إسلام ويب

تفسير سورة الواقعة [3]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الناس في الآخرة ليسوا سواء فمنهم أصحاب الجنة، ومنهم أصحاب النار، وأصحاب الجنة ليسوا سواء ففيهم السابقون المقربون، وفيهم أصحاب اليمين، وكل أصحاب الجنة في النعيم خالدون، لهم فيها ما تشتهي أنفسهم ولهم فيها ما يدعون، لا يكدر صفوهم منغص، ولا يعقب نعمتهم زوال، على السرر متقابلين يأكلون أطيب الطعام، ويشربون أحسن الشراب، ويسمعون أطيب الكلام.

    1.   

    تلخيص لما سبق من كلام في القيامة وأهوالها

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.

    سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى، أما بعد:

    فقد تقدم معنا الكلام في أن الواقعة اسم من أسماء يوم القيامة، وأن الله عز وجل عبر بالماضي دلالة على تحقق الوقوع، وأنه سبحانه وتعالى أخبر بأنها إذا وقعت فلا يستطيع أن يكذب بها مكذب، وأن هذه الواقعة خافضة رافعة، تخفض أناساً فتدعهم في أسفل سافلين، وترفع أناساً فتجعلهم في أعلى عليين.

    وذكر ربنا جل جلاله بعض أهوال ذلك اليوم، فقال سبحانه: إِذَا رُجَّتْ الأَرْضُ رَجّاً [الواقعة:4]، أي: حركت تحريكاً شديداً، واضطربت ومادت وزلزلت، وَبُسَّتْ الْجِبَالُ بَسّاً [الواقعة:5]، أي: فتتت حتى صارت كأنها بسيسة: كالدقيق الذي لت بسمن سرعان ما يتفتت، فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثّاً [الواقعة:6]، ما فتتت إلى حجارة كبار، ولا إلى صخور عظام، وإنما صارت كأنها الذر الذي يتراءى للناظر في الفضاء.

    1.   

    تابع أقسام الخلق يوم القيامة

    يقول الله عز وجل: وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاثَةً [الواقعة:7]، أي: وكنتم أيها الخلق! أو وكنتم يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم!

    والمقصود بالأمة هنا: أمة الدعوة لا أمة الإجابة، والمعروف أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم أمتان: أمة الدعوة: وهم العالمون، فكل من حضر زمانه أو جاء بعد زمانه فهو مخاطب بدعوته عليه الصلاة والسلام؛ لأن الله قال: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً [الفرقان:1]، وقال: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً[سبأ:28]، وقال: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107]، وقال عليه الصلاة والسلام: ( وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة )، فهؤلاء هم أمة الدعوة.

    ثم هناك: أمة الإجابة: وهم من استجابوا لمحمد صلى الله عليه وسلم.

    إطلاقات كلمة الزوج في القرآن

    تطلق كلمة الزوج في القرآن على الصنف، ومنه قول الله عز وجل: أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ [الشعراء:7]، وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [الحج:5]، فالزوج هنا بمعنى: الصنف.

    وتطلق كلمة الزوج في القرآن على: الجنس، أي: المشاكل والمماثل، ومنه قول الله عز وجل: اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا[النساء:1]، ومنه قول الله عز وجل: وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنْ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ[الزمر:6]، فالمراد بالزوج هنا: الجنس، أي: جنس الذكر والأنثى.

    وتطلق كلمة الزوج في القرآن على: المثيل والنظير، ومنه قول الله عز وجل: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ[الصافات:22]، أي: نظراءهم وأمثالهم، فيحشر الملحد مع الملحد، ومن عبد الشيطان مع من عبد الشيطان، ومن أنكر الرسالة مع من أنكر الرسالة، ومن صد عن سبيل مع من صد عن سبيل الله، ومن ترك الصلاة من أجل المال يحشر مع قارون، ومن ترك الصلاة من أجل الملك يحشر مع فرعون، ومن ترك الصلاة من أجل الوزارة يحشر مع هامان، ومن ترك الصلاة من أجل التجارة يحشر مع أبي بن خلف ، فيحشر كل واحد مع نظيره ومثيله.

