اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , معركة نهاوند للشيخ : ناصر محمد الأحمد


معركة نهاوند - (للشيخ : ناصر محمد الأحمد)
إن هذا الدين عظيم، وثمن عظمته عزيز، وهو الدماء والأشلاء، فمن منطلق هذا خاض المسلمون معارك كبيرة وشديدة، ومن هذه المعارك معركة نهاوند التي لم يعد للفرس بعدها اجتماع، فقد شتت النعمان بن مقرن شملهم، وفرق جمعهم، حتى سميت هذه المعركة بفتح الفتوح، وما ذاك إلا لصبر الصحابة وجلدهم في سبيل نصرة هذا الدين.
أحداث ما بعد القادسية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الامين.وبعد:انتهت معركة القادسية بانتصاراتها وبطولاتها الرائعة، ونزل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قصر كسرى وهو يقرأ قول الله تعالى: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ [الدخان:25-28].
 فتح مدينة تستر والقبض على الهرمزان
استمر يزدجر يثير أهل فارس .. يذكرهم الأحقاد ويؤلبهم؛ فتحركوا ثانية وتكاتبوا.فكتب عمر إلى سعد أن ابعث إلى الأهواز بعثاً كثيفاً مع النعمان بن مقرن وعجل.سار النعمان في أهل الكوفة، فلما سمع الهرمزان بقدومه، طمع أن يتغلب عليه وينصر أهل فارس ، لكن النصر كان من الله جلَّ وتعالى لعبده الصالح النعمان بن مقرن.فهرب الهرمزان إلى مدينة تستر، فلحق النعمان الفرس حتى تستر وحاصرها أشهراً، وطال التزاحف حتى بلغ ثمانين زحفاً لم يحقق به المسلمون ولا الفرس نصراً.وقد تفانى الصحابة رضي الله عنهم في القتال لفتح هذه المدينة، فقَتل البراء بن مالك رضي الله عنه لوحده أثناء الحصار مائة مبارز من الفرس، وقتَل مجزأة بن ثور مثل ذلك، وربعي بن عامر مثل ذلك، ولما كان آخر زحفٍ واشتد القتال، تقدم نفرٌ من المسلمين إلى البراء بن مالك وقالوا له: يا براء أقسم على ربك ليهزمنهم لنا، فقال البراء : [اللهم اهزمهم لنا واستشهدني].إنه البراء بن مالك من عباد الله الصالحين، كان إذا أقسم على الله أبره، كان رضي الله عنه حسن الصوت، يحدو للنبي صلى الله عليه وسلم في أسفاره، ومما عُرف عنه -وهو شرفٌ له- قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: [لا تستعملوا البراء على جيشٍ من جيوش المسلمين، فإنه مهلكة من المهالك].نطق البراء بهذه الكلمات؛ فألهب الحماس، وأصبح الجميع يشتاقون إلى الشهادة كما اشتاق هو إليها!فتقدمت جموع المسلمين ترمي بأنفسها إلى الشهادة حتى حصر المسلمون الفرس في المدينة، وصاروا في ضيقٍ وحرج.وبينما هم كذلك خرج إلى النعمان رجلٌ فاستأمنه على أن يدله على مدخلٍ يأتون منه، فأمَّنه النعمان ، فقال الرجل: انهدوا من قبل مخرج الماء فإنكم ستفتحونها، فندب النعمان للأمر رجالاً هم كتائب الموت، فاستطاعوا فتح أبواب المدينة بعد قتالٍ شديدٍ داخلها حتى هرب الهرمزان ، وحُصِرَ في القلعة وسط المدينة، فأقدم عليه الرجال الذين يبحثون عن الموت ولا يجدونه إلا في سيوف أعدائهم؛ لكنه يفر منهم ويحل بالأعداء.وصلت كتائب الموت إلى الهرمزان فقال لهم: ما شئتم؟ قد ترون ضيق ما أنا فيه وأنتم، ومعي في جعبتي مائة نشابةٍ، ووالله ما تصلون إلي ما دام معي نشابة، قالوا له: فتريد ماذا؟ قال: أن أضع يدي في أيديكم على حكم عمر يصنع بي ما يشاء، وهذا جبنٌ من الهرمزان؛ إذ المفروض أن يقاتل حتى يُقتل كما قُتل أصحابه، لكنه أراد أن يطيل حياته بحجة أنه يريد أن يحكم عمر، فرضوا بذلك، فرمى الهرمزان قوسه، وأمكنهم من نفسه، فشدوه وثاقاً.أخذ أنس بن مالك والأحنف بن قيس الهرمزان إلى المدينة، وألبسوه كسوته من الديباج الذي فيه الذهب، ووضعا على رأسه تاجاً مكللاً بالياقوت؛ حتى يراه عمر والمسلمون في هيئته.دخلوا المدينة وكان عمر رضي الله عنه نائماً في ميمنة المسجد متوسداً برنسه، رأى الهرمزان هذا الإنسان الوحيد نائماً في المسجد فقال: أين عمر؟ قالوا: هو ذا، فقال: أين حرسه وحجَّابه؟ قالوا: ليس له حارسٌ ولا حاجب، قال: فينبغي له أن يكون نبياً، قالوا: بل يعمل عمل الأنبياء.كثر الناس، وزادت الجلبة؛ فاستيقظ عمر واستوى جالساً، ثم نظر إلى الهرمزان ، وقال: الهرمزان؟ قالوا: نعم. فتأمله وتأمل ما عليه من الثياب، ثم قال: [أعوذ بالله من الناس، وأستعين بالله! الحمد لله الذي أذل بالإسلام هذا وأشياعه، يا معشر المسلمين! تمسكوا بهذا الدين، واهتدوا بهدي نبيكم، ولا تبطرنكم الدنيا فإنها غرارة.. قال الوفد لـعمر : هذا ملك الأهواز فكلمه؟فقال عمر: لا. حتى لا يبقى عليه من حليته شيء، فرمي عنه كل شيء إلا شيئاً يستره وألبسوه ثوباً صفيقاً -وبعدها كلمه عمر - فقال له: ما عُذرك وما حُجتك في انتقاضك مرة بعد مرة؟ فقال: أخاف أن تقتلني قبل أن أخبرك، قال عمر : لا تخف ذلك، ثم طلب الهرمزان ماءً فأتي به في قدحٍ غليظ، فقال: لو متُّ عطشاً لم أستطع أن أشرب بمثل هذا؛ فأتي الماء في إناءٍ يرضاه، فجعلت يده ترجف، وقال: إني أخاف أن أُقتل وأنا اشرب الماء.فقال عمر : لا بأس عليك حتى تشربه، فأراق الهرمزان الماء.فقال عمر : أعيدوا عليه، ولا تجمعوا عليه القتل والعطش.فقال الهرمزان : لا حاجة لي في الماء، وإنما أردت أن أستأمن به.فقال له عمر : إني قاتلك. قال: قد أمنتني.فقال عمر : كذبت!فقال أنس رضي الله عنه: صدق يا أمير المؤمنين قد أمنته؛ لأنك قلت: لا بأس عليك حتى تشربه، فأقبل عمر على الهرمزان وقال: خدعتني، والله لا أنخدع إلا لمسلم، فأسلم الهرمزان ].والذي يظهر أنه أسلم نفاقاً؛ لأنه قد تآمر فيما بعد مع أبي لؤلؤة المجوسي لقتل عمر ونفذ الخطة، فقتله عبيد الله بن عمر رضي الله عنهما سنة أربعٍ وعشرين للهجرة.
أحداث وتفاصيل معركة نهاوند
في هذه الأثناء وصل إلى عمر كتابٌ باجتماع جيشٍ كثير من الفرس في نهاوند ؛ فقد كاتب يزدجر أهل السند ، و خرسان ، و حلوان ، ليجتمعوا فيوجهوا ضربة حاسمة لجيش الإسلام، وبالفعل فقد تحرك سكان هذه المدن والمناطق وتكاتبوا واجتمعوا في نهاوند في جمعٍ يبلغ مائة وخمسين ألفاً.
 وصول البشير إلى عمر بالنصر
أتى البشير بالفتح إلى عمر وكان طريف بن سهم ، فقال: أبشر يا أمير المؤمنين بفتحٍ أعز الله به الإسلام وأذل به الكفر وأهله، فحمد عمر الله عز وجل، ثم قال: النعمان بعثك؟ فقال: احتسب النعمان يا أمير المؤمنين، فبكى عمر واسترجع وقال: ومن غير النعمان؟ قال طريف : فلان وفلان حتى عدَّ أُناساً كثراً، ثم قال: وآخرون يا أمير المؤمنين لا تعرفهم، فبكى عمر رضي الله عنه وقال: [لا يضرهم ألا يعرفهم عمر ولكن الله يعرفهم].صعد عمر المنبر ونعى الشهيد الحبيب واصفاً رجولته، فضج الحاضرون بالبكاء حتى ضجت جنبات المسجد معهم أسفاً على البدر الآفل والنسر الذبيح.لقد تم النصر للمسلمين في نهاوند ، ولكن مصرع النعمان نسج سحابةً مظلمة فوق العيون، لقد بكاه الجند المسلم في فارس ، وبكاه المسلمون في المدينة أَمَرَّ بكاء، ولكن مما يواسي النفس ويعلل الروح؛ أن النعمان انتقل من هذه الحياة أكرم انتقال، انتقل إلى روضة الشهداء في جنة الله، وإلى قمة الخلود في سجل التاريخ.
