إسلام ويب

الصداقللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • فرض الله عز وجل الصداق على الرجال إذا رغبوا في النساء، وبذله علامة على صدق الرجل في رغبته بالاقتران بالمرأة، وهو تكريم للمرأة، وتعظيم لأمر النكاح، ولا حد لأقله، ولا حد لأكثره، ويشترط فيه أن يكون مما ينتفع به، وأن يكون مباحاً شرعاً.

    1.   

    حكم الصداق وحكمته

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، والسراج المنير، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.

    اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى، أما بعد:

    في هذا الدرس إن شاء الله نتناول الأحكام المتعلقة بالصداق.

    والصداق فرضه ربنا تبارك وتعالى على الرجال إذا رغبوا في نكاح النساء، فقال سبحانه: وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً [النساء:4].

    وقال سبحانه: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [النساء:24].

    وفي آية أخرى يقول سبحانه: وَإِنْ أَرَدْتُمْ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً * وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً [النساء:20-21].

    الحكمة من فرض الصداق

    والصداق فرضه الله عز وجل من أجل أن تكون رغبة الزوج صادقةً في الاقتران بهذه المرأة، ولذلك قال علماؤنا: الصداق هو ما تستحقه الزوجة من الزوج بسبب النكاح، وهذا الصداق يسمى أيضاً مهراً، ونحلةً، وحباءً، وفريضة، وصدقة، وأجراً وطولاً، وهذا كله وارد في القرآن الكريم، قال الله عز وجل: وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً [النساء:4]، وفي القرآن الكريم أيضاً يقول الله عز وجل: فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً [النساء:24].

    ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( أيسرهن مئونةً -وفي رواية: مهراً- أكثرهن بركة ).

    وبذل الصداق علامة على صدق الرجل في رغبته في الاقتران بالمرأة، وكذلك الصداق تكريم للمرأة، وفيه تعظيم لأمر النكاح، من أجل ألا يقدم عليه إلا من كان جاداً فيه، صادقاً في طلبه، مستعداً لبذل المال في تحصيله.

    وها هنا قد نجد في بعض الحضارات أو في بعض العادات بأن المرأة هي التي تبذل الصداق، وهذا بغير شك لا يوافق طبيعة الأشياء وفطرتها، ولا يناسب الوظيفة التي من أجلها خلق الله كلاً من الرجل والمرأة؛ لأن فطرة المرأة رقة ونعومة وأمومة وعاطفة وحنان ورعاية بيت، وأنس زوج، أما فطرة الرجل فهي قوة وخشونة وجلد، وقدرة على المشاق والقيام بمختلف الأعمال، ولذلك جعل الله عز وجل النفقة واجبةً على الرجل دون المرأة، قال سبحانه: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ [النساء:34]، فالرجل يبذل، والمرأة تبذل، لكن بذل الرجل: إنفاق، ومهر، وحماية للبيت من الخارج، وبذل المرأة: تربية، وأمومة، وحسن تبعل، وحماية للبيت من الداخل، أما ما يوجد الآن عند بعض الشعوب من أن المرأة هي التي تبذل الصداق، أو أن المرأة هي التي تكلف بالعمل خارج البيت، ففي هذا ما فيه من إرهاق المرأة لتكليفها ما لا تطيق من الأعمال، وكذلك يفضي ذلك إلى بطالة الرجل، وتعطله.

    حكم الصداق

    والصداق شرط لصحة النكاح عند علمائنا المالكية، فلا يجوز للطرفين أن يتفقا على إسقاطه، فإذا اتفقا على ذلك وجب فسخ العقد إذا اطلع عليه قبل الدخول، أما بعد الدخول فإن النكاح يثبت، ويتقرر للزوجة مهر المثل، فننظر في مهر من كان مثلها من النساء، من قريباتها، وذوات الرحم منها، ومن يساكنها في بلدتها، فيؤمر الزوج بأن يبذل لها من المهر مثل ما بذل لمثيلاتها، والمثلية ها هنا معتبرة بالدين والجمال والحسب والمال والبلد، كالذي بذل لأختها مثلاً، سواء كانت شقيقتها أو لأبيها، وكذلك أيضاً يراعى حال الزوج.

