إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب النكاح [17]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من مراتب علاج نشوز الزوجة بعد الوعظ الهجر في المضجع وله أقسام، ووقع الخلاف في قدره، ثم ضربها ضرباً غير مبرح، ثم بعث الحكمين من أهلهما، ويجب العدل بين النساء في السفر على خلاف، ومن صح تبرعه صح خلعه ولو أجنبياً خلافاً للظاهرية، لكن بشرط أن يكون لمصلحة الزوج

    1.   

    نشوز الزوجة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فصل: النشوز: معصيتها إياه فيما يجب عليها، فإذا ظهر منها أماراته بألا تجيبه إلى الاستمتاع، أو تجيبه متبرمة أو متكرهة وعظها، فإن أصرت هجرها في المضجع ما شاء، وفي الكلام ثلاثة أيام، فإن أصرت ضربها غير مبرح.

    باب الخلع:

    من صح تبرعه من زوجة وأجنبيٍ صح بذله لعوضه، فإذا كرهت خلق زوجها أو خلقه أو نقص دينه أو خافت إثما بترك حقه، أبيح الخلع وإلا كره ووقع، فإن عضلها ظلمًا للافتداء، ولم يكن لزناها أو نشوزها أو تركها فرضًا ففعلت].

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    تقدم لنا جملة من أحكام القسم بين الزوجات، وذكرنا من ذلك أن للعلماء رحمهم الله في حكم القسم بين الزوجات رأيين:

    فعند جمهور أهل العلم أنه يجب عليه أن يقسم لزوجاته، فإذا قسم فعليه أن يعدل بين زوجاته بالاتفاق، وذكرنا ما المراد بالقسم، وما الذي يجب عليه أن يعدل فيه، وما الذي لا يجب عليه أن يعدل فيه؟ وذكرنا أقسام ذلك، وتطرقنا لمسقطات القسم، وأن القسم يسقط بمسقطات.

    1.   

    تعريف نشوز الزوجة

    قال رحمه الله تعالى: (فصل: النشوز معصيتها إياه فيما يجب عليها، فإذا ظهر منها أماراته بألا تجيبه إلى الاستمتاع، أو تجيبه متبرمةً أو متكرهة).

    النشوز في اللغة يطلق على معانٍ، منها: الارتفاع، وأما في الاصطلاح: فهي معصية الزوجة زوجها فيما يجب عليها، والنشوز قد يكون من قبل الزوجة وقد يكون من قبل الزوج، وكلا النشوزين بينه الله عز وجل في القرآن.

    أما نشوز الزوجة فقول الله سبحانه وتعالى: وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ [النساء:34] ، وأما نشوز الزوج فبينه الله عز وجل بقوله: وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ [النساء:128] وسيأتي إن شاء الله بيان النشوزين.

    فإذا نشزت المرأة، يعني: عصت زوجها فيما يجب عليها أن تقوم به، فقال المؤلف رحمه الله تعالى فيه: (فإذا ظهر منها أماراته) يعني: علامات النشوز.

    1.   

    مراتب علاج نشوز الزوجة

    المرتبة الأولى: الوعظ

    قال رحمه الله: (وعظها).

    هذه المرتبة الأولى من مراتب علاج النشوز وهي: الوعظ، والتذكير، قال تعالى: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [الذاريات:55] والنشوز محرم وهو معصية، ويدل لهذه المرتبة ما تقدم من قول الله عز وجل: فَعِظُوهُنَّ [النساء:34] يعني: ذكروهن بحقوق الزوج وما يترتب على ذلك من شؤم المعصية وعظيم الذنب، ويذكر لها الزوج ما ورد في ذلك من أدلة كحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا باتت المرأة هاجرةً فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح ) خرجاه في الصحيحين، والأحاديث كثيرة في حق الزوج.

    وهذه هي المرتبة الأولى، وهي: مرتبة الوعظ، وليس لها حد، بل يستمر في وعظها إلى أن تقوم القرينة على أنها لا تستجيب، فينتقل إلى المرتبة الثانية.

    المرتبة الثانية: الهجر في المضجع

    قال رحمه الله: (فإن أصرت هجرها في المضجع).

    هذه المرتبة الثانية: إذا أصرت على النشوز ولم تستجب، فإن الزوج يهجرها في مضجعها، وللعلماء في تفسير الهجر رأيان:

    الرأي الأول: أنه هجر الفراش، وهذا هو المشهور من المذهب: أنه يهجر فراش زوجته؛ وعلى هذا لا ينام معها في فراشها، وقال بعض العلماء: بل إذا كانت له زوجة أخرى.

    والرأي الثاني: أن المراد بذلك عدم هجر الفراش وإنما يهجر المرأة، فينام في الفراش ويهجر المرأة، بألا ينظر إليها ولا يتحدث معها ونحو ذلك، وهذا القول هو الصواب؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ [النساء:34] ولم يقل: اهجروا المضاجع، وهذا القول هو الصواب، ولأن هذا أيضًا أبلغ في الردع والزجر والتأديب.