    فالناس يكونون أصنافاً ثلاثة في ذلك اليوم.

    ثم قال سبحانه: فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْئَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْئَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ [الواقعة:8-11].

    قول الله عز وجل: فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ [الواقعة:8]، الاستفهام هنا: للتعظيم والتبجيل، يعظم الله عز وجل شأنهم ويجل قدرهم.

    ثم يقول سبحانه: وَأَصْحَابُ الْمَشْئَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْئَمَةِ [الواقعة:9]، والاستفهام هنا: للتهويل، أي: هم في كرب عظيم، وهم مقعد مقيم، مثل ما قال سبحانه: الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ [الحاقة:1-3]، فالاستفهام هنا: للتعظيم والتهويل، الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ [القارعة:1-3]، وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ [الانفطار:17-18]، فالاستفهام في هذه المواضع كلها: للتهويل، فهم في هول عظيم وشر مستطير.

    أقوال المفسرين في أصحاب اليمين وأصحاب الشمال

    فأصحاب الميمنة هم: أصحاب اليمين، نسأل الله أن يجعلنا منهم! وأصحاب المشأمة هم: أصحاب الشمال، وللمفسرين في ذلك قولان:

    القول الأول: أنهم أصحاب يمين وأصحاب شمال باعتبار الكتب، فمنهم من يؤتى كتابه بيمينه فهؤلاء: أصحاب الميمنة، وهذا الذي يؤتى كتابه بيمينه يكون فرحاً مسروراً، وينادي في الناس يقول: هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ [الحاقة:19-20]، قال الله عز وجل: فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ [الحاقة:21-24].

    وأصحاب الشمال هم: الذين أوتوا كتبهم بشمائلهم، من وراء ظهورهم، والواحد منهم يندب حظه ويبكي نفسه فيقول: يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ [الحاقة:25-29].

    فالذين أوتوا كتبهم بأيمانهم يؤخذ بهم ذات اليمين، والذين أوتوا كتبهم بشمائلهم يؤخذ بهم ذات الشمال.

    القول الثاني: أنهم أصحاب يمين باعتبار أنهم على يمين عرش الرحمن جل جلاله، وأولئك أصحاب المشأمة باعتبار أنهم على شمال عرش الرحمن جل جلاله، وأما وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ [الواقعة:10] فهم بين يديه سبحانه، ليسوا ذات اليمين، ولا ذات الشمال، وإنما هم أرفع درجة حتى من أصحاب اليمين، فيكونون بين يديه جل جلاله.

    فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ [الواقعة:8]، أي: ما أعظم شأنهم! وما أجل حالهم! وَأَصْحَابُ الْمَشْئَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْئَمَةِ [الواقعة:9]، أولئك الذين كتب الله عليهم الشقاوة في الأزل وجعلهم خاسرين؛ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [هود:106-107].

    أقوال المفسرين في قوله تعالى: (والسابقون السابقون ...)

    قال عز وجل: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ [الواقعة:10]، قال المفسرون: (والسابقون) أي: السابقون بالخيرات في الدنيا، أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ [الواقعة:11]، أي: عند الله يوم القيامة، فالسابقون يوم القيامة كانوا إلى الطاعات في الدنيا سابقين وإلى الخيرات مسارعين، كما قال ربنا جل جلاله عن الأنبياء عليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء:90]، فهؤلاء هم السابقون.

    وربنا جل جلاله أمرنا بالمسابقة والمسارعة، فقال: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ[آل عمران:133]، وقال: سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ[الحديد:21]، وقال: وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين:26]، وحكى ربنا جل جلاله على لسان موسى عليه السلام أنه قال: وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى [طه:84]، وكذلك كان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من حرصه على الخير إذا نزل عليه جبريل بالوحي فإنه كان يسارع بالترديد من ورائه خشية أن يتفلت منه أو ينسى، وحرصاً منه على تبليغ رسالة ربه، فقال الله عز وجل له: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ [القيامة:16-17].

