إسلام ويب

معركة نهاوندللشيخ : ناصر محمد الأحمد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن هذا الدين عظيم، وثمن عظمته عزيز، وهو الدماء والأشلاء، فمن منطلق هذا خاض المسلمون معارك كبيرة وشديدة، ومن هذه المعارك معركة نهاوند التي لم يعد للفرس بعدها اجتماع، فقد شتت النعمان بن مقرن شملهم، وفرق جمعهم، حتى سميت هذه المعركة بفتح الفتوح، وما ذاك إلا لصبر الصحابة وجلدهم في سبيل نصرة هذا الدين.

    1.   

    أحداث ما بعد القادسية

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الامين.

    وبعد:

    انتهت معركة القادسية بانتصاراتها وبطولاتها الرائعة، ونزل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قصر كسرى وهو يقرأ قول الله تعالى: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ [الدخان:25-28].

    وقعة جلولاء

    هربت الفرس وتجمعت في جلولاء ، وجعلوا حول المدينة خندقاً واجتمعوا متكاتفين، وقائدهم مهران يوحد بينهم، ويلم شعثهم، وينفخ فيهم روح الثبات.

    ومما زاد الأمر تعقيداً: أن الفرس طرحوا حول الخندق حسك الحديد إلا طرق يعرفونها.

    فكتب سعد رضي الله عنه بذلك إلى القائد الأعلى عمر بن الخطاب رضي الله عن الجميع.

    فكتب عمر إلى سعد أن سرِّح هاشم بن عتبة إلى جلولاء في اثني عشر ألفاً، واجعل على مقدمتهم القعقاع بن عمرو .

    سار هاشم وحاصر الفرس وأحاط بخندقهم، وزاحفهم مرات عديدة، ولم يتحقق النصر، وخشي المسلمون أن يقال عنهم: إن حب الدنيا أخرهم عن الشهادة أو النصر؛ فصمم الجميع على الهجوم على خنادق الفرس، وكان البطل هنا هو بطل القادسية القعقاع بن عمرو ، فتقدم وتقدم الناس وراءه حتى انتهوا إلى باب الخندق، فإذا بـالقعقاع رضي الله عنه قد أخذ به وافتتحه، وأخذ الفرس في الهزيمة، فقتل منهم خلقاً كثيراً، فسميت جلولاء بما جللها الله تعالى من قتلاهم، فهي جلولاء الوقيعة.

    ثم كتب عمر إلى سعد : [إن فتح الله عليكم جلولاء ، فسرِّح القعقاع في أثر القوم حتى ينزل بـحلوان فيكون ردئاً للمسلمين، ويحمي لكم سواد العراق] وبالفعل فقد أقام هاشم في جلولاء، وسار القعقاع في أثر المنهزمين فأدرك مهران أثناء الطريق فقتله.

    فبلغ يزدجر هزيمة جنده في جلولاء ومقتل مهران؛ فخرج من حلوان هارباً إلى مدينة الري، ودخل القعقاع حلوان.

    فتح مدينة تستر والقبض على الهرمزان

    استمر يزدجر يثير أهل فارس .. يذكرهم الأحقاد ويؤلبهم؛ فتحركوا ثانية وتكاتبوا.

    فكتب عمر إلى سعد أن ابعث إلى الأهواز بعثاً كثيفاً مع النعمان بن مقرن وعجل.

    سار النعمان في أهل الكوفة، فلما سمع الهرمزان بقدومه، طمع أن يتغلب عليه وينصر أهل فارس ، لكن النصر كان من الله جلَّ وتعالى لعبده الصالح النعمان بن مقرن.

    فهرب الهرمزان إلى مدينة تستر، فلحق النعمان الفرس حتى تستر وحاصرها أشهراً، وطال التزاحف حتى بلغ ثمانين زحفاً لم يحقق به المسلمون ولا الفرس نصراً.

    وقد تفانى الصحابة رضي الله عنهم في القتال لفتح هذه المدينة، فقَتل البراء بن مالك رضي الله عنه لوحده أثناء الحصار مائة مبارز من الفرس، وقتَل مجزأة بن ثور مثل ذلك، وربعي بن عامر مثل ذلك، ولما كان آخر زحفٍ واشتد القتال، تقدم نفرٌ من المسلمين إلى البراء بن مالك وقالوا له: يا براء أقسم على ربك ليهزمنهم لنا، فقال البراء : [اللهم اهزمهم لنا واستشهدني].

    إنه البراء بن مالك من عباد الله الصالحين، كان إذا أقسم على الله أبره، كان رضي الله عنه حسن الصوت، يحدو للنبي صلى الله عليه وسلم في أسفاره، ومما عُرف عنه -وهو شرفٌ له- قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: [لا تستعملوا البراء على جيشٍ من جيوش المسلمين، فإنه مهلكة من المهالك].

    نطق البراء بهذه الكلمات؛ فألهب الحماس، وأصبح الجميع يشتاقون إلى الشهادة كما اشتاق هو إليها!

    فتقدمت جموع المسلمين ترمي بأنفسها إلى الشهادة حتى حصر المسلمون الفرس في المدينة، وصاروا في ضيقٍ وحرج.

    وبينما هم كذلك خرج إلى النعمان رجلٌ فاستأمنه على أن يدله على مدخلٍ يأتون منه، فأمَّنه النعمان ، فقال الرجل: انهدوا من قبل مخرج الماء فإنكم ستفتحونها، فندب النعمان للأمر رجالاً هم كتائب الموت، فاستطاعوا فتح أبواب المدينة بعد قتالٍ شديدٍ داخلها حتى هرب الهرمزان ، وحُصِرَ في القلعة وسط المدينة، فأقدم عليه الرجال الذين يبحثون عن الموت ولا يجدونه إلا في سيوف أعدائهم؛ لكنه يفر منهم ويحل بالأعداء.

    وصلت كتائب الموت إلى الهرمزان فقال لهم: ما شئتم؟ قد ترون ضيق ما أنا فيه وأنتم، ومعي في جعبتي مائة نشابةٍ، ووالله ما تصلون إلي ما دام معي نشابة، قالوا له: فتريد ماذا؟ قال: أن أضع يدي في أيديكم على حكم عمر يصنع بي ما يشاء، وهذا جبنٌ من الهرمزان؛ إذ المفروض أن يقاتل حتى يُقتل كما قُتل أصحابه، لكنه أراد أن يطيل حياته بحجة أنه يريد أن يحكم عمر، فرضوا بذلك، فرمى الهرمزان قوسه، وأمكنهم من نفسه، فشدوه وثاقاً.

