعية إلى الله نشيطاً يطلب العلم، أصبح غير طالب للعلم ولا داعية إلى الله، يعني: يترك واجبات من الدين، فيكون مقصراً ويقول: أنا أريد أن أصبح مسلماً عادياً، وطبعاً هذا في الغالب يترك النوافل والمستحبات كقيام الليل وقراءة القرآن والصدقة والذكر تخف عنده جداً، وبعض الناس قد يترك المستحبات فترة لفتور ثم يعود مرةً أخرى، هذا وضع طبيعي، أقصد: أنه في دائرة المقبول: (فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى) إذا كان الفتور لا يجعلك تترك واجباً، أو ترتكب محرماً فأنت بخير، لكن النظر الآن في الانتكاس في هؤلاء الذين يعودون ويرتدون على أدبارهم.لقد حفل التاريخ بقصص وأنواع من الناس الذين ارتدوا على أدبارهم، كالكاتب النصراني الذي أسلم وكان عند النبي صلى الله عليه وسلم فترة ثم ارتد، والناس الذين ارتدوا بسبب حادثة المعراج التي لم تقبلها عقولهم وتصدقها فارتدوا، وبعض الناس الذين ذهبوا إلى مكانٍ بعيد، كما تنصر عبيد الله بن جحش لما ذهب إلى الحبشة ، إن هؤلاء ومثلهم الذين دخلوا في هذا الدين هو ينطبق عليهم قول الله عز وجل: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ [الأعراف:175-176] إذاً هو الذي اتبع هواه: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ [الأعراف:176] لابد أن يعلم المنتكس أن الله ناصرٌ دينه مهما حصل من حالات الانتكاس: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [المائدة:54].وهدد الله هؤلاء المنتكسين المرتدين على أدبارهم بقوله: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ [محمد:38].نقول: أيها الإخوة! إن اتساع الصحوة وانتشارها جعل هناك حالات كثيرة من الدخول في طريق الهداية، وتسببت بعض الأشياء في خروج بعض الذين دخلوا من طريق الهداية مرةً أخرى.
  السفر إلى بلاد الكفار
ثم إن من الأمور المهمة التي ينبغي أن تجتنب حتى لا يقع الانتكاس: ترك الصحبة الطيبة والابتعاد عنهم، كم كانت الإجازات والسفر إلى الخارج والابتعاد عن أهل الخير في هذه السياحة ونحوها من الأمور التي أردت بأشخاص كان لهم فضل ودين وعلم ودعوة في أسفل السافلين! ورجعوا وقد تغيروا بعضهم أسبوعين، أحدهم ذهب إلى أمريكا دورة أسبوعين فقط، كان يعبد الله وحالته طيبة ورجع مقلوباً رأساً على عقب، معجب بالكفار أيما إعجاب، ماسك للشوكة باليسار والسكين باليمين، وقد كان قبل قليل -أسبوعين- يعرف السنن ويقوم بالعبادات، وهو الآن رجع منقلباً تمام الانقلاب، فنقول: لا شك أن الذهاب إلى بلاد الكفار بشكل عام وكذلك الابتعاد عن الطيبين بشكل خاص من أسباب الانتكاس.بعض الأقارب يكون فيهم فسق، فيضغطون على الإنسان وينتقدونه ويهاجمونه ويقاطعونه ويحرمونه من العطايا وربما من الإرث ومن المصروف وربما طردوه من البيت وتعاونوا عليه، وجعلوا المغريات أمامه، وجلبوا الأفلام إليه والصور وأمروه بمصافحة بنت عمه أو بنت خاله ونحو ذلك، أو أن هذه تشد أمها الحجاب من على رأسها، وتراقبها عند الخروج من البيت تتأكد هل هي مستمرة في عدم الحجاب أم لا، هذا الإكراه الذي يحدث لابد أن يستعين فيه الإنسان بالله، وأن يعتصم بالله عز وجل.نعم. إنه لا يأثم إذا أكره، لكن لابد أن يكرهه بقلبه، بعض الناس يزول كراهية المنكر بقلبه إذا أجبر عليه وهذه خطورة، نحن لا نقول: يأثم إذا أكره لكن لابد أن يستمر على كره هذا المنكر في قلبه، وأن يصبر على هذه الفتن وعلى هذه المحاكمات التي قد يعملونها له، أو يشهرون به في المجالس ويستهزئون به فيعلم أن هذه سنة المرسلين، وتعلم المرأة التي هددها زوجها بالطلاق لنزع الحجاب أن الدنيا ابتلاءات وأنها فتن، فتصبر على ذلك.وكذلك أيها الإخوة: فإننا أيضاً نذكر في هذا المجال بقضية طاعة الله عز وجل إذا خلا الإنسان بنفسه، وأن الخلوة بالنفس ينبغي أن يكون الإنسان فيها مستحضراً لمراقبة الله عز وجل له، وأن يعلم أن الله مطلعٌ عليه، ناظرٌ إليه، يرى حركاته وسكناته، ولابد على الإنسان إذا أحس بشيءٍ أن يرجع، إذا قصر في صلاة الفجر أن يعود مرةً أخرى، ثم إننا نوصي الدعاة إلى الله عز وجل بالحكمة في معالجة المنتكسين بالصبر والمواصلة والتذكير بالماضي وانتقاء الأشخاص المؤثرين الذين لا يكرههم الشخص ولا زالت تربطهم به علاقةٌ طيبة.ونذكر بالقاعدة في الهجر، القاعدة الشرعية: إذا أدى الهجر إلى منكرٍ أكبر وساءت أحوال الشخص أكثر لا يجوز الهجر، وإذا كان الهجر علاجاً يرده فالهجر يكون هجراً شرعياً، وقلَّ من الناس من يفقه ذلك.ولابد لأهل التربية أن يربوا الناس على دين الله عز وجل، وليس على التعلق بالشخصيات، لابد أن تكون الأسس قوية، والإنسان كذلك أن يذكر الناس الذين فيهم ضعف، أنه مهما رأى المنتكسين من حوله والمتساقطين، فإن ذلك لا يصلح أن يدفعه للتشبه بهم أو أن يبرر انتكاسه بهذا أبداً.إذا نوقش واحد من هؤلاء يفوته الظهر والعصر لينام وقد يكلم النساء بالهاتف فإذا نوقش قال: فلان كذا.. أنت تكلمني بينما فلان يفعل ذلك، وفلان انتكس، وفلان كان ملتزماً وانتكس، فنقول: هذه محاولة التبرير فاشلة لا تصلح أبداً ولا تكون عذراً عند الله سبحانه وتعالى. ونسأل الله عز وجل أن يهدينا وإياكم الصراط المستقيم. وأن يثبتنا على الدين القويم، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا. وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , بين الهداية والانتكاس للشيخ : محمد المنجد

http://audio.islamweb.net