إسلام ويب

الحث على طلب العلمللشيخ : محمد المنجد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • العلم فخر وشرف في الدنيا والآخرة، والعلم أفضل من المال، فهو سبيل إلى الخشية من الله تعالى. في نطاق هذا الموضوع يتحدث الشيخ عن العلم وفضله، وواقع السلف مع طلب العلم، كما يذكر الأسباب التي قتلت طلب العلم عند كثير من الشباب، ويعرج على أهمية المجاهدة في طلب العلم، ويكشف حقيقة بدعة الاحتفال بالموالد ومنكراتها، ويرجع ذلك إلى الجهل بالدين وأحكامه.

    1.   

    فضل العلم والتعلم

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    عباد الله.. لقد قصرنا في حق الله كثيراً كثيراً، ومن تقصيرنا في حق ربنا: جهلنا بما أنزله إلينا وبما أوحاه إلى نبيه صلى الله عليه وسلم، وكيف يليق بمسلم أن يجهل رسالة ربه إليه، وأن يجهل معاني أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي تشرح كتاب الله تعالى، ولا ينال معرفة الكتاب والسنة إلا بالعلم الذي هو أفضل ما صرفت فيه الأوقات.

    وفي الإجازة يتوفر من الوقت للطلاب ما لا يتوفر في غيره، فينبغي أن تتداعى الهمم، وأن تسمو النفوس، وأن يتفرغ الإخوان لطلب العلم.

    ينبغي أن يكون الدافع قوياً لتحقيق هذه المصلحة، وأن يتضافر الآباء مع الأبناء لعملية التعليم وطلب العلم، وأن تكون الحياة شعلة في هذا الطريق، قال الله عز وجل: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ [آل عمران:18] استشهد الله العلماء دون غيرهم من سائر البشر، فقد أشهد نفسه وأشهد الملائكة وأشهد العلماء فقط من خلقه، وهذا دليل على فضلهم، فأشهدهم على أعظم حقيقة وهي حقيقة التوحيد، وقرن الله شهادتهم سبحانه وتعالى بشهادته.

    وفي ضمن هذا الاستشهاد تزكية للعلماء وتعديل ولا شك؛ لأن الله لا يستشهد من خلقه إلا العدول، وكذلك فإن العلماء هم الذين يطاعون في المدلهمات ويتبعون في الخطوب، وإذا استشكلت الأمور.

    علماء الشريعة هم الذين نزَّهوا أنفسهم عن الأهواء والأموال وعن سائر أنواع الشبهات، تعلموا العلم لله وعلموه في ذات الله، وقالوا بالعلم وحكموا به، لا تأخذهم في الله لومة لائم.

    الفرق بين العالم والعابد

    عباد الله.. إذا كان الله قد أباح لنا أكل الصيد الذي صاده الكلب المعلم، وإذا صاده كلب غير معلم لا يؤكل يَسْأَلونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ [المائدة:4] فلولا فضل العلم لكان فضل صيد الكلب المعلم والجاهل سواء، وقد علمه كيف يصيد، وكيف يمسك لصاحبه، فما بالك بمن تعلم الكتاب والسنة! (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) إذا رأيت نفسك تتجه إلى الفقه، تتجه إلى العلم، تتجه إلى فهم الكتاب والسنة، فاعلم أنك ممن أراد الله بهم خيراً (فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر) فخذ بهذا الحظ الوافر يا أيها الشاب، يا عبد الله، يا أيها الكبير ويا أيها الصغير خذ من هذا الحظ الوافر الذي وصفه النبي صلى الله عليه وسلم.

    مسألةٌ واحدة تتعلمها وتعلمها لولدك، أو تعلمها لأخيك، أو تعلمها لصاحبك وصديقك، أو تعلمها للناس والعامة تستفيد بها أجراً بعد موتك، قال عليه الصلاة والسلام في الأربع من عمل الأحياء التي تجري للأموات: (ورجلٌ علم علماً، فعمل به من بعده، له مثل أجر من عمل به من غير ينقص من أجر من يعمل به شيء).

