إسلام ويب

آداب الجوارللشيخ : محمد المنجد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • آداب الجوار في الإسلام عظيمة، وحقوق الجار كثيرة، وفي كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم الكثير من الأحكام المتعلقة بآداب الجار وحقوقه، وفي هذه المادة شرح مفصل لتلك الآداب والحقوق.

    1.   

    تعريف الجار عند أهل اللغة والاصطلاح

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    وبعــد:

    سنتحدث في هذه المجموعة الثانية من الآداب عن "أدب الجوار".

    والجِوار بكسر الجيم مصدر جاور، يقال: جاور جواراً ومجاورة، ومن معاني الجوار المساكنة والملاصقة، وأيضاً تطلق على الاعتكاف في المسجد والمجاورة في الحرمين، ويطلق الجوار أيضاً على العهد والأمان، ومن الجوار الجار، ويطلق على معان، منها: المجاور في المسكن، والشريك في العقار أو التجارة، والزوج أو الزوجة، والضرة يطلق عليها جارة، كما جاء في حديث: (لا يغرنكِ إن كانت جارتك أوضع).

    وكذلك يطلق على الحليف والناصر، وقال الشافعي رحمه الله: كل من قارب بدنه بدن صاحبه قيل له: جار، وبناءً على ذلك فإن المجاور على مقاعد الدراسة في فصل المدرسة وصفوف الجامعة يعتبر جاراً، ويدخل في حقوق الجوار.

    وقال الراغب رحمه الله: الجار من يقرب مسكنه منك، وهو من الأسماء المتضايفة، فإن الجار لا يكون جاراً لغيره إلا وذلك الغير جار له، كالأخ والصديق.

    والمعنى الاصطلاحي للجوار هو: الملاصقة في السكن أو نحوه، وعندما أقول: ونحوه، يدخل فيها الدكاكين والمحلات والمكاتب والشركات والمؤسسات، فصاحب المكتب جار لصاحب المكتب الذي بجانبه وهكذا.

    حد الجار والجوار

    وحد الجار كما ذهب الشافعية والحنابلة أربعون داراً من كل جانب، من الأمام والخلف واليمين والشمال، والدليل على ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (حق الجار أربعون داراً هكذا وهكذا وهكذا) وبعضهم ضيق فقال: الجار هو الملاصق من جميع الجهات، أو المقابل له، بينهما شارع ضيق، فلا يفصل بينهما نهر متسع أو سوق كبير ونحو ذلك، وبعضهم عرفه بأنه: ما يجمعهما مسجد أو مسجدان متقاربان، وبعضهم قال: إن العرف هو الذي يضبط قضية الجوار، وحملوا حديث الأربعين على التكرمة والاحترام، ككف الأذى ودفع الضرر، والبشر في الوجه والإهداء، وإلى غير ذلك.

    ولاشك أن الملاصق أولى الناس بأن يطلق عليه اسم الجار، ويقال حتى للساكن معك في المدينة: جاوره فيها، كما قال الله تعالى: ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلاً [الأحزاب:60] ولما استعظم حق الجار عقلاً وشرعاً عبر عن كل من يعظم حقه بالجار، كما قال تعالى: وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى [النساء:36] وقد تُصور من الجار معنى القرب، فقيل لمن يقرب من غيره: جاره وجاوره وتجاور معه.

    ثم إن جمع جار جيران، والاسم هو الجوار، ويقال للمشارك في العقار والمقاسم: جار أيضاً.

    وأما بالنسبة لحقه فإن حقه عظيم جداً، وقد قال الله سبحانه وتعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً [النساء:36].

    وإذا أردنا أن نضبط الجار بالعدد؛ فإن أقرب التعريفات التي مرت معنا والتي يسندها الدليل: أربعون جاراً من كل جانب من الجوانب.

    أنواع الجار

    وفي الآية التي قرأناها قبل قليل: وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ [النساء:36] ما هو الفرق بين هذا وهذا؟

    أما صاحب القربى فالقربى معروفة، وأما بالنسبة للجار الجُنُب، أي: البعيد الذي لا قرابة له، فلما ذكر جار القربى ذكر النوع الآخر من الجيران وهو الجار الذي ليس له قرابة.

    والجيران عموماً ثلاثة: جار له ثلاثة حقوق، وجار له حقان، وجار له حق واحد.

    فأما الجار الذي له ثلاثة حقوق فهو الجار صاحب القربى، فله حق القرابة وحق الجوار وحق الإسلام.

    وأما الجار الذي له حقان، فجارك المسلم غير القريب، فله حقان حق الإسلام وحق الجوار.

    وإذا كان لك جار كافر فله حق واحد وهو حق الجوار.

    وبعض من فسر الآية أدخل في قوله تعالى: وَالْجَارِ الْجُنُبِ [النساء:36] كل من جاورك في صناعة أو دراسة أو سفر، فالذي يجلس بجوارك في مقعد الطائرة -مثلاً- أو السيارة يعتبر جاراً، والمرأة جار للرجل الزوج، والزوج جار؛ لأجل الاشتراك الحاصل والقرب الشديد الذي يكون بينهما.

    1.   

    الأحاديث الواردة في الجار

    وأما بالنسبة للأحاديث الواردة في الجار فإنها كثيرة جداً.

    وصية جبريل للرسول صلى الله عليه وسلم بالجار

    من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه) متفق عليه، ومعنى يوصيني به أي: بالاعتناء به والاحتفاء بشأنه، وأن تكون دائماً مهتماً بشأنه، وقوله: (حتى ظننت) أي: من شدة الإيصاء (أنه سيورثه) حتى يكون من أسباب الإرث الجوار، فأسباب الميراث ثلاثة:

    أسباب ميراث الورى ثلاثه     كل يفيد ربه الوراثه

    وهي نكاح وولاء ونسب      ما بعدهن للمواريث سبب

    فكاد أن يكون أسباب الميراث في الورى أربعة: نكاح وولاء ونسب وجوار: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه).