    1.   

    شروط الصداق

    ويشترط فيما يصلح أن يكون صداقاً:

    أولاً: أن يكون طاهراً، فلا يجوز أن يكون المهر شيئاً نجساً كخمر أو ميتة؛ لأن النجس لا يجوز التعامل به.

    ثانياً: أن يكون متمولاً أي: له قيمة مالية؛ لأن الله تعالى قال: أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ [النساء:24]، وهذا المتمول عند المالكية رحمهم الله لا يصح أن يكون حبة قمح مثلاً، أو قشرة خبز، لكن يصح أن يكون منافع: منافع عقار، أو منافع سيارة، أو خدمة مدةً معلومة، مثلاً كأن يقول الرجل لامرأته: صداقك أو مهرك أن تستغلي سيارتي، أو عقاري الفلاني، أو أن أقوم لك بعمل كذا وكذا، مثلاً كأن تؤاجره على أن يبني لها شيئاً، عندها أرض عندها مواد بناء، وهو يحسن البناء، فتطلب منه أن يبني لها بيتاً، أن يبني لها غرفةً، يعني: أن تنتفع بخبرته اليدوية، فلا حرج في ذلك، ويصح أن يكون مهراً.

    الشرط الثالث في الصداق: يشترط أن يكون منتفعاً به انتفاعاً شرعياً، فلا يصح أن يكون خمراً أو خنزيراً ولو كانت الزوجة غير مسلمة؛ لأن المعدوم شرعاً كالمعدوم حساً، وما لا ينتفع به انتفاعاً شرعياً لا يجوز تملكه.

    الشرط الرابع: أن يكون مقدوراً على تسليمه، فلا يجوز أن يكون مالاً أو عقاراً في حوزة شخص آخر مستول عليه من صاحبه، ولا بما فيه مخاطرة، مثلاً: سيارة لا تزال في المصنع في طور التصنيع، أو بمال ضائع على أمل حصوله؛ لأنه لا يعلم هل يحصل أو لا، أو مثلاً يكون المهر ثمار شجر لم تنضج؛ لأنه ربما تصيبها آفة.

    الشرط الخامس: أن يكون الصداق معلوم المقدار أو الأجل، فلا يجوز الصداق المجهول المقدار، كأن ينكح الرجل امرأةً لها ولد من غيره، فيقول لها: صداقك أن أنفق على ولدك؛ لأن هذه نفقة مجهولة، أو يقول لها: صداقك ما في هذه الخزنة من النقود؛ لأنه لا يعرف عددها، وكذلك لا يجوز الصداق المجهول الصفة، أو المجهول الأجل، كعقار لم تبين صفته، أو أن يؤجل الصداق كله إلى أجل مجهول، فمثل هذا لا يصح، لكن الجهالة اليسيرة في الصداق تجوز؛ لأن النكاح مبني على المكارمة والمسامحة، بخلاف البيع المبني على المشاحة، فيجوز أن تنكح المرأة على أن تعطي مثل صداق مثلها من النساء، أو على أن صداقها أثاث البيت مثلاً، ونحو ذلك، فمثل هذا لا حرج فيه إن شاء الله.

    1.   