    عباد الله.. لو علمنا شخصاً كيفية الصلاة، كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي، فإن هذا المعلم ولا شك يكون له أجر عظيم حتى بعد وفاته، فقوموا بالعلم والتعليم. (فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم، وإن الله عز وجل وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير) فلنحتسب الأجر في هذا التعليم، نعلم الناس الخير، ولا يمكن أن نعلمهم إلا بأن نتعلم، فإننا لا يمكن أن نعلمهم ونحن جهال، لابد أن نتعلم، أن نبلغ ولو آية، إذا علمناها وعلمنا معناها بلغناها فكتب لنا أجر عظيم، لماذا تنصرف النفوس عن هذه العبادة العظيمة؟

    يا عباد الله.. إنه فخرٌ وشرفٌ في الدنيا والآخرة، إن العلماء يحضرون ربهم يوم القيامة ويقفون بين يديه مكرمين منعمين يتقدمهم معاذ بن جبل بين أيديهم برمية حجر؛ لأنه أعلم الناس بالحلال والحرام بعد النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه كما أخبر.

    عباد الله.. ما هو أفضل من أن يستغفر لك الحوت في البحر والدواب وحتى النمل تستغفر لطالب العلم؟ ما هو أفضل من أن تضع الملائكة أجنحتها لك إذا سلكت سبيلاً في طلب العلم سواء كان في درس تذهب إليه أو في كتاب تشتريه لتفتحه وتقرأ فيه؟ أي فضل عظيم هو ذاك وفَّره الله عز وجل لطلبة العلم الشرعي الذين يتعلمون الكتاب والسنة.

    عاقبة مبلغ العلم

    عباد الله، يا أيها الناس.. إن نبيكم قد دعا بالنضارة نضارة الوجه لمن بلغ العلم ولو حديثاً واحداً، فقال: (نضَّر الله امرأً سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغ، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) (نضَّر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها) تبليغ القرآن، تبليغ الحديث، تبليغ العلم للناس، الإبلاغ والبلاغ وظيفة الرسل إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ [الشورى:48].. وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران:20] نقل المعلومات الصحيحة إلى الناس، ينبغي أن يكون هذا ديدناً لنا وعادة دائماً إذا تعلمنا شيئاً، نقلناها إلى غيرنا صغيراً وكبيراً قريباً وبعيداً، وهل نريد إلا الأجر؟ وهل نريد إلا النجاة يوم الحساب؟ وهل نريد إلا الحسنات أن تأتينا من بين أيدينا ومن خلفنا وعن أيماننا وعن شمائلنا ونحن في قبورنا؟

    يا عباد الله.. إن المسألة جدٌ والله وفوزٌ عظيم، لو علم الإنسان ما له من الأجر لقام بذلك حق القيام.

    أقوال السلف في طلب العلم

    عباد الله.. يقول معاذ رضي الله عنه: [تعلموا العلم؛ فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة، وهو الأنيس في الوحدة، والصاحب في الخلوة]. وقال الحسن : "لولا العلماء، لصار الناس كالبهائم لا يدرون لا كيف يعبدون ولا كيف ينكحون".

    والعلم أفضل من المال، تفانى الناس في جمع الأموال، وأقبلوا على أنواع الاستثمارات، والعلم يحكم في المال، والمال لا يحكم في العلم، والعلم يكون مع صاحبه إلى القبر، والمال يفارق صاحبه إذا خسره في صفقة، العلم يكثر بالنفقة ويزداد ويترسخ، والمال ينقص إذا أنفقت منه إلا إذا كان في سبيل الله.

    عباد الله.. ما عُبد الله بشيء أفضل من الفقه، الناس إلى العلم- كما يقول أحمد رحمه الله- أحوج منهم إلى الطعام والشراب؛ وذلك لأن الرجل قد يحتاج إلى الطعام والشراب مرة أو مرتين أما حاجته إلى العلم فهي بعدد أنفاسه، وكذلك فإنه ميراث النبوة، والناس لا يفهمون الميراث إلا باللغة المادية، ولما مر أعرابي على ابن مسعود رضي الله عنه وهو يحدث طلابه وهم مجتمعون حوله، رأى أناساً مجتمعين على شخص، فقال الأعرابي: علام اجتمع هؤلاء؟ فقال ابن مسعود مخاطباً إياه بلغته -الأعراب يفهمون الاجتماع على وليمة، على قسمة مال، على عطايا، هكذا يجتمع الناس على شخص- قال ابن مسعود رضي الله عنه: [على ميراث محمد صلى الله عليه وسلم يقتسمونه بينهم].