    وقد كان الجوار في بداية الإسلام من أسباب الميراث والتعاهد والتناصر، أي: الإخوة في الدين لها دخل بالميراث، ثم نسخت بآية المواريث للقربى: وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ [الأنفال:75].

    وصية الرسول لأبي ذر

    قال عليه الصلاة والسلام موصياً أبا ذر : (يا أبا ذر ! إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك) رواه مسلم ، وهذه الوصية من النبي صلى الله عليه وسلم لـأبي ذر رضي الله تعالى عنه في مسألة طبخ المرقة -أي: طبخ اللحم- والمرق قد يحوي لحماً وقد يحوي أشياء أخرى، فالنبي صلى الله عليه وسلم أوصى أبا ذر رضي الله تعالى عنه أن يكثر المرق إذا طبخ شيئاً بإدام، أو بمرقة أن يكثر منها ويرسل إلى جاره.

    وقوله: (فأكثر ماءها)، ليكثر الإدام، وهو ما يؤتدم به حتى يلين الخبز ويسيغه. (وتعاهد جيرانك)، وهذا أمر من النبي صلى الله عليه وسلم وأكد عليه، أي: بالإحسان إليهم، وفعل البر معهم، بإشراكهم في الطعام الذي طبخته، وقد جاء عند ابن أبي شيبة هذا الحديث بلفظ: (إذا طبختم لحماً؛ فأكثروا المرق؛ فإنه أوسع وأبلغ للجيران) فهذا حث على مكارم الأخلاق، وإرشاد إلى محاسنها، وقد يتأذى الجار بقتار قدر جار، وقتار القدر: ريح الطبخ، فقد يتأذى الجيران منه، فلا أقل من أن يعطوا مما شموا رائحته أو تأذوا منه، أو وصل إليهم دخانه مثلاً، وقد تتهيج عند صغارهم الشهوة إلى الطعام مما شموا من الجار، وتشتد الحسرة والألم عند الفقير الذي لا يجد مثلما عند جاره عندما يشتم رائحة طعامه، وربما يكون المجاور يتيماً أو أرملة، فتكون المشقة أعظم وتشتد الحسرة عند الصغير.

    ولذلك جعل تشريكه في شيء من الطبخ نوعاً من المواساة لما اشتموا من هذه الرائحة، فلا أقبح من منع الشيء اليسير للمحتاج، أما إذا كان إرسال مرقة دون شيء يفهمه الجار على أنه استهانة به مثلاً، فلا يفعل الإنسان ما يؤدي إلى استياء جاره منه، أو شعوره بعدم التقدير له.

    قال أبو ذر: (إن خليلي صلى الله عليه وسلم أوصاني وقال: إذا طبخت مرقة؛ فأكثر ماءها ثم انظر أهل بيت من جيرانك؛ فأصبهم منها بمعروف) طبعاً (منها) يعود على المرق، و(بمعروف) هذه اللفظة: إيماء إلى أن المرسَل إلى الجيران ينبغي أن يكون شيئاً نافعاً، ولو كان قليلاً، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: (لا تحقرن من المعروف شيئاً).. و( لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة) متفق عليه.

    والنبي صلى الله عليه وسلم قد قال أيضاً: (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل: من يا رسول الله؟! قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه) .. (لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه) هذه رواية مسلم، والبوائق هي الغوائل والشرور، ومعنى (لا يدخل الجنة) أي: لا يدخل الجنة ناجياً، إلا يصيبه شيء من العذاب، أو لا يكون أول الداخلين، فهذا المسيء إلى جاره لا تتوقع أن يكون أول الداخلين، أو من أوائل الداخلين، أو أنه يدخل دون حساب ولا عذاب، فلابد أن يصيبه شيء من جراء ما آذى جيرانه.

    ونظراً لأن النساء كثيرات المكث في المنزل أكثر من الرجال، واحتكاك الجارة بجارتها أكثر من احتكاك الجار بجاره، حيث أن الرجال خروجهم من البيت أكثر من النساء، كان لابد من وصية خاصة إلى الجارات لبعضهن البعض، وهذا حديث النبي صلى الله عليه وسلم : (لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة) متفق عليه. لما قال: (يا نساء المسلمات!) أي: يا نساء الجماعة المسلمات (لا تحقرن جارة لجارتها شيئاً من المعروف ولو فرسن شاة) وهو الشيء اليسير جداً.

    الوصية بالسماح للجار بالاستفادة من جاره

    إن بين الجيران مرافق مشتركة كالجدران والأسوار ونحوها، وربما احتاج الجار أن يضع خشبة على الجدار المشترك، أو على جدار الجار ليستفيد منه، وقد يمنعه، ويقول: هذا حائطي -مثلاً- ونحو ذلك، فقال عليه الصلاة والسلام: (لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره) ثم يقول أبو هريرة : [مالي أراكم عنها معرضين؟! والله لأرمين بها بين أكتافكم] متفق عليه.

    فقوله: (لا يمنع) نهي أن يمنع جاره أن يغرز ولو كان في ملكه، وقوله: (أن يغرز خشبة في جداره) يعود على جدار المانع الذي يمنع، فإذا كان المقصود جداره هو فهذا لا يحتاج إلى وصية، لكن قال: (لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره) أي: جدار الجار الآخر؛ لأن ذلك شيء يسير، وينبغي أن يتسامح به ويتساهل فيه، ثم قال أبو هريرة رضي الله عنه راوي الحديث: [مالي أراكم عنها] أي: عن هذه الخصلة من السماح للجار أن يغرز خشبة عندك [مالي أراكم عنها معرضين؟!] هل استغربتم الكلام، أو أعرضتم عنه بقلوبكم، أو نفرتم منه، أو لا تفعلونه في الواقع؟ [والله لأرمين بها ]، أي: بهذه السنة التي جاءت في الحديث [بين أكتافكم]، أي: سأبلغكم إياها، وألقيها على مسامعكم، وأوجعكم تقريعاً مما فيها، كما يضرب الإنسان الآخر ويرميه بالشيء بين كتفيه.

