اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الحث على طلب العلم للشيخ : محمد المنجد


الحث على طلب العلم - (للشيخ : محمد المنجد)
العلم فخر وشرف في الدنيا والآخرة، والعلم أفضل من المال، فهو سبيل إلى الخشية من الله تعالى.في نطاق هذا الموضوع يتحدث الشيخ عن العلم وفضله، وواقع السلف مع طلب العلم، كما يذكر الأسباب التي قتلت طلب العلم عند كثير من الشباب، ويعرج على أهمية المجاهدة في طلب العلم، ويكشف حقيقة بدعة الاحتفال بالموالد ومنكراتها، ويرجع ذلك إلى الجهل بالدين وأحكامه.
فضل العلم والتعلم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1].يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71]. أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.عباد الله.. لقد قصرنا في حق الله كثيراً كثيراً، ومن تقصيرنا في حق ربنا: جهلنا بما أنزله إلينا وبما أوحاه إلى نبيه صلى الله عليه وسلم، وكيف يليق بمسلم أن يجهل رسالة ربه إليه، وأن يجهل معاني أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي تشرح كتاب الله تعالى، ولا ينال معرفة الكتاب والسنة إلا بالعلم الذي هو أفضل ما صرفت فيه الأوقات.وفي الإجازة يتوفر من الوقت للطلاب ما لا يتوفر في غيره، فينبغي أن تتداعى الهمم، وأن تسمو النفوس، وأن يتفرغ الإخوان لطلب العلم. ينبغي أن يكون الدافع قوياً لتحقيق هذه المصلحة، وأن يتضافر الآباء مع الأبناء لعملية التعليم وطلب العلم، وأن تكون الحياة شعلة في هذا الطريق، قال الله عز وجل: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ [آل عمران:18] استشهد الله العلماء دون غيرهم من سائر البشر، فقد أشهد نفسه وأشهد الملائكة وأشهد العلماء فقط من خلقه، وهذا دليل على فضلهم، فأشهدهم على أعظم حقيقة وهي حقيقة التوحيد، وقرن الله شهادتهم سبحانه وتعالى بشهادته.وفي ضمن هذا الاستشهاد تزكية للعلماء وتعديل ولا شك؛ لأن الله لا يستشهد من خلقه إلا العدول، وكذلك فإن العلماء هم الذين يطاعون في المدلهمات ويتبعون في الخطوب، وإذا استشكلت الأمور.علماء الشريعة هم الذين نزَّهوا أنفسهم عن الأهواء والأموال وعن سائر أنواع الشبهات، تعلموا العلم لله وعلموه في ذات الله، وقالوا بالعلم وحكموا به، لا تأخذهم في الله لومة لائم.
 حال السلف مع العلم
عباد الله، يا عباد الله.. لا تصلح الإقامة على الجهل ألبتة، وإنما ينبغي السعي في الطلب حتى يصل الإنسان بالمجاهدة إلى مرحلة اللذة في الطلب، أولها: مؤلم وآخرها لذيذ. قيل للشافعي : كيف شهوتك للعلم؟ فقال: أسمع بالحرف- أي: بالكلمة من العلم- لم أسمعها من قبل؛ فتود أعضائي أن لها آذاناً تتنعم بهذه الكلمة كما تنعمت بها أذناي! قيل له: كيف طلبك للعلم؟ فقال: كطلب المرأة التي أضاعت ولدها وليس لها ولد سواه.كانوا رحمهم الله يقسمون الأوقات، يقول الخطيب : واعلم أن للحفظ ساعات ينبغي لمن أراد التحفظ أن يراعيها. وللحفظ أماكن ينبغي للمتحفظ أن يلزمها، فأجود الأوقات للحفظ الأسحار، ثم بعدها وقت انتصاف النهار، وبعدها الغدوات- أي: أول النهار- دون العشيات، وحفظ الليل أصلح من حفظ النهار للهدوء والسكون فيه.