    فوائد العلم

    والعلم يؤدي إلى الخشية، وهذه من أعظم الفوائد قال تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28] ليس العلم بكثرة الرواية، ولكن العلم الخشية

    ورأس العلم تقوى الله حقاً     وليس بأن يقال لقد رأُست

    والعلم يدفع إلى الخشية من أن يسأل عنه صاحبه ولم يعمل به؛ ولذلك قال أبو الدرداء رضي الله عنه: [إنما أخشى أن يكون أول ما يسألني عنه ربي أن يقول لي: ماذا عملت فيما علمت؟].

    وقال بعض السلف: والله إني لأخشى ألا تبقى آية في كتاب الله آمرةٌ أو ناهية إلا جاءتني يوم القيامة، فتقول الآمرة بالخير: هل عملت به؟ وتقول الناهية عن الحرام: هل انتهيت عنه؟

    ولذلك لابد إذا تعلمنا أن نطبق، فهي سلسلة متواصلة علم وعمل، تعلم وتطبيق، ولذلك فليست القضية حشو أذهان ولا حفظ معلومات، وإنما هي أثر حقيقي على الإنسان، ولذلك كان العلماء الربانيون مخبتين لله تعالى، يقومون له بالعبادة، يقومون الليل ويستغفرون بالأسحار، قال ابن القيم رحمه الله عن شيخ الإسلام : أنه كان إذا صلى الفجر يقعد في مصلاه يذكر الله حتى ترتفع الشمس جداً، وكان يقول: هذه غدوتي، وإذا لم أتغد سقطت قواي.

    وقال الحسن رحمه الله: كان الرجل- يعني: من السلف- يطلب العلم، فلا يلبث إلا يسيراً حتى يرى أثر العلم في صلاته وخشوعه وكلامه وسمته؛ لأن الله قال: إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّداً * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً * وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً [الإسراء:107-109].

    أسباب قتل طلب العلم عند الشباب

    عباد الله.. لا ينال هذا العلم إلا من جعل همته لله، إلا من ارتفعت همته، وقد سقطت كثير من الهمم هذه الأيام بأمرين عند كثير من الشباب: باللهو والملل.

    ما قتل طلب العلم عند الشباب وعند غيرهم أيضاً إلا بأمرين: اللهو والملل، فتراهم يعكفون على وسائل من اللهو، يشتغلون بها عن الشيء الذي خلقوا من أجله، فهذا يتبع ألعاباً ويعبث بها ويضيع وقته بها، وهذا يتبع مباريات ويشاهد مسابقات ويتابع أولمبيات، وهكذا تضيع الأعمار في اللهو، في خروج وسفر لتزجية الوقت وإضاعته، وألعاب قد اخترعت يمضي بها كثير من الناس أوقاتهم بلا حساب.

    وأما الملل الذي صار به الشاب لا يستطيع العكوف على الكتاب، سريع الملل، إذا فتحه لم يمكث عنده صفحة أو صفحتين إلا ويشعر بالملل، فيغلق الكتاب، وإذا كان في درسه ربما لا يستطيع أن يستوي قاعداً مطمئناً، فتراه يكثر الحركة يريد القيام، بل ترى كثيراً من العامة في مجالس الذكر أو إذا أُلقيت كلمة بعد صلاة من الصلوات لا يستطيعون أن يجاهدوا أنفسهم ويصابروا في دقائق يجلسونها لسماع العلم، لكن يمكن لهم أن يجلسوا عند المصارعة ساعات، وأن يجلسوا عند الملهيات أياماً طوالاً يتابعون ذلك بغير ملل، وعلم الكتاب والسنة يحصل منه الملل؛ لأن النفوس أسنت بالمعاصي، وفسدت بارتكاب الذنوب، فصارت نتيجة لذلك تنفر من كلام ربها وحديث رسولها، ولكنها لا تمل ولا تكل وتلتذُّ وتصابر في سبيل الاستماع إلى لغو أو مشاهدة لعبة!