    والرسول صلى الله عليه وسلم لما أوصى بهذه الوصية أراد أن يكون هناك اشتراك في المرافق، أو الشيء الذي بينك وبينه لا تمنعه الاستفادة منه، إذا أراد أن يضرب مسماراً، أو يشد حبلاً مثلاً، أو يضع جزءاً من خشب أو ساتر، ونحو ذلك من هذه الأشياء المفيدة التي تفيده ولا تضرك، فلا تمنعه من الارتفاق بها والاستفادة منها.

    وهذا الحديث يمكن أن يفهم منه الوجوب، ولذلك اختلف العلماء في حكم تمكين الجار من وضع الخشب على جدار جاره، هل يجب أن يمكنه، ويأثم إذا منعه؟ قال بذلك بعض العلماء، وهما قولان للشافعي ، والإيجاب قال به أحمد وأبو ثور رحمهما الله من أصحاب الحديث، وهو ظاهر الحديث، والمعظم للسنة يقتضي أن يأخذ بهذا، وكلام أبي هريرة : [ما لي أراكم عنها معرضين؟!] ربما يدل على شيء من هذا، وكأن أبا هريرة لاحظ أنهم استغربوا الكلام، أو أنهم توقفوا عن العمل مثلاً، فقال: [ مالي أراكم عنها معرضين؟!] أي: لا تريدون هذا.

    1.   

    حرمة إيذاء الجار والأمر بالإحسان إليه

    وقال صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره) والإيذاء أنواعه كثيرة، وإيذاء الجار حرام، وسنأتي على بعض أنواع الإيذاء، وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره) فذكر الإحسان وعدم الإيذاء حتى تكتمل القضية من طرفين: إحسان وعدم إيذاء؛ لأن عدم الإيذاء لا يتضمن الإحسان، أي: أنت ممكن لا تؤذي لكن لا تحسن، فليس المطلوب فقط أنك لا تؤذي، ولكن أن تحسن أيضاً.

    أما الإحسان فهو ينافي الإيذاء، أي: إذا قال أحسن، فواضح أنه لا تؤذي، لكن عندما قال: لا تؤذي، فقد أكد على هذا الجانب؛ لأنه يحصل أذية من الجيران لبعضهم، ولذلك أكد عليه من جهتين: الإحسان وعدم الإيذاء، لكن عدم الإيذاء لا يعني وجوب الإحسان.

    والرسول صلى الله عليه وسلم لما سألته عائشة رضي الله عنها وقالت له: (يا رسول الله! إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: إلى أقربهما منك باباً) رواه البخاري. فالرسول صلى الله عليه وسلم لما أمر بإكرام الجار عملت عائشة رضي الله عنها، وقد كان الزاد عندهم قليلاً، ولم يكونوا على سعة من العيش، وكانت تمر أيام كثيرة لا يوقد في بيت النبي عليه الصلاة والسلام نار ولا هناك شيء يطبخ، وأرسل مرة في طلب طعام لضيفه فلم يجد إلا الماء، وأحياناً يأتي لبن من هنا أو شيء من هنا، مما يهدى إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فهم كانوا من جهة العيش ليسوا في سعة، فلما كان هذا، وربما يحضر عند عائشة القليل، والجيران كثر، قلنا: أربعون من كل جانب، فما الذي يسع هؤلاء الجيران الكثر؟ فلذلك سألته قالت: (إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: إلى أقربهما منك باباً) وهذا أحد الأقوال في تفسير (والجار الجنب والجار ذي القربى) على أحد الأقوال، ولكن القول الأشهر: القربى صاحب القرابة النسبية.

    وقال عليه الصلاة والسلام: (خير الجيران عند الله خيرهم لجاره) رواه الترمذي وهو حديث حسن. و(خيرهم لجاره) أي: في النفع والدفع، فهو ينفعه ويدفع عنه ما يؤذيه، فهذا خير الناس وأكثرهم ثواباً، وأكرمهم منزلة عند الله سبحانه وتعالى.

    تعوذ الرسول صلى الله عليه وسلم من جار السوء

    وقد ذكر صلى الله عليه وسلم أحاديث متعددة في مسألة الجار، ومن ذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ من الجار السيء، يقول: (اللهم إني أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة، فإن جار البادية يتحول) حديث صحيح، رواه ابن حبان ، والحاكم وصححه الذهبي والألباني ، فجار البادية -مثلاً- أنت ذاهب إلى البحر فجاء عندك جار سوء، هذا مهما مكث لا يطيل، لكن في البلد وبالذات إذا كان بيتك بيت ملك، وحتى إن كنت مستأجراً، فالنقل من البيت عذاب وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ [الحشر:3] الجلاء عن البيت والديار عذاب، ولولا أن كتب الله عليهم هذا النوع من العذاب لعذبهم بعذاب آخر، هذا معنى الآية.

    فجار السوء في دار المقامة مصيبة؛ خصوصاً إذا كان بيتاً لا تجد له بديلاً، فهذا من أكبر المصائب، ولذلك الرسول صلى الله عليه وسلم استعاذ منه، قال: (اللهم إني أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة، فإن جار البادية يتحول).

    إعانة الجار من علامات الإيمان الكامل

    ولا يمكن أن يكون الإنسان مؤمناً إذا بات شبعان وجاره جائع، كما جاء ذلك في الحديث الصحيح الذي رواه الطبراني وأبو يعلى ورجاله ثقات: (ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه، وهو يعلم به) رواه البزار وإسناده حسن؛ لأن بعض الجيران قد لا يعلم بحقيقة جاره، ولذلك إذا وصل إليك علم عن جارك، فقد قامت عليك الحجة في مساعدته.

