اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الصداق للشيخ : عبد الحي يوسف


الصداق - (للشيخ : عبد الحي يوسف)
فرض الله عز وجل الصداق على الرجال إذا رغبوا في النساء، وبذله علامة على صدق الرجل في رغبته بالاقتران بالمرأة، وهو تكريم للمرأة، وتعظيم لأمر النكاح، ولا حد لأقله، ولا حد لأكثره، ويشترط فيه أن يكون مما ينتفع به، وأن يكون مباحاً شرعاً.
حكم الصداق وحكمته
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، والسراج المنير، وعلى آله وصحبه أجمعين.سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى، أما بعد:في هذا الدرس إن شاء الله نتناول الأحكام المتعلقة بالصداق.والصداق فرضه ربنا تبارك وتعالى على الرجال إذا رغبوا في نكاح النساء، فقال سبحانه: وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً [النساء:4].وقال سبحانه: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [النساء:24].وفي آية أخرى يقول سبحانه: وَإِنْ أَرَدْتُمْ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً * وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً [النساء:20-21].
 حكم الصداق
والصداق شرط لصحة النكاح عند علمائنا المالكية، فلا يجوز للطرفين أن يتفقا على إسقاطه، فإذا اتفقا على ذلك وجب فسخ العقد إذا اطلع عليه قبل الدخول، أما بعد الدخول فإن النكاح يثبت، ويتقرر للزوجة مهر المثل، فننظر في مهر من كان مثلها من النساء، من قريباتها، وذوات الرحم منها، ومن يساكنها في بلدتها، فيؤمر الزوج بأن يبذل لها من المهر مثل ما بذل لمثيلاتها، والمثلية ها هنا معتبرة بالدين والجمال والحسب والمال والبلد، كالذي بذل لأختها مثلاً، سواء كانت شقيقتها أو لأبيها، وكذلك أيضاً يراعى حال الزوج.
شروط الصداق
ويشترط فيما يصلح أن يكون صداقاً: أولاً: أن يكون طاهراً، فلا يجوز أن يكون المهر شيئاً نجساً كخمر أو ميتة؛ لأن النجس لا يجوز التعامل به.ثانياً: أن يكون متمولاً أي: له قيمة مالية؛ لأن الله تعالى قال: أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ [النساء:24]، وهذا المتمول عند المالكية رحمهم الله لا يصح أن يكون حبة قمح مثلاً، أو قشرة خبز، لكن يصح أن يكون منافع: منافع عقار، أو منافع سيارة، أو خدمة مدةً معلومة، مثلاً كأن يقول الرجل لامرأته: صداقك أو مهرك أن تستغلي سيارتي، أو عقاري الفلاني، أو أن أقوم لك بعمل كذا وكذا، مثلاً كأن تؤاجره على أن يبني لها شيئاً، عندها أرض عندها مواد بناء، وهو يحسن البناء، فتطلب منه أن يبني لها بيتاً، أن يبني لها غرفةً، يعني: أن تنتفع بخبرته اليدوية، فلا حرج في ذلك، ويصح أن يكون مهراً.الشرط الثالث في الصداق: يشترط أن يكون منتفعاً به انتفاعاً شرعياً، فلا يصح أن يكون خمراً أو خنزيراً ولو كانت الزوجة غير مسلمة؛ لأن المعدوم شرعاً كالمعدوم حساً، وما لا ينتفع به انتفاعاً شرعياً لا يجوز تملكه.الشرط الرابع: أن يكون مقدوراً على تسليمه، فلا يجوز أن يكون مالاً أو عقاراً في حوزة شخص آخر مستول عليه من صاحبه، ولا بما فيه مخاطرة، مثلاً: سيارة لا تزال في المصنع في طور التصنيع، أو بمال ضائع على أمل حصوله؛ لأنه لا يعلم هل يحصل أو لا، أو مثلاً يكون المهر ثمار شجر لم تنضج؛ لأنه ربما تصيبها آفة.الشرط الخامس: أن يكون الصداق معلوم المقدار أو الأجل، فلا يجوز الصداق المجهول المقدار، كأن ينكح الرجل امرأةً لها ولد من غيره، فيقول لها: صداقك أن أنفق على ولدك؛ لأن هذه نفقة مجهولة، أو يقول لها: صداقك ما في هذه الخزنة من النقود؛ لأنه لا يعرف عددها، وكذلك لا يجوز الصداق المجهول الصفة، أو المجهول الأجل، كعقار لم تبين صفته، أو أن يؤجل الصداق كله إلى أجل مجهول، فمثل هذا لا يصح، لكن الجهالة اليسيرة في الصداق تجوز؛ لأن النكاح مبني على المكارمة والمسامحة، بخلاف البيع المبني على المشاحة، فيجوز أن تنكح المرأة على أن تعطي مثل صداق مثلها من النساء، أو على أن صداقها أثاث البيت مثلاً، ونحو ذلك، فمثل هذا لا حرج فيه إن شاء الله.
 حكم الصداق
والصداق شرط لصحة النكاح عند علمائنا المالكية، فلا يجوز للطرفين أن يتفقا على إسقاطه، فإذا اتفقا على ذلك وجب فسخ العقد إذا اطلع عليه قبل الدخول، أما بعد الدخول فإن النكاح يثبت، ويتقرر للزوجة مهر المثل، فننظر في مهر من كان مثلها من النساء، من قريباتها، وذوات الرحم منها، ومن يساكنها في بلدتها، فيؤمر الزوج بأن يبذل لها من المهر مثل ما بذل لمثيلاتها، والمثلية ها هنا معتبرة بالدين والجمال والحسب والمال والبلد، كالذي بذل لأختها مثلاً، سواء كانت شقيقتها أو لأبيها، وكذلك أيضاً يراعى حال الزوج.
ما يتعلق بمقدار الصداق