    هذه هي الحقيقة، ولذلك كان لابد للمسلم أن يتجرد لله بالطاعة، وأن يصابر في طلب العلم، تعلو همته، عن عكرمة قال: قال ابن عباس رضي الله عنه: [لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا شاب قلت لشاب من الأنصار: هلم فلنسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولنتعلم منهم فإنهم اليوم كثير، فقال لي: يا عجباً لك يا ابن عباس ! أترى الناس يحتاجون إليك وفي الناس من أصحاب رسول الله صلى عليه وسلم من فيهم؟! قال ابن عباس : فتركت ذلك الرجل وأقبلت أنا على المسألة، وجعلت أتتبع الصحابة وأسألهم، فإن كنت لآتي الرجل في طلب حديث واحد يبلغني أنه سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجده قائلاً -نائماً نوم القيلولة في بيته- فأتوسد ردائي على بابه، تسفي الريح على وجهي التراب حتى يخرج، فإذا خرج قال: ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم! ما جاء بك؟ هلا أرسلت إلي فآتيك؟ فأقول: لا، أنا أحق أن آتيك، بلغني حديث عنك أنك تحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأحببت أن أسمعه منك، قال ابن عباس : فكان ذلك الفتى الأنصاري إذا لقيني بعد يقول: هذا كان أعقل مني].

    التنافس في طلب العلم

    عباد الله.. إذا تنافس الناس في الدينار والدرهم، فلنتنافس نحن في طلب العلم، فإن الإنسان إذا عنى بالعلم والعمل تشتاق إليه الجنة، وكذلك فإن هذه الهمة التي ينبغي أن تكون الرائد في الطلب، ينبغي أن تكون موفورة بتجديد النية بتحصيل العلم لله عز وجل.

    ولذلك ينبغي أن يكون لنا دعاء بأن ييسر الله لنا العلم: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [طـه:114] وإذا استغلقت مسألة نلجأ إلى الله كما كان العلماء يلجئون، كان شيخ الإسلام يقول إنه كان يقرأ في الآية الواحدة أحياناً مائة تفسير، فلا يفهمها فيسأل الله الفهم، ويقول: يا معلم آدم وإبراهيم علمني، ويا مفهم سليمان فهمني، ويمرغ وجهه في التراب ويسأل الله عز وجل حتى يفتح الله عليه.

    وكان أبو حنيفة رحمه الله إذا أشكلت عليه مسألة، قال: ما هذا إلا لذنب أحدثته، فيبدأ يستغفر الله، أو يقوم يصلي ويتضرع إلى ربه ويدعو مولاه، فيفتحها الله عليه. ويقول: أرجو أن يكون قد تاب علي، أرجو أن يكون قد تاب علي.

    بدلاً من صرف الأموال في التوافه لننفقها في شراء كتب العلم، وإن مسئولية الآباء في ذلك كبيرة وكبيرة للغاية، قال علي بن عاصم الواسطي : دفع إلي أبي مائة ألف درهم، وقال لي: اذهب وسافر لطلب العلم، ولا أرى وجهك إلا ومعك مائة ألف حديث. فسافر وارتحل في طلب العلم، وكتب عن كثير من العلماء ورجع إلى أبيه وقد غدا عالماً اشتهر بين الناس.

    هكذا يكون موقف الأب المسلم يوفر لولده سائر الوسائل المتاحة لتحصيل العلم من نفقة في كتب أو سفر أو تهيئة جو وتشجيع وتحفيز، انظر إلى عبارة ذلك الأب الصالح: هذه مائة ألف، ولا أرى وجهك إلا ومعك مائة ألف حديث. فالله أكبر على ما كان من ذلك الأب بما دفع ولده إلى طلب العلم!

    حال السلف مع العلم

    عباد الله، يا عباد الله.. لا تصلح الإقامة على الجهل ألبتة، وإنما ينبغي السعي في الطلب حتى يصل الإنسان بالمجاهدة إلى مرحلة اللذة في الطلب، أولها: مؤلم وآخرها لذيذ.

    قيل للشافعي : كيف شهوتك للعلم؟ فقال: أسمع بالحرف- أي: بالكلمة من العلم- لم أسمعها من قبل؛ فتود أعضائي أن لها آذاناً تتنعم بهذه الكلمة كما تنعمت بها أذناي! قيل له: كيف طلبك للعلم؟ فقال: كطلب المرأة التي أضاعت ولدها وليس لها ولد سواه.

    كانوا رحمهم الله يقسمون الأوقات، يقول الخطيب : واعلم أن للحفظ ساعات ينبغي لمن أراد التحفظ أن يراعيها. وللحفظ أماكن ينبغي للمتحفظ أن يلزمها، فأجود الأوقات للحفظ الأسحار، ثم بعدها وقت انتصاف النهار، وبعدها الغدوات- أي: أول النهار- دون العشيات، وحفظ الليل أصلح من حفظ النهار للهدوء والسكون فيه.