    من سعادة الإنسان الجار الصالح

    ومن سعادة الإنسان في المقابل الجار الصالح، كما جاء ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (من سعادة المرء: الجار الصالح والمركب الهنيء والمسكن الواسع) وقال: (أربع من السعادة: ...وذكر الجار الصالح، وأربع من الشقاء: ...وذكر الجار السوء) فإذا كان للإنسان جار صالح كان هذا من أسباب سعادته في الدنيا وهناء عيشه.

    وصية الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة

    أذية الجار من أسباب دخول النار

    وكذلك فإنه عليه الصلاة والسلام قد أخبر عن امرأة أنها من أهل النار مع صلاتها وصدقتها وصيامها، لماذا؟ لأنها كانت تؤذي جيرانها، والحديث رواه أحمد والبزار وابن حبان والحاكم وقال: صحيح الإسناد، ورواه ابن أبي شيبة ، قال رجل: (يا رسول الله! إن فلانة تكثر من صلاتها وصدقتها وصيامها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها -باللسان- قال: هي في النار، قال: يا رسول الله! فإن فلانة يذكر من قلة صيامها وصلاتها وأنها تتصدق بالأثوار من الإقط -الإقط هو اللبن المجفف، وهو من الشيء الزهيد- ولا تؤذي جيرانها، قال: هي في الجنة) فما نفع تلك كثرة صلاتها وصيامها وصدقتها؛ لأنها تؤذي جيرانها، وهذه نفعها الإحسان وعدم إيذاء الجار، فأخبر عليه الصلاة والسلام أنها في الجنة، فهذه من الأدلة على خطورة هذا الموضوع، وأنه لابد من الاهتمام به.

    1.   

    حال جيران الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة

    كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يطبقون ذلك عملياً، فكان جيرانه عليه الصلاة والسلام يهدون إليه، ولذلك لما جاع أبو هريرة رضي الله عنه؛ أرسل له صلى الله عليه وسلم قدحاً من لبن، فأشرك أهل الصفة فيه، وقد كانت أسماء امرأة الزبير رضي الله تعالى عنهما عندما جاءوا من مكة إلى المدينة في حالة هجرة وحالتهم صعبة، وعليهم إنشاء بيت جديد وأسرة في مكان غريب، فليس الأمر سهلاً، مع قلة ما في أيديهم، فقد خرجوا بلا مال مهاجرين إلى الله ورسوله، فتقول أسماء موضحة أن مما سهل عليها المعيشة أنه كان لها جارات صدق يخبزن لها، يساعدنها في الخبز والعجن، فقالت: [ جيران من الأنصار نسوة صدق ] كن يساعدنها.

    1.   

    حاجة الجيران إلى بعضهم بعضاً

    الإنسان لا يزال محتاجاً إلى جاره؛ لأن هناك طوارئ كثيرة لا يعينه فيها إلا الجار، ولذلك رأى أبو بكر الصديق رضي الله عنه ولده عبد الرحمن وهو يناصي جاراً له، فقال: [ لا تناص جارك، فإن هذا يبقى والناس يذهبون ] ناصى جاره أي: أخذ بناصيته، وصار بينهما أمر فيه شدة، وكذلك فإن رجلاً جاء إلى ابن مسعود رضي الله عنه، فقال: [ إن لي جاراً يؤذيني ويشتمني ويضيق علي، قال: اذهب فإن هو عصى الله فيك، فأطع الله فيه ].

    وكذلك فإن الحسن البصري رحمه الله من شدة حق الجار كان لا يرى بأساً أن يطعم الإنسان جاره اليهودي أو النصراني من أضحيته.

    وجاء الحسن بن عيسى النيسابوري إلى عبد الله بن المبارك ، فقال: الجار المجاور يأتيني، فيشكو غلامي أنه أتى إليه أمراً، والغلام ينكره، فأكره أن أضربه ولعله بريء.

    أي: فإن ضربت غلامي قد يكون الغلام بريئاً، وإن سكت فقد يكون الجار صادقاً وغلامي مخطئاً مخطئ، فكيف أصنع؟

    قال: إن غلامك لعله يحدث حدثاً يستوجب فيه الأدب فاحفظ عليه -الآن هذا يحتاج إلى مراقبة وأن تحسب عليه تصرفاته- فإذا شكاه جارك فأدبه على ذلك الحدث، فتكون قد أرضيت جارك وأدبته على ذلك الحدث. أي يقول: هذا الغلام الذي عندك لا يخلو أن يخطئ، وليس ضرورياً في حق الجار، بل يخطئ أي خطأ آخر، يهمل فيكسر شيئاً مثلاً؛ فأنت الآن جارك يشتكي من الغلام والغلام ينكر، وأنت لا تعلم أهذا الغلام صادق أم الجار، فماذا تعمل؟ قال: عدَّ على هذا الغلام مواقفه، فإذا جاء أمر أخطأ فيه؛ فعاقبه بعلم جارك، فيظن الجار أنك عاقبته من أجله، والغلام يعلم أن العقوبة من أجل خطئه، فما ظلمت وأرضيت الجار، وهذا تلطف في الجمع بين الحقين.

    1.   