    ما يتعلق بمقدار الصداق

    تسمية المهر وعدم تسميته

    والصداق تتعلق به أحكام لا بد للناس أن يعرفوها، ومنها: أن المهر إما أن يكون مهراً مسمى، وحينئذ يسمى هذا النكاح: نكاح تسمية؛ بمعنى أن يتفق الطرفان على مهر معين، فيكون هذا مهراً مسمىً، والنكاح يسمى نكاح تسمية، وإذا لم يتفق الطرفان على مقدار المهر، ولم يجر له ذكر وقت العقد على الإطلاق، فالنكاح صحيح، وبعد ذلك يقرر لهذه المرأة مهر المثل، ويسمى هذا النكاح: نكاح التفويض، وهذا يحصل كثيراً الآن، فتجد كثيراً ما يتقدم رجل لخطبة امرأة، ولا يجري للمهر ذكر أصلاً، لا حال الخطبة، ولا في وقت العقد، فهذا يسمى نكاح تفويض، ويقرر للمرأة فيه مهر المثل.

    وأحياناً يذكر الصداق إجمالاً في وقت العقد، فيقول العاقد: زوجتك موكلتي على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى الصداق الذي بيننا، أو يقال: على الصداق المسمى بيننا، ويقول الآخر: قبلت، لكن هذا الصداق ما يفصل، وإنما يذكر إجمالاً، فنقول: إما أن يفرض لها مهر المثل، وإما أن يلجأ إلى التحكيم، بمعنى: أن يحتكم الطرفان إلى شخص آخر، وهذا كله جائز؛ لأن الله تعالى قال: لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً [البقرة:236]، ففي هذه الآية إذن بالطلاق قبل الدخول وقبل فرض المهر، ومعلوم بأن طلاق المرأة لا يكون إلا بعد ثبوت صحة نكاحها، فلا يكون طلاق إلا بعد نكاح صحيح.

    إذاً عندنا نكاح تسمية، ونكاح تفويض، ونكاح تحكيم، فنكاح التسمية: بأن يسمى المهر ويذكر مقداره، ونكاح التفويض: بأن لا يسمى المهر، ويفرض لها مهر مثيلاتها، ونكاح التحكيم: أن يذكر الصداق إجمالاً وقت العقد، ثم يحتكم الطرفان إلى شخص آخر يقرر مقداره فيما بعد.

    أقل الصداق

    أيها الإخوة الكرام! هنا نذكر أقل الصداق وأكثره فنقول:

    عند المالكية رحمهم الله أقل الصداق ربع دينار من الذهب، ومعلوم بأن الدينار الشرعي بمقادير أيامنا هذه هو ما يعادل أربعة جرامات من الذهب وربع من الذهب المتوسط -لا من الذهب العالي الغالي جداً، ولا من الذهب الوضيع الذي لا يأبونه، وإنما من الذهب المتوسط- أو ثلاثة دراهم من الفضة، أو ما يعادل ذلك من العروض، قالوا: قياساً على النصاب الذي تقطع به اليد في السرقة، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا قطع إلا في ربع دينار فصاعداً )، والجامع بينهما: أن في كل استباحة عضو، ففي السرقة يستباح العضو أي: قطع اليد بثلاثة دراهم، أو بربع دينار ذهباً، وفي النكاح يستباح العضو وهو بضع المرأة بمثل هذا القدر، قالوا: ولأنه أقل ما يصدق عليه مال له بال، ولو ترك الناس في أقل الصداق بغير تقدير لاستباحوا النكاح بالفلس الواحد، وهذا لا يصلح؛ لأنه لا يسمى طولاً، وقد قال ربنا جل جلاله: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء:25]، فسماه الله عز وجل طولاً، ولو كان الطول يقع على أي قدر من المال دون تحديد لأقله لكان كل واحد مستطيعاً له، فلا تظهر بعد ذلك فائدة من تقييد نكاح الأمة بعدم استطاعة الطول للحرة.

    وهذه المسألة ربما يشنع بعض الناس بها على علمائنا المالكية رحمهم الله، كما قال ابن حزم : لو لم يكن هذا قياساً فاسداً فليس في الدنيا قياس فاسد، وذكر عن الدراوردي بأنه قال لـمالك رحمه الله: تعرقت فيها يا أبا عبد الله ، أي: تعرقت في هذه المسألة، لما قاس مالك رحمه الله المهر على نصاب السرقة، هذا الرجل يتهم مالكاً بأنه سلك في الاستدلال مسلك أهل العراق.