    قيل لبعضهم: بما أدركت هذا العلم؟ قال: بالمصباح والجلوس إلى الصباح. وقال الخطيب : وكل موضع بعيد مما يلهي لا خضرة ولا أشكال ولا جمال ولا ألوان ولا أصوات لا يصلح الحفظ كما يقول: على شطوط الأنهار ولا على قوارع الطريق ولا بحضرة النبات والخضرة، ينتقون الأوقات وينتقون الأماكن لأجل طلب العلم، ومواصلة بعد مواصلة. ورئي مع أحمد العالم الجليل محبرة وقلم فقيل له: أنت إمام المسلمين ولا زلت تحمل المحبرة وتكتب؟! فقال الإمام أحمد -شعار أهل الحديث تلك العبارة-: مع المحبرة إلى المقبرة.

    وهكذا كانوا رحمهم الله تعالى، ولذلك صاروا علماء أجلاء، فالمسألة أولها صعب، أولها مؤلم، أولها ممل، تحتاج إلى جلد ومصابرة حتى تأتي اللذة، فإذا جاءت اللذة انفرجت الأمور ووصلنا، نحتاج إلى أن نطلب العلم شباناً وشيبة، كهولاً كباراً وصغاراً، هذا باب لابد من ولوجه والسعي إلى تحصيله بالشيوخ والكتب والأشرطة وسائر الوسائل المتاحة التي فيها العلم: الفقه، التفسير، الدين، الحديث، وإلا كنا هملاً لا فرق بيننا وبين هؤلاء البهائم الذين يعيشون لدنياهم.

    نسأل الله سبحانه وتعالى أن يلهمنا رشدنا ويقينا شر أنفسنا، وأن يعيننا على طلب العلم وييسره لنا، وأن يذلل الطريق والمصاعب حتى يرتفع فيه الكعب وتعلو الدرجة إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    حكم الاحتفال بالمولد النبوي الشريف

    الحمد لله رب العالمين، الحمد لله خالق الناس أجمعين، وفاطر السماوات والأراضين، أشهد أن لا إله إلا هو العليم الحكيم، علام الغيوب، سبحانه وتعالى، وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم العالم المعلم، لم ير مثله قط، لم ير أحسن منه تعليماً صلى الله عليه وعلى أصحابه الذين نقلوا علمه، وعلى التابعين الذين تابعوهم على ذلك، وعلى كل من تعلم العلم وساهم في تحصيله ونشره.

    عباد الله.. في هذه الليلة يحتفل كثير من المسلمين في أقطار الأرض احتفالاً ينم عن جهلهم بالعلم، وكلما انحسرت السنة امتدت البدعة، وكلما نقص العلم زاد الجهل، وهذان أمران محتومان، إذا كان هذا في نقصان فالآخر في زيادة والعكس بالعكس: الاحتفال بالمولد هل فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ كلا والله، هل فعله أصحابه له من بعده؟ هل فعله أبو بكر أو فعله عمر أو عثمان أو علي أو عمر بن عبد العزيز ؟ لم يفعلوا ذلك، هل فعله الأئمة أبو حنيفة والشافعي ومالك وأحمد والليث والأوزاعي وسفيان إلى آخرهم؟ هل فعلوا وقاموا بالاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم؟ لم يفعلوا ذلك.

    إذاً ألا يسعنا ما وسعهم؟ ألا يصلحنا ما أصلحهم؟ ألا يصلح لنا ما صلح لهم؟ كل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار، وهذا الاحتفال بالمولد أمر تعبدي يقصدون به العبادة والحسنات، فليس أمراً دنيوياً حتى نقول: اخترعوا ما شئتم من المخترعات (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) ومردود على وجهه، وسيأثم بدلاً من الأجر الذي يظنه حاصلاً له ما دام يعلم بحكم ذلك.

    واجبنا تجاه الرسول عليه الصلاة والسلام

    إن ذكره عليه الصلاة والسلام عبادة وقربة نشرف به آذاننا ونصلح به أنفسنا بذكر سيرته وعبادته وهديه، يرفع ذكره في الأذان والإقامة والخطب والصلوات في التشهد وغير ذلك، في المجالس وفي الدعاء وعند ذكره صلى الله عليه وسلم، لسنا من الذين يذكرون النبي عليه الصلاة والسلام ليلة في السنة، بل نحن نذكره في كل ليلة ويوم طيلة السنة، وهكذا يجب أن نكون، ليست ذكراه عندنا سنوية، بل ذكراه عندنا يومية وأسبوعية وشهرية، ذكره دائم صلى الله عليه وسلم في كل يوم وليلة.