    أخذ أنس بن مالك والأحنف بن قيس الهرمزان إلى المدينة، وألبسوه كسوته من الديباج الذي فيه الذهب، ووضعا على رأسه تاجاً مكللاً بالياقوت؛ حتى يراه عمر والمسلمون في هيئته.

    دخلوا المدينة وكان عمر رضي الله عنه نائماً في ميمنة المسجد متوسداً برنسه، رأى الهرمزان هذا الإنسان الوحيد نائماً في المسجد فقال: أين عمر؟ قالوا: هو ذا، فقال: أين حرسه وحجَّابه؟ قالوا: ليس له حارسٌ ولا حاجب، قال: فينبغي له أن يكون نبياً، قالوا: بل يعمل عمل الأنبياء.

    كثر الناس، وزادت الجلبة؛ فاستيقظ عمر واستوى جالساً، ثم نظر إلى الهرمزان ، وقال: الهرمزان؟ قالوا: نعم. فتأمله وتأمل ما عليه من الثياب، ثم قال: [أعوذ بالله من الناس، وأستعين بالله! الحمد لله الذي أذل بالإسلام هذا وأشياعه، يا معشر المسلمين! تمسكوا بهذا الدين، واهتدوا بهدي نبيكم، ولا تبطرنكم الدنيا فإنها غرارة.. قال الوفد لـعمر : هذا ملك الأهواز فكلمه؟

    فقال عمر: لا. حتى لا يبقى عليه من حليته شيء، فرمي عنه كل شيء إلا شيئاً يستره وألبسوه ثوباً صفيقاً -وبعدها كلمه عمر - فقال له: ما عُذرك وما حُجتك في انتقاضك مرة بعد مرة؟ فقال: أخاف أن تقتلني قبل أن أخبرك، قال عمر : لا تخف ذلك، ثم طلب الهرمزان ماءً فأتي به في قدحٍ غليظ، فقال: لو متُّ عطشاً لم أستطع أن أشرب بمثل هذا؛ فأتي الماء في إناءٍ يرضاه، فجعلت يده ترجف، وقال: إني أخاف أن أُقتل وأنا اشرب الماء.

    فقال عمر : لا بأس عليك حتى تشربه، فأراق الهرمزان الماء.

    فقال عمر : أعيدوا عليه، ولا تجمعوا عليه القتل والعطش.

    فقال الهرمزان : لا حاجة لي في الماء، وإنما أردت أن أستأمن به.

    فقال له عمر : إني قاتلك. قال: قد أمنتني.

    فقال عمر : كذبت!

    فقال أنس رضي الله عنه: صدق يا أمير المؤمنين قد أمنته؛ لأنك قلت: لا بأس عليك حتى تشربه، فأقبل عمر على الهرمزان وقال: خدعتني، والله لا أنخدع إلا لمسلم، فأسلم الهرمزان ].

    والذي يظهر أنه أسلم نفاقاً؛ لأنه قد تآمر فيما بعد مع أبي لؤلؤة المجوسي لقتل عمر ونفذ الخطة، فقتله عبيد الله بن عمر رضي الله عنهما سنة أربعٍ وعشرين للهجرة.

    1.   

    أحداث وتفاصيل معركة نهاوند

    في هذه الأثناء وصل إلى عمر كتابٌ باجتماع جيشٍ كثير من الفرس في نهاوند ؛ فقد كاتب يزدجر أهل السند ، و خرسان ، و حلوان ، ليجتمعوا فيوجهوا ضربة حاسمة لجيش الإسلام، وبالفعل فقد تحرك سكان هذه المدن والمناطق وتكاتبوا واجتمعوا في نهاوند في جمعٍ يبلغ مائة وخمسين ألفاً.

    عمر يختار قائد معركة نهاوند

    غادر سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه الكوفة قاصداً عاصمة الخلافة؛ ليخبر عمر بخطر الموقف مشافهة.

    قام عمر على المنبر خطيباً بعد أن نودي الصلاة جامعة، وأخبر الناس بما يجري في جهة الشرق، وقال: [هذا يومٌ له ما بعده من الأيام، ثم طلب مشورتهم، فتكلم رجال من أهل الرأي من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال عمر : أشيروا عليّ برجلٍ أُليه ذلك الثغر غداً.

    فقالوا: أنت أفضل رأياً، وأحسن مقدرة، قال: أشيروا عليّ به واجعلوه عراقياً.

    قالوا: يا أمير المؤمنين! أنت أعلم بأهل العراق ، وجندك قد وفدوا عليك، ورأيتهم وكلمتهم.

    فقال: أما والله لأُولين أمرهم رجلاً ليكوننّ أول الأسنة إذا لقيها غداً.

    فقيل: من يا أمير المؤمنين؟! فقال: النعمان بن مقرن المزني ، فقالوا: هو لها].

    لقد عرف الفاروق رضي الله عنه من يختار لمعركة نهاوند ، اختار لها النعمان سليل بيت ابن مقرن، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: [إن للإيمان بيوتاً، وللنفاق بيوتاً، وإن من بيوت الإيمان بيت ابن مقرن] وكفى بها شهادة.

    للنعمان تسعة إخوة كلهم أصحاب فضلٍ ولهم صحبة وهم: سنان : وله ذكرٌ في الغزوات مع النبي صلى الله عليه وسلم، وسويد : قائدٌ من قواد الفتح، فتح طبرستان وجرجان ، وعبد الله: كان على ميسرة الصديق رضي الله عنه حين خرج من المدينة لقتال المرتدين ، وعبد الرحمن: كان اسمه في الجاهلية عبد عمرو غيره النبي صلى الله عليه وسلم إلى عبد الرحمن، وعقيل ومعقل : من قواد الفتح، ومرضي : وكان يحسن الكتابة فقد كتب وثيقة الصلح مع أهل الباب ، ونُعيم : كان له دورٌ في نهاوند ، والتاسع ضرار : أمَّره خالد بن الوليد رضي الله عنه حين حاصر الحيرة، وكلهم صحب النبي صلى الله عليه وسلم، وليس ذلك لأحدٍ من العرب غيرهم، نزلت بحقهم الآية الكريمة في قول الله جل وتعالى: وَمِنْ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [التوبة:99].

