إسلام ويب

شبهات وشهواتللشيخ : سفر الحوالي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تكلم الشيخ حفظه الله عن العمر وأهمية المحافظة عليه باستغلال الأوقات، موضحاً فوائد اللقاء مع الإخوة في الله، ثم تكلم عن مرحلة طلب العلم وأهميتها في حياة الشباب، ووضح حاجة الأمة إلى الدعوة، وإمكانية الدعوة من خلال المساجد، مبيناً أهمية تصحيح المفاهيم والمعايير المتعلقة بذلك على ما جاء في الكتاب والسنة.

    1.   

    قيمة العمر

    الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعــد:

    فإن من نعمة الله علينا أن يجد الإنسان إخوة في الله يسكنون متجاورين متعاونين على تقوى الله وطاعته، يتواصون بالحق ويتواصون بالصبر، ويُذكِّر بعضهم بعضاً، فالعمر محدود، والرحيل قريب، والراحلون إلى الدار الآخرة يزيدون المؤمن إيماناً بضرورة الجد والعمل وقصر الأمل، ويذكرون الغافل عن الله وآياته، والمضيع للعمر في اللهو واللعب وما لا يجدي بحتمية هذا المصير.

    فإذا وُجِدَ الإنسان إخوة في الله يدرس ويسكن معهم، فإنهم يعينونه على تقوى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وما يقرب إليه، ويذكِّرونه بأمر الله، فهي نعمة كبرى خاصة في هذا الزمن، الذي تكالبت فيه الفتن واشرأبت بأعناقها من كل مكان، وحوصر الشباب المسلم في نفسه وما حوله من كل جهة لكي ينجرف وينحرف وراء الشهوات والضلالات والبدع، فجديرٌ بنا في هذا العصر أن نتآخى في الله، وأن نتعاون في ذاته، وأن نضحي لكي ينقذ كل منا نفسه وأخاه.

    والمتأمل في عمر الإنسان يجده معدوداً محدوداً قصيراً؛ إذ أن سنوات الطالب الجامعي أربع سنوات، وهي قليلة جداً في حساب الزمن، فإذا نظرنا إلى العمر وأنه قليل، فإنها تكون قليلة من ذلك القليل.

    فعلى الإنسان أن يتقي الله في هذا العمر، وأن يجعل هذه السنين مناسبة عظيمة، وفرصة كبرى، وغنيمة يغتنمها؛ لكي يتعلم ما ينفعه، ويقربه إلى الله، ولكي يستعد للدعوة إلى الله على منهاج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فالآن تستطيع أن تسأل وأن تتردد على حِلَقِ الذكر، وتذهب إلى من تريد لتستفيد منه علماً وخيراً، وتستطيع أن تدعو إلى الله، وإن أخطأت أو تجاوزت فإن ذلك يكون في هذه الفترة مقبولاً منك؛ لأنك في مرحلة الطلب.

    وأنت أيضاً -غالباً- متفرغ للدراسة، فلا مشاغل عائلية، ولا أعباء ولا مشكلات، ولكن حالك إذا تخَّرجت وعدت إلى بلدك سيتغير، فستخرج إلى الحياة العامة، وستنشغل بالأهل وأعباء الحياة، وستكثر عليك المسئوليات، وعندئذٍ ستندم على ساعات أو ليالي أو أيام مضت في السكن لم تستفد منها، فالعاجز يندم على تفريطه، والمجد يندم على عدم اجتهاده أكثر، وهي تجربة يشعر بها كل من مر بها، ويندم ويتأسف على تلك الأيام أن لو اغتنمناها أكثر فأكثر، حيث ثورة الشباب والفراغ، وحيث الإخوة في الله، وإمكانية التقويم والتصحيح، وحيث إمكانية السؤال.

    1.   

    شباب الجامعة وواجبات الدعوة

    ونحن أبناء جامعة أم القرى يجب علينا أن نتقي الله في أنفسنا، وأن نكون صادقين، وصرحاء مع حقوق الله علينا، فلابد لنا من التأثير في مجتمعنا وما حول جامعتنا، بل لا بد أن نعد العدة لأن نقوم بها خارج هذه البلدة أيضاً.

    فكل شاب مسلم في أي بلد في العالم يلام إن قصَّر في الدعوة إلى الله، ولكن طالب جامعة أم القرى إن قصر كان اللوم في حقه أعظم، وإن عمل كل أحد فالواجب عليه أكبر وأكثر.

    تضم هذه الجامعة حسب الإحصائيات الأخيرة ما يقارب (15000) طالب وطالبة.

    فيا سبحان الله! لو فرضنا أن منهم (1500) فقط دعاة، فهل يكون حالنا كهذا الحال؟!

    أقول: دائماً يجب أن نكون صرحاء، ولا سيما إذا لم يكن فينا غريب، وليس غير الإخوة في الله، فلنكن صادقين في انتهاز الفرص، وأن نتحدث نحن منتسبي هذه الجامعة وهذه الكليات الشرعية، ونحن وحدنا عن الشباب الضائع، فالشباب الضائع اللاهي الذي يعبث حول الجامعة لابد من نصيحته ودعوته إلى الله، فالمساكن القريبة والمقاهي والملاهي لابد من بذل الجهد في نصيحتها، فإقامة الدعوة في السكن شيء طيب لكن لا نكتفي به.

    أهمية الدعوة

    إن نسبة معينة فقط من الشباب هي التي تشارك وتفيد وتستفيد، أما البقية فإنها لا تفعل ذلك، مع أنه لا بد لطالب العلم -الذي يتعلم ليدعو إلى الله- من أن يكون له برنامج للدعوة خاصة في هذا الزمن.

    هذه جامعة أم القرى، وهذا هو الطالب الذي لو سألته: أتطلب العلم لوجه الله؟

    هل تطلب العلم لتدعو إلى الله؟

    فسوف يجيب: نعم! ولا شك، وأنا أقول بصراحة: لو سألنا هذا السؤال في أحد الاختبارات فمن سيجيب بلا؟ لا أحد، وفي الواقع الذي يطبق قلة: فكأننا نكذب على الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ماذا عملنا في هذا البلد الحرام؟

    وكيف هو حال ما حول مكة؟

    أتعلمون أنه يعرض كثيراً، ومما عرض أخيراً على سماحة والدنا الكريم، وشيخنا الفاضل: الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله وأطال عمره، ونفعنا بعلمه، عرض عليه تقريرات، أو تقارير عن مناطق تبعد عن مكة ما بين (30-40) كيلومتر فقط؛ وبعضهم يأتي إلى مكة، وهم لا يحسنون قراءة الفاتحة، ولا يعرفون الأصول الثلاثة: من ربك؟

    وما دينك؟

    ومن نبيك؟

    حتى أن فضيلة الشيخ عبد الله الفنتوخ مدير عام الدعوة هو بنفسه قال: أنا سألت واحداً منهم: من ربك؟

    فقال: محمد! وهذا في الأماكن القريبة، فأقول: لابد أن نجلس وحدنا، لنكون صادقين وصرحاء مع أنفسنا، ولا نكذب، قد نخدع أي أحد -ونعوذ بالله أن يكون فينا أحد مخادع- لكن لا يخادع الإنسان نفسه، ولا ينبغي أن يخدع نفسه، لأن هذا مصيرك، وهذه مسئوليتك بين يدي الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، أين دعوتك؟

    وأين تبليغك لدين الله؟

    وما العذر في ذلك؟

    يذهب الشاب منا إلى أهله، أو إلى بلده، أو قبيلته في العطل، في مدة تطول أو تقصر.. كم منا الذين يدعون إلى الله ويصبرون، ويبلغون قومهم إذا رجعوا إليهم؟

    أليس هذا هو واجبنا جميعاً؟

    وإلا فلم التحصيل؟

    ولم الاستكثار من حجة الله علينا؟!

    لما سئل أحد السلف عن طلب الزيادة في العلم، فقال: هل عملت بما قد علمت؟

    قال: لا. قال: فلم تستكثر إذن من حجة الله عليك؟!

    وأقول: لم نكمل الجامعة إلا وكلٌ منا يريد أن يواصل الدراسة، لنستكثر من الحجة، ماجستير ثم دكتوراة، وماذا بعد ذلك؟

    قد يموت الإنسان ولم يكمل شيئاً من هذه المراحل، وأكثر من يموت هم الشباب، قال بعض السلف الصالح: '' أكثر من يموت الشباب، ومن أراد أن يعرف صدق ذلك فلينظر إلى قلة الشيوخ ''، فكم عجوزاً ترى في هذا البلد؟

    وكم ترى إنساناً مسناً محدودب الظهر؟

    إنهم قليل جداً؛ لأن الناس يموتون، وهم ما يزالون أقوياء، وفي سن الشباب، وما حوله، إذن فماذا ننتظر؟!

    سبحان الله العظيم!

    من فوائد صلاة الجماعة

    الأمة تجتمع عندنا خمس مرات في اليوم، دع الذي لا يصلي، وانظر إلى الذين يجتمعون عندك في اليوم خمس مرات ماذا قدمت لهم؟

    هل دعوتهم إلى الله ليكون لك مثل أجورهم دون أن ينقص ذلك من أجرك شيئاً؟

    ولا أزال أتذكر كلمة ذلك المجرم الأثيم لينين، الزعيم الشيوعي المعروف، عندما اقتحمت جحافل الثورة الشيوعية المدن والدول الإسلامية التي تزيد مساحتها على مساحة الدول العربية مجتمعة، تركستان، وبلاد ما وراء النهر، اجتاحها أولئك الشيوعيين، واجتاحوا الدول التي تدين بـالنصرانية، فأذعنت وسلمت، ودول تدين بأديان أخرى من المشركين فأذعنت وسلمت.

    لكن المسلمين قاموا وجاهدوا أكثر من ثلاثين سنة، لا أحد يدري عنهم، فكثير من مشاكل المسلمين لا يدرى عنها؛ لأن الأمة في لهوها ولعبها وغفلتها،فقال لينين: لم هذه المقاومة؟

    وما السر؟

    قالوا: إن المسلمين يجتمعون، قال: فرقوهم، فشحن أعداداً هائلة إلى سيبيريا، وإلى المصانع في الشمال، فما نفع ذلك، فسائل المجرم عن السر في ذلك؟

    فقالوا له: هؤلاء يجتمعون في اليوم الواحد خمس مرات، وفي كل حي يجتمعون في الأسبوع مرة، ولا يكاد يغيب منهم أحد، وهذا من دينهم، فعجب هذا المجرم والطاغوت، وقال: لو اجتمع الناس عندي خمس مرات في اليوم لجعلت العالم كله شيوعياً...!

    خمس مرات يأتيك الناس، أنا لا أطلب منك أن تلقي خمسة مواعظ بعد كل صلاة! لكن تسلم على هذا، وتكلم هذا، وتنصح هذا، تعظهم جميعاً، وأحياناً تكلمهم جميعاً، وتنشئ علاقات صداقة ومحبة معهم، لتقربهم إلى الخير، لترى ما عندهم، هذه هي التي من أجلها بنيت المساجد، وشرعت الجماعة، وعبادة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بأداء الصلاة أمر عظيم، لكن لا نفوت الحكم والمصالح، فكلها متداخلة متشابكة، فنجد منافع عظيمة في الصلاة، والحج، والزكاة، والصيام، كلها فيها المنافع، وهي لا تنفصل، وهي لمصلحتنا، وإلا فالله تعالى غني عنا، فمن الخير لنا أن نسجد لربنا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، لتطمئن قلوبنا بذكره، ولننسى هذه القسوة والغفلة التي يكابدها الناس الذين شغلوا بالحياة الدنيا، ثم يذكر بعضنا بعضاً ليكسب الأجر.

    إذا قام في ذهن الشاب المسلم هذا الإحساس بضرورة الاستفادة من العمر، واستغلال الوقت للأجر، ولما يقربه من الله، ولزيادة الحسنات، تجده شعلة من الحركة، والدعوة إلى الله.

    كان بعض الصحابة رضوان الله تعالى عليهم إذا أثقلته العبادة، أو القراءة، أو الجلوس مع أهله وزوجاته، يخرج إلى السوق، ليجد شيئاً يكسب به الأجر، فيخرج يسلم على الناس، فإذا رأى منكراً أنكره، وإن لم ير المنكر، فيلقي عليهم السلام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، والآخر يرد عليه، فيكون كسب: ثلاثين حسنة، ومن غيره ثلاثين... وهكذا، فلا يرجع إلى البيت إلا وقد كسب هذه الحسنات العظيمة، وكان فيها نوع من الصلة لإخوانه المسلمين، والتعرف على أحوالهم، وكان فيها نوع من إنكار المنكر، فلو لم يكلم الناس فإنهم إذا رأوا مثل هذا الإنسان، يستحيون أن يظهروا المنكر أمامه.

    أمَّا نحن فقد غفلنا عن مدارسنا، وأسواقنا، وغفلنا عن مقاهينا، وغفلنا عن قبائلنا، وربما عن أسرنا، وربما يكون فينا من يغفل حتى عن نفسه.

    إذن ما فائدتنا؟

    وما قيمتنا في هذه الحياة؟

    هل للشباب وللجامعات من قيمة إلا بقيمة العلم والدعوة إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؟!

    دعوة إلى تصحيح المعايير والمفاهيم

    هل يصح أن تكون معاييرنا هي معايير ذلك الإنسان الذي لا يعرف الله واليوم الآخر، أو من العامة الذين لم يتعلموا ما تعلمنا؟

    انظروا إلى المعايير التي علَّمها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أصحابه، وعلَّمها القرآن للمؤمنين! وانظروا إلى معايير الناس، وانظروا هل معاييرنا نحن كما عليه الناس، أم كما عليه الوحي والدليل؟

    فالفائز في أذهان كثير من الناس هو الذي ربح في تجارته، والذي ربح في اللهو واللعب، والذي غنم أي شيء من متاع الدنيا الفانية، فهذا الذي يُسَّمى الفائز، لكن الفائز عند الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، والفائز في معايير القرآن والسنة هو كما قال تعالى: لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ [الحشر:20] هذا هو الفائز، والمفلس عند الناس الذي لا درهم عنده ولا متاع، وليس عنده مال، وهذا مفهومهم، لكن عند طلبة العلم في منهج الوحي، المفلس هو الذي أخبر عنه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتعلمون الحديث.

    من العالم؟

    العالم عند الناس من حفظ وحوى، وتحَّدث وتفلسف، هذا هو العالم عندهم، لكن في ميزان الشرع العالم هو العالم بالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وبحق الله، وإن كان غيره أحفظ منه، لكنه يحفظ ويقرأ، ويعلم ويعرف ربه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ويعلم ما خلقه الله لأجله ويقتدي به الناس بدعوته إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

    أما من أوتي علماً، فطلب به الدنيا، وتكسب به، وطلب العاجلة، وأخلد إلى الأرض، فلا خير فيه ولا في علمه، كما قال تعالى: وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا [الأعراف:176].

    وقد استشهد الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بالعلماء وجعلهم شهداء على ألوهيته، قال تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ [آل عمران:18]، ولم يستشهد من أهل الدنيا أحداً إلا هؤلاء، أهل العلم.

    وقال في الآية الأخرى: أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرائيلَ [الشعراء:197]، وقال تعالى: وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ [الأحقاف:10] فالعلماء يشهدون في الأمور العظيمة، وهؤلاء الذين يستشهدهم الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فهذا هو العالم الحقيقي، لكن عند الناس غير ذلك، وكذلك السعيد عند الناس هو الذي جمع المال والأولاد، والذي حاز زهرة، وفتنة الحياة الدنيا، مع أنه قد يُعذب بهذه الأموال والأولاد، فإنما هي فتنة في الدنيا، لكن عند الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في ميزان الوحي، من السعيد؟

    ومن المطمئن؟... وهكذا.

    يجب أن نصحح معاييرنا، ومفاهيمنا ونتوجه إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بقلوبٍ صادقة وعزيمة ثابتة، وبإقبال على الآخرة وانصراف عن ملهيات الدنيا، ولا نكون كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم، ولا نكون كالشباب الخاسر، وكل إنسان خاسر كما قال تعالى: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ [العصر:1-2]، فكل الجنس الإنساني بهذا القسم في خسارة ماحقة: الملوك، والأغنياء، والأثرياء، والوزراء من أهل الدنيا، وكل ما ترى أمامك، كلهم خاسرون، إلا من استثنى الله، وقد ذكر صفاتهم، فقال: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا [العصر:3]، فأول صفتهم الإيمان.

    وثانيها: العمل الصالح وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ [العصر:3].

    وثالثها: التواصي بالحق، فهم لا يجهلون الحق، يعرفونه كلهم، ويتواصون به أيضاً؛ لأني قد أعرف الحق وأضعف عنه، وقد أعرفه وأجبن عنه، قد أعرفه وأنساه وأغفل عنه، فتوصيني وتذكرني وأنا أذكرك، لا نقول: هذا يفهم ويعرف كل شيء، كما أن كل مسلم يعلم أن الصلاة حكمها كذا، وحكم تاركها كذا، لكن أكثر الناس لا يصلون، يعلمون لكن يفعلون، فلذلك قال تعالى: وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ [العصر:3]، فيذكر بعضهم بعضاً، وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:3].

    ورابعاً: التواصي بالصبر، فلا يقول له: إذا رأيت أن الموضوع صعب فاتركه: (وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)، اصبر واستمر وادع إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

    فيجب أن ينصح بعضنا بعضاً، وأن ننتهز كل فرصة نجد أنفسنا فيها معاً لنتذاكر بواجبنا في هذه الجامعة، ومسئوليتنا أمام الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، سواء ونحن ندرس، أو بعد التخرج..

    نسأل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن يوفقنا وإياكم لكل خير، إنه سميع مجيب.

    1.   

    الأسئلة

    المنهج الصحيح في التعامل مع المبتدعة

    السؤال: ما هو المنهج الصحيح في التعامل مع مبتدع يحاول نشر بدعته من خلال مؤلفاته، نرجو توضيح ذلك من خلال مواقف السلف الصالح مع المبتدعة، وجزاكم الله خيراً؟

    الجواب: التعامل مع المبتدعة ليس له صورة، ولا حالة واحدة، بل إن كل أمور التعامل والمعاملة هكذا دائماً تختلف صورها؛ لأن البيئات، والأحوال تختلف؛ فالمبتدع الذي ينشأ أو يأتي ببدعة في بيئة مؤمنة عارفة بالحق، ويريد أن يضلها، ويصد عن سبيل الله، ويشذ بذلك عن جمهور الأمة، يختلف حكمه عن مبتدع نشأ في بيئة مليئة بالبدع، ليس للحق فيها صولة، وليس لـأهل السنة فيها كلمة، ولكن هم قلة.

    أي: إن كان أهل السنة في قوة، وكان أمرهم ظاهراً، وكان بيدهم أن يردعوا صاحب البدعة، فإذا استطاعوا باليد فلا يؤجلوا ولا ينـزلوا إلى درجة اللسان، وإذا استطاعوا باللسان فلا ينبغي لهم التراجع إلى الإنكار عليه بالقلب.

    أما إذا كان أهل السنة قلةً، وكانت البيئة مليئة بالبدع كما هو حال بعض الدول في هذا الزمان، وكان أهل السنة لا يستطيعون أن يظهروا سنتهم ودينهم وقولهم الحق، فإن الحكم حينئذٍ يختلف، والتعامل يختلف، فأي كتاب من كتب العقيدة تقرءون فيه تجدون قضية هجر أهل البدع واضحة جداً، بل إن سيرة الكثير من السلف الصالح رضوان الله عليهم تنبئنا عن معاملتهم لأهل البدع وأنهم هجروهم، فلا كلام لهم يسمع، ولا كتب لهم تنشر أو تقرأ، وكان بعضهم يقسم بالله ألَّا يظله هو والمبتدع سقف واحد، كما فعل ميمون بن مهران رضي الله تعالى عنه، وكان أيوب السختياني لا يسمح لأحد من المبتدعة أن يتكلم عنده أبداً، وغيرهم كثير، خاصة في عصر التابعين، حيث ظهرت أول البدع: الخوارج، والمرجئة، والقدرية، وتعلمون ماذا قال ابن عمر رضي الله تعالى عنه كما في حديث جبريل عليه السلام، وماذا قال ابن عباس -أيضاً- في أهل القدر.

    وبالجملة فهي مواقف كثيرة جداً تمتلئ بها كتب العقيدة وكتب السير في مثل هذه الحالة.

    لكن إذا كان الحال والأمر، كحال الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه، مع أهل الفتنة في زمنه عندما يكبل أهل السنة بالأغلال، ويرتفع شأن البدعة، فإنه لا ينفع الهجر، فإنما يهجر الإنسان لكي يرتدع، أما إذا كانت الأكثرية ضده، وإذا كان من يهجره قليل الشأن، ضعيف العدد، فإنه لا يأبه له، فالمجتمع حوله كثير، يعيش فيه، ويعبث كما يشاء، فما فائدة الهجر؟

    وقد نص على ذلك شَيْخ الإِسْلامِ رحمه الله في أكثر من رسالة له وفي أكثر من موضع: أن الهجر يتبع المصلحة، والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -كما تعلمون في أول الإسلام- في بدر وأحد لم يعاقب ولم يهجر من تخلف عن الغزو؛ لأن الأمة في أول أمرها، لكن بعد غزوة تبوك تعلمون حالة الثلاثة الذين خلفوا، وكيف كان مصيرهم، وكيف عوقبوا تلك العقوبة، فالهجر لـه أحكام، سواء في حق المبتدع أو العاصي.

    ولكن في جميع العصور، والأوقات، وبحسب الطاقة والإمكان، يجب أن يكون هناك لله قائم بالحجة، وهذا أمر تكَّفل الله تعالى به، ولا بد أن يكون بإذن الله، لكن يجب أن يجتهد أهل السنة، وكل إنسان ليكون من أولئك، وليكون ذلك الرجل الذي يقوم لله تعالى بالحجة؛ لأنه كما قال الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه: ''إذا سكت العالم تقية، وسكت الجاهل لجهله، فمتى يظهر الحق؟!''. فلا بد أن يتحمل أناس من أهل السنة حتى يظهروا كلمة الحق ويصدعوا بها، وأن يقفوا موقف الأنبياء مهما كلفهم ذلك، لكي يكونوا مرتكزاً لمن يرغب في الحق، وليكونوا مناراً لأهل الحق، وحجة قائمة على أهل البدعة والضلال.

    فيجب أن يقام ذلك بحسب الطاقة، والإمكان، وهو على الأمة فرض كفاية، لكن كل إنسان بذاته، يُعادى ويوالى أو يُهجر بحسب المصلحة، وأيضاً يختلف الحال بين من لـه ولاية، ومن ليس لـه ولاية، فالسلطان كما كان المأمون مع الإمام أحمد، أو الأب مع ابنه، لا يعامل كما يعامل أي مبتدع آخر في الشارع، لأن له عليك حقاً، أو لـه عليك ولاية، فيجب أن تراعي هذا الحق، وهذه الولاية، وأن يكون إنكارك عليه وعلى بدعته بأفضل وأحسن الطرق، وبما يختلف عن معاملة أي إنسان آخر.

    أسلوب الدعوة

    السؤال: نحن شباب ملتزم، ونريد أن ننصح بعض الإخوان لدينا في السكن، فما هو الأسلوب الذي ننتهجه؟

    وهناك في السكن من لا يصلي، فكيف نتعامل مع مثل هؤلاء الشباب حتى يَصِلُوا إلى طريق الهداية والنور والفلاح؟

    الجواب: الحمد لله على وجود هذا الشعور الدعوي، وهكذا يجب أن يكون كل متبع للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف:108]، فمن كانوا من أتباعه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلا بد أن يدعوا إلى الله، ولا سيما الإخوة في السكن، وتعلمون أن الدين النصيحة، وأن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يبايعون النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على النصح لكل مسلم، فمن يرضى أن يكون أحد من إخوانه المسلمين من أهل النار؟!

    بعض السلف الصالح رضوان الله عليهم وصلت به الحساسية إلى حد أن يقول: ''وددت أن جسمي قد قرض بالمقاريض، وأن أحداً لم يعص الله عز وجل''.

    فهؤلاء الذين تأخذهم الغيرة على محارم الله، والغيرة أن يُعصى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وهو الذي خلق هذا الإنسان الضعيف، العاجز، المسكين، هذا الذي لو دخلت في رجله شوكة لصرخ، ولدعا الله، ولاستغاث بالله، هذا المسكين لا يؤدي حق الله، ولا يصلي وهو طالب علم، وفي جامعة أم القرى، فتلك مصيبة عظمى!

    فينبغي أن تشفق عليه أكثر، ويجب ألاَّ تدَّخر وسعاً في إيصال الحق إليه، بالصبر الطويل، والصبر الجميل، والصفح الجميل، بأي أسلوب حتى لو وصل الأمر إلى القوة، فإن القوة من الحكمة، ولا ينكر ذلك إلا جاهل بسنة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ [النحل:125]، فالقوة من الحكمة، والحزم، والزجر كله من الحكمة.

    المهم أن يكون في موضعه؛ لأن الحكمة: هي وضع الشيء في موضعه، فكل ما كان في موضعه فهو حكمة، وإن كان قوة، أو حزماً، وردعاً، وإن كان تأديباً، أعني من المسئولين القائمين على الإسكان أو الكلية، أو ما أشبه ذلك، لكن لا نبدأ بذلك، وهذا شيء آخر.

    والمقصود أن نستفرغ طاقتنا وجهدنا في نصيحة هؤلاء الإخوة، وفي تذكيرهم بالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وفي بيان أننا لا نريد لهم إلا الخير، ولا نريد منهم شيئاً، كما أمر الله رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً [الأنعام:90]، وكما يقول عن نوح: وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً [هود:29]، ومَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ [سبأ:47].

    سبحان الله! لأنه إذا علم أنك لا تريد له إلا الخير، وبالأسلوب الحسن، ولا تريد منه أي مطمع، فإنه حينئذٍ إما أن يستجيب، وإما ألا يكون لديه عذر، بخلاف ما لو رأى فيك رغبة في التشفي، أو شدة، أو غلظة، أو عنفاً، أو تكون النصحية كأنها نوع من حظ النفس والاستعلاء والتسلط عليه، فإن هذا يكون حائلاً بينه وبين الحق.

    فيجب أن نبذل جهداً، وأن نأخذهم بأرق الأساليب أولاً، ثم نُنوع تارةً موعظةً، وتارةً تخويفاً بالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وتارةً ترغيباً فيما عند الله، وتارةً بزيارة، وتارةً بهدية، وتارة بحديث طيب... وهكذا.

    وهذه أمور تعامل واحتكاك مستمر، فكلما كنت أكثر مقدرة على الصبر، وعلى تنويع الأسلوب، واستيعاب تنوع النفوس وأحوال المدعوين المخاطبين، كنت أكثر نجاحاً في الدعوة، على أن الإنسان قد يضيق صدره كما أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد ضاق صدره، وعلى أن الإنسان قد يألم، ولا بد أن يألم الداعية، وقد يتعرض لما لا يطيق، ولكن نرجو إذا اجتهدنا وصبرنا أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لن يضيع جهودنا، ولن يخيب آمالنا.

    الجدال أضراره وعلاجه

    السؤال: نحن شباب في هذا السكن، ونواجه من بعض الشباب كثرة الجدال، وتضيع كثير من الفوائد التي نحب أن نستفيد منها، نرجو منكم -أيها الشيخ- توضيح ذلك؟

    الجواب: الجدل من الأمراض التي يُصاب به الناس إذا انحرفوا، قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل}، والعياذ بالله.

    فالضلال علامته الاختلاف والجدل والتفرق ولا بد، وهما مقترنان، لأن المختلفين لا بد أن يتجادلا، ونقصد به: الجدل المذموم، وهذا لا يحدث إلا إذا مرضت القلوب، فيضيع الوقت في أمور لا خير فيها ولا فائدة.

    وأقول: إن مما يدَّخره الشيطان ويعده للقضاء على هذه النبتات الطيبة، وعلى هذا الشباب الغض الناشئ في عبادة الله عز وجل أن يلقي بينهم الخلاف والجدل حتى في الأمور العلمية، فقد يظن المتنازعان أنها مما شرع الله، وأن الغرض الوصول فيها إلى الحق، ويكون هناك هوىً خفي لم يشعروا به.

    ثم إن هناك هدىً سنهُ لنا صحابة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فكم من المسائل اختلفوا فيها!

    وانظروا إلى نسبة الاختلاف في المسائل، وقد وقع بينهم خلاف، لكن كلما جاءت العصور، اتسعت شقة الخلاف وتوسعت، حتى وصلت الآن إلى ما ترى الحال عليه بين المسلمين، حالٌ يرثى لها، أمَّا هم فكانوا أقل الناس تكلفاً، وجدالاً؛ لأنهم قوم شُغِلُوا أولاً بأنفسهم، وشغلوا بالعمل عن الجدال، أما طلب الحق ومعرفته، وبيانه للناس، والتفاهم مع الإخوة في الله للوصول إلى الحق فلا بأس في ذلك، لكن إذا وصل للمراء وللجدال الذي هو إضاعة للوقت، وإن خُيِّل إلينا أنه حق، فلا! حتى في المسائل العلمية.

    مثلاً: مسألتان فيها قولان للعلماء منذ الصحابة إلى الآن، فلم الجدال فيها؟!

    أنت تأخذ طرفاً، وهذا يأخذ طرفاً آخر.

    وأقول: هناك مسائل قد علم فيها الخلاف وهو قديم، ولا جديد فيها، لن تأتي أنت بجديد، ولن يأتي الآخر بجديد فيها، فيكون موقفنا في مثل هذه المسائل أن كُلاَّ منا يتقي الله، ويأخذ بما يرى أنه الحق، ولا يجادل الآخر في ذلك، وإذا شُغلنا بدعوة الناس، ودعوة أنفسنا، وإلزامها بطاعة الله وبالحق الواضح الصريح الذي لا جدال فيه ولا خلاف، فوالله لن نجد وقتاً لمثل هذه الأمور أبداً.

    فالجدال هو من الدعوة إلى الله: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125]، والمجادلة بالتي هي أحسن هي من أساليب الدعوة إلى الله، لكنه كدفع الصائل، فإذا صال عليك تقاتله، ولا تجعله أسلوب الدعوة الأول، فما بالك بالجدال الذي هو مراء مذموم لا خير فيه؟

    إن هذا المراء الذي لا خير فيه، من تركه وهو محق، فهو مُبشر ببيت في الجنة، كما أخبر بذلك النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ليؤدبنا وليعلمنا ألَّا نجادل، وأن نترك المراء وإن كنا محقين، فما بالك إذا كانت شبهات وأمور مشتبهة بين متجادلين؟!

    ونحن -مع الأسف- في مناهجنا العلمية نؤتى العلم، ونؤتى القرآن قبل الإيمان، وهذه من أسباب هذه المشكلات، فيأتي الطالب من الثانوية -وكلنا كذلك نأتي بشهادات ثانوية- فيدخل الجامعة، فيقرأ في التفسير خلافات، ويقرأ في الفقه والحديث خلافات، وهو لم يفقه الحق بعد، ولم يعرف الأمور المجمع عليها، ولم يعرف الأساسيات واليقينيات التي ترسخ في قلبه، ويبدأ بالجدل، فلا بد أن يُؤثر ذلك على حياته.

    ولهذا انظروا كيف يكون تأثير الجدال، أو الخلاف على العامة، حتى في أمور علمية هي حق!

    لو قلت للعامة في أيام الحج: اختلف الصحابة رضوان الله عليهم في التمتع، وفي كذا، فإنه يتعجب من اختلاف الصحابة أولاً، ومن اختلافهم في الحج ثانياً، ولأنه يرى أن ذلك لا يتناسب مع مقامهم ولا مع ركنية الحج مع أن كلامك حق وواقع، لكن نحن طلبة العلم لم نعد نبالي، فلو قرأنا أن في مسألة من المسائل عشرة أقوال أو خمسة أقوال، فلن نستغرب، لأننا قد تعودنا الجدال، والخلاف، فلم يعد هذا الامر غريباً علينا.

    وهذه مشكلة في الحقيقة، مشكلة من حيث تربيتنا، لأنه حتى العلماء الذين اختلفوا في المسائل، لا نتصور كما يتصور بعض العامة: أن الأئمة الأربعة كانوا جالسين مع بعض، وهذا يقول كذا، وهذا يقول كذا، وهذا يناقش الثاني؛ فهذا جهل، وليس الأمر كذلك، فأحدهم اجتهد وقال رأياً، ولم يلزم الناس به، والآخر في خراسان أو في مصر اجتهد وقال رأياً، فجاء من بعدهم وجمع الأقوال، وقال: قال الشافعي.. وقال مالك.. وقال ابن حزم فيجد نفسه في متاهة من الخلافات.. سبحان الله! ما هكذا كان يطرح العلم!

    أقول: الذي يريد أن يتعمق في العلم -ولا بد أن يتعمق وأن يجتهد ويعرف الأدلة- يجعل ذلك بعد أن يفقه الضروريات، ولهذا قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه في قوله تعالى: وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ [آل عمران:79]: [[الرباني هو الذي يعلم الناس صغار العلم قبل كباره]]، فلا تشغل الناس بالفروع قبل أن يعرفوا الأصول الثلاثة، فتعرض عليهم خلافات شرعية، لكن خذ الناس بالأساس أولاً، فاشرح لهم معنى لا إله إلا الله، وبين لهم أحكام الصلاة الأساسية، ولا تناقش في جلسة الاستراحة وأن فيها خلافاً، فأنت ترى كيف علَّم الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المسيء صلاته، والذي أساء صلاته أمام النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأكثر المسلمين اليوم كذلك إلا ما رحم ربك.

    اعرض عليه ما يقيم صلاته من الأركان والواجبات... وهكذا، ثم بعد ذلك إذا تفقه وتعلم، أو جاء الوقت المناسب فأعطه الشيء الضروري بقوة وبإصرار وبوضوح، والشيء الواجب بأقل من ذلك، والشيء الذي هو من النوافل أعطه إياه بما يناسب أنه نافلة؛ لأننا إذا تجادلنا في المندوبات فلا شك أننا سننسى الأصول والأركان والضروريات.

    وهذه مشكلة الشباب المتعلم الآن.. وهي من المشاكل التربوية، والمنهجية المهمة، ونحن نشكر للطلاب توجههم إلى طلب العلم، لكن منهج طلب العلم ليس بهذه الطريقة، وكذلك إثارة الخلافات التي تقع بين العلماء،فأحدهم يقول: ما رأيك في كلام الشيخ فلان؟ والآخر يقول: أنا مع فلان، ولست مع فلان!

    فمن أنا؟! ومن أنت؟! ففلان لا يزداد بكوني معه، وفلان لا ينقص بكوني لست معه، فلنتأدب مع علمائنا المعاصرين أيضاً، ولينظر الإنسان في الأدلة، وليتق الله، وليتبع ما يرى أنه الحق، ولا يجادل، ولا يلزم الآخرين إلا بأمر هو يعلم أنه سنة، وأن الآخر على بدعة، أو هو على حق، والآخر على باطل، أو من باب النصح يرى أن هذا هو الأفضل، فيبين لـه على سبيل النصح لا على سبيل المجادلة، وأرجو ألاَّ يُفهم هذا الكلام خطأً، فكثير من هذه الأمور المنهجية قد تفهم خطأً.

    الخروج من أماكن المنكر

    السؤال: هل يجب أن نخرج من المكان الذي يوجد فيه منكر حتى نكون ممن أنكر بقلبه؟

    الجواب: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على مراتب، والأحوال تختلف، فالكلام في إنكار المنكر قريب مما يُقال في التعامل مع أهل البدع؛ لأن البدع من المنكر، فالأحوال تختلف، فلم تخرج؟

    إن قلت: أخرج لأنني لا أستطيع أن أنكر باليد ولا باللسان، وقد رأيت هذا المنكر، وغاية ما أستطيع أن أنكر به أن أخرج، فعليك أن تسأل نفسك أولاً: هل هناك مفسدة أو لا؟

    أما إن كنت تخرج، وأنت تستطيع أن تتكلم، أو تنكر باليد فلا تخرج، أنكر ثم اخرج إن رأيت المصلحة في ذلك، وكذلك بالعكس، والإنسان الذي يخرج وفي خروجه مفسدة أكبر من ذلك المنكر، أو قد يحدث منكر أكبر من ذلك المنكر، إما من الجالسين، وإما من غيرهم، فيجب عليه ألاَّ يفعل، ونحن نعيش في واقع، فلا نكون بعيدين عن هذا الواقع، وهذا له أمثلة كثيرة، لكن أضرب لكم مثالاً:

    أكثر الناس مبتلون بالتدخين، فإذا جلست أنت معهم وهم يدخنون وهم من أقربائك، أو من زملائك، وتعلم أنهم يُدخنون، أو رأيت أحدهم يدخن، وتعلم أنك لو خرجت لارتكبوا محرمات أكثر، كإضاعة الصلاة أو اللهو أو اللعب أكثر من ذلك، فعليك أن تتحمل هذا في سبيل تحقيق مصلحة أخرى، إذا جزمت أو علمت أنك لو خرجت ارتكبوا منكراً أعظم، ولا شك أن ترك الصلاة أعظم من شرب الدخان.

    فإذن يجب أن تُفكر والصور كثيرة جداً في الواقع.

    وبالعكس لو تصورت أن خروجك سيجعلهم يألمون ويأسفون ويعتذرون، ويكفون عن المنكر، فحينئذٍ تخرج، فهذه الأمور دائماً مرتبطة بالمصلحة، وهذا مرجعه إلى حكمتك وخبرتك أنت في مجال الدعوة، واستعن بالله -عز وجل- فإن أخطأت فلك أجر، وإن أصبت فلك أجران.

    إحياء ليلة السابع والعشرين من رجب

    السؤال: في شهر رجب تزدحم مكة بالزوار والمعتمرين، وعندما سألنا بعضهم عن سبب مجيئهم، أجاب بقوله: لقد أتينا لنحيي الليلة الرجبية، وهي ليلة السابع والعشرين، ونحن نأتي لأداء العمرة فيها، حيث إن لهذه الليلة فضيلة عظيمة، فنرجو منكم التوضيح، هل قيام هذه الليلة وأداء العمرة فيها ورد فيه دليل؟

    الجواب: هذا الدين قام على أصلين عظيمين:

    الأصل الأول: ألاَّ يُعبد إلا الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

    والأصل الثاني: أن يعبد الله تعالى بما شرع ولا يُعبد بالبدع.

    والناس إن حققوا الأول فكثيراً ما ينسون الثاني، ولهذا قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد} والجار والمجرور هنا متعلق باسم فاعل، بمعنى حاكم: (ليس عليه أمرنا) أي: ليس أمرنا حاكماً عليه وضابطاً لـه ومهيمناً عليه، { فهو رد } أي: مردود على صاحبه، وإن ظن أنه يحسن صنعاً بذلك، فإن الرهبان من البوذيين والنصارى وغيرهم الذين حبسوا أنفسهم عن ملذات الدنيا ومتاعها، لا نشك في أنهم يظنون أنهم يحسنون صنعاً، وأنهم يعبدون الله بزعمهم، ولكنَّ عملهم خاسر، فهؤلاء هم الأخسرون أعمالاً، قال تعالى: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً [الكهف:103-104]، وحين ننظر هل ورد في كتاب الله أو في سنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما يدل على فضل هذه الليلة أو على تفضيل شيء من العبادة فيها، فلا نجد، وهكذا كَتَبَ وقرَّر علماء الحديث وعلماء أهل السنة، بل علماء البدع -إن صح أنهم علماء وفيهم من هو عالم ولكن أضله الله على علم- لا يجدون دليلاً على ذلك، وإذا أردت أن تعرف أهل البدع، أو أردت أن تعرف أن ما يعملونه بدعة، فانظر إلى أدلة أهل البدع، لترى العجب العجاب فإن أدلتهم تتنوع إلى ما يلي:

    الدليل الأول: عمومات بعيدة ليست في موضع النـزاع، وليست فيما اختلف فيه، لكنهم يدخلون ما يشاءون ضمن هذا التعميم الأول.

    والدليل الثاني: الحديث الموضوع.

    والدليل الثالث: فعل المشايخ.

    والدليل الرابع: إجماع الأمة في العصور المتأخرة عليها.

    فتقرأ أدلة كثيرة كلها لو دققت فيها فهي لا شيء، وليس منها دليل في الحقيقة، وهذه من علامات أهل البدع، في هذه البدعة وفي غيرها، وهذا منهجهم، وهذه طريقتهم.

    أما الرجل من أهل السنة فإنه يقول: فعلت كذا لأن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فعله، وقلت كذا لأن الله تعالى قال كذا، فالحق واضح مثل الشمس، فهؤلاء ليس عندهم أي دليل على اختصاص هذا الشهر بعبادة معينة، لا دليل على الإطلاق، بل القرآن الكريم الذي يقرؤه كل أحد، قال الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فيه: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ [التوبة:36] فما الذي نفعله فيها قال: فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ [التوبة:36] أي: أن الأشهر الحرم لها فضل زماني عند الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وقد شرع الله لنا أموراً لها فضل زماني، كما شرع أموراً لها فضل مكاني، فـمكة -مثلاً- لها فضل مكاني ولها حرمة، والزمن له حرمة،فما الذي شرع في هذا المكان، أو ما الذي شرع في هذا الزمان؟

    قال تعالى: فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ [التوبة:36]، أي: إذا كان الإنسان لا يُؤدِّي الصلاة جماعة، نقول له: حتى في الشهر الحرام لا تؤديها جماعة، فالذي لا يُؤدي الصلاة جماعة آثم في جميع السنة، وهو في الشهر الحرام وفي البلد الحرام أكثر إثماً، والذي لا يغض نظره، فكلما رأى امرأة شاردة أو ورادة ينظر إليها فنقول له: يا أخي! اتق الله، أنت في البلد الحرام.

    وكذلك يا أخي! اتق الله، فأنت في شهر حرام، فهذا هو المقصود من قوله تعالى: فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ [التوبة:36].

    فإذا كنت حريصاً على طاعة الله، فليكن حرصك على طاعة الله في الشهر الحرام، أو في البلد الحرام أكثر، فلا يوجد خصوصية معينة إلا ما شرعه الله -مثلاً- في البلد الحرام، كالطواف، والحج، والعبادات المشروعة فيه، وهذه خاصة به، لكن غير ذلك، فالظهر في البلد الحرام أربع ركعات، وفي غيرها أربع ركعات، فلا أزيد على ذلك، وألتزم بالصلاة على وقتها في البلد الحرام أكثر، وأكون حذراً من تفويتها فيها أعظم مما أكون في غيره، وكذلك في الشهر الحرام.

    والناس يغفلون عن مسألة الحرمة للزمان أو المكان، ويأتون بما لم يشرعه الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فيدَّعون لـمكة، أو لـمنى من الحرمات ما لا حقيقة لـه، وفي الجانب الآخر -أيضاً- يدَّعون لبعض الأشهر أو بعض الأيام المفضلة أو المحرمة ما لا حقيقة لـه، والمقصود أن هذه الليلة لم يثبت في فضلها أو خصوصيتها شيء.

    دراسة التربية الفنية

    السؤال: أنا طالب في الجامعة، وتخصصي التربية الفنية، وهذه هي السنة الثانية لي، وقد نصحني بعض الأصدقاء بالتحويل إلى كلية الشريعة، وأنا متأكد من حبهم لي وجزاهم الله خيراً، ولي رغبة أنا أيضاً في الشريعة، فما رأي فضيلتكم، وأنا أحب أن أدعو إلى الله، فهل يمكنني أن أدعو عن طريق التربية الفنية؟

    الجواب: ننظر إلى هذا الأمر من جانبين:

    الجانب الأول: هذه القضية في عمومها.

    والجانب الآخر: هذا الأخ في ذاته بخصوصه.

    أما مسألة وجود التربية الفنية، فنقول: لو استطعنا ألَّا يكون في مدارسنا تربية فنية أصلاً، أو في المجالات العامة على الأقل، لكان ذلك خيراً، ونحن الآن لا نستطيع أن نلغي قسم التربية الفنية من الجامعة عملياً.

    إذاً: يجب أن نخفف ما أمكن، ويجب علينا أن نجتهد لإصلاح المناهج بهذا القسم، ويجب علينا أن نلتزم في هذا القسم، وفي هذه المادة، بألا نخرج عن المباح، وفي المباح سعة والحمد لله، وقد يكون مجالاً للدعوة لو استغل، لأن أي مجال هو في أصله حلال، وليست الحرمة فيه من أصله، يمكن أن يستغل في الدعوة إلى الله، كالكيمياء أو الفيزياء أو أي مجال حتى التجارة.

    أي شيء ما لم يكن من أصله حراماً يمكن أن يُستغل ويستفاد منه في الدعوة إلى الله، فيمكن وببساطة أن توضع مناهج في قسم التربية الفنية لا منكر فيها، ويمكن إن كان ولا بد من تقرير مادة التربية الفنية أن تقرر بما لا منكر فيه، فالتربية الفنية منها الخط، ومنها ما لا روح فيه، ومنها الحديث عن المشاعر الإنسانية تجاه هذه الأمور.

    إذا كان الحديث عنها بما يتفق مع ما في كتاب الله وسنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كالاتعاظ بما يشاهده الإنسان في الكون من آيات الله، وأمثال ذلك، فهذه أمور قد تكون مجالاً خيِّراً للدعوة.

    لكن أن تصوَّر ذوات الأرواح، وخاصة إذا كانت باليد والنحت والتماثيل فهذا لا يجوز، وهذا منكر، فإذا كنت في هذا القسم لا تستطيع أن تتخلص من هذا المنكر، فحينئذٍ يجب عليك أن تتركه، وإذا كنت تستطيع أن تتجنبه أو أن تكون مجاهداً لتجنبه، ولمن بعدك أن يتجنبه، فأقول: نكون جميعاً يداًً واحدة من أجل إنكار هذا المنكر، ثم بعد التخرج إن كانت الوزارة لا يلزم منهجها بمحرم، فالحمد لله هذه نعمة، واجتهد وادع إلى الله، وإن كانت فيها ما يرتكب به الحرام فلنتعاون على أن نزيله، فإن عجزنا ولم يبق إلا أن نفعل المحرم فلا نفعله، فلا يجوز من أول الأمر أن نترك هذه الجوانب لغيرنا، من الفجار والفساق، يرسمون المناظر الخليعة، ويَعلمون الشباب ويفسدون عقولهم، يأتي أستاذ الفنية بعد أستاذ التوحيد -مثلاً- فينسخ ما قاله أستاذ التوحيد أو التفسير بصورة خليعة أو بمنظر قبيح أو بكلمة خبيثة.

    ويجب أن نتفطن إلى أمر آخر عظيم أكبر من مسألة التصوير، وهو أن المذاهب الفنية الآن عقائد إلحادية، وهي جزء مما يُسمى الحداثة، والحداثة كلمة جديدة لكن هي معنى كلمة: اللامعقول، أو الضياع، فإتجاهات الضياع والفلسفات الضائعة في العالم، منذ أكثر من مائة سنة في أوروبا، وصلتنا هنا -مع الأسف- فتجد الإنسان يرسم لك لوحة ويقول: أنا سريالي، والآخر يقول: أن واقعي، وهذا انطباعي، سبحان الله وأنت لا تدري ما القصة؟

    نحن درسنا -مثلاً- في الابتدائي التربية الفنية، كنا نرسم منظراً، أو نرسم شجرة أو جبلاً مثل الجبل الذي خلقه الله، ونأخذ درجة وننجح.

    لكن الآن يأتي الإنسان بألوان عجيبة وخطوط متعرجة، ثم يقول لك: هذا حلم! ولا أفهم كيف رسمه حلماً، لكنه يقول لك: ذلك وإذا كنت سريالي، ومعنى السريالية ما فوق الواقعية، يقول لك: ليس الفن محاكاة الطبيعة، فحاكي الطبيعة يرسم مثل الطبيعة، لكن ارسم حلماً! ارسم الأمل حينما ينبعث من القلب!

    ولا أعرف كيف أرسمه في لوحة، وكل إنسان يمكن أن يقرأها أو يفهمها أو يفسرها على مزاجه، وكلما كانت أغمق وأعمق كانت أكثر إبداعاً في نظرهم، وهناك مذاهب كثيرة.

    فأصبح الطلاب في الثانوية يتعلم الإنسان منهم أن يكون سريالياً أو واقعياً، وبعض هذه الأفكار يسارية، وبعضها ثورية، وبعضها إلحادية، وكلها جاءتنا من بيئات كافرة وكلها غير إسلامية، وإن اختلفت في التسميات، فأقول: إذا كان هذا، فلا يجوز أن يترك هذا الجانب بالكلية، بل أحياناً قد يرتكب المنكر الأخف في مقابل دفع المنكر الأعظم، وأرجو أن تفهموها على عمومها في هذا المجال أو غيره، إذا كان ارتكابنا للمنكر الأخف يُؤدي إلى دفع المنكر الأعظم؛ فلا بأس بذلك إن شاء الله، وهكذا الحياة، وهكذا الدعوة إلى الله، لا بد فيها من تحمل أشياء، لا سيما في زمن الانحراف، فنحن قد لا نستطيع أن نفعل شيئاً من الحق إلا بارتكاب بعض الشيء مما يكون فيه بعض الخطأ أو بعض المنكر أحياناً.

    وأقول: إن الأمر كذلك، لأن الزمان قد فسد، ولا بد أن نختلط بالناس -مثلاً- ونحن نكره ذلك، وفيه ما فيه، لكن لا يمكن أن ندعوهم إلا إذا اختلطنا بهم، ولا بد أن نُشارك في بعض الأعمال، وإن كان فيها ما فيها، وأن ندخل بعض المجالات وإن كان فيها ما فيها، لكن ما دام لدينا هدف أعظم وأسمى، فلنصبر ولنتحمل ولنسلك هذه المجالات.. بعد ذلك على هذا الأخ في ذاته أن يستشير ويفكر، ونسأل الله أن يختار لنا وله الخير، إنه سميع مجيب.

    حكم شرب الدخان وحلق اللحية ولعب البيلوت

    السؤال: ما هو حكم شرب الدخان؟

    وأيضاً حلق اللحية؟

    ثم حكم لعب البلوت؟

    الجواب: أما التدخين فقد سّقَيْتُم بدعوة غيركم مع الأسف، فالأمة الإسلامية أمة خُلقت لتكون قائدة، وإذا بها مقودة، خلقت لتكون رائدة وإذا بها آخر الركب، كان همَّ السلف الصالح رضوان الله عليهم أن يقودوا العالم إلى الخير، فكانوا أئمة يهدون بأمر الله، صابرين، موقنين، فجئنا في آخر الزمان فجعلنا همنا أن نلتحق بركب الحضارة، وأن نتعلق بالذيل حتى في كل شيء، وقد جعلنا هذا هو همنا وهدفنا.

    ولهذا حرمت أمريكا التدخين، وحرمته بريطانيا، وحرمته اليابان، ومنعوا التدخين وحاربوه وكافحوه، فبدأ بعض الناس عندنا يُحارب التدخين ويمنع التدخين، لكن قبل سنوات كان التدخين من علامات الرجولة، فالذي بدأ يدخن يقال: إنه صار رجلاً، إذا جلس المجلس وأخرج السيجارة وبدأ يدخن، أو يشرب الشيشة فكأنها كانت علامات للالتحاق بركب الحضارة الأوروبية الفاجرة.

    فأقول: هل نعرض في تحريم التدخين الأدلة الشرعية؟

    ونطبق قواعد الأصول عليه: أنه خبيث، وأنه ضار، وأنه يكلف الأمة كذا، سبحان الله! اسأل كل مدخن عن التدخين، ماذا يقول لك؟

    هل فيهم من يقول: إنه لذيذ وصحي ومنعش؟!

    لا يمكن أبداً، وإن كانت الدعايات تزينه باسم المتعة والنكهة والحياة، وهذا كذب، وهو يعرف أنه كذب، ويقول: هذا شر، بل من الناس من يدفعه حياؤه من التدخين ألاَّ يُدخن إلا في دورة المياه -أعزكم الله- ولو كان شيئاً مما يحبه الله ويرضاه؛ لأخرجه أمام الناس، لكن إذا جاءه شخص مثله مدخن انبسط إليه لأنه مثله، وإذا جاء من يستحيي منه ذهب إلى حيث الشياطين، إلى بيت الخلاء...!

    ونقول: ليست القضية قضية التدخين ومعرفة حكم التدخين، بل القضية هل القلوب حية أم ميتة ومريضة؟

    هذه هي القضية، وعلامات القلب المريض كثيرة، ومن أوضحها: أنه أمامك يقول: هذا ضار، وهذا فيه.

    ثم يقول: لكنه مكروه، فتراه يُجادل في الدين، ويتكلم بما لا يعلم، فيزيد على ارتكاب المحرم أن ينصب نفسه مفتياً، ليقول: مكروه، فيجعل لنفسه عذراً أن يرتكبه، وهذا هو حال الذين يخادعون أنفسهم، ومريض القلب لا تأمن عليه أن يفتري على الله، وأن يقول الكذب على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأن يقول: هذا الدين كذا، والحق كذا، وهؤلاء المتشددون كذا، ويطيل في كلام يعلم أنه باطل، لكن أصل القلب مريض، والأمة مريضة.

    اليابان منعت وبحزم وقوة التدخين في القطارات، ولو كانت الرحلة من جنوب اليابان إلى شماله، ونحن أمة القرآن والإسلام، مع علمنا بأن التدخين مضر ويجب أن يمنع في كل الأوقات والأماكن، لكننا نجد بعض الناس يعترض على منعه لمدة ساعة وربع إذا كانت الرحلة داخلية وكأنهم يمنعون التدخين من أجل غيرنا لا من أجلنا نحن.

    ديننا يحرم علينا الخبائث ومع ذلك لم يمتنع الناس من التدخين، وهؤلاء ليس لهم دين، وتجد مع ذلك أن اليابان حرمتها في كل مكان، وأمريكا وبريطانيا نسبة انخفاض التدخين فيها (15%) سنوياً، والإحصائيات التي عرضها الدكتور محمد علي البار من مصادر عالمية أن في الدول الأوروبية ينخفض التدخين بنسبة (15%) سنوياً، لأن ضحايا التدخين في أمريكا مثلاً (300.000) سنوياً، وأمريكا لم تخض حرباً خسرت فيها سنوياً (300.000) ولا (3000)! لكن التدخين يقتل (300.000) سنوياً فهي تحاربه أشد المحاربة، بينما نحن -مع الأسف- ترتفع احصائيات نسبة التدخين في سنوات في المملكة بنسبة (850%) بسبب العمالة الوافدة والشباب المتأثر بالعادات السيئة..

    نعم! هناك إجراءات للحد من التدخين لكنها غير شاملة ولا كافية، بل دون المتوسطة، فالصحافة الداخلية منعت من الدعاية للتدخين، لكن المجلات والصحف التي تأتي من الخارج فيها أضعاف أضعاف ما في الصحافة الداخلية.

    اللحية فيها حكم شرعي، وبعض الناس يقول: (أنا لا أهتم بالشكليات، وهذه أمور ظاهرية، ونحن يهمنا أن ندعو إلى الله، وأن نهتم باللب ونترك القشور!).

    وهذا فهم قاصر لأنه ليس في ديننا قشور ترمى! بل ديننا كله لب وخير..

    نعم! فيه أهم ومهم، وركن وواجب ومندوب، لكن لا يقال: قشور!! ثم إن عادة الناس أن الشيء الشكلي يكون أسهل وأبسط من الأساسي، فمثلاً: لو كانت الجندية أن ألبس بدلة عسكرية فحسب لكان الأمر هيناً، أما أن أتمرن وأتدرب وأجري وأركض فهذا شيء صعب، فالشكل سهل لكن الحقيقة صعبة، فإذا لم يعمل الإنسان بالشيء السهل والهين فلا شك أنه على الواجب والأمر الشاق أضعف وأجبن.

    تقصير الثوب أرضى لربك وأطهر لثوبك، وهو لا يكلفك شيئاً إلا أن تأتي الخياط ليقصره قليلاً من ستين سنتمتر إلى ثمانية وخمسين سنتمتر، فتكون قد أبعدت نفسك عن الوعيد وعن مشابهة العصاة، وتأسيت بالنبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأصحابه، وإذا لم تفعل -وهو أمر سهل وشكلي وبسيط- فأنت عن فعل الواجب أضعف، ولتركه أحرى وأجدر.

    الإيمان بالله سهل وهين لكنه تكاليف وفيه الخير.. كما قال الله تعالى: وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ [النساء:39]، ماذا على الإنسان إذا آمن بالله وهو سهل التكاليف؟!

    بل إن أعباء الإيمان أسهل من أعباء الكفر والشرك والإلحاد! لأنك إذا لم تحارب في صف المؤمنين حاربت في صف الكافرين، وإن لم تتبع الرسول اتبعت أبا لهب وأبا جهل وفرعون، فهذه مشقة وتلك مشقة، لكن شتان بين هذه وتلك..!

    ماذا يضيرك أن تعفي لحيتك كما كانت سنة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟

    والله لا يضيرك شيئا،ً بل هذه فطرة ورجولة فوق أنها سنة، بل الناس عندما كانوا على الفطرة لم يكن فيهم من يحلق لحيته، انظروا صور عظماء وأبطال العالم الغربي في القرن (19 و18م) فالزعماء والسياسيون والعلماء والمخترعون كلهم ملتحون، ولم يعرف حلق اللحية -حتى في الغرب- إلا منذ زمن قريب، ولم يعرف في البلاد الإسلامية إلا مع مجيء الإنجليز والفرنسيين، وكان أمراً لا يفعله أحد، وفي بلادنا أعجب وأعجب، فكل الناس -الذي يصلي والذي لا يصلي والذي يعرف الدين والذي لا يعرف الدين عندهم اللحية علامة الرجولة- فإذا عزمك وضع يده على لحيته، وإذا وعدك أمسك لحيته، إذا قالوا: كم قتلنا من بني فلان؟

    قالوا: عشرين لحية، يعنون عشرين رجلاً لأن اللحية رمز الرجولة.

    هذا للتذكير بالفطرة، والفطرة في كل شيء وليس في شأن اللحية فقط، فكل من يُحب شخصاً فإنه يقتدي ويتشبه به وإن لم يأمره بذلك، والإنسان الذي يُحب اللاهين واللاعبين والمطربين والمجرمين يعجب بصورتهم وبأشكالهم وبكلامهم وبلباسهم، فيقتدي بهم وهو لم يأمره ولم يجبره على ذلك، وما أمر المجرم المطرب اليهودي الماسوني مايكل جاكسون وأمثاله ببعيد، إذ قيل له: إن العرب يسمعون أغانيك فقال: لو أعلم أن العرب يسمعون غنائي لاعتزلت الغناء! حقداً وبغضاً في العرب؛ لأنه يقول: أنا من شهود يهوه -منظمة يهودية معروفة- فصرح بأنه من هذه المنظمة اليهودية، ومع ذلك أعجبوا به! فبالله عليكم من يُحب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -وأين الثرى من الثريا- ويريد أن يكون من أهل الجنة، ومن أهل الخير والفضيلة ومن الأئمة، وليس تبعاً ولا ذيلاً ألاَّ يقتدي ويتشبه به، وإن لم يأمره؟

    فكيف وقد أمره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟!

    وأضف إلى ذلك أنه لم يأمره فقط، بل أخبره أن هذه شعيرة أعدائه، فقال: (خالفوا المجوس)، وهم أشد كفراً من أهل الكتاب، ومع ذلك نفعله طواعية.

    وأما لعب البليوت فأين نحن من السلف الصالح؟!

    إذ كان أحدهم -أظنه طلحة بن مصرف رضي الله عنه- جالساً فدخلت عليه ابنته، وكان معه بعض العلماء من السلف من أصحابه يتحدثون ويذكرون الله، فدخلت ابنة له صغيرة، فقالت: يا أبتاه! أريد أن ألعب! فأعرض عنها، ثم قالت: يا أبتاه أريد أن ألعب! فأعرض عنها واشتغل، فأطالت الكلام لأن الطفل يلح ويلح، فقال له أحد أصحابه: قل لها: العبي حتى نستمر في الحديث وتذهب الطفلة، قال: ''لا أريد أن أجد في صحيفتي لعباً'' وهو من المباح...!

    لأن بعض السلف يرى أن كل ما يقوله الإنسان يكتب، وبعضهم يرى أنه لا يكتب إلا ما يتعلق بالحلال والحرام، فلا يريد أن يجد في صحيفته كلمة (العبي) فضلاً أن يلعب هو، بل لو قالها لقالها لطفلة صغيرة لا مؤاخذة عليها، ونحن أمة لاعبة لاهية في كل شيء حتى في حق الله.

    ومن هذا العبث أني مرة قرأت لأحد الوزراء -وكان وزيراً وشاعراً- يقول مستحسراً: لو كان الشاعر من الشعبية مثل لاعب الكرة! أي: كان هذا هو الذي ينبغي.. وهذا عجيب.

    سبحان الله! فأمة لاعبة لا يمكن أن تنتصر، ولا أن تحقق ما أراد الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ولا ما تريد هي لنفسها أبداً.

    بل تفكر في عمرك -وأكثر الأمة لا يجاوز عمرها الستين ونحوها- كم للنوم وللأكل والشراب؟

    ما يقارب النصف، وقد أخبر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه)، وهذا مما يسأل عنه، فإذا أبليت الساعات الطوال - البلوت لا بد من الطول فيه، بل أشواطه أطول من أشواط الكرة- وأفنيتها في اللعب واللهو فإنك لن تجد الحسنات يوم القيامة.

    والشاب الجاد لا يجد من الوقت ما يفعل به بعض الواجبات؛ فكيف باللعب؟ ولهذا قال بعض الصالحين لما مر على أناس وجدهم في ملهى -مثل المقهى الآن- تحسَّرِ، وقال لمن كان معه: ( لو أن الوقت يُشترى لاشتريت من هؤلاء أوقاتهم).

    فهو يريد أن يكمل القرآن والتفسير، أو الحفظ، أو أن يقرأ من السنة، أو يعلِّم، أو يدعو إلى الله، أو يعمل أعباء أخرى، يريد أن يقوم بواجبات كبيرة، لكنه ليس عنده وقت لها.

    وهؤلاء يضيعون الساعات الطوال في البليوت، فالأوقات لا تُشترى إما أن تحفظ وإما أن تضيع، وكلٌ سوف يقف بين يدي الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- ويسأله عن هذا العمر والوقت.. لا تقل: أنا حر! فأنت لا تملك نَفَسك الذي تتنفسه، ولا نظرك الذي تبصر به، فقد تومئ بعينك فلا تفتحها ولا ترى بعد ذلك، وأنت لا تملك قلبك أن يتوقف لحظة واحدة، ولا طعامك الذي تأكله، فالله يصرفه في معدتك ويحوله، فأنت لا تملك شيئاً من أمر نفسك.

    وليست الحرية أن تعصي الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أو أن تضيع وقتك في غضب الله، فهذه هي العبودية للهوى وللشيطان وللنفس الأمارة بالسوء، أما من أراد الآخرة وسعى لها سعيها فعليه أن يتقي الله، ولا يضيع وقته فيما حرم الله.

    الغزو الفكري

    السؤال: فضيلة الشيخ: إننا نحبك في الله.. ماهو الغزو الفكري؟

    وما خطره على الإسلام؟

    وما رأيكم في كتاب سلمان رشدي مصائد شيطانية الذي أحدث ضجة في العالم؟

    والذي يدور حوله هذا الكتاب؟

    الجواب: الغزو الفكري شرحه يُذكرني بكتاب هارون الرشيد إلى نقفور لما كتب إليه كتاباً فردَّ هارون الرشيد عليه بقوله: [[الجواب ما ترى لا ما تسمع!]].

    فالغزو الفكري هو واقع الأمة الذي نراه ونلمسه، أمة مغزوة في كل جانب، ما ترك أعداء الله وسيلة إلا واستهدفونا بها خاصة في هذه البلاد، لأننا نحن قلب العالم الإسلامي، ونملك من مقومات القيادة ما يجعل أعداء الإسلام يحقدون علينا وينقمون منا ويخططون لنا أضعاف ما يخططون لغيرنا؛ لأنه كلما كان العدو أقوى كان حرصك على تدميره أكثر، ونحن نمتلك من مقومات البقاء ما منَّ الله به علينا -ونسأل الله أن يديمه وأن يزيده قوة- ولهذا فهم يهدفون إلى تحطيمنا وتدميرنا بالشهوات والشبهات أكثر بكثير من غيرنا.

    انظر إلى ما حولك! واذهب إلى المكتبات ستجد الكثير من الكتب والمجلات تسهل الغزو الفكري، اذهب إلى المناهج ستجد الغزو الفكري دخل وتغلل فيها، اذهب إلى أمورنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية لترى آثار الغزو الفكري في كل مكان، في المرأة المسلمة، والتاجر، حتى الطفل جعلوا له مجلات خاصة، وبعضها يتكلم عن وحدة الوجود وعن ابن عربي والمعراج الروحي سبحان الله! حتى الصوفية الكافرة الحلولية الوجودية تذكر في مجلات الأطفال! وغير ذلك كثير.

    الأفلام ووسائل الإعلام العامة، حتى تفكير الناس واهتماماتهم تغيرت، كانوا قبل سنوات يهتمون بأمر الآخرة، أما الآن فقد شغلتهم الأعمال والمؤسسات والتجارات، ويا ليتهم يبنون لهذه البلاد ولهذا الدين! وإنما يفتخر هذا بأنه يبيع لليابان، ويفتخر هذا بأنه يبيع بضائع أمريكية! والمستفيد أعداء الله يأخذون أموالنا ويعطونها لأولئك وتكون لهم نسبة، وهكذا أصبحت حياتنا مغزوة من كل جانب، حتى المساجد لو استطاعوا أن يجعلوا فيها الصلبان لجعلوه فيها،ولو استطاعوا أن يعبثوا أكثر لعبثوا، ونحن في غفلة! فهم يخططون وبإحكام رويداً رويداً، ويأتون بقضية من القضايا ليروا رد الفعل، فإن أنكرها الناس سكتوا وأخروها، وإن سكت الناس، وقالوا: بسيطة وصغيرة أتوا بما هو أكبر وأكبر، فإذا استحكم الأمر نظر أهل الحق بعضهم إلى بعض، ووجدوا أنفسهم قلة فرادى حيارى لا حول لهم ولا قوة، وهكذا في كل أمر من الأمور.

    ترى أقلاماً صغيرة فيها صور خبيثة، وعلبة كبريت فيها صورة خبيثة، وعلبة الصابون كذلك، فكل شيء تراه في حياتك اليومية لا تجد فيه شيئاً يذكرك بالله، وإنما يذكرك بالشهوة، وبإضاعة العمر، وبكل ما يبعدك عن الله وعن اليوم الآخر، فقد دخل الغزو الفكري في كل المجالات.

    ولكن نسأل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن يوفق الدعاة والقائمين على أمر هذه الأمة من العلماء وكل من يهمهم أمرها إلى القضاء عليه ومحاربته ومكافحته، فنحن ما ترك سبيل إلا واستُهدِفنا به، وأذكر مثالاً واحداً وهو المخدرات، ففي أمريكا تباع بالملايين، ويقبض على العصابة بأشد الطرق تطوراً، وإذا قبض على كيلو أو كيلوين من الحشيش في أحد المطارات ثارت ضجة إعلامية حولها.

    لكننا نحن نستهدف بكميات كبيرة جداً وشبه مجانية؛ لأن وراء هذه المخدرات مجتمعات تعادي هذه البلاد وتعادي الإسلام، وتريد أن ينتشر هذا الداء ولو دفعوا من أجله، بل حتى أفلام الفيديو في أمريكا أغلى من هنا، وبعض المواد التي تحتوي على شحوم خنـزير هناك غالية، وتأتي إلى بلاد المسلمين فتجدها رخيصة، وأشياء كثيرة لا يمكن أن تفسرها إلا أن هناك غزواً وتخطيطاً حتى في النواحي المادية، وهم يعبدون المادة يعبدون الدرهم والدينار والدولار، لكنهم يضحون بها من أجل أن يفسدوا شباب الإسلام في كل مكان.

    أما موضوع سلمان رشدي والقصائد الشيطانية والضجة التي أحدثها، فأنا أعجب من الضجة ولا أعجب من الكتاب ولا من المؤلف، فهو كاتب معادٍ للإسلام أو مرتد، سواء كان الاسم حقيقياً أو وهمياً، ومن أي بلد كان، ولم يأت بجديد، لأن الإسلام يستهدف ويكتب عنه في كل زمان ومكان.

    والذي أتعجب منه أن الرافضة يعلنون استنكارهم منه وردته وقتله، وتتأزم العلاقات مع بريطانيا من أجل ذلك، مع أن ما قاله سلمان رشدي أقل بكثير مما قالته الرافضة في كتابهم الكافي، بل فيه أضعاف أضعاف ما قاله سلمان رشدي من الاستهزاء والسخرية، وقذف أمهات المؤمنين وقذف الأنبياء والتطاول على الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

    نحن المسلمون كما مثَّل مالك بن نبي عندما قال: إنه يمارس على المسلمين مثل ما يحدث في مصارعة الثيران: خرقة حمراء يلوح بها المصارع، والثور بقوته وعضلاته ينطح الخرقة، ويكرر ويكرر، ثم يطعنه المصارع من الخلف حتى يموت!

    كلما رأونا اتجهنا اتجاهاً صحيحاً رفعوا لنا خرقة حمراء فشغلونا بها، إما أن شغلونا بـسلمان رشدي، أو بطفل الأنابيب، أو بأي أمر آخر، إنهم يريدون أن يشغلونا عن خططهم التي تفتك بنا في بلادنا.

    بل إنهم نجحوا في بلاد قريبة عربية في منع أي كتاب لـابن تيمية أو محمد بن عبد الوهاب بل ربما القرآن! وقد تتهم بذلك وتدخل السجن! هذا في بلاد فتحها الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم- بل بعض هذه البلاد لا مصدر لها لمعرفة الدين والحق إلا برنامج (نور على الدرب!) وهناك أمم بأكملها بهذا المثابة لا تذكر، فإذا جاء مجنون في آخر الدنيا صحنا وشجبنا واستنكرنا.

    نعم! ينكر على من يقول في الله وفي رسوله مالا ينبغي وندين هذا الشيء، لكن لا نغفل عما هو أكبر وأشد وأعظم وأقرب أو نتناساه، بل لا بد أن يكون موضوع بحثنا دائماً عن هذا الخطر الداهم الساحق، وهو استئصال الإسلام في بلاد الإسلام الذي فتحها الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم- ثم بعد ذلك أحوال المسلمين عامة كـأفغانستان مثلاً وهي تمر بأخطر مرحلة في هذه الأيام.

    وأشير إلى معنى الدعاية -كاستطراد- فهي قد تطلق كلمة ويرادبها الحق، وقد تطلق ويراد بها الباطل، والنبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لما كتب إلى هرقل وقال لـه: أدعوك بدعاية الإسلام. أي: دعاية الحق.

    حكم التورية

    السؤال: ما حكم التورية؟

    وهل ورد ذلك عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟

    الجواب: التورية والمعاريض وردت في مواضع منها ما ذكر السؤال في السيرة ومنها غير ذلك، والضابط لها هو ألاَّ تكون كذباً صريحاً، بأن يفهم السائل أو المخاطب فهماً من النص، ولكن المتكلم يريد غير ذلك، ولكن ما فهمه صحيح من حيث اللفظ، والنبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال للرجل: (نحن من ماء)، وهذه حقيقة فنحن خلقنا الله من ماء، لكن من ماء مهين، والأعرابي ظن من موضع فيه ماء، وكما قال الخليل عليه السلام: هذه أختي، ففهم المخاطب أنه يعني أخته شقيقته، وهو أراد أخته في الدين.