    المسلم الحقيقي لا يحتاج إلى موالد لتذكر النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه يتذكره دائماً، وتُعمل الدروس والخطب في السيرة والغزوات والشمائل المحمدية، هكذا ينبغي أن تكون على مدار العام، وبين فترة وأخرى يذكر الناس بهدي نبيهم عليه الصلاة والسلام وسيرته، وهكذا ينبغي أن يكون، ولكن الناس إذا اعتراهم الوهن والفسق والضعف راحوا يقيمون الاحتفالات لعظمائهم، وهذه طريقة الكفار، انظر إليهم في احتفالاتهم بالأشخاص.

    قال العلامة المصري/ محمد رشيد رضا رحمه الله: إن من طباع البشر أن يبالغوا في تعظيم أئمة الدين والدنيا في طور ضعفهم في أمور الدين والدنيا، لأن هذا التعظيم- هذا هو التحليل النفسي للمولد- لا مشقة فيه على النفس، فيعملونه بدلاً مما يجب عليهم من الأعمال الشاقة التي تُعمل طيلة العام، ولذلك ترى أهل الفسق أفسق الناس وأفجر الناس يشاركون في المولد لأنها ليلة في السنة، يدخل بها مع المحتفلين ثم يخبره ضلال الصوفية بأنه قام مغفوراً له عند رب العالمين، ليلة في السنة يحتفل بها معهم ثم يقوم مغفوراً له، ما أسهل ذلك!

    وليس من تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم الابتعاد عن دينه، ولا الابتداع في دينه، ونحن نعلم بالتاريخ الذي ذكره العلماء متى اخترع المولد الذي أحدثه السلطان المسمى كوكا بوري بن أبي الحسن علي بن باتكين في القرن السادس الهجري، ولا زال العلماء يفتون بتحريمه وينصون على ذلك ممن عرفوا سنة النبي صلى الله عليه وسلم وفقهوا ذلك ولم تنطلِ عليهم الأمور وتختلط.

    عجيب أمر مبتدعة الموالد

    وهناك ممن ينتسب إلى العلم من اختلط عليه الأمر ولم يتبين له أو جهل ذلك أو تابع الكثرة الكاثرة من الناس، أو رأى فيه نوع بدعة حسنة وليس هناك بدعة حسنة، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (كل بدعة ضلالة) فإذا قال الشارع: كل بدعة ضلالة لا يمكن أن يأتي إنسان ويستحسن ويستثني، إذا لم يستثن الشارع ليس لنا حق الاستثناء (كل بدعة ضلالة) ويقال لهؤلاء: شهر ربيع الأول هذا الذي ولد فيه صلى الله عليه وسلم هو بعينه الذي مات فيه فليس الفرح فيه بأولى من الحزن، لماذا لا تحزنون؟ إذاً أو يستوي عندكم الأمران؟

    وإذا كانت البعثة للإسلام أهم من مولده، فلماذا لا تحولون الاحتفال إلى البعثة؟ أيهم أهم للعالم والبشرية: البعثة أم المولد؟ مولده أهم أم بعثته أهم أم هجرته أهم؟ فلو كنتم صادقين بالاحتفال بأهم مناسبة كما تزعمون احتفلوا ببعثته، لكن لا أحد يحتفل ببعثته، ولا نريد منهم أن يحتفلوا بالبعثة، ولكن من باب الإلزام والمحاجة نقول لهم ذلك.

    بدع ومنكرات ترافق الموالد

    ثم إن في كثير من هذه الموالد اعتقادات فاسدة ممن يحضرون، سواء كان ذلك في قراءة قصائد فيها غلو وشرك أكبر وليس بأصغر، كقصيدة البوصيري :

    يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به     سواك عند حلول الحادث العمم

    ترك الله ويريد أن يلوذ برسول الله صلى الله عليه وسلم عند حلول الحادث العمم

    فإن من جودك الدنيا وضرتـها     ومن علومك علم اللوح والقلم

    وضرتها: هي الآخرة، ومن علمك: (من) للتبعيض، فماذا بقي الله إذاً؟! هذه هي قصيدة البردة التي يلهجون بذكرها، الشرك الأكبر وغير ذلك يحضرونه، ويقومون عند ذكر ولادته عليه الصلاة والسلام احتراماً وقوفاً، ويقول بعض الغلاة منهم: دخلت روحه إلى المجلس قوموا، وأن روحه تطوف بالمكان، وهذا من أبطل الباطل وأكذب الكذب.