    حقوق الجار في الإسلام

    إن حقوق الجار متعددة وكثيرة، ومما ذكره العلماء في حقوق الجار: إذا استعانك فأعنه، وإذا استقرضك فأقرضه، وإذا افتقر عد إليه، وإذا مرض فعده، وإذا أصابه خير فهنئه، وإذا أصابته مصيبة فعزه، وإذا مات فاتبع جنازته، ولا تستطل عليه بالبنيان فتحجب عنه الريح إلا بإذنه، ولا تؤذه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها، وإن اشتريت فاكهة فأهد له، فإن لم تفعل فأدخلها سراً؛ لأن ذلك من الإيذاء النفسي، فهذا يرى جاره يدخل الكراتين، وهو ليس عنده شيء، لا كيلو ولا حبة من الفواكه، فإذا لم ترد أن تعطيه منها فأدخلها سراً، ولا يخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده، فهذا ولده يخرج وفي يده الحبة الكبيرة من الفواكه وولد ذاك مسكين ليس عنده شيء، فلا تجعل ولدك يغيظ ولد جارك، بأن يخرج إليه بشيء لا يملك مثله، فيتألم الغلام الآخر.

    وكذلك من الحقوق: إيصال الخير إليه بكل الطرق، مثل كف الضرر عنه بكل طريقة، ثم البدء بالسلام؛ لأنك لا بد أن تلقاه على باب البيت كثيراً، هو يدخل ويخرج، وأنت تدخل وتخرج، فابدأه بالسلام، ولا تطل معه الكلام بحيث تضايقه، ولا تجمع له الزلات ثم تحاسبه عليها كما تحاسب موظفاً أو سائقاً أو خادماً عندك، وأظهر السرور بما أسره، واصفح عن زلاته، ولا تطلع على عوراته، ولا تضايقه بوضع الجذع على جداره، ولا تطرح القمامة أمام بابه، ولا تضيق عليه الطريق، ولا تقف بسيارتك أمام باب (الكراج) -كما في هذه الأيام- أو تأخذ مكان سيارته المظلل الذي أمام بيته؛ لأنه -الآن- هناك مواقف قد تكون مخصصة، كل عمارة مثلاً تخصص لكل شقة موقفاً للسيارة، أو يأخذ المكان الذي أمام البيت بالضبط، أو يسد عليه مكان الخروج، واستر ما انكشف من عوراته.

    حفظ دار الجار في غيبته

    ولا تغفل عن ملاحظة داره عند غيبته، فقد يسافر ويرجع ويجد البيت كله مسروقاً، قال: والله رأينا سيارة شركة جاءت وحملت، فقلنا: يمكن أنك نقلت! والمشكلة الآن أنهم لا يدرون عن أحوال بعضهم، فهذا ينقل من المنطقة ولا تدري عنه أنه سينتقل من البيت، ثم بعد ذلك يقول: فكرنا أنك نقلت من البيت، وما هو إلا لص محترف، أتى بسيارة شركة وقال: عندي بيت، ومن الشركة التي تتأكد أن هذا بيت ملك فلان؟ بمجرد أنه عرف أن هذا البيت قد غاب صاحبه، فتح الباب وأتى بشركة، وقال: انقلوا الأثاث، وهو من بعيد لو وقع شيء لهرب، وإذا لم يقع شيء أخذ الأثاث، وهذا جاره يقول: أنا لا أدري، ظننتك نقلت، الجار نقل، خبر كبير كيف لا يدرى عنه؟! فلذلك إذا سافر الجار؛ من حق الجار عليه أن يلاحظ داره في غيبته، ولو رأى شيئاً أمام بيت الجار كأناس غرباء واقفين، فإنه يسألهم: ماذا عندكم؟ ماذا تريدون؟ لا بد أن تعتبر بيته مثل بيتك.

    ولا تسمع كلاماً فيه بدون دليل، ولا تسمح لأحد أن يوغر صدرك عليه.

    غض البصر عن نساء الجار

    وغض بصرك عن نسائه؛ لأن الجار لا يخلو أن تخرج نساء بيته أو بناته من الدار، إذا خرجن فربما تكون المرأة لم تعدل ملابسها بعد، فبعض النساء تخرج وتعدل على الطريق، من قلة الدين تجد بعض النساء وهي خارجة تكمل لبس العباءة، وهي قد صارت في الشارع، ومن المفترض أنها قبل أن تخرج من بيتها يكون الحجاب قد اكتمل كله، لكن مع الأسف بعض النساء لا تكمل لبس حجابها إلا وهي في الشارع، فما على الجار إلا أن ينصح وأن يغض بصره.

    كذلك تقف السيارة -مثلاً- أمام باب الجار فتنزل منها نساؤه، والمرأة إذا نزلت لا تخلو أن تنكشف ساقها مثلاً، فغض البصر عن نساء الجيران وهن يدخلن ويخرجن، وهن ينزلن من المركبة وهن يصعدن إليها.

    كذلك بعض الخادمات تخرج لرمي القمامة مشمرة.. فلابد من نصح الجار أن الخادمة التي عنده لابد أن تحتشم، وخروجها لإلقاء القمامة في البرميل لابد أن يكون بحشمة وحجاب، وإذا لم تحتشم فإنه يمنعها من الخروج، ويجعل السائق أو هو بنفسه يخرج القمامة، فإذا خرجت الخادمة غض بصره لحق الجار؛ لأن هذه خادمة الجار، وبعض الناس يقول لك: خادمة الجار ليس لها قيمة، لو أننا عبثنا معها هي سيرلانكيه. حتى وإذا كانت سيرلانكية، هل يعني هذا سقطت الحرمة؟! فمن حقوق الجار أن تحترم حتى حرمة خادمته وتقوم بالنصيحة.

    وأن تتلطف مع أولاده؛ لأن من المشكلات الكبيرة أن بعض الناس يعتبر أن له الأحقية في معاقبة أولاد الجيران، فتجده يأخذ راحته في ضرب ولد الجار، كأن يكون الولد يلعب بالكرة، وهو ولد من طبيعته اللعب، فالأشياء العادية تحتمل، وإذا كان قد زودها فلا بأس أن تحتمل أنت، وإذا أصبح الأمر لا يطاق كلم أباه، لكن أن تعطي لنفسك الأحقية بضرب ولد الجار فوراً بدون إعلام ولا إخبار أبيه فهذا غير صحيح، والإنسان المطلوب منه أن يتحمل.