    كتاب عمر إلى النعمان

    كتب عمر إلى النعمان : [بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى النعمان بن مقرن ، سلام عليك، فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو.

    أما بعد:

    فإني قد بلغني أن جموعاً من الأعاجم كثيرة قد جمعُوا لكم بمدينة نهاوند، فإذا أتاك كتابي هذا فسر بأمر الله، وبعون الله، وبنصر الله بمن معك من المسلمين، ولا تُوطئهم وعراً فتُؤذيهم، ولا تمنعهم حقهم فتكفرهم، ولا تُدخلنهم غيضةً، فإن رجلاً من المسلمين أحب إلي من مائة ألف دينار والسلام عليك].

    استلم النعمان بن مقرن كتاب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فسار ومعه وجوه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكان منهم: حذيفة بن اليمان وعبد الله بن عمر، وجرير بن عبد الله البجلي، والمغيرة بن شعبة، وعمر بن معد يكرب، وطليحة بن خويلد وغيرهم، ووصل إلى نهاوند.

    مشاورات الفريقين لتحديد المعركة

    اجتمع المسلمون حول نهاوند، واجتمع الفرس فيها وأميرهم الفيروزان.

    أرسل أحد قواد الفرس واسمه بندار إلى جيش المسلمين: أن أرسلوا إلينا رجلاً نكلمه؛ فذهب إليهم داهية المسلمين المغيرة بن شعبة رضي الله عنه بمنظرٍ رهيبٍ، وشعرٍ طويلٍ مسترسل، فلما وصل إليهم استشار بندار أصحابه بأي هيئةٍ نأذن له: هل بشارتنا وملكنا وفخامتنا حتى نرهبهم بقوة ملكنا؟ أم بالتقشف حتى يزهدوا بنا ولا يطمعوا في ملكنا؟ فأشاروا عليه: بل بأفضل ما يكون من الشارة والعدة، فتهيئوا له بأفخر الأثاث والثياب.

    دخل المغيرة فقرَّبوا إلى جسمه ووجهه الحراب والنيازك يلتمع منها البصر، وجند بندار حوله -كي يزيدوا المنظر رهبة- أما بندار فقد جلس على سريرٍ من الذهب وعلى رأسه تاج نفيس.

    قال المغيرة : فمضيت فصاروا يدفعونني ويزجرونني فقلت: الرسل لا يُفعل بهم هذا، فقالوا: إنما أنت كلب.

    يقول المغيرة: فقلت: لأنا أشرف في قومي من هذا في قومه. وأشار إلى بندار ، فانتهره الجند وقالوا: اجلس فجلس، فتكلم بندار وترجم للمغيرة ، ومما قاله: إنكم معشر العرب أبعد الناس من كل خير، وأطول الناس جوعاً، وأشقى الناس شقاءً، وأقذر الناس قذراً، وأبعدهم داراً، وما منعني أن آمر هؤلاء الأساورة حولي أن ينتظموكم بالنشاب؛ إلا تنجساً لجيفكم، فإنكم أرجاسٌ، فإن تذهبوا تركناكم، وإن تأتوا نريكم مصارعكم.

    قال المغيرة: فحمدت الله وأثنيت عليه، ثم قلت: والله ما أخطأت من صفتنا شيئاً ، ولا من نعتنا، إن كنا لأبعد الناس داراً، وأشد الناس جوعاً، وأشقى الناس شقاءً، وأبعد الناس من كل خير، حتى بعث الله عز وجل إلينا رسوله صلى الله عليه وسلم فوعدنا النصر في الدنيا والجنة في الآخرة، فوالله ما زلنا نتعرف من ربنا منذُ جاءنا رسوله الفتح والنصر حتى أتيناكم، وإنا والله لا نرجع إلى ذلك الشقاء أبداً حتى نغلبكم على ما في أيديكم، أو نُقتل بأرضكم، وإني أرى عليك بزة وهيئةً، ما أرى مَن خلفي يذهبون حتى يصيبوها، قال المغيرة: فقلت في نفسي لو جمعت ثيابي فوثبت وثبة فقعدت مع هذا العلج بندار على سريره لعله يتطير، قال: فوجدت غفلةً، فوثبت فإذا أنا معه على سريره، فصرخ بُندار: خذوه، فأخذه الجند وصاروا يطئونه بأرجلهم، قال المغيرة: هكذا تفعلون بالرسل؛ فإنا لا نفعل هكذا، ولا نفعل برسلكم هذا.

    شعر بندار أن المغيرة بدأ يحطم من معنويات جنده؛ لأنه بدأ يظهر عزته التي هذبه بها الإسلام، وظهرت سوء أخلاقيات الفرس، فأراد أن يقطع هذه المناظرة، فقال: إن شئتم قطعتم إلينا، وإن شئتم قطعنا إليكم.

    فعاد المغيرة واستشار قائد الجيش النعمان رضي الله عنه؛ فقال النعمان: اعبروا.

    يذكرنا موقف المغيرة رضي الله عنه بالسفراء الثلاثة في القادسية وأثرهم الكبير في نفوس الطرفين، كما يذكرنا موقف بُندار بموقف رستم -إذ المنطق واحد- عندما وصف العرب بالجوع والعري والبعد عن معترك الحياة، وهذا صحيح ولكن قبل مجيء الإسلام، ولكن بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وبعدما فَتح أعظم جامعةٍ في هذه الدنيا! وهي: مسجده عليه الصلاة والسلام. تغير الحال كثيراً، وصار الفارق عظيماً، كان يأتي الإنسان وهو بدويٌ فيدخل تلك الجامعة أي: مسجده عليه الصلاة والسلام، ويتلقى تلك التربية على يدي أعظم شخصيةٍ عرفتها البشرية، فإذا ببائع القماش أبي بكر وراعي الجمال عمر وجبال آخرون تخرجوا من ذلك المسجد يحملون شهادة الإسلام التي تعشق العلم وتحارب الجهل، تخرجوا وهم يحملون رسالة الإسلام القائمة على استعمال العقل والفكر ومحاربة الانهزامية، وترك الأسباب بلا استعمال، تخرجوا يحملون روح الجهاد متوجة بروح الاستشهاد.