    ولو قال إنسان: نحن لا نقرأ البردة ولا نقول الشرك نقرأ سيرة ابن هشام ، نقرأ في كتاب للسيرة كتاب موثوق، فنقول: عينتم يوماً أم لا؟ واحتفلتم به أم لا؟ واعتقدتم أنه قربة إلى الله أم لا؟ في يومٍ ما عينه الشارع ولا فضله ولا جعله عبادة فإذاً اجتماعكم غير مشروع حتى لو لم تقرءوا البردة ولا غيرها.

    ثم تملأ البطون بالأطعمة والحلويات الخاصة، والفقراء بالحمص، ولذلك يقولون في الأمثال العامية: خرجنا من المولد بلا حمص.

    وفي هذه الموالد تحصل كثير من المنكرات والمفاسد، وفي بعض البلدان استعمال الغناء وآلات الطرب، واختلاط الرجال بالنساء وهذا مشاهد ولا يمكن إنكاره، وحتى الراقصات يشاركن في ذلك، وقد قرأت في بعض الجرائد تحقيقاً صحفياً في مشاركة الراقصات في المولد والأجور التي يأخذنها، ويسمع الغناء وتصفيق النساء ويكون في الاختلاط سبب عظيم للفتنة.

    الجمع بين كتاب الله والأغاني في مناسبة واحدة، الأغاني والألحان والطرب وهز الرءوس والتمايل والدف والمزهر والمزمار والدربكة وغيرها أو بعضها في مجلس ذكر، كيف يكون هذا؟! يعملون أعمال الشياطين ويطلبون الأجر من رب العالمين؟! أين هؤلاء من قوله عز وجل: وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ [المائدة:83]؟ هذا هو التفاعل الحقيقي وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [المائدة:83] وتخرج النساء إلى المقابر متبرجات في المولد، ويصبح المولد غرضاً ومجالاً للأغراض المشينة، ويتبعونه بموالد أخرى وزيارات لقبور أخرى في بعض البلدان.

    عباد الله.. لو خلا هذا من المحرمات وكان مجرد جلسة كما قلنا، فإن العلماء قد بينوا حكم ذلك قال ابن الحاج الإمام المالكي في كتابه المدخل : فإن خلا المولد النبوي- يعني من المنكرات والغناء وتوابعها- وعمل طعام فقط ودعي إليه الناس، دعا به الإخوان، فهو بدعة بنفسيته فقط، إذ أن ذلك زيادةٌ في الدين وليس من عمل السلف الماضية (لا تقوم الساعة حتى يصير المعروف منكراً والمنكر معروفاً) ولذلك أكثر العالم الإسلامي- وهذه حقيقة يعترف بها- يحتفلون بالمولد.

    قد عرف المنكر واستنكر     المعروف في أيامنا الصعبة

    وصار أهل العلم في وحدةٍ     وصار أهل الجهل في رتبة

    حادوا عن الحق فما للذي     ساروا به في ما مضى نسبة

    فقلت للأبرار أهل التقى     والدين لما اشتدت الكربة

    لا تنكروا أحوالكم قد     أتت نوبتكم في زمن الغربة

    وهذا ما حصل والله، ونحن من الواجب علينا النصح والتذكير بالأسلوب الحسن والكلام الحسن ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125].

    نسأل الله أن يجنبنا البدع ما ظهر منها وما بطن، نسأل الله تعالى أن يرزقنا اتباع السنة وأن يحيينا عليها وأن يميتنا عليها إنه سميع مجيب قريب.

    اللهم آمنا في الأوطان والدور وأصلح الأئمة وولاة الأمور، واغفر لنا يا عزيز يا غفور، اللهم إنا نسألك نصراً تنصر به أولياءك وحزبك المفلحين، اللهم انصر من نصر الدين واخذل من خذل المسلمين، اللهم رد عن إخواننا كيد الكائدين وعدوان المعتدين يا رب العالمين، كن معهم ولا تكن عليهم، وانصرهم ولا تنصر عليهم يا أرحم الراحمين.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.