    أما جمهور العلماء فيقولون: لا حد لأقل المهر، بل المهر يصدق على كل ما ينتفع به ولو كان قليلاً، واستدلوا على ذلك بما رواه مالك نفسه في الموطأ، وغيره من أهل العلم من حديث سهل بن سعد : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءته امرأة فقالت: إني وهبت لك نفسي، فقامت قياماً طويلاً، فقام رجل فقال: يا رسول الله! زوجنيها إن لم تكن لك بها حاجة، فقال عليه الصلاة والسلام: هل عندك من شيء تصدقها إياه؟ فقال: ما عندي إلا إزاري هذا، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إن أعطيتها إياه جلست لا إزار لك، فالتمس شيئاً، فقال: ما أجد شيئاً، قال: التمس ولو خاتماً من حديد، فالتمس فلم يجد شيئاً، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل معك من القرآن شيء؟ قال: نعم. قال: معي سورة كذا وسورة كذا لسور سماها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قد أنكحتكها بما معك من القرآن )، فلا حد لأقل المهر.

    أكثر الصداق

    أما أكثره فلا حد له باتفاق أهل العلم؛ لأن الله تعالى قال: وَإِنْ أَرَدْتُمْ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً [النساء:20], وقد روى الإمام الترمذي حديثاً وقال: حسن صحيح: ( أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب على المنبر فقال: ألا لا تغالوا في صدقات النساء، فإنها لو كانت مكرمةً في الدنيا، وتقوى عند الله، لكان أولاكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما أصدق قط امرأةً من نسائه ولا من بناته فوق اثنتي عشرة أوقية، فقامت إليه امرأة فقالت: يا عمر ! يعطينا الله وتحرمنا أنت، أليس الله سبحانه يقول: وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً [النساء:20]؟ فقال عمر رضي الله عنه: أصابت امرأة، وأخطأ عمر ).

    فنقول: لا حد لأكثر المهر باتفاق العلماء، لكن المغالاة في التكاليف، والتشديد في المهور، والمباهاة في النفقات، وابتداع العادات ليست من دين الله في شيء، أعني بذلك: العادات المكلفة، التي تلزم الناس بما لم يلزمهم الله به، ولذلك نقول: هذه التكاليف، وهذه المغالاة، وهذه المباهاة في النفقات تترتب عليها آثار سلبية تفضي إلى فساد عظيم، فكلما زادت التكاليف المقترنة بالزواج قل القادرون عليها من الناس، وهو ما أدى في وقتنا هذا إلى عزوف كثير من الشباب عن الزواج؛ لأنه لا طاقة لهم بمثل هذه التكاليف، فإذا عزف الشاب عن الزواج مع فورة الشهوة، وشدة الرغبة، واكتمال القوة، أدى ذلك إلى الانحراف بالعلاقات المشبوهة، وأدى أيضاً إلى ارتفاع عدد العوانس اللاتي فاتهن قطار الزواج، وكذلك هذه التكاليف الباهظة والعادات المتكلفة، تؤدي إلى إثقال الكاهل بالديون، وتؤثر فيما بعد على حياة الزوجين فيما لو حصل الزواج، ويكون ذلك على حساب استقرار البيت، وسعادة الزوجين، ولربما أدى هذا بالزوج إلى اكتساب المال من طريق حرام، إما بالرشوة، أو بالربا، أو بالمعاملات المحرمة، وما إلى ذلك.