    قال رحمه الله: (وفي الكلام ثلاثة أيام).

    للعلماء رحمهم الله في مدة الهجر في المضجع رأيان:

    الرأي الأول، وهو قول جمهور أهل العلم: أن مدة الهجر غير مقدرة، وهذا هو المشهور في المذهب، واستدلوا على ذلك بإطلاق الآية.

    والرأي الثاني: أنها تقدر بشهر، ويدل لذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع زوجاته، لما آلى منهن حين طالبنه بالنفقة وهو لا يجد، فآلى النبي منهن شهرًا، وهذا قول المالكية.

    والذي يظهر -والله أعلم- أنه لا يقدر بمدة؛ لأن الهجر يقصد منه التأديب، وإذا كان كذلك فإذا كان الزوج يرى أن المصلحة قائمة في الهجر فإنه يهجر، سواء كان لمدة شهر أو أقل أو أكثر.

    والهجر ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: الهجر الذي يقصد منه التأديب، كهجر الزوج زوجته إذا لم تقم بحقوقه، وهجر الوالد لولده إذا عصاه، وهجر العاصي المذنب، وهذا لا يتقدر بمدة، وإنما مرجعه إلى المصلحة، فإذا كان هناك مصلحة فإنه يهجر بمقدار تلك المصلحة، ويدل لهذا هذه الآية، فإن الله سبحانه وتعالى أطلق، وهجر رسول الله صلى الله عليه وسلم المخلفين في غزوة تبوك خمسين ليلة.

    القسم الثاني: الهجر الذي لا يقصد منه الإصلاح والتأديب، وإنما الهجر الذي سببه الخصام والمغاضبة، كما لو حصل بين شخصين شيء من الخصام والمغاضبة والتنازع ونحو ذلك، فهذا لا يجوز أن يزيد على ثلاثة أيام؛ لأن الأصل في المسلم أن يقوم بحق أخيه المسلم، و( لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام ) ، والحديث محمول على هذا القسم، وبهذا تجتمع الأدلة، فنقول: لا يجوز لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا يحل لمسلمٍ أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا ) ، ولأن الأصل أن يقوم المسلم بحق أخيه المسلم: ( حق المسلم على المسلم خمس - وفي رواية: ست -: إذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا عطس فحمد الله فشمته ) إلى آخر الحديث.

    فتلخص لنا: أن الهجر ينقسم إلى هذين القسمين.

    والمؤلف رحمه الله تعالى يقول: يهجرها في الكلام ثلاثة أيام فقط، وهذا قول جمهور أهل العلم؛ لما تقدم من حديث الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام ) .

    والرأي الثاني: أنه لا يتقدر بمدة.

    وهذا الحديث كما قلنا محمول على الهجر الذي يكون في حال المخاصمة، فلو وقع بينك وبين شخص مخاصمة ونزاع وشجار، فقد رخص لك الشارع أن تهجره إلى ثلاثة أيام، أما أكثر من ذلك فلا تهجره، وأما الهجر الذي يقصد منه الإصلاح والتأديب، فهذا لا يتقيد، وهذا القول هو الصواب.

    وعلى هذا نقول: الهجر في الكلام لا يتقيد بثلاثة أيام، ما دام أن المقصود هو الإصلاح والتأديب.

    المرتبة الثالثة: الضرب

    قال رحمه الله تعالى: (فإن أصرت).

    يعني: لم تنجح المرحلة السابقة، وهي مرتبة الهجر، فإنه يصير إلى المرتبة الثالثة: وهي مرتبة الضرب، والضرب دليله القرآن كما تقدم: وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ [النساء:34].

    وما ثبت من حديث عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبعٍ، واضربوهم على ذلك وهم أبناء عشر ).

    وحديث أبي بردة أيضًا في الصحيحين: ( لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حدٍ من حدود الله ) والمقصود بالجلد هنا: جلد التأديب، كما حمله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.

    قال رحمه الله: (غير مبرح).

    هذا الشرط الأول من شروط الضرب: أن يضربها ضربًا غير مبرح، يعني: لا يكون الضرب ضارًا، ولا يكون شاقًا؛ لأن المقصود من الضرب هو التأديب والإصلاح، وليس المقصود منه الإتلاف والإضرار والإشقاق؛ وعلى هذا نقول: بأنه ضرب يؤلم لكن لا يشق، فإذا كان يترتب على المضروب مشقة أو ضرر فإنه لا يجوز؛ لأن الأصل في بدن المسلم الحرمة: ( إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ).

    الشرط الثاني: ألا يزيد هذا الضرب على عشرة أسواط، ودليله ما تقدم من حديث أبي بردة في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حدٍ من حدود الله ) .

    الشرط الثالث: أن يجتنب المقاتل، ففي البدن مقاتل: كالفؤاد والفرج والقلب والكليتين ونحو ذلك من المقاتل، لقول الله عز وجل: وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [النساء:29] .