    والسابقون بالخيرات أولئك المقربون في الجنات، وهاهنا للمفسرين قولان في قول الله عز وجل: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ [الواقعة:10-11]، قالوا: المقصود: السابقون ممن كانوا في الأمم السالفة وكذلك من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، واستدلوا على ذلك بالنصوص التي أثنى فيها ربنا جل جلاله على الصالحين من الأمم السابقة، كقوله سبحانه: لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ [آل عمران:113-114]، ونحو ذلك من الآيات.

    القول الثاني: قالوا: (والسابقون) أي: من أمة محمد صلى الله عليه وسلم وحده؛ لأن الله عز وجل ما ذكر في الأمم السابقة إلا صنفين، فقال: مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ [المائدة:66]، قالوا: الأمم الأولى ليس فيها سابقون، وإنما صنفان: مقتصدون، وظالمون فاسقون، أما هذه الأمة ففيها الأصناف الثلاثة، قال الله عز وجل: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ[فاطر:32]، والظالم لنفسه هو: الذي قصر في بعض الواجبات وقارف بعض المحرمات، والمقتصد هو: الذي فعل الواجبات وترك المحرمات، وأما السابق بالخيرات فهو: الذي فعل الواجبات وحرص على السنن والمستحبات وترك المحرمات، وابتعد كذلك عن المكروهات والشبهات، والجميع وعدهم الله عز وجل بالخير، فقال: ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ [فاطر:32-33]، فهذه هي الأصناف الثلاثة: فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ[فاطر:32].

    قال الله عز وجل عنهم: أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ [الواقعة:11] أي: مقربون عند الله عز وجل قد رفعهم درجات فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ [الواقعة:12].

    فضل أول هذه الأمة على آخرها

    قال عز وجل: ثُلَّةٌ مِنْ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنْ الآخِرِينَ [الواقعة:13-14]، الثلة: الجماعة، قالوا: وفي هاتين الآيتين دليل على فضل أول هذه الأمة على آخرها، وهذا واضح في قول نبينا صلى الله عليه وسلم: ( خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم. قال عمران بن حصين رضي الله عنه: فما أدري أذكر قرنين أم ثلاثة؟! ثم يخلف من بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، ويحلفون ولا يستحلفون )، يعني: يكثر فيهم الحلف والخوض فيما لا يحسنون، وتكثر فهم الخيانة عياذاً بالله، فخير هذه الأمة أولها، ولا يعني هذا أن الخير منقطع بل هو باق؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( أمتي كالغيث لا يدرى أوله خير أم آخره ).

    1.   

    ذكر بعض نعيم السابقين من أهل الجنة

    سرر أهل الجنة وتقابلهم عليها

    قال الله عز وجل: عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ [الواقعة:15]، السرر: جمع سرير، وموضونة أي: مرمولة محلاة بالذهب والفضة واللؤلؤ والزبرجد وغير ذلك، وقوله: عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ [الواقعة:15]، مثل ما قال سبحانه في سورة الغاشية: فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ [الغاشية:13]، فالجنة -نسأل الله أن يجعلنا من أهلها- فيها سرر، وهذه السرر إن شاء أهلها جلسوا عليها، وإن شاءوا اتكأوا، وإن شاءوا رقدوا ولهم فيها ما يشتهون.