    ويدخل في المباهاة والتكاليف الكثيرة إقامة الحفلات، بتأجير الصالات، واستجلاب الفنانين والفنانات بالمبالغ الطائلة، وكذلك فرق الغناء المتعددة، التي تتقاضى أموالاً كثيرة، وتحدث أصواتاً صاخبة تزعج الناس والجيران، ولربما تؤدي إلى تضييع فرائض الله عز وجل، مع ما يقترن بتلك الحفلات من الأمور المنكرة من مجيء النساء وهن متزينات متعطرات، وقد كشفن ما أمر الله بستره، واختلاطهن بالرجال، وما إلى ذلك من أمور أنتم بها عالمون، ونسأل الله أن يتوب علينا أجمعين.

    الحث على تيسير الصداق

    وقد كان الزواج على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه سهلاً ميسراً، لا تشدد فيه ولا تعنت، قد أخبر عليه الصلاة والسلام: ( أن خير النكاح أيسره، وأن أعظم النساء بركةً أيسرهن مئونةً )، وأن (من يمن المرأة تيسير خطبتها، وتيسير صداقها، وتيسير رحمها).

    ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، لما جاء السيد الجليل علي بن أبي طالب يخطب السيدة الجليلة سيدة نساء العالمين فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، والنبي عليه الصلاة والسلام قال له: (أصدقها شيئاً، قال: ما عندي شيء، قال: أين درعك الحطمية التي أصبتها يوم بدر؟ يقول علي رضي الله عنه: ما كان ثمنها أربعة دراهم).

    وفي الحديث الآخر: أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( التمس ولو خاتماً من حديد )، ولما خطب أبو طلحة الأنصاري أم سليم رضوان الله عليهما قالت: (يا أبا طلحة! والله ما مثلك يرد، ولكنك امرؤ كافر وأنا مسلمة، لا يحل لي أن أتزوجك، فإن تسلم فذاك مهري، وما أسألك غيره، فأسلم وتزوجها، تقول أمنا عائشة: ما نعلم امرأةً قط كانت أكرم مهراً من أم سليم رضي الله عنها).

    وفي حديث جابر رضي الله عنه وهو في سنن أبي داود: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أعطى في صداق ملء كفيه سويقاً أو تمراً فقد استحل )، أي: استحل البضع، أو استحل المرأة.

    وفي حديث عامر بن ربيعة رضي الله عنه وهو في سنن الترمذي : ( أن امرأةً من فزارة تزوجت على نعلين، فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام: أرضيت من نفسك ومالك بنعلين؟ قالت: نعم، قال: فأجازه )، أي: أجاز النبي عليه الصلاة والسلام هذا النكاح.

    وهذه الأحاديث فيها أن قبضة السويق تصح مهراً، وقبضة التمر تصح مهراً، وخاتم الحديد يصح مهراً، والنعلين يصح أن تكونا مهراً، والدرع يصح أن تكون مهراً.

    كذلك في الوليمة لم يكن هدي النبي صلى الله عليه وسلم المغالاة والتكلف، بل لما بنى عليه الصلاة والسلام بـميمونة بنت الحارث في طريق عودته صلى الله عليه وسلم من عمرة القضية، وكذلك لما بنى بـصفية بنت حيي وهو قافل من خيبر عليه الصلاة والسلام ما تكلف، يقول أنس : (دعوت المسلمين إلى وليمته، فما كان فيها من خبز ولا لحم، أمر بالأنطاع فألقي فيها من التمر والأقط والسمن، فكانت وليمته عليه الصلاة والسلام).

    وفي الصحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أولم على بعض نسائه بمدين من شعير)، ولما تزوج صلى الله عليه وسلم بـزينب بنت جحش رضي الله عنها أولم بشاة.