 الحث على تيسير الصداق
وقد كان الزواج على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه سهلاً ميسراً، لا تشدد فيه ولا تعنت، قد أخبر عليه الصلاة والسلام: ( أن خير النكاح أيسره، وأن أعظم النساء بركةً أيسرهن مئونةً )، وأن (من يمن المرأة تيسير خطبتها، وتيسير صداقها، وتيسير رحمها).ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، لما جاء السيد الجليل علي بن أبي طالب يخطب السيدة الجليلة سيدة نساء العالمين فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، والنبي عليه الصلاة والسلام قال له: (أصدقها شيئاً، قال: ما عندي شيء، قال: أين درعك الحطمية التي أصبتها يوم بدر؟ يقول علي رضي الله عنه: ما كان ثمنها أربعة دراهم).وفي الحديث الآخر: أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( التمس ولو خاتماً من حديد )، ولما خطب أبو طلحة الأنصاري أم سليم رضوان الله عليهما قالت: (يا أبا طلحة! والله ما مثلك يرد، ولكنك امرؤ كافر وأنا مسلمة، لا يحل لي أن أتزوجك، فإن تسلم فذاك مهري، وما أسألك غيره، فأسلم وتزوجها، تقول أمنا عائشة: ما نعلم امرأةً قط كانت أكرم مهراً من أم سليم رضي الله عنها).وفي حديث جابر رضي الله عنه وهو في سنن أبي داود: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أعطى في صداق ملء كفيه سويقاً أو تمراً فقد استحل )، أي: استحل البضع، أو استحل المرأة.وفي حديث عامر بن ربيعة رضي الله عنه وهو في سنن الترمذي : ( أن امرأةً من فزارة تزوجت على نعلين، فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام: أرضيت من نفسك ومالك بنعلين؟ قالت: نعم، قال: فأجازه )، أي: أجاز النبي عليه الصلاة والسلام هذا النكاح.وهذه الأحاديث فيها أن قبضة السويق تصح مهراً، وقبضة التمر تصح مهراً، وخاتم الحديد يصح مهراً، والنعلين يصح أن تكونا مهراً، والدرع يصح أن تكون مهراً.كذلك في الوليمة لم يكن هدي النبي صلى الله عليه وسلم المغالاة والتكلف، بل لما بنى عليه الصلاة والسلام بـميمونة بنت الحارث في طريق عودته صلى الله عليه وسلم من عمرة القضية، وكذلك لما بنى بـصفية بنت حيي وهو قافل من خيبر عليه الصلاة والسلام ما تكلف، يقول أنس : (دعوت المسلمين إلى وليمته، فما كان فيها من خبز ولا لحم، أمر بالأنطاع فألقي فيها من التمر والأقط والسمن، فكانت وليمته عليه الصلاة والسلام).وفي الصحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أولم على بعض نسائه بمدين من شعير)، ولما تزوج صلى الله عليه وسلم بـزينب بنت جحش رضي الله عنها أولم بشاة.ولو قارنا بين هديه عليه الصلاة والسلام وما عليه الناس اليوم لعلمنا بأن التكلف ممقوت، إذ لو كان محموداً لكان أولى الناس به السيد الجليل محمد صلى الله عليه وسلم.
أحوال استحقاق الزوجة للصداق

 الحالات التي يسقط فيها الصداق
يبقى سؤال أخير: متى يسقط الصداق؟ يسقط الصداق فلا تستحق منه الزوجة شيئاً في ثلاث حالات:الحالة الأولى: إذا حصل الطلاق قبل الدخول بسبب عيب في أحد الزوجين يعطي الخيار للآخر في رد النكاح؛ لأن العيب إذا كان في الزوجة فالزوج مغرر به، فلا نجمع عليه غرمين، وإن كان العيب في الزوج فلا حق للزوجة في المهر؛ لأنها هي المطالبة بالفراق.الحالة الثانية: إذا مات الزوج أو طلق قبل الدخول وقبل أن يسمي للزوجة صداقاً في نكاح التفويض.الحالة الثالثة: كل نكاح فسد لخلل في العقد، مثل: النكاح بغير ولي أو شهود، أو لخلل في الصداق، مثل: الصداق بما لا يملك كالخمر، فلا شيء للمرأة فيه قبل الدخول.هذه هي الأحكام المتعلقة بالصداق، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. والحمد لله أولاً وآخراً، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين، والسلام عليكم ورحمة الله.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الصداق للشيخ : عبد الحي يوسف

http://audio.islamweb.net