    قال: مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ [الواقعة:16]، متكئين أي: جالسين جلوس راحة وطمأنينة وسكينة، مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ [الواقعة:16]، وهذا في القرآن الكريم كثير، كقول الله عز وجل في سورة الحجر: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ * وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ * لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ [الحجر:45-48]، وفي سورة يس: هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ[يس:56]، وتقدم معنا أن الأزواج هنا بمعنى: النظراء، ومن كان مثيلاً، ومن كان من شاكلته، هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ [يس:56]، وهناك في سورة الكهف قوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً * أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً [الكهف:30-31]، فهم يجلسون ليس جلوس المتحفز المتوثب القلق، وإنما يجلسون جلوس المطمئن الهادئ الساكن المرتاح؛ لأنه ليس هناك من سيزعجه ويقول له: قم قد شب حريق، أو قم هذا المكان حار، أو هذا المكان بارد، ولن يأتي من يدق عليه الباب يقول له: أين الأجرة؟ ولا يخاف أن يدخل عليه ملك الموت من هاهنا أو من هاهنا لا، وإنما كما قال الله عز وجل: لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ [الحجر:48]، أي: لا خروج منها، ولا مرض فيها، ولا تعب، ولا نوم، ولا موت، ليس هناك شيء من المنغصات التي كانت في الدنيا، ففي الدنيا يخاف الإنسان من الحر، ويخاف من القر، ويخاف من الشمس، ويخاف من المطر، ويخاف من المرض، ويخاف من اللص، ويخاف من السم، ويخاف من الهوام، والحشرات والدواب والوحوش والجوارح، وما إلى ذلك مما جعله الله في هذه الدنيا للتنغيص والتكدير؛ مصداقاً لقوله سبحانه: لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ [البلد:4]، وليس في الجنة شيء من ذلك، نسأل الله أن يجعلنا من أهلها.

    وقوله: مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ [الواقعة:16]، متقابلين: يقابل بعضهم بعضاً بوجهه، ليس هناك غل، وليس هناك حسد، وليس هناك ضغائن ولا عداوات ولا بغضاء أبداً.

    طواف الولدان على أهل الجنة

    قال عز وجل: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ [الواقعة:17]، هؤلاء هم الخدم الذين يقومون على أهل الجنة، يصفهم الله عز وجل بأنهم ولدان، (ولدان) أي: حدثاء الأسنان، صبيان، ليسوا شيوخاً هرمين ولا رجالاً كباراً فانين، وإنما هم ولدان، (مخلدون) أي: لا يأتي عليهم فناء ولا تغير ولا مرض، فهم هم! لا يتبدلون ولا يتغيرون، وهؤلاء الولدان قال الله عز وجل عنهم: وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ [الطور:24]، وفي آية ثالثة: إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنثُوراً [الإنسان:19]، وقوله: (لؤلؤ مكنون) أي: مستور، لم يصبه ما يؤثر على حسنه وجماله من العوامل الطبيعية الموجودة في الدنيا التي تؤثر على كل شيء، وهناك: لُؤْلُؤاً مَنثُوراً [الإنسان:19]، قالوا: واللؤلؤ المنثور أجمل من اللؤلؤ المنظوم، اللؤلؤ إذا نثر هنا وهناك على غير ترتيب أفضل من اللؤلؤ الذي يكون منظوماً، وهؤلاء الولدان يطوفون عليهم ويخدمونهم.

    الفرق بين الكوب والإبريق

    قال عز وجل: بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ [الواقعة:18]، الأكواب: جمع كوب، وهو: الإناء الذي لا عروة له، فما عنده المكان الذي يحمل منه، والأباريق: جمع إبريق، وهو: الإناء الذي له عروة، يعني: عندنا الكوب وعندنا الفنجان، فلا يقال فنجان إلا إذا كان له مكان.

    خمر أهل الجنة

    وقوله: وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ [الواقعة:18]، معين: اسم من أسماء الخمر، وقد بين ربنا جل جلاله أن في الجنة خمراً، فقال سبحانه: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى[محمد:15]، لكن هذه الخمر ليست كخمر الدنيا، قال الله عز وجل في وصف من يشربها: لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزِفُونَ [الواقعة:19]، (لا يُصَدَّعُونَ) أي: لا تسبب للرأس صداعاً، (وَلا يُنزِفُونَ)، أي: لا تستنزف العقل.