    خطة إخراج الفرس من المدينة المحاطة بحسك الحديد

    كان من حيل الفرس في هذه المعركة، أن طرحوا حسك الحديد حول المدينة -والحسك يشبه شوك السعدان- فبعث النعمان عيوناً للاستطلاع فساروا لا يعلمون بالحسك فلم يبرح الفَرَس مكانه، فنزل صاحبه ونظر في يده فإذا في حافره حسكاً فعاد إلى الجيش وأخبر النعمان أن سلاحاً جديداً استخدمه الفرس لم يُعهد سابقاً وهو نشر الحسك حول المدينة، وهو أشبه ما يكون بالألغام في عصرنا الحاضر.

    فقام النعمان يسأل أهل الرأي في جيشه، فكان الرأي أن ينتقل الجيش من هذا المكان كأنه هاربٌ فيخرج الفرس في طلبهم، فانتقل النعمان فخرج الفرس وكنسوا الحسك في طلب المسلمين.

    وكان النعمان قد عبأ الكتائب، ونظم الجيش، وكان عدده ثلاثين ألفاً، وجعل في مقدمة الجيش نعيم بن مقرن، وجعل على مجنبتيه حذيفة بن اليمان، وسويد بن مقرن، وعلى المجردة القعقاع بن عمرو ، ولما رأى النعمان جمعهم الكبير كبر فكبر معه المسلمون؛ فتزلزلت قلوب الفرس وحطت قواهم، وقد سمع الفرس هذه التكبيرة سابقاً في القادسية، ويعلمون نتائجها وأثرها في نفوس من يرددها.

    أنشب النعمان القتال يوم الأربعاء، ودام على شكل مناوشات حادة إلى يوم الخميس، والحرب بين الفريقين سجال.

    خطة إخراج الفرس من الخنادق

    وكان الفرس خلالها في الخنادق، فخشي المسلمون أن يطول الأمر؛ فإنهم لم يعتادوا ذلك في لقاء العدو، فربما كان علامة نقصٍ في الإيمان أو شاهداً على حب الدنيا.

    فتجمع أهل الرأي -فكأنهم هيئة أركان لأكبر قائدٍ ولأطهر جيش- فقال النعمان : ترون المشركين واعتصامهم بخنادقهم وأنهم لا يخرجون إلينا إلا إذا شاءوا ، فما الرأي؟ فكان الرأي ما أشار به طليحة : أن يبعث خيلاً مؤديةً فيحدق بهم ثم يرموا لينشب القتال ويُغضبوهم، فإذا غضبوا واختلطوا بهم وأرادوا الخروج هرب المسلمون خدعة، فيخرج الفرس في أثرهم.

    أمر النعمان القعقاع أن يُنشب القتال بعد أن رتب معه الخطة وهي: أن يسحب جيش الفرس إلى كمينٍ وهو عبارة عن مكانٍ محاطٍ بالجبال من ثلاث جهات -يسمى في مصطلح الحروب بعنق الزجاجة- يختبئ حوله المسلمون حتى يصل القعقاع بالفرس فينقض عليهم المسلمون، وكان ذلك يوم الجمعة.

    فتقدم القعقاع وأنشب القتال فخرج الفرس من خنادقهم، فلما خرجوا نكص القعقاع بجنده -حسب الخطة- ثم نكص ثم نكص، واغتنمها الأعاجم ففعلوا كما ظنّ طليحة رضي الله عنه، وقال الفرس: هي هي، أي: هي هزيمة المسلمين، فخرج الفرس ولم يبق منهم أحد في الخنادق إلا من يقوم على الأبواب، وجعلوا يتبعون المسلمين حتى انقطعوا عن حصنهم وخنادقهم، وأمر النعمان الناس أن يلزموا الأرض ولا يقاتلوهم حتى يأذن لهم، ففعلوا واستتروا بالتروس من رمي الفرس، وأقبل الفرس على كتيبة القعقاع ومن معه وكانوا مائتي فارسٍ فقط، قُتل منهم مائة وعشرون، ولم يبقَ مع القعقاع إلا ثمانون فقط، وصار الفرس يرمونه حتى أثخنوا فيهم الجراحات وشكا بعض المسلمين إلى بعض تأثراً بما أصاب القعقاع ومن معه، فقالوا للنعمان : ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما لقي الناس؟ يعني القعقاع ومن معه، فماذا تنتظر؟! ائذن للناس في قتالهم، فقال النعمان : رويداً، قالوا له مراتٍ كثيرة: ماذا تنتظر؟ فيجيب بمثل قوله: رويداً، وأوضح لهم أنه يرجو في المكث مثل الذي يرجون في الحث.

    فماذا كان ينتظر النعمان رضي الله عنه؟

    كان ينتظر أحب الساعات إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، تلك التي كان يلقى العدو فيها، وذلك عند الزوال حيث تفيؤ الأفياء، وهبوب الرياح، وكذلك اكتمال الخطة بدخول كامل جيش الفرس عنق الزجاجة.

    اقترب وقت الزوال، تلك الساعة التي ينتظرها النعمان ، فركب فرسه وسار في الناس ووقف على كل راية يذكرهم بالله عز وجل، ويحرضهم على عدوهم، ويمنيهم الظفر، ثم قال: [ما منعني أن أناجزهم إلا شيءٌ شهدته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا غزى لم يقاتل أول النهار، لم يعجل حتى تحضر الصلاة، وتهب الرياح، ويطيب القتال، فما منعني إلا ذلك، ثم قال: فإذا قضيت أمري فاستعدوا فإني مكبرٌ ثلاثاً، فإذا كبرت التكبيرة الأولى فليتهيأ من لم يكن تهيأ، فإذا كبرت الثانية فليشد الرجل إزاره وليتأهب للنهوض، فإذا كبرت الثالثة فإني حاملٌ إن شاء الله فاحملوا جميعاً، فإن قتلت فالأمير بعدي حذيفة بن اليمان، فإن قتل ففلان، وعدَّ سبعةً آخرهم المغيرة بن شعبة ].

    وقف هذا القائد الكبير، والفارس العظيم أمام جنده، فكبر التكبيرة الأولى، ثم كبر التكبيرة الثانية، وقبل أن يكبر التكبيرة الثالثة قال كلمات خالدةً خلود الزمن فقال: [اللهم اعزز دينك، وانصر عبادك، واجعل النعمان أول شهيدٍ اليوم على إعزاز دينك ونصر عبادك، اللهم إني أسالك أن تُقر عيني اليوم بفتحٍ يكون فيه عز الإسلام، فأمنوا يرحمكم الله] فبكى الناس؛ لأن أميرهم مستجاب الدعوة، فعرفوا أنه مقتول.

    رجع النعمان إلى موقفه والناس ينتظرون التكبيرة الثالثة وهم سامعون مطيعون مستعدون للقتال، فكبر رضي الله عنه التكبيرة الثالثة، ودقت ساعة الإسلام، وحانت ساعة الصفر، وانقضَّت راية الأمير القائد انقضاض العقاب والنعمان مَعْلَمٌ يعرفه الناس بقلنسوته.

    قال المغيرة بن شعبة رضي الله عنه بعد ما رأى الزحف: [والله ما علمت من المسلمين أحداً يومئذٍ يريد أن يرجع إلى أهله حتى يُقتل أو يَظفر، فحملنا حملةً واحدة، وثبتوا لنا، فما كنا نسمع إلا وقع الحديد حتى أُصيب المسلمين بمصائب كبيرة، فلما رأوا صبرنا وأنا لا نبرح ساحة القتال انهزموا].

    استشهاد النعمان وانتقال الراية إلى حذيفة

    تقدم النعمان كالبرق بين الصفوف، وبدأ الفرس يتركون ساحة المعركة، وفي هذه الأثناء زلق بـالنعمان فرسه؛ من كثرة الدماء التي سُفحت في أرض نهاوند ، فصرع رضي الله عنه بين سنابك الخيل، وجاءه سهمٌ في جنبه، فرآه أخوه فسجاه بثوبٍ، وأخذ الراية قبل أن تقع.

    أخذ نعيم بن مقرن الراية وناولها إلى حذيفة بن اليمان فأخذها حذيفة وتقدم الصفوف حيث كان النعمان ، ولما علم المغيرة باستشهاد النعمان قال: [اكتموا مصاب أميركم، حتى ننتظر ما يصنع الله فينا وفيهم؛ لئلا يهن الناس.].

    ولما أظلم الليل انهزم الفرس، ومما زاد خسارة هزيمتهم؛ أنهم هربوا دون قصد فوقعوا في وادٍ، فكان أحدهم يقع فيقع معه وعليه ستةٍ بعضهم فوق بعض، وجعل حسك الحديد يعقرهم.

    فمات في هذه المعركة التي دامت من الزوال حتى أول الليل، مائة ألف أو يزيد، قُتل في الوادي وحده ثمانون ألفاً.

    مقتل قائد الفرس الفيروزان

    عندها هرب الفيروزان فعلم القعقاع بن عمرو بهربه فتبعه هو ونعيم بن مقرن ، فأدركاه في ثنية همدان في وادٍ ضيق، فإذا بقافلةٍ كبيرةٍ من بغال وحميرٍ محملةٍ عسلاً ذاهبة إلى يزدجر ، فعرقلت القافلة تقدم الفيروزان ولم يجد طريقاً، فنزل عن دابته وصعد الجبل علَّه يختفي، فتبعه القعقاع راجلاً فأدركه فقتله، فقيل بعدها: إن لله جنوداً من عسل، واستاق الفارسان البطلان العسل إلى جند المسلمين، وبعدها سميت ثنية همدان بـثنية العسل .

    جاء معقل بن يسار لما لمح النعمان وقد انزلق به فرسه وأصابه سهمٌ وسقط في أرض المعركة؛ جاءه بقليل من الماء وغسل عن وجهه التراب فقال النعمان : من أنت؟ قال: معقل بن يسار ، قال: ما فعل الناس؟ قال: فتح الله عليهم، قال: الحمد لله، اكتبوا بذلك إلى عمر وفاضت روحه رضي الله عنه ورحمه.

    كأنها إشارةٌ أن اكتبوا إلى عمر أن الذي اخترته لإحراز النصر قد أحرزه، والذي قلت عنه أنه أول الأسنة لم يخب ظنك فيه وقد كان أول الأسنة، وهذا أول شهيدٍ في أرض نهاوند.

    تم النصر من الله جلَّ وتعالى لجند الله، فجعلوا يسألون: أين أميرنا؟ أين النعمان بن مقرن ؟ فقال لهم أخوه معقل : [هذا أميركم قد أقر الله عينيه بالفتح وخُتم له بالشهادة]، فحزن عليه الجميع واحتسبوه عند الله تعالى، وبايعوا حذيفة بن اليمان ودخلوا نهاوند ، وتابع القعقاع بن عمرو السير حتى دخل همدان .

    وصول البشير إلى عمر بالنصر

    أتى البشير بالفتح إلى عمر وكان طريف بن سهم ، فقال: أبشر يا أمير المؤمنين بفتحٍ أعز الله به الإسلام وأذل به الكفر وأهله، فحمد عمر الله عز وجل، ثم قال: النعمان بعثك؟ فقال: احتسب النعمان يا أمير المؤمنين، فبكى عمر واسترجع وقال: ومن غير النعمان؟ قال طريف : فلان وفلان حتى عدَّ أُناساً كثراً، ثم قال: وآخرون يا أمير المؤمنين لا تعرفهم، فبكى عمر رضي الله عنه وقال: [لا يضرهم ألا يعرفهم عمر ولكن الله يعرفهم].

    صعد عمر المنبر ونعى الشهيد الحبيب واصفاً رجولته، فضج الحاضرون بالبكاء حتى ضجت جنبات المسجد معهم أسفاً على البدر الآفل والنسر الذبيح.

    لقد تم النصر للمسلمين في نهاوند ، ولكن مصرع النعمان نسج سحابةً مظلمة فوق العيون، لقد بكاه الجند المسلم في فارس ، وبكاه المسلمون في المدينة أَمَرَّ بكاء، ولكن مما يواسي النفس ويعلل الروح؛ أن النعمان انتقل من هذه الحياة أكرم انتقال، انتقل إلى روضة الشهداء في جنة الله، وإلى قمة الخلود في سجل التاريخ.

    1.   