    الشرط الرابع: أن يقصد بذلك امتثال أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن لا يقصد الانتقام، وهذه المسألة تغيب عن كثيرٍ من الناس، فتجد أنه إذا خولف يقصد أن ينتقم لنفسه وأن يطفئ غضبه، ولا يقصد بالضرب أن يمتثل أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، ولهذا تجد أن الشيطان يستولي عليه فيشق في ضرب المؤدب وهذا خطأ، بل الواجب عليه أن يمتثل؛ لأنه إذا نوى أن يمتثل أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم كان ضرب هذا عبادة يؤجر عليه، وإذا قصد أن ينتقم لنفسه وأن يطفئ غضبه ونحو ذلك فلا يؤجر بل يأثم على ذلك؛ لأن الأصل في بدن المسلم الحرمة.

    الشرط الخامس: أن يكون المؤدب ممن يحتمل التأديب، فإن كان لا يحتمل التأديب لصغره أو لكونه مريضًا أو نحو ذلك، فإنه لا يؤدبه وإنما يكون تأديبه بالتوبيخ ونحو ذلك.

    المرتبة الرابعة: بعث حكمين من أهل الزوجين

    هذه مراتب علاج النشوز الثلاث، بقي مرتبة رابعة، ويضيف الفقهاء الحنابلة رحمهم الله مرتبة رابعة ثم خامسة، فأما الرابعة فلا دليل عليها: وهي أن ينصب القاضي ثقةً يشرف عليهما، يعني: إذا ادعى كل من الزوجين ظلم صاحبه فإن القاضي ينصب ثقةً يشرف عليهما ويلزمهما الحق، وهذا المشرف ليس عليه دليل، لا من كتاب الله ولا من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    وعلى هذا؛ فالصواب في ذلك أنه يصار إلى المرتبة الخامسة، وهي مرتبة بعث الحكمين، ودليلها قول الله عز وجل: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا [النساء:35]، وهذان الحكمان ما كيفيتهما؟ هل هما وكيلان، أم أنهما حكمان، أي: قاضيان؟ للعلماء رحمهم الله في ذلك رأيان:

    الرأي الأول: أنهما وكيلان وليسا حكمين، وهذا هو المذهب، وهو مذهب الحنفية: وعلى هذا لا يملكان التفريق بين الزوجين إلا بإذنهما؛ ودليلهم قول الله عز وجل: إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا [النساء:35] ولا يكون الإصلاح إلا إذا كان ذلك بإذن الزوجين.

    الرأي الثاني وهو رأي المالكية، وقول عند الشافعية: أنهما حكمان، يعني: أنهما بمنزلة القاضيين، ودليل ذلك ظاهر القرآن، فإن الله سبحانه وتعالى قال: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا [النساء:35] ولأن هذا هو الوارد عن علي رضي الله تعالى عنه، وهذا القول هو الصواب، وعلى هذا؛ إذا رأى هذان الحكمان أن يفرقا بين الزوجين فرقا، وإن رأيا أن يجتمعا اجتمعا، سواء كان ذلك بعوض أو كان ذلك بغير عوض.

    ويشترط لهذين الحكمين شروط:

    الشرط الأول: التكليف؛ لأن الصغير والمجنون لا ينظران لأنفسهما فلا ينظران لغيرهما.

    والشرط الثاني: الإسلام؛ لقول الله عز وجل: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [النساء:141] .

    والشرط الثالث: الذكورة، وهذا قول جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى؛ لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ) وهذا ما عليه أكثر أهل العلم خلافًا للحنفية، والحنفية كما سيأتينا في باب القضاء يتوسعون في ولاية المرأة، وهم أوسع الناس فيما يتعلق بولاية المرأة، لكن الصواب في ذلك هو ما عليه جمهور أهل العلم.

    الشرط الرابع: العدالة، ويشترطها جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى، والصواب كما تقدم: أننا نشترط بدل العدالة: الأمانة؛ لأن الله سبحانه وتعالى اشترطها بقوله: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ [القصص:26] .

    والشرط الخامس: علم الحكمين، يعني: أن يكون الحكمان عالمين بالجمع والتفريق وما يصلح الزوجين، وهذا هو المشهور من المذهب، وهو أيضًا مذهب المالكية، والرأي الثاني: أن هذا ليس شرطًا؛ لأن الواجب هو الإصلاح، والإصلاح لا يتطلب علمًا، والذي يظهر -والله أعلم- هو الرأي الأول.

    الشرط السادس: أن يكون الحكمان من أهل الزوجين؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا [النساء:35] وهذا قول المالكية للآية، وعند جمهور أهل العلم: أن هذا سنة وليس شرطًا؛ لأن المقصود هو الإصلاح، والذي يظهر -والله أعلم- هو رأي المالكية وهو اختيار شيخ الإسلام : أنه لا بد أن يكون الحكمان من أهل الزوجين.

    فإن عجز الحكمان فيصار إلى الطلاق، وأنت تنