اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الواقعة [3] للشيخ : عبد الحي يوسف


تفسير سورة الواقعة [3] - (للشيخ : عبد الحي يوسف)
الناس في الآخرة ليسوا سواء فمنهم أصحاب الجنة، ومنهم أصحاب النار، وأصحاب الجنة ليسوا سواء ففيهم السابقون المقربون، وفيهم أصحاب اليمين، وكل أصحاب الجنة في النعيم خالدون، لهم فيها ما تشتهي أنفسهم ولهم فيها ما يدعون، لا يكدر صفوهم منغص، ولا يعقب نعمتهم زوال، على السرر متقابلين يأكلون أطيب الطعام، ويشربون أحسن الشراب، ويسمعون أطيب الكلام.
تلخيص لما سبق من كلام في القيامة وأهوالها
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى، أما بعد:فقد تقدم معنا الكلام في أن الواقعة اسم من أسماء يوم القيامة، وأن الله عز وجل عبر بالماضي دلالة على تحقق الوقوع، وأنه سبحانه وتعالى أخبر بأنها إذا وقعت فلا يستطيع أن يكذب بها مكذب، وأن هذه الواقعة خافضة رافعة، تخفض أناساً فتدعهم في أسفل سافلين، وترفع أناساً فتجعلهم في أعلى عليين.وذكر ربنا جل جلاله بعض أهوال ذلك اليوم، فقال سبحانه: إِذَا رُجَّتْ الأَرْضُ رَجّاً [الواقعة:4]، أي: حركت تحريكاً شديداً، واضطربت ومادت وزلزلت، وَبُسَّتْ الْجِبَالُ بَسّاً [الواقعة:5]، أي: فتتت حتى صارت كأنها بسيسة: كالدقيق الذي لت بسمن سرعان ما يتفتت، فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثّاً [الواقعة:6]، ما فتتت إلى حجارة كبار، ولا إلى صخور عظام، وإنما صارت كأنها الذر الذي يتراءى للناظر في الفضاء.
 

تابع أقسام الخلق يوم القيامة
يقول الله عز وجل: وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاثَةً [الواقعة:7]، أي: وكنتم أيها الخلق! أو وكنتم يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم!والمقصود بالأمة هنا: أمة الدعوة لا أمة الإجابة، والمعروف أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم أمتان: أمة الدعوة: وهم العالمون، فكل من حضر زمانه أو جاء بعد زمانه فهو مخاطب بدعوته عليه الصلاة والسلام؛ لأن الله قال: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً [الفرقان:1]، وقال: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً[سبأ:28]، وقال: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107]، وقال عليه الصلاة والسلام: ( وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة )، فهؤلاء هم أمة الدعوة.ثم هناك: أمة الإجابة: وهم من استجابوا لمحمد صلى الله عليه وسلم.
 فضل أول هذه الأمة على آخرها
قال عز وجل: ثُلَّةٌ مِنْ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنْ الآخِرِينَ [الواقعة:13-14]، الثلة: الجماعة، قالوا: وفي هاتين الآيتين دليل على فضل أول هذه الأمة على آخرها، وهذا واضح في قول نبينا صلى الله عليه وسلم: ( خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم. قال عمران بن حصين رضي الله عنه: فما أدري أذكر قرنين أم ثلاثة؟! ثم يخلف من بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، ويحلفون ولا يستحلفون )، يعني: يكثر فيهم الحلف والخوض فيما لا يحسنون، وتكثر فهم الخيانة عياذاً بالله، فخير هذه الأمة أولها، ولا يعني هذا أن الخير منقطع بل هو باق؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( أمتي كالغيث لا يدرى أوله خير أم آخره ).
ذكر بعض نعيم السابقين من أهل الجنة