    بعض الوقفات والعبر من معركة نهاوند

    هذه نهاوند، وهذا هو بطلها، ولنا مع هذه المعركة بعض الوقفات:

    تسمية معركة نهاوند بفتح الفتوح

    أولاً: سميت معركة نهاوند بفتح الفتوح؛ لأنه لم يعد للفرس بعدها اجتماع، فقد شتت النعمان شملهم، وفرق جمعهم، ومزق دولتهم، وسمح عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد هذه المعركة لجنده بالإنسياح في مملكة يزدجر ، إذ كان يخشى عليهم الانسياح قبلها، فكما أن معركة القادسية فتحت أبواب فارس للمسلمين فلا عجب إذا أطلق المؤرخون على معركة نهاوند بأنها فتح الفتوح.

    فضل الشهادة في سبيل الله وعظم أجرها

    ثانياً: هنيئاً للنعمان بن مقرن المزني رضي الله عنه، فقد حفظ له التاريخ جهاده تحت لواء الرسول صلى الله عليه وسلم، ومواقفه الرائعة في حروب أهل الردة، وجهاده المشرِّف تحت لواء خالد بن الوليد وسعد بن أبي وقاص ، وبلاءه المجيد في حروب الأهواز ، وأخيراً توج نهاية حياته بفتح نهاوند من أعظم وأكبر مدن فارس حينذاك، وتوج حياته بنهايةٍ مشرفةٍ هي أكبر من فتح نهاوند ومن كل فتح؛ إنها الشهادة في سبيل الله.

    نعم أيها الأحبة! الشهادة في سبيل الله رتبة عظيمة، ومنزلةٌ جسيمة لا يلقاها إلا ذو حظٍ عظيم، ولا ينالها إلا من سبق له القدر بالفوز المقيم، وهي الرتبة الثالثة من مقام النبوة كما قال تعالى: فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً [النساء:69] فهم أحياءٌ عند ربهم يرزقون.

    ولا أجمل من أن أنقل لكم نتفاً من كلام ابن النحاس رحمه الله تعالى في كتابه مشارق الأشواق إلى مصارع العشاق ، عندما تحدث رحمه الله عن منزلة الشهيد فقال مما قال: فإن مما يجب اعتقاده أن الأجل محتوم، وأن الرزق مقسوم، وأن ما أخطأ لا يصيب، وأن سهم المنية لكل أحدٍ مصيب، وأن كل نفسٍ ذائقة الموت، وأن الجنة تحت ظلال السيوف، وأن الري الأعظم في شرب كئوس الحتوف، وأن من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمها الله على النار، وأن الشهداء عند الله من الأحياء، وأن أرواحهم في جوف طيرٍ خضر تتبوأ من الجنة حيث تشاء، وأن الشهيد تغفر له جميع ذنوبه وخطاياه، وأنه يشفع في سبعين من أهل بيته ومن والاه، وأنه يأمن يوم القيامة من الفزع الأكبر، وأنه لا يجد كرب الموت، ولا هول المحشر، وأنه لا يحس ألم القتل إلا كمس القرصة، وكم للموت على الفراش من سكرةً وغصة، وأن الطاعم النائم في الجهاد أفضل من الصائم القائم في سواه، ومن حرس في سبيل الله لا تمس النار عيناه، وأن المرابط يجرى له أجر عمله إلى يوم القيامة، وأن ألف يومٍ لا تساوي يوماً من أيامه، وأن رباط يوم خيرٌ من الدنيا وما فيها، وأنه يأمن من فتنة القبر وعذابه، وأن الله يكرمه يوم القيامة بحسن مآبه.

    فوا عجباً كيف أن ذروة السنام قد درست آثاره فلا تُرى، وطمست أنواره بين الورى، وأعتم ليله بعد أن كان مقمراً، وأظلم نهاره بعد أن كان نيراً، وذوى غصنه بعد أن كان مورقاً، وانطفأ حسنه بعد أن كان مشرقاً، وقفلت أبوابه فلا تطرق، وأُهملت أسبابه فلا تُرمق، وصفنت خيوله فلا تركض ، وربطت أُسوده فلا تُنهض، وامتدت أيدي الكفرة الأذلاء إلى المسلمين فلا تقبض، وأغمدت السيوف من أعداء المسلمين إخلاداً إلى حياة الدعة والأمان، وخرس لسان النفير إليهم فصاح نفيرهم في أهل الإيمان، ونامت عروس الشهادة إذ عدمت الخاطبين، وأهمل الناس الجهاد كأنهم ليسوا به مخاطبين، فلا نجد إلا من طوى بساط نشاطه عنه، أو تركه جزعاً من الموت وهلعاً، أو جهل ما فيه من الثواب الجزيل، ورضي بالحياة الدنيا من الآخرة، وما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل، هؤلاء الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله قد أمنوا من عظيم الأهوال والكربات، وسكنوا في أجل المحال في أعلى الغرفات، وكرعوا من النعيم أكواباً، وادرعوا من التنعيم أثوابا، ومتعوا بجنان الفردوس مستقراً ومآبا، وتمتعوا بحورٍ عين كواعب أترابا، أرواحهم في جوف طيرٍ خضر تجول في الجنان تأكل وتشرب، وتأوي إلى قناديل معلقة في عرش الرحمن، يتمنون الرجوع إلى هذه الدار، ليقتلوا في سبيل الله مراتٍ ومرات؛ لما بهرهم من ثواب الله الجزيل.

    فما أقبح العجز عن انتهاز مثل هذه الفرص! وما أنجح الاحتراز بالجهاد عن مقاساة تلك الغصص! وليت شعري بأي وجهٍ يلقى الله غداً من فرَّ اليوم من أعدائه؟ وماطله بتسليم نفسه بعد عقد شرائه؟ ودعاه إلى جنته ففر وزهد في لقائه؟ وبأي عذرٍ يعتذر بين يديه من هو عن سبيله ناكب؟ وعما رغبه فيه من الفوز العظيم راغب؟

    قال صلى الله عليه وسلم: (إن للشهيد عند ربه سبعة خصال: أن يغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويحلى حلة الإيمان، ويجار من عذاب القبر، ويأمن الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منه خيرٌ من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقاربه) انتهى كلامه رحمه الله.

    هل من يموت بميدان الجهاد كما     موت البهائم في الأعطان تنتحر

    كلا وربي فلا تشبيه بينهم     قد قالها خالدٌ : إذ كان يحتضرُ

    أهل الشهادة في الآثار قد أمنوا     من فتنةٍ وابتلاءاتٍ إذا قبروا

    ويوم ينفخ صورٌ ليس يزعجهم     والناس قائمةٌ من هوله ذعروا

    وما سوى الدين من ذنبٍ وسيئةٍ     على الشهيد فعند الله مغتفرُ

    أرواحهم في علل الجنات سارحةٌ     تأوي القناديل تحت العرش تزدهرُ

    وحيث شاءت من الجنات تحملها     طيرٌ مغردةٌ ألوانها خضرُ

    إن الشهيد شفيعٌ في قرابته     سبعين منهم كما في مسندٍ حصروا

    و الترمذيُ أتى باللفظ في سنن     وفي كتاب أبي داود معتبر

    مع ابن ماجة والمقدام ناقلـه     في ضمن ست خصالٍ ساقها الخبرُ

    ما كل من طلب العلياء نائلها     إن الشهادة مجدٌ دونه حفرُ

    وقد تردد في الأمثال من زمـنٍ     لا يبلغ المجد حتى يلعق الصبرُ

    ربي اشترى أنفساً ممن يجود بها     نعم المبيعُ ورب العرش ما خسروا

    إن هذا الدين عزيز، ومهره عزيز؛ لأنه تنزل من عند العزيز، مهره الدماء والأشلاء فإن كنت يا هذا مشتاقاً للقاء الحور فواصل الطريق، ولا تتخطفك الدنيا بملذاتها، ولا تتزوج الدنيا فإنه من تزوجها قتلته في ليلة زفافه.

    فحي على جنات عـدنٍ فإنها     منازلك الأولى وفيها المخيم

    فيا بائعاً هذا ببخسٍ معجلٍ     كأنك لا تدري ولا أنت تعلم

    فإن كنت لا تدري فتلك مصيبةٌ     وإن كنت تدري فالمصيبة أعظمُ

    إنها ميتةٌ واحده فلتكن في سبيل الله!

    مقياس الربح والخسارة في ميزان المعارك

    عظمة المسلمين ليست في اللباس والخدم والقصور

    رابعاً: عظمة المسلمين ليست في اللباس والخدم والقصور، وإنما في التواضع وبساطة الدنيا، تأمل يا أخي الحبيب! هذا الموقف من الهرمزان عندما رأى عمر رضي الله عنه.

    أدخل الهرمزان على عمر وكان عمر نائماً في ميمنة المسجد متوسداً برنسه، رأى الهرمزان هذا الإنسان الوحيد نائماً في المسجد فقال: أين عمر ؟ قالوا: هو ذا، فقال: أين حرسه وحجَّابه عنه؟ قالوا: ليس له حارسٌ ولا حاجب، قال: فينبغي له أن يكون نبياً، قالوا: بل يعمل عمل الأنبياء، استيقظ عمر ثم استوى جالسا، ثم نظر إلى الهرمزان ، وقال الهرمزان : قالوا: نعم، فتأمله عمر ، وتأمل ما عليه من الثياب، ثم قال: [أعوذ بالله من الناس، وأستعين بالله! الحمد لله الذي أذل بالإسلام هذا وأشياعه، يا معشر المسلمين تمسكوا بهذا الدين، واهتدوا بهدي نبيكم، ولا تبطرنكم الدنيا فإنها غرارة] قال الله تعالى: وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ [الأنبياء:11]، وقال عز وجل: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ [الدخان:25-28]، وقال عز من قائل: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ [القصص:5].

    سبب النصر

    خامساً: أتدرون بماذا ننتصر على أعدائنا؟

    ننتصر عليهم بعشقنا للموت كما يعشق الكفار الحياة، تأمل موقف الهرمزان عندما واجه الموت وطلب الأسر وجبُن على أن يموت كما يموت الأبطال نصرةً لدينهم، وأمجاد أمتهم، بينما كان البراء يطلب الموت في أشرق صورةٍ وهي الشهادة في سبيل الله تعالى؛ لينهزم الأعداء وينتصر المسلمون، وذلك عندما دعا: [اللهم اهزمهم واستشهدني].

    وهذا عمر الفاروق رضي الله عنه يرشح أحد أبطال المسلمين وهو النعمان بن مقرن لكي يقود جيش المسلمين، فيصفه بأنه أول من تصله أسنة الأعداء، فيصدق حدسه فيه، فيكون النعمان من أوائل شهداء نهاوند ، وهو يقول كلماتٍ خالدة خلود الزمن: [اللهم اعزز دينك، وانصر عبادك، واجعل النعمان أول شهيدٍ اليوم على إعزاز دينك ونصر عبادك، اللهم إني أسألك أن تقر عيني اليوم بفتحٍ يكون فيه عز الإسلام، أمنوا يرحمكم الله].

    أما قائد الفرس الفيروزان لما رأى هزيمة جيشه فرَ هارباً لينجو بنفسه ويترك جيشه يلقى مصيره وحتفه على أيدي المسلمين الأشاوس، لكنه مع ذلك لن ينج من سيوف المسلمين فذاق طعم الموت والقتل في أسوء صورةٍ وهو فارٌ هارب على يدي القعقاع بن عمرو كما ذاقه جيشه.

    وهذا المغيرة بن شعبة يقول: بعدما رأى الزحف يوم نهاوند : [والله ما علمت من المسلمين أحداً يومئذٍ يريدُ أن يرجع إلى أهله حتى يُقتل أو يَظفر فحملنا حملةً واحدة، فثبتوا لنا فما كنا نسمع إلا وقع الحديد حتى أصيب المسلمون بمصائب كبيرة، فلما رأوا صبرنا، وأنا لا نبرح ساحة القتال؛ انهزموا].

    عزة المسلم في إيمانه بدينه العظيم

    سادساً: عزة المسلم في إيمانه بدينه العظيم، لا بحطام الدنيا وزخارفها كما هو الحال عند الكفار الذين يرون عزهم في حطام الدنيا وزخارفها، عندما ذهب المغيرة بن شعبة بمنظرٍ رهيب وشعرٍ مسترسل طويل، استشار بُندار أصحابه بأي هيئةٍ نأذنُ له؟ هل بشاراتنا وملكنا وفخامتنا حتى نرهبهم بقوة ملكنا؟ أم بالتقشف حتى يزهدُ بنا ولا يطمع في ملكنا؟ فأشاروا عليه بل بأفضل ما يكونوا عليه من الشارة والعدة، فتهيئوا له بأفخر الأثاث والثياب، وأجلسوا بُندار على سريرٍ من الذهب، وعلى رأسه تاجٌ نفيس، لم يكترث المغيرة رضي الله عنه بما رأى بل حطم معنويات الفرس وشعر بُندار أن المغيرة بدأ يُحطم من معنويات جنده؛ لأنه بدأ يظهر عزته الذي هذبه بها الإسلام، وظهرت سوء أخلاقيات الفرس.