    والآن حق الجار أن يتحمل أذاه، وليس أن يرصد له تحركاته.

    جاء واحد من الإخوان، قال: يا أخي -والله- أنا لا استريح لهذا الجار، لا أجدهم إلا يحركون الستارة، وإذا نظرت لهم يغلقون الستارة طول الوقت، يكشفون الستارة وينظرون إلى مدخل البيت وإلى شبابيكه، فهذا في الحقيقة قلة دين وقلة مروءة، وضعف في الأخلاق.

    نصيحة الجار وتعليمه أمور الدين

    ثم إن من حقوق الجار أن تعلمه أمور دينه، وأن ينصح في الأشياء التي فيها واجبات، مثلاً ينصح بصلاة الجماعة، ويزار ويكلم ويناصح ويوعظ، وكذلك إذا جعل منكراً في بيته ينصح بإزالته، وهذه المسألة من المسائل التي تكلم فيها العلماء، وهي قضية إنكار منكر الجار، نقل عن مهنا الأنباري رحمه الله عن أحمد أنه سمع صوت طبل عند جيرانه، فأرسل إليهم ونهاهم.

    فيرسل إليه الولد ويقول: لو سمحتم! لا تشغلوا هذا المنكر في البيت، فإن أذاه قد وصل إلينا، فاتقوا الله.

    وأما بالنسبة للمنكرات التي في قعر بيت الجار، فهذه لها تعامل خاص، جاء عن الإمام أحمد رحمه الله في رواية محمد بن أبي حرب في الرجل يسمع المنكر في دار بعض جيرانه، قال: يأمره، فإن لم يقبل جمع عليه الجيران ويهول عليه، يقول: يا فلان! بيت فيه كذا، ويخرج منه كذا، ويدخل إليه كذا، نحن الآن في شارع وحي واحد، وهناك نساء أجنبيات من أشكال وألوان مختلفة داخلات خارجات، إما أنك ترى لك حلاً وإلا نرفع بك إلى المحكمة، فإذا صار بيت الجار موضع اشتباه يوعظ ويخوف بالله، وإذا ما اتعظ يجمع عليه الجيران ثلاثة أو أربعة أو خمسة.. ويذهبون معاً؛ لأنه قد لا يخاف من الواحد لكن يخاف من المجموعة، فإن لم؛ هدده، فيقول: سأشتكي وأرفع الأمر إلى القاضي، لأن مصلحة الجار في الحقيقة أن يكف عن المنكر، إذا أردت أن ترحمه؛ فعليك أن تسعى لمنعه من المنكر الذي يعذب بسببه في الآخرة، وتدرأ عنه عذاب الآخرة بنصيحته.

    وأما بالنسبة لقضية التجسس، لو قال واحد: جاري أخاف أن يكون عنده بلاء، أريد أن أتجسس، نقول: المسلم الذي ظاهره العدالة لا يجوز التجسس عليه، لا يوجد هناك قرائن على الفساد، ولا رأيت مناظر وأشياء مريبة، فلا يجوز أن تقول: يمكن أن هناك شيئاً وأنا لا أدري، ما الذي أدخلك في الموضوع؟ لا يجوز لك أن تتجسس مطلقاً في هذا الجانب، لقول ابن مسعود رضي الله عنه: [إنا قد نهينا عن التجسس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به].

    احتمال أذى الجار

    وكذلك من حقوق الجار: ليس كف الأذى، وإنما احتمال الأذى، فأنت تكف أذاك وتحتمل أذاه، وأن تبتدئ معه بالخير، وأن تحذر من إتباع النظر إليه فيما يحمله إلى داره، وتحذر من الاستماع إلى كلامه.

    والآن بسبب تقارب هذه البيوت بعض الجيران عندهم أخبار الجيران كلها بالتفصيل، الخصومات التي بينه وبين زوجته بالتفصيل، والخصومات التي بين زوجة الجار والخادمة بالتفصيل، وكل الأشياء، مثلاً: افرض أن هناك غرفة يصل إليك منها الصوت، وصار عندهم كلام خاص حتى لو كان مشكلة بين الرجل وزوجته فإن عليك أن تخرج إلى غرفة أخرى لكيلا تستمع الكلام، ولو سمعت شيئاً لا تنقله في المجالس، فتقول: عندنا جارنا فلان يقول لزوجته كذا، وهي ترد عليه كذا، وتنقل الحوارات الخاصة؛ لأن هذه من أسرار البيوت في الحقيقة، فينبغي حفظ سره، وقضاء حاجات أهل الجار إذا غاب.

    عدم إزعاج الجار بالأصوات العالية

    وكذلك الحذر من إزعاجه بالأصوات، فإن بعض الناس يشغل أقصى ما يمكن من صوت المسجل ونحوه ويؤذي جاره، وهذا مشاهد وكثير، وبعض أنواع البيوت قد تكون أسقفها مشتركة فالصوت يصل بسرعة للاشتراك في السقف أو البناء، فيكون ما يشغله من أصوات في بيته واصل إلى الجار، سواءً كان طاعة أو كان معصية، أو كان شيئاً مباحاً، فلا يجوز الإزعاج به مطلقاً، قد يكون في وقت القيلولة، وقد يكون في وقت الليل، وقت نومه وراحته.

    وكم من جيران يرمون قماماتهم أمام أبواب جيرانهم، وكم من جيران يستعيرون بعض المتاع من جيرانهم ثم لا يردونه، وكم من جيران لا أمانة لهم على أموال جيرانهم، وكم من رجل فاضل هجر داره من أجل جاره المؤذي، وربما وسط الإنسان وسائط لكي يكف الجار أذاه.