قيل لبعضهم: بما أدركت هذا العلم؟ قال: بالمصباح والجلوس إلى الصباح. وقال الخطيب : وكل موضع بعيد مما يلهي لا خضرة ولا أشكال ولا جمال ولا ألوان ولا أصوات لا يصلح الحفظ كما يقول: على شطوط الأنهار ولا على قوارع الطريق ولا بحضرة النبات والخضرة، ينتقون الأوقات وينتقون الأماكن لأجل طلب العلم، ومواصلة بعد مواصلة. ورئي مع أحمد العالم الجليل محبرة وقلم فقيل له: أنت إمام المسلمين ولا زلت تحمل المحبرة وتكتب؟! فقال الإمام أحمد -شعار أهل الحديث تلك العبارة-: مع المحبرة إلى المقبرة.وهكذا كانوا رحمهم الله تعالى، ولذلك صاروا علماء أجلاء، فالمسألة أولها صعب، أولها مؤلم، أولها ممل، تحتاج إلى جلد ومصابرة حتى تأتي اللذة، فإذا جاءت اللذة انفرجت الأمور ووصلنا، نحتاج إلى أن نطلب العلم شباناً وشيبة، كهولاً كباراً وصغاراً، هذا باب لابد من ولوجه والسعي إلى تحصيله بالشيوخ والكتب والأشرطة وسائر الوسائل المتاحة التي فيها العلم: الفقه، التفسير، الدين، الحديث، وإلا كنا هملاً لا فرق بيننا وبين هؤلاء البهائم الذين يعيشون لدنياهم.نسأل الله سبحانه وتعالى أن يلهمنا رشدنا ويقينا شر أنفسنا، وأن يعيننا على طلب العلم وييسره لنا، وأن يذلل الطريق والمصاعب حتى يرتفع فيه الكعب وتعلو الدرجة إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
حكم الاحتفال بالمولد النبوي الشريف
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله خالق الناس أجمعين، وفاطر السماوات والأراضين، أشهد أن لا إله إلا هو العليم الحكيم، علام الغيوب، سبحانه وتعالى، وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم العالم المعلم، لم ير مثله قط، لم ير أحسن منه تعليماً صلى الله عليه وعلى أصحابه الذين نقلوا علمه، وعلى التابعين الذين تابعوهم على ذلك، وعلى كل من تعلم العلم وساهم في تحصيله ونشره.عباد الله.. في هذه الليلة يحتفل كثير من المسلمين في أقطار الأرض احتفالاً ينم عن جهلهم بالعلم، وكلما انحسرت السنة امتدت البدعة، وكلما نقص العلم زاد الجهل، وهذان أمران محتومان، إذا كان هذا في نقصان فالآخر في زيادة والعكس بالعكس: الاحتفال بالمولد هل فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ كلا والله، هل فعله أصحابه له من بعده؟ هل فعله أبو بكر أو فعله عمر أو عثمان أو علي أو عمر بن عبد العزيز ؟ لم يفعلوا ذلك، هل فعله الأئمة أبو حنيفة والشافعي ومالك وأحمد والليث والأوزاعي وسفيان إلى آخرهم؟ هل فعلوا وقاموا بالاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم؟ لم يفعلوا ذلك.إذاً ألا يسعنا ما وسعهم؟ ألا يصلحنا ما أصلحهم؟ ألا يصلح لنا ما صلح لهم؟ كل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار، وهذا الاحتفال بالمولد أمر تعبدي يقصدون به العبادة والحسنات، فليس أمراً دنيوياً حتى نقول: اخترعوا ما شئتم من المخترعات (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) ومردود على وجهه، وسيأثم بدلاً من الأجر الذي يظنه حاصلاً له ما دام يعلم بحكم ذلك.