بعض الوقفات والعبر من معركة نهاوند
هذه نهاوند، وهذا هو بطلها، ولنا مع هذه المعركة بعض الوقفات:
 حاجة الأمة إلى المجاهدين الصادقين
سابعاً: إن الأمة اليوم بحاجة إلى مثل بيوت آل مقرن، فكان فيهم العالم والداعية والمجاهد، كم هو نعمةٌ أن يرزق الرجل بأولادٍ كلهم جنودٌ للإسلام، ويخدمون هذا الدين كلٌ بحسب ما حباه الله من مواهب وقدرات، وهذا سيكون له أثرٌ على تغيير واقع الأمة، وقد حفظ لنا التاريخ عدداً من البيوت كانت بيوت خيرٍ وبركة، فمن ذلك: أولاد العباس كانوا عشرة منهم: عبد الله ، والفضل ، ومقتر ، وقثم ، وعبيد الله ، وعبد الرحمن ، وغيرهم، ولا يعرف في التاريخ قبور إخوةٍ تباعدت كما تباعدت قبور أولاد العباس ، فهي ما بين سمرقند ، واليمن ، وأفريقيا ، ومصر ، والحجاز ، والعراق ، والشام وكان الناس يستغربون من مجالس أولاد العباس ، فـعبد الله ترجمان القرآن، وأخوه عبيد الله من كبار المنفقين المطعمين المتصدقين، وعبد الرحمن مجاهدٌ قتل في فتح أفريقيا .والزبير بن العوام كان أولاده علماء ومجاهدين فأكْرِمْ به من بيتٍ في الإسلام.و معاذ ومعوذ ابني عفراء هما اللذين قتلا أبا جهل .وأيضاً من أُسر الإسلام التي لها شأنٌ في خدمة هذا الدين آل المهلب بـالعراق وآل منده، وآل نور الدين زنكي أسرةٌ مجاهدةٌ بالموصل وما حولها، وآل قدامة، وآل تيمية.والشيء بالشيء يذكر، فوالد شيخ الإسلام عبد الحليم بن عبد السلام كان عالماً جليلاً لكن لم يشتهر ذكره، والسبب كما ذكر صاحب كتاب الدارس في تاريخ المدارس ؛ أنه خرج بين الشمس والقمر فلهذا لم يذكر، ابنه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، ووالده المجد أبو البركات ابن تيمية وهما من هما في غنائهما عن الإسلام والمسلمين؟! فلهذا لم يشتهر أمر عبد الحليم وإلا فهو عالمٌ من العلماء.وأيضاً من بيوت الإسلام: بيت آل الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى أولاده حسن وحسين وعبد الله وعلي وقد عُرفوا بالعلم والدعوة والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.وقد يكون الإنسان عالماً كبيراً، وحافظاً قديراً، يبحث عن الولد فلا يعطيه الله إياه بل يعوضه بانتشار كتبه، ولهذا يؤثر عن الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى قوله: (لا تجتمع الذرية والتصنيف لعالم)، وقد كان رحمه الله يبحث عن الولد ويطلبه فتزوج من أجل أن يرزق ولداً، ولما ولد للحافظ ولدٌ بعد عددٍ من البنات صنف له كتابه بلوغ المرام ؛ ليحفظه وليكون عالماً حافظاً فأين هو ابنه؟ لا يعرف بحفظٍ ولا علمٍ ولا مشاركةٍ وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والعجيب أن الحافظ رحمه الله أصبح ينسب إليه من جهة أحد أسباطه من عقب بناته! فيقال: سبطُ ابن حجر ، وهو الذي كان يبحثُ عن الولد الذكر.وهذا يذكرنا بسبط ابن الجوزي رحمه الله تعالى، حيث ينسب إليه من جهة إحدى بناته، وكان مُصنِفاً بينما كان أولاد ابن الجوزي يذيقونه الحسرات، فكان أحدهم يشي به عند السلطان، حتى أنه كان يبحثُ عن غفلة أبيه؛ ليبيع بعض كتبه؛ والآخر اسمه يوسف ، وقد نقل عن ابن الجوزي رحمه الله تعالى أنه كان لا يستطيع أن يقرأ سورة يوسف؛ لما في قلبه من وجدٍ على ولده.ونقل أيضاً عن أحد التابعين أن له أربعة أولاد كلٌ منهم على طريقة: فأحدهم شيعي ، والآخر خارجي، والثالث سني، والرابع مرجئي، هذا وهم أولاد رجلٍ وامرأةٍ عاشوا تحت سقفٍ واحد فلله الحكمة البالغة.صدق عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عندما قال: [إن للإيمان بيوتاً وللنفاق بيوتاً، وإن من بيوت الإيمان بيت ابن مقرن].والحمد لله أولاً وآخراً، وظاهراً وباطناً، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وأسلم تسليماً كثيرا.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , معركة نهاوند للشيخ : ناصر محمد الأحمد

http://audio.islamweb.net