    قالوا: خمر الدنيا فيها أربع صفات قبيحة:

    أولها: نتن الريح، وثانيها: صداع الرأس، وثالثها: مغص البطن، ورابعها: قبح الفعل، فالسكران قبيح الفعل؛ ولذلك السكران -والعياذ بالله- قد يبول على نفسه، كصنيع الصبيان، والسكران أيضاً قد يقذف، وقد يتكلم بالفحش ويتهم الناس في أعراضهم، والسكران -والعياذ بالله- قد ينتهك حرمة نفسه، مثل ما ذكروا عن قيس بن عاصم رضي الله عنه قالوا: في الجاهلية سكر يوماً، فأراد أن يقع على ابنته، فلما أفاق وأخبروه، قال:

    رأيت الخمر صالحة وفيها خصال تفسد الرجل الحليما

    فلا والله أشربها صحيحاً ولا أشفي بها أبداً سقيما

    ولا أعطي بها ثمناً حياتي ولا أدعو لها أبداً نديما

    فإن الخمر تفضح شاربيها وتجنيهم بها الأمر العظيما

    يقول: أنا مرة أخرى لن أشرب الخمر، وهذا قبل أن يسلم وقبل أن يحرم الله الخمر، فقد حرمها على نفسه لما رجع إلى عقله وعرف أن الخمر لا خير فيها، ولما قال بعض الناس للرسول صلى الله عليه وسلم: ( يا رسول الله! إنا نشربها دواء -فقط مجرد دواء- فقال: إنها داء، وليست بدواء )، ولا يمكن أبداً أن تكون الخمر دواء؛ ولذلك ربنا جل جلاله لما ذكر أن أهل الجنة يطوف عليهم أولئك الولدان المخلدون بالأكواب والأباريق والكئوس التي فيها الخمر قيد ذلك بقوله: لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزِفُونَ [الواقعة:19]، وهناك قال: لا فِيهَا غَوْلٌ[الصافات:47]، أي: ليس فها المادة التي تغتال العقل وتذهب به، لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ [الصافات:47]، هذه هي خمر الجنة، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة )، يعني: لو دخل الجنة فإنه لا يشربها في الآخرة؛ لأن من تعجل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه: ( من شرب الخمر ثم تاب تاب الله عليه، ومن لم يتب كان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال، قيل: وما طينة الخبال يا رسول الله؟! قال: عصارة أجسام أهل النار ).

    فاكهة أهل الجنة

    ثم قال سبحانه: وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ [الواقعة:20]، وهذه الفاكهة أخبرنا ربنا جل جلاله أنها من كل الأنواع، وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * ذَوَاتَا أَفْنَانٍ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن:46-49]، فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ [الرحمن:52]، والجنتان اللتان دون ذلك قال عنهما: فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ [الرحمن:68]، وهناك قال: وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً[البقرة:25]، يعني من النوع الواحد أشكال متعددة، طعومها مختلفة، وجماع ذلك قول ربنا جل جلاله: وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [الزخرف:71]، أي: كل ما تشتهيه النفس.

    لحم أهل الجنة

    قال عز وجل: وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ [الواقعة:21]، مما يشتهون، إن اشتهوه مشوياً، وإن اشتهوه مطبوخاً، وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن في الجنة طيراً ناعمة تأكل من ثمار الجنة، يشتهي المؤمن الواحد منها فيخر مشوياً بين يديه، يعني: مجرد ما ينظر إليه ويشتهيه، فإنه لا يحتاج إلى أن يصيد، ولا أن يقبض ولا أن يجري خلفه، ولا يحتاج إلى أن يتعنى بتقزيحه وتمليحه وطبخه أو شيه.. وإنما يشتهيه فيخر مشوياً بين يديه.

    وصف الحور العين

    ثم قال سبحانه: وَحُورٌ عِينٌ [الواقعة:22]، وحور: جمع حوراء، وهي: البيضاء، وعين: جمع عيناء، وهي: واسعة العين، ومعلوم أن المرأة في الدنيا تمدح فيما لو كانت عيناها واسعتين؛ ولذلك الرسول صلى الله عليه وسلم أمر الخاطب بأن ينظر إلى الوجه، وقال له: ( انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئاً )، وفي بعض الألفاظ: ( فإن في أعين الأنصار عمشاً )، فالإنسان الخاطب يعتني دائماً بأن ينظر إلى العينين، والنبي عليه الصلاة والسلام وصفهن بأنهن: ( واسعات العيون شديدات بياضها، شديدات سوادها، شفر الحورية منهن بمنزلة جناح النسر، ألبس الله وجوههن النور وأجسادهن الحرير، فهن بيض الوجوه خضر الثياب صفر الحلي ).

    قال الله عز وجل: كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ [الواقعة:23]، أي: من حسنهن وجمالهن ورقتهن، كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( رقتهن كرقة القشرة مما يلي البيضة، يرى مخ ساقها من وراء اللحم والعظم، كبدها له مرآة، كلما أتاها وجدها بكراً، تقول له: والله ما في الجنة شيء أطيب ولا أحسن منك )، ثم إنهن يغنين لأزواجهن يقلن: ( نحن الخالدات فلا يمتن، نحن الناعمات فلا يبأسن، نحن المقيمات فلا نظعن )، يعني: يغنين لأزواجهن بأنهن خالدات مقيمات ناعمات، وليس هذا في شيء من نساء الدنيا، فنساء الدنيا إن كن ناعمات فإنهن عما قريب يتبدل حالهن، وإن كن مقيمات فإنهن يظعن، والواحدة منهن تذهب عنك إما لحج أو لعمرة أو لمرض أو لسبب من الأسباب وربما يحصل الفراق، إما بموت أو طلاق، أما هذه فهي في الجنة خالدة معك.

    وهؤلاء الحور العين وصفهن الله عز وجل بأنهن: قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ[الصافات:48]، قاصرات أي: حابسات عيونهن عن غير أزواجهن، لا يتطلعن إلى غير أزواجهن.

    ووصفهن الله عز وجل بأنهن: طاهرات، قال سبحانه: وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ[البقرة:25]، أي: مطهرة من كل أرجاس الدنيا، لا يبصقن ولا يمتخطن ولا يبلن ولا يتغوطن، ولا يحضن ولا يمنين ولا يلدن.. وكل ما يطرأ على نساء الدنيا من بصاق ومخاط وبول وغائط وحيض ونفاس ومني طهر الله عز وجل نساء الجنة منه.

    ووصفهن الله عز وجل كذلك بأنهن: أبكار، فقال: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ [الرحمن:56]، الواحدة منهن ما مست قط، لا بحلال ولا حرام، لا من الإنس ولا من الجن.

    ووصفهن الله عز وجل بأنهن: عرب، والعرب: جمع عروب، وهي: المتعشقة المتحببة إلى زوجها، يعني: ليست معرضة عنه ولا زاهدة فيه، وإنما هي دائماً تبذل له من الكلام ما يدل على حبها له وعشقها إياه.

    قال الله عز وجل: جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الواقعة:24]، هذا الذي يتمتعون به في الجنة، من الطعام والشراب والنكاح كله جزاء بما كانوا يعملون، جزاء بما قدموه في الدنيا من توحيد لله عز وجل وإخبات له وتوكل عليه ورضاً بقدره، وركوع له وسجود وتوبة وصيام وزكاة وحج وعمرة، وبر وصلة وإحسان إلى الخلق، وتعظيم للخالق جل جلاله؛ فهذا جزاؤهم، جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الواقعة:24].

    قال سبحانه: لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلا تَأْثِيماً [الواقعة:25]، الجنة لا يسمعون فيها الكلام الباطل، الذي هو لغو لا فائدة منه، ولا قيمة له، (وَلا تَأْثِيماً)، أي: لا يسمعون ما يسبب الآثام، لا يسمعون سباً ولا شتماً ولا لعناً ولا غيبة ولا نميمة ولا فحشاً ولا قبحاً: إِلاَّ قِيلاً سَلاماً سَلاماً [الواقعة:26]، كما قال سبحانه: وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ [الرعد:23-24]، وقال سبحانه: وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ [يونس:10]، سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ[الزمر:73]، وكلمة السلام هذه يسمعونها في الجنة، يسلم بعضهم على بعض، وتسلم عليهم الملائكة ويسلم عليهم الولدان الذين يخدمونهم، وكلمة السلام من معانيها: السلامة من الآفات كلها.

    أسأل الله أن يجعلنا منهم! وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3010768917

    عدد مرات الحفظ

    722017735