    فهذه اللفظة صحيحة من زاوية المتكلم ويقصد بها معنى آخر، ويظن بها المستمع معنى صحيحاً، وأمثال ذلك كثير، ونحن قد نحتاج إلى المعاريض، ولكن ليس أسلوب المؤمن هو المخادعة، ولا أسلوب السياسة الحديثة -الغاية تبرر الوسيلة- بل المؤمن إنسان صادق، لكن تأتي مواقف يضطر فيها إلى أن يقول بالمعاريض أو التورية؛ لأن المؤمن لا يكذب، ومع ذلك يُراعى ألاَّ يكثر من المعاريض؛ لأن الإكثار من أي شيء قد يخرج الإنسان عن الحد الشرعي له، وربما تجاوزه إلى المذموم.

    المسلم والدين

    السؤال: كان أخي في شركة مازدة أقام في الشركة الصلاة ولم تكن تقام فيها، وعندما جاء مسئول نصراني كان أول عمل عمله أنه طرده من الشركة؛ لأنه يزعجه بالأذان والإقامة؛ فكيف يحارب الإنسان في بلده؟ ولم جعلت السلطة في يد الكافر؟

    الجواب: الحقيقة أن هذا المسلم ضعيف؛ لأن السلطة ما جعلت للكافر على المسلم، لكن هناك أناساً باعوا دينهم بدنياهم من أصحاب الشركات والمؤسسات من الذين يهمهم الربح فقط، سواء كان العامل كافراً، أو رافضياً، أو صوفياً ملحداً لا يهمه، المهم تاجر يمشي بضاعته وتجارته، فلا يمكن في بلد الإسلام أن يطرد الإنسان لأنه يؤذن ويصلي إلا إذا كان هذا الإنسان ضعيف، أو أن تكون الهيئة في تلك البلد ضعيفة، أو لا يوجد أحد من أهل الخير ذو شخصية قوية، وعلى الأخ أن يتأكد مما قال، وأنا -إن شاء الله- سأبذل ما أستطيع، فلا يمكن أن يكون هذا الكلام صحيحاً بالإطلاق.

    خطر الاختلاف

    السؤال: نرجو من فضيلتكم كلمة تنصح بها بعض الشباب الذين نزغ الشيطان بينهما حتى تباغضوا وتحاسدوا، وحتى أصبحوا يتنازعون على الجزئيات فتعطلوا بسبب ذلك عن الدعوة في سبيل الله، جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: أذكركم بأن هذه هي التي سماها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الحالقة، فقال:(لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين) فالتفرق والبغضاء والشحناء نهى عنها الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فقال: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ [آل عمران:105]، فالتفرق يكون في الدين بالبدع، ويكون بالشحناء التي كانت غالباً ما تؤدي بأصحابها إلى البدع، حتى قال بعض السلف لما سئل ما الذي دفع أهل الأهواء من القدرية والمرجئة والرافضة إلى البدع؟

    قال: الخصومات!

    فقد كانت البدعة فكرة يمكن أن يقولها الشخص ويمكن ألاَّ يقولها، لكن لما خاصمه فيها آخر اشتدت واشتدَّ، وأخذ يبحث عن أدلة وعن مؤيدين، فاشتد الآخر وأخذ يبحث عن أدلة ومؤيدين، فأصبح هذا على فرقة وهذا على فرقة، والأصل أنها كانت فكرة، أو كلمة عابرة كان يمكن أن توأد وتذهب، فاحذروا الخصومات،واحذروا الاختلاف.

    وأقول لكم: لو أن شباب أهل السنة الذين يؤمنون بالكتاب والسنة، ولا يدعون إلا إلى الله وحده، ولا يهمهم إلا اتباع الحق وهدي السلف الصالح لو يتركون كل الخلافات والجزئيات وما أشبه ذلك، ويجتمعون كلهم من جميع أنحاء العالم وقاوموا البدع لربما لم يستطيعوا أن يقضوا على بدعة واحدة! فما بالكم إذا تفرقنا واختلفنا وتجادلنا وأضعنا الأوقات؟!

    فالله المستعان! نسأل الله أن يبصرنا جميعاً في الدين ويجنبنا الفرقة والاختلاف.

    طريقة طلب العلم

    السؤال: هذا سؤال من شقين: الشق الأول يقول فيه: ما هي طريقة طلب العلم؟

    هل هي بالقراءة أم أخذاً برءوس أقلام الفتوى وكفى أم ماذا؟

    ثم في الشق الآخر: هناك بعض الشباب من يرى أن إصلاح المجتمع يكون بأن نتعلم ونجلس في غرفنا على الكتب، وعدم الحركة ثم بعد ذلك ندعو، والفريق الآخر يرى أن إصلاح المجتمع في التربية والاحتكاك ومناقشة المعارض، فأي الطريقين خير؟

    الجواب: طريقة طلب العلم ليس كما قال الأخ رءوس أقلام! فطلب العلم من الجهاد، والإنسان يطلب المزيد من العلم، وهذا الذي أمر الله تعالى به نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو أعلم الناس بربه، فقال: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [طه:114]، فالإنسان يحرص على طلب العلم، وهذا هو ميراث النبوة، وليس هناك أعظم من هذا الميراث، ويجب علينا أن نجتهد -حسب الطاقة والإمكان- في تحصيل العلم النافع الذي يُقرب إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فلا نكتفي بالقراءة عن السؤال، ولا بالسؤال عن التمحيص والتدقيق والفهم والاجتهاد، ونشتغل بالعلم، وليكن ذلك هو طلبنا، وسير السلف الصالح عجيبة في هذا الشأن، فقد كانوا يتذاكرون ويقرءون ويتبادلون ويتساءلون، ويكتب بعضهم إلى بعض وغير ذلك، كما كتب الخطيب البغدادي وغيره في هذا الشأن.

    أما بالنسبة لاختلاف نظرة الشباب في إصلاح المجتمع، فواحد يقول: أتعلم أولاً ثم أدعو ثانياً، والآخر يقول: ندعو الآن، وبعضهم يقول: لا نحتاج للعلم، لأن العلم قد يُؤدي إلى الكبر والغرور، أو إضاعة الوقت، فندعو ولو على جهل!

    والمسلم وكل مسلم داعية بحسبه، حتى العامي داعية، مثلاً: إذا كان يمشي في الشارع ورأى شخصاً لا يُصلي، والناس يذهبون إلى المسجد، فهنا لا بد عليه أن يقول له: (يا أخي! قم صلِّ) فهو داعية في هذا الامر؛ لأن كل واحد يعلم أن الصلاة واجبة، والأذان قد أذن، والناس يدخلون المسجد، وهذا جالس!

    فالعامة يجب أن يأمر بعضهم بعضاً بالصلاة وما علم من الدين بالضرورة، أما إذا كنت تقصد بالعلم الإنكار على أهل البدع، والتصدي للغزو الفكري وما أشبه ذلك، فنعم؛ عليك أن تتبحر وتتوسع في العلم الشرعي لتقاوم به هذه الضلالات، ولكن لا تنس أن تقول للناس الأمور البدهية والمعروفة وتذكرهم وتعظهم ولو بما يعرفون، تذكرهم بالجنة وبالنار، ومعنى شهادة لا إله إلا الله وشهادة أن محمداً رسول الله، وبأركان الإسلام، وبالحث على الصلوات، وبر الوالدين، وأمثال ذلك من الأمور الواضحة.

    فكل مسلم هو داعية إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بما علم، فإذا علمت آية واحدة فبلغها؛ لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: (بلغوا عني ولو آية) فإذا علمت حكماً واحداً، فادع إلى الله، وبين للناس هذا الحكم، فإن سألوك عما لا تعلم فقل: لا أعلم، لأنه لا يشترط إذا قلت للإنسان: (يا أخي! هداك الله، أذن المؤذن قم إلى الصلاة) أن أكون حافظاً لجميع أحكام الصلاة! فندعو إلى الله بما نعلم؛ كل بحسبه، وكل في موقعه، أما المسائل العميقة، والفتوى في الأمور الدقيقة، والنوازل العصرية، والفرق الضالة فلا بد من علم قوي، ولا بد أن يكون في الأمة من هو كذلك، لكن لو أن طاقاتي لا تؤهلني إلى ذلك، فإنني أدعو بما أعلم وبما أستطيع، وأحيل على العالم ما لا أستطيع... وهكذا، فنكون جميعاً يداً واحدة متعاونة على الخير والعلم النافع إن شاء الله.

    الكتب التي يبدأ بها طالب العلم

    السؤال: امتداداً لما سبق يقول هنا الأخ: ما هي الكتب التي تدلنا عليها في طلب العلم والمختصرات؟

    الجواب: أول كتاب هو كتاب الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الذي اتخذه الناس مهجوراً، واتخذوه ظهيراً إلا من رحم الله، ثم إجمالاً أنصح الشاب المبتدئ ألاَّ يبدأ بالمطولات؛ لأن بعضهم يبدأ في الفقه بـالمغني، ويبدأ في الحديث بـفتح الباري، ثم بـفتاوى شَيْخ الإِسْلامِ، ولا شك أنه يضيع بهذه الطريقة.

    ورحم الله علماء السلف الصالح ومشايخنا وأساتذتنا الذين كانوا في الحرمين وكيف كانوا يعلمون الناس جميع العلوم، ويبدءون بالمتون الميسرة السهلة، ففي الفقه مثلاً يبدأون بـالعمدة... وهكذا.

    فالمقصود أن نبدأ باليسير السهل في اللغة والتفسير، أو في الحديث والمصطلح وغيرها، نبدأ بالمنظومات السهلة والمتون، ثم بعد ذلك نأخذ الشروح المتوسطة السعة، ثم بعد ذلك نأخذ كتب الحواشي الطويلة ونتعمق فيها بما يفتح الله علينا.

    وهذه هي الطريقة الصحيحة والطريقة المعتمدة، حفظ الأساسيات ثم فهم الشروح، وعندما لم نتبع هذه الطريقة وجد فينا الخلل، فتجد الإنسان -ما شاء الله- متقناً مثلاً في حفظ القرآن أو في جانب السنة لكنه مضيع في جوانب أخرى، فجيلنا كله جيل مخضرم في كل شيء، لكن نرجو من الله أن يجعل الجيل -الذي هو الآن ما يزال في الثانويات وفي الجامعات- أفضل حالاً؛ لأنه -والحمد لله- يأخذ المنهج أخذاً متكاملاً واضحاً، الأخذَ السليمَ الصحيح، ولهذا أرجو أن يكونوا أفضل حالاً منا إن شاء الله تعالى.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3003525365

    عدد مرات الحفظ

    718698585