    دعوة الجار إلى الخير

    وكذلك فإن من حقوق الجار أيضاً: أن الإنسان يدعوه إلى الخير، افرض جارك شيخاً أو عالماً أو إمام مسجد، تذكره بالخير في دعوته ليحضر معك في هذا، فتوصل إليه نفعاً، مثلاً: أهل الحي لهم مجلس يأتون فيه بأمور من الخير، فإذاً ينبغي عليك أن تدعو جارك ليستفيد من الخير، ولو غاب وقد تناقلوا فيما بينهم كتاباً مفيداً أو شريطاً إسلامياً نافعاً فخذ نسخة لجارك، تقول: فلان غائب نصيبه وحصته عندي، من الوفاء له أن تتذكره في غيبته لتأخذ له ما يستفيد منه.

    والإنسان أحياناً إذا آذاه جاره لا يستطيع أن يرد الأذى بالأذى، لكن قضية تأليب الناس الآخرين عليه كعامل ضغط -الذي سبقت الإشارة- بأن يجمع الجيران مثلاً، هذا العامل من الضغط قد نبه إليه النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً قد آذاه جاره، والحديث عند أبي داود وهو حديث صحيح، أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو جاره، قال: (اطرح متاعك على الطريق) يقول للمُؤْذَى الذي أُوذي: أنزل عفشك على الرصيف، فهذا الرجل امتثل لأمر النبي عليه الصلاة والسلام وأنزل متاعه على الرصيف، فجعل الناس يمرون به لما طرح متاعه على الطريق، ويسألونه: لماذا وضعت متاعك على الطريق؟ يقول: جاري هذا مؤذ، ولم أستطع تحمله، فجعل الناس يلعنون هذا الجار، يقولون: فعل الله به وفعل الله به، فجاء إليه جاره فقال: ارجع لا ترى مني شيئاً تكرهه.

    فبعض الناس لا يخافون من الله، ولكن يخافون من الرأي العام، ومن عموم الناس، ومن ضغط المجتمع إذا اجتمع عليهم الناس، وهذا الذي نبه إليه صلى الله عليه وسلم هذا الرجل ليتخلص من أذية جاره.

    وكذلك فإن الجيران يختلفون في الأحوال من جهة الصلاح وعدمه، قال ابن حجر رحمه الله: ويفترق الحال في ذلك بالنسبة للجار الصالح وغير الصالح، والذي يشمل الجميع إرادة الخير له، وموعظته بالحسنى، والدعاء له بالهداية، وترك الإضرار له، إلا في الموضع الذي يجب فيه الإضرار له بالقول والفعل، والذي يخص الصالح هو جميع ما تقدم، وغير الصالح كفه عن الذي يرتكبه بالحسنى، على حسب مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويعظ الكافر بعرض الإسلام عليه، ويبين محاسنه والترغيب فيه برفق، ويعظ الجار الفاسق بما يناسبه بالرفق أيضاً، ويستر عليه زللـه غيره، وينهاه برفق، فإن أفاد فيه وإلا فيهجره قاصداً تأديبه.

    1.   

    الجار في الشعر العربي

    1.   

    أناس عرفوا قيمة الجوار

    ويروى أن جاراً لـابن المقفع أراد بيع داره في دين ركبه، وكان ابن المقفع يجلس في ظل داره، فقال: ما قمت إذاً بحرمة ظل داره إن باعها معدما، فدفع إليه ثمن الدار وقال: لا تبعها.

    وكذلك يروى أن رجلاً أراد أن يبيع داره، فلما أراد المشتري أن يشتري، قال: لا أسلمك الدار حتى تشتري مني الجوار، قال: جوار من؟ قال: جوار سعيد بن العاص. جاره أراد أن يبيع بيته، فمن غلاوة الجوار، قال: أنا أبيع بيتي وأبيع الجوار، من الذي يشتري جوار سعيد بن العاص ؟ وتزايدوا في الثمن، فقال له شخص: هل رأيت أحداً يشتري جواراً أو يبيعه؟ قال: ألا تشترون جوار من إن أسأت إليه أحسن إليّ، وإن جهلت عليه حلم عليّ، وإن أعسرت وهب لي حاجتي، فبلغ ذلك سعيد بن العاص، فبعث إليه بمائة ألف درهم.

    فكان الجار يباع قبل الدار، قالت امرأة فرعون: رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً [التحريم:11] عندك أولاً ثم بيتاً.

    أين هؤلاء من أكثر جيران زماننا، الذي لا تكاد تهدأ أذيتهم وشتائمهم وسبهم وهجرانهم ومشاجراتهم وتقاطعهم وكيد بعضهم لبعض رجالاً ونساءً وأولاداً؟!

    قال بعض من بلي بجار السوء:

    ألا من يشتري جاراً نئوماً     بجار لا ينام ولا ينيم

    ويلبس بالنهار ثياب نسك     وشطر الليل شيطان رجيم

    يقول: أريد جاراً ينام، فأنا جاري لا ينام بل يسعى في الشر.

    قال علي بن أبي طالب للعباس : ما بقي من كرم إخوانك؟ قال: الإفضال على الإخوان، وترك أذى الجيران. وقال بعضهم:

    سقياً ورعياً لجيران نزلت بهم      كأن دار اغترابي عندهم وطني

    إذا تأملت من أخلاقهم خلقاً      علمت أنهم من حلية الزمن

    فالجيران خصوصاً في بلد الغربة، كهؤلاء الجيران الذين جاءوا من بلدان أخرى للعمل في هذه البلاد، أناس جاءوا من مصر والشام واليمن وأفريقيا وباكستان والهند ومن غيرها، فما الذي يهون عليهم المعيشة في بلد الغربة؟ إن أهم شيء -في الحقيقة- يهون عليهم لهو الجار، إذا كان جاره طيباً ظن كأنه في وطنه، كما قال هذا الرجل:

    سقياً ورعياً لجيران نزلت بهم      كأن دار اغترابي عندهم وطني

    كأني أصبحت في وطني، بل يمكن أحسن، وهذا بسبب هؤلاء الجيران. مما رأى من الخير أصبح مثل وطنه أو أحسن.