 بدع ومنكرات ترافق الموالد
ثم إن في كثير من هذه الموالد اعتقادات فاسدة ممن يحضرون، سواء كان ذلك في قراءة قصائد فيها غلو وشرك أكبر وليس بأصغر، كقصيدة البوصيري :يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم ترك الله ويريد أن يلوذ برسول الله صلى الله عليه وسلم عند حلول الحادث العممفإن من جودك الدنيا وضرتـها ومن علومك علم اللوح والقلم وضرتها: هي الآخرة، ومن علمك: (من) للتبعيض، فماذا بقي الله إذاً؟! هذه هي قصيدة البردة التي يلهجون بذكرها، الشرك الأكبر وغير ذلك يحضرونه، ويقومون عند ذكر ولادته عليه الصلاة والسلام احتراماً وقوفاً، ويقول بعض الغلاة منهم: دخلت روحه إلى المجلس قوموا، وأن روحه تطوف بالمكان، وهذا من أبطل الباطل وأكذب الكذب.ولو قال إنسان: نحن لا نقرأ البردة ولا نقول الشرك نقرأ سيرة ابن هشام ، نقرأ في كتاب للسيرة كتاب موثوق، فنقول: عينتم يوماً أم لا؟ واحتفلتم به أم لا؟ واعتقدتم أنه قربة إلى الله أم لا؟ في يومٍ ما عينه الشارع ولا فضله ولا جعله عبادة فإذاً اجتماعكم غير مشروع حتى لو لم تقرءوا البردة ولا غيرها.ثم تملأ البطون بالأطعمة والحلويات الخاصة، والفقراء بالحمص، ولذلك يقولون في الأمثال العامية: خرجنا من المولد بلا حمص.وفي هذه الموالد تحصل كثير من المنكرات والمفاسد، وفي بعض البلدان استعمال الغناء وآلات الطرب، واختلاط الرجال بالنساء وهذا مشاهد ولا يمكن إنكاره، وحتى الراقصات يشاركن في ذلك، وقد قرأت في بعض الجرائد تحقيقاً صحفياً في مشاركة الراقصات في المولد والأجور التي يأخذنها، ويسمع الغناء وتصفيق النساء ويكون في الاختلاط سبب عظيم للفتنة.الجمع بين كتاب الله والأغاني في مناسبة واحدة، الأغاني والألحان والطرب وهز الرءوس والتمايل والدف والمزهر والمزمار والدربكة وغيرها أو بعضها في مجلس ذكر، كيف يكون هذا؟! يعملون أعمال الشياطين ويطلبون الأجر من رب العالمين؟! أين هؤلاء من قوله عز وجل: وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ [المائدة:83]؟ هذا هو التفاعل الحقيقي وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [المائدة:83] وتخرج النساء إلى المقابر متبرجات في المولد، ويصبح المولد غرضاً ومجالاً للأغراض المشينة، ويتبعونه بموالد أخرى وزيارات لقبور أخرى في بعض البلدان.عباد الله.. لو خلا هذا من المحرمات وكان مجرد جلسة كما قلنا، فإن العلماء قد بينوا حكم ذلك قال ابن الحاج الإمام المالكي في كتابه المدخل : فإن خلا المولد النبوي- يعني من المنكرات والغناء وتوابعها- وعمل طعام فقط ودعي إليه الناس، دعا به الإخوان، فهو بدعة بنفسيته فقط، إذ أن ذلك زيادةٌ في الدين وليس من عمل السلف الماضية (لا تقوم الساعة حتى يصير المعروف منكراً والمنكر معروفاً) ولذلك أكثر العالم الإسلامي- وهذه حقيقة يعترف بها- يحتفلون بالمولد.قد عرف المنكر واستنكر المعروف في أيامنا الصعبة وصار أهل العلم في وحدةٍ وصار أهل الجهل في رتبة حادوا عن الحق فما للذي ساروا به في ما مضى نسبة فقلت للأبرار أهل التقى والدين لما اشتدت الكربة لا تنكروا أحوالكم قد أتت نوبتكم في زمن الغربة وهذا ما حصل والله، ونحن من الواجب علينا النصح والتذكير بالأسلوب الحسن والكلام الحسن ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125].نسأل الله أن يجنبنا البدع ما ظهر منها وما بطن، نسأل الله تعالى أن يرزقنا اتباع السنة وأن يحيينا عليها وأن يميتنا عليها إنه سميع مجيب قريب.اللهم آمنا في الأوطان والدور وأصلح الأئمة وولاة الأمور، واغفر لنا يا عزيز يا غفور، اللهم إنا نسألك نصراً تنصر به أولياءك وحزبك المفلحين، اللهم انصر من نصر الدين واخذل من خذل المسلمين، اللهم رد عن إخواننا كيد الكائدين وعدوان المعتدين يا رب العالمين، كن معهم ولا تكن عليهم، وانصرهم ولا تنصر عليهم يا أرحم الراحمين.سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الحث على طلب العلم للشيخ : محمد المنجد

http://audio.islamweb.net