    فنحن قومٌ أعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة بغير ديننا أذلنا الله، قال الله تعالى: وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:139].

    إنه الإسلام الذي جعل المسلمين يفتحون خزائن العلم والحكمة والمعرفة، إنه الإسلام الذي أذاق ملوك الفرس وجبابرة الرومان وطغاة العالم الذل والهوان؛ عندما أرادوا أن يناطحوا صخرته.

    فإذا ما حاسبنا أنفسنا اليوم وما نحن فيه من مهانة وتأخُرٍ وضعف نجد أننا قد تركنا هذا الدين في العبادات والمعاملات والأخلاق، ونسينا أن الصديق ، والفاروق ، وعثمان ، وعلياً ، وقائد نهاوند ، واليرموك ، والقادسية رضي الله عنهم أولئك العظماء الذين نباهي بهم وفتحوا ما فتحوا ما كانت عظمتهم إلا بفضل الإسلام وبعقيدة هذا الدين وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ [آل عمران:85].

    حاجة الأمة إلى المجاهدين الصادقين

    سابعاً: إن الأمة اليوم بحاجة إلى مثل بيوت آل مقرن، فكان فيهم العالم والداعية والمجاهد، كم هو نعمةٌ أن يرزق الرجل بأولادٍ كلهم جنودٌ للإسلام، ويخدمون هذا الدين كلٌ بحسب ما حباه الله من مواهب وقدرات، وهذا سيكون له أثرٌ على تغيير واقع الأمة، وقد حفظ لنا التاريخ عدداً من البيوت كانت بيوت خيرٍ وبركة، فمن ذلك: أولاد العباس كانوا عشرة منهم: عبد الله ، والفضل ، ومقتر ، وقثم ، وعبيد الله ، وعبد الرحمن ، وغيرهم، ولا يعرف في التاريخ قبور إخوةٍ تباعدت كما تباعدت قبور أولاد العباس ، فهي ما بين سمرقند ، واليمن ، وأفريقيا ، ومصر ، والحجاز ، والعراق ، والشام وكان الناس يستغربون من مجالس أولاد العباس ، فـعبد الله ترجمان القرآن، وأخوه عبيد الله من كبار المنفقين المطعمين المتصدقين، وعبد الرحمن مجاهدٌ قتل في فتح أفريقيا .

    والزبير بن العوام كان أولاده علماء ومجاهدين فأكْرِمْ به من بيتٍ في الإسلام.

    و معاذ ومعوذ ابني عفراء هما اللذين قتلا أبا جهل .

    وأيضاً من أُسر الإسلام التي لها شأنٌ في خدمة هذا الدين آل المهلب بـالعراق وآل منده، وآل نور الدين زنكي أسرةٌ مجاهدةٌ بالموصل وما حولها، وآل قدامة، وآل تيمية.

    والشيء بالشيء يذكر، فوالد شيخ الإسلام عبد الحليم بن عبد السلام كان عالماً جليلاً لكن لم يشتهر ذكره، والسبب كما ذكر صاحب كتاب الدارس في تاريخ المدارس ؛ أنه خرج بين الشمس والقمر فلهذا لم يذكر، ابنه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، ووالده المجد أبو البركات ابن تيمية وهما من هما في غنائهما عن الإسلام والمسلمين؟! فلهذا لم يشتهر أمر عبد الحليم وإلا فهو عالمٌ من العلماء.

    وأيضاً من بيوت الإسلام: بيت آل الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى أولاده حسن وحسين وعبد الله وعلي وقد عُرفوا بالعلم والدعوة والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    وقد يكون الإنسان عالماً كبيراً، وحافظاً قديراً، يبحث عن الولد فلا يعطيه الله إياه بل يعوضه بانتشار كتبه، ولهذا يؤثر عن الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى قوله: (لا تجتمع الذرية والتصنيف لعالم)، وقد كان رحمه الله يبحث عن الولد ويطلبه فتزوج من أجل أن يرزق ولداً، ولما ولد للحافظ ولدٌ بعد عددٍ من البنات صنف له كتابه بلوغ المرام ؛ ليحفظه وليكون عالماً حافظاً فأين هو ابنه؟ لا يعرف بحفظٍ ولا علمٍ ولا مشاركةٍ وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والعجيب أن الحافظ رحمه الله أصبح ينسب إليه من جهة أحد أسباطه من عقب بناته! فيقال: سبطُ ابن حجر ، وهو الذي كان يبحثُ عن الولد الذكر.

    وهذا يذكرنا بسبط ابن الجوزي رحمه الله تعالى، حيث ينسب إليه من جهة إحدى بناته، وكان مُصنِفاً بينما كان أولاد ابن الجوزي يذيقونه الحسرات، فكان أحدهم يشي به عند السلطان، حتى أنه كان يبحثُ عن غفلة أبيه؛ ليبيع بعض كتبه؛ والآخر اسمه يوسف ، وقد نقل عن ابن الجوزي رحمه الله تعالى أنه كان لا يستطيع أن يقرأ سورة يوسف؛ لما في قلبه من وجدٍ على ولده.

    ونقل أيضاً عن أحد التابعين أن له أربعة أولاد كلٌ منهم على طريقة: فأحدهم شيعي ، والآخر خارجي، والثالث سني، والرابع مرجئي، هذا وهم أولاد رجلٍ وامرأةٍ عاشوا تحت سقفٍ واحد فلله الحكمة البالغة.

    صدق عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عندما قال: [إن للإيمان بيوتاً وللنفاق بيوتاً، وإن من بيوت الإيمان بيت ابن مقرن].

    والحمد لله أولاً وآخراً، وظاهراً وباطناً، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وأسلم تسليماً كثيرا.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2995700762

    عدد مرات الحفظ

    717705614