    1.   

    من أحكام الجوار

    تعلق التزكية بالجار

    وكذلك فإن مما يتعلق بالجوار من الأحكام، أن التزكية عند العلماء غير الشهادة، فالتزكية لها شروط، إذا أردت أن تزكي شخصاً، وانتبه لهؤلاء الذين يذهبون للمحكمة، يقول: احضر لنا شهوداً فيحضر مزكين، فما أسهل التساهل بقضية المزكين! يقول أهل العلم في التزكية: لابد للتزكية من أمرين زيادة على ما يشترط في الشاهد -أي: من العقل والضبط والعدالة... إلخ- أحدهما: معرفة أسباب الجرح والتعديل؛ لأنه يشهد بهما، والأمر الثاني: خبرة باطن من يعدله أو يجرحه بصحبة أو جوار أو معاملة. القاضي الذكي الفاهم إذا جاءته قضية تزكية -والتزكية مهمة- قال: أحضر لي أناساً من جيرانك يزكونك.

    ولكن انظر الآن في المحكمة، يأتي بعض الناس في طرقات المحكمة، يقول: ماذا تريد؟ يقول: أريد مزكياً، يقول: وأنا أريد شاهداً، تعال أزكيك وأنت اشهد لي، سبحان الله! لا يعرفه، كيف يزكيه؟! لا يجوز، لابد أن يكون قد عايشه ورافقه وجاوره وسافر معه، وأمضى معه وقتاً طويلاً، وشاركه في مال أو في شيء، كيف يزكي شخصاً لا يعرف حقيقته؟! لا يجوز ذلك مطلقاً.

    الزوجة في السكن بين جيران صالحين

    وكذلك مما ذكر أيضاً في موضوع إسكان الزوجة، قالوا: إن من شروط شرعية المسكن الزوجي أن يقع بين جيران صالحين تأمن فيه الزوجة على نفسها. أي: لو أن الزوج أسكن زوجته وسط أناس سيئين؛ فإن لها الحق أن تذهب إلى القاضي وتقول: ما سكني السكنى الشرعية، فالسكنى الشرعية يجب أن تكون بين أناس صالحين، هذا سكني وسط أناس سيئين، أنا لا آمن على نفسي، هذا زوجي إذا ذهب إلى العمل يضربون عليَّ الباب والهاتف، وهذا يناديني من الشباك، طبعاً إذا كانوا أهل فسق وهكذا.

    عظم إثم الزنا بزوجة الجار

    ولذلك كان الزنا بزوجة الجار من أعظم الكبائر عند الله، ويتفاوت إثم الزنا ويعظم جرمه بحسب موارده، فالزنا بذات المحرم أو بذات الزوج أعظم من الزنا بأجنبية أو بمن لا زوجة لها؛ لأن فيه انتهاكاً لحرمة الزوج وإفساداً لفراشه، وتعليق نسب عليه لم يكن منه.. يدخل عليه ولد وليس من أولاده، سيضاف إلى نسبه، وهذا أعظم إثماً وجرماً من الزنا بغير ذات البعل والأجنبية، فإن كان زوجها جاراً انظم له سوء الجوار، وإيذاء الجار بأعلى أنواع الأذى، وذلك من أعظم البوائق، لو كان الجار أخاً أو قريباً من الأقارب، وانظم إليه قطيعة الرحم فيتضاعف الإثم، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه) ولا بائقة أعظم من الزنا بامرأة الجار، فإن كان الجار غائباً في طاعة الله والعبادة وطلب العلم والحج والجهاد؛ تضاعف الإثم، حتى إن الزاني بامرأة الغازي في سبيل الله، يوقف له يوم القيامة فيأخذ من عمله ما شاء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حرمة نساء المجاهدين على القاعدين كحرمة أمهاتهم، وما من رجل من القاعدين يخلف رجلاً من المجاهدين في أهله فيخونه فيهم، إلا وقف له يوم القيامة فيأخذ من عمله ما شاء، فما ظنكم؟) أي: ما ظنكم أن يترك له من حسناته؟ يمكن يأخذها كلها، لأنه يقال: خذ ما تريد من حسناته، والناس محتاجون إلى حسنة واحدة.

    أحقية الجار المحتاج بالصدقة وحقوق أخرى

    ثم إن الجار المحتاج أولى بالصدقة، نص على ذلك العلماء، كما قالوا في مسألة الصلاة في المساجد: المسجد المجاور لك أولى لحرمة الجوار، ثم قالوا في مسألة انتشار الحريق إلى بيت الجار: إذا انتقل بتفريط، مثلاً: شخص أوقد شرارة في يوم عاصف، وهو يعلم أن الريح تنقل الشرر، فاحترق بيت الجار، فإنه يضمن ذلك.

    ثم من أثر الجيرة في مسألة القرض، أن الإنسان المقرض لا يجوز له أن يقبل هدية من المقترض في فترة القرض، إلا إذا جرت العادة من قبل القرض بهدايا بينهما، وذكروا مثالاً للجيران، أي: يهدونا طعاماً نهديهم طعاماً، أنا اقترضت من جاري فأهديته فيجوز أن يقبل هديتي؛ لأن بيننا علاقات سابقة في الهدايا، لكن إذا ما كانت هناك علاقات سابقة ولا جوار، فلا يجوز أن يقبل أصلاً هدية ولا أن يأخذ المقرض من المقترض هدية في وقت القرض.

    هذا ما تيسر ذكره مما يتعلق بالجيران. ونسأل الله تعالى أن يجعلنا من القائمين بحقوق جيراننا، وأن يهدينا سبل السلام، ويخرجنا من الظلمات إلى النور، وصلى الله على نبينا محمد.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2737935287

    عدد مرات الحفظ

    684527617