    ولو قارنا بين هديه عليه الصلاة والسلام وما عليه الناس اليوم لعلمنا بأن التكلف ممقوت، إذ لو كان محموداً لكان أولى الناس به السيد الجليل محمد صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    أحوال استحقاق الزوجة للصداق

    استحقاق الزوجة للصداق كاملاً

    ومن الأحكام التي تتعلق بالصداق كذلك والتي ينبغي أن يحيط الناس بها علماً، متى تستحق الزوجة الصداق كاملاً؟ نقول: الزوجة تستحق الصداق كاملاً في ثلاثة أحوال:

    أولها: إذا وطئ الرجل زوجته بعد العقد أي: إذا حصل مسيس بعد العقد ولو كان النكاح فاسداً، ففي هذه الحالة لا بد من أن يعطى الصداق كاملاً، ولذلك في قصة اللعان لما طلب هلال بن أمية رضي الله عنه بعدما لاعن امرأته بأن يرد إليه المهر، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (إن كنت صادقاً فبما استحللت من فرجها، وإن كنت كاذباً فهو أبعد لك منها).

    فلو حصل الدخول، فهذا الدخول يجب به الصداق كاملاً، ولو لم تزل البكارة، لو كانت البكارة باقية فالصداق لا بد أن يبذل كاملاً، ونقصد بالدخول ها هنا الوطء.

    أما مجرد الخلوة، وغلق الباب، وإرخاء الستور فلا يوجب صداقاً كاملاً؛ لأن المراد من قوله تعالى: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ [البقرة:237] المراد بهذا المسيس: الوطء، كما قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.

    هذه الحالة الأولى التي يجب فيها الصداق كاملاً؛ وهي حصول الوطء بعد الدخول.

    الحالة الثانية: موت أحد الزوجين قبل الدخول، فيجب أن تعطى الصداق كاملاً، وأن يتمم لها، وقد سئل عبد الله بن عباس عن المرأة: يموت عنها زوجها وقد فرض لها صداقاً؟ فقال: لها الصداق والميراث. رواه البيهقي في السنن الكبرى.

    ومثلما أن الصداق يكمل للمرأة بموت الزوج، فكذلك يكمل بحكم القاضي بموت الزوج إذا كان غائباً بأن بلغ سن التعمير، يعني: لو أن إنساناً تزوج امرأةً ثم غاب عنها غياباً طويلاً فحكم القاضي بموته ففي هذه الحالة تستحق الزوجة الصداق كاملاً.

    الحالة الثالثة التي يجب بها الصداق كاملاً: إذا أقامت الزوجة عاماً كاملاً مع الزوج ولو لم يكن وطء؛ لأن إقامة الزوجة سنةً كاملة مدة كافية في الاستمتاع تقوم مقام الوطء عند عدمه.

    استحقاق الزوجة لنصف الصداق

    وهنا مسألة: متى تستحق الزوجة نصف الصداق؟ نقول: إذا طلقت قبل الدخول؛ لأن الله عز وجل قال: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ [البقرة:237].

    الحالات التي يسقط فيها الصداق

    يبقى سؤال أخير: متى يسقط الصداق؟

    يسقط الصداق فلا تستحق منه الزوجة شيئاً في ثلاث حالات:

    الحالة الأولى: إذا حصل الطلاق قبل الدخول بسبب عيب في أحد الزوجين يعطي الخيار للآخر في رد النكاح؛ لأن العيب إذا كان في الزوجة فالزوج مغرر به، فلا نجمع عليه غرمين، وإن كان العيب في الزوج فلا حق للزوجة في المهر؛ لأنها هي المطالبة بالفراق.

    الحالة الثانية: إذا مات الزوج أو طلق قبل الدخول وقبل أن يسمي للزوجة صداقاً في نكاح التفويض.

    الحالة الثالثة: كل نكاح فسد لخلل في العقد، مثل: النكاح بغير ولي أو شهود، أو لخلل في الصداق، مثل: الصداق بما لا يملك كالخمر، فلا شيء للمرأة فيه قبل الدخول.

    هذه هي الأحكام المتعلقة بالصداق، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. والحمد لله أولاً وآخراً، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين، والسلام عليكم ورحمة الله.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3002390630

    عدد مرات الحفظ

    718531300