 وصف الحور العين
ثم قال سبحانه: وَحُورٌ عِينٌ [الواقعة:22]، وحور: جمع حوراء، وهي: البيضاء، وعين: جمع عيناء، وهي: واسعة العين، ومعلوم أن المرأة في الدنيا تمدح فيما لو كانت عيناها واسعتين؛ ولذلك الرسول صلى الله عليه وسلم أمر الخاطب بأن ينظر إلى الوجه، وقال له: ( انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئاً )، وفي بعض الألفاظ: ( فإن في أعين الأنصار عمشاً )، فالإنسان الخاطب يعتني دائماً بأن ينظر إلى العينين، والنبي عليه الصلاة والسلام وصفهن بأنهن: ( واسعات العيون شديدات بياضها، شديدات سوادها، شفر الحورية منهن بمنزلة جناح النسر، ألبس الله وجوههن النور وأجسادهن الحرير، فهن بيض الوجوه خضر الثياب صفر الحلي ).قال الله عز وجل: كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ [الواقعة:23]، أي: من حسنهن وجمالهن ورقتهن، كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( رقتهن كرقة القشرة مما يلي البيضة، يرى مخ ساقها من وراء اللحم والعظم، كبدها له مرآة، كلما أتاها وجدها بكراً، تقول له: والله ما في الجنة شيء أطيب ولا أحسن منك )، ثم إنهن يغنين لأزواجهن يقلن: ( نحن الخالدات فلا يمتن، نحن الناعمات فلا يبأسن، نحن المقيمات فلا نظعن )، يعني: يغنين لأزواجهن بأنهن خالدات مقيمات ناعمات، وليس هذا في شيء من نساء الدنيا، فنساء الدنيا إن كن ناعمات فإنهن عما قريب يتبدل حالهن، وإن كن مقيمات فإنهن يظعن، والواحدة منهن تذهب عنك إما لحج أو لعمرة أو لمرض أو لسبب من الأسباب وربما يحصل الفراق، إما بموت أو طلاق، أما هذه فهي في الجنة خالدة معك.وهؤلاء الحور العين وصفهن الله عز وجل بأنهن: قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ[الصافات:48]، قاصرات أي: حابسات عيونهن عن غير أزواجهن، لا يتطلعن إلى غير أزواجهن.ووصفهن الله عز وجل بأنهن: طاهرات، قال سبحانه: وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ[البقرة:25]، أي: مطهرة من كل أرجاس الدنيا، لا يبصقن ولا يمتخطن ولا يبلن ولا يتغوطن، ولا يحضن ولا يمنين ولا يلدن.. وكل ما يطرأ على نساء الدنيا من بصاق ومخاط وبول وغائط وحيض ونفاس ومني طهر الله عز وجل نساء الجنة منه.ووصفهن الله عز وجل كذلك بأنهن: أبكار، فقال: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ [الرحمن:56]، الواحدة منهن ما مست قط، لا بحلال ولا حرام، لا من الإنس ولا من الجن.ووصفهن الله عز وجل بأنهن: عرب، والعرب: جمع عروب، وهي: المتعشقة المتحببة إلى زوجها، يعني: ليست معرضة عنه ولا زاهدة فيه، وإنما هي دائماً تبذل له من الكلام ما يدل على حبها له وعشقها إياه. قال الله عز وجل: جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الواقعة:24]، هذا الذي يتمتعون به في الجنة، من الطعام والشراب والنكاح كله جزاء بما كانوا يعملون، جزاء بما قدموه في الدنيا من توحيد لله عز وجل وإخبات له وتوكل عليه ورضاً بقدره، وركوع له وسجود وتوبة وصيام وزكاة وحج وعمرة، وبر وصلة وإحسان إلى الخلق، وتعظيم للخالق جل جلاله؛ فهذا جزاؤهم، جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الواقعة:24]. قال سبحانه: لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلا تَأْثِيماً [الواقعة:25]، الجنة لا يسمعون فيها الكلام الباطل، الذي هو لغو لا فائدة منه، ولا قيمة له، (وَلا تَأْثِيماً)، أي: لا يسمعون ما يسبب الآثام، لا يسمعون سباً ولا شتماً ولا لعناً ولا غيبة ولا نميمة ولا فحشاً ولا قبحاً: إِلاَّ قِيلاً سَلاماً سَلاماً [الواقعة:26]، كما قال سبحانه: وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ [الرعد:23-24]، وقال سبحانه: وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ [يونس:10]، سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ[الزمر:73]، وكلمة السلام هذه يسمعونها في الجنة، يسلم بعضهم على بعض، وتسلم عليهم الملائكة ويسلم عليهم الولدان الذين يخدمونهم، وكلمة السلام من معانيها: السلامة من الآفات كلها.أسأل الله أن يجعلنا منهم! وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الواقعة [3] للشيخ : عبد الحي يوسف

http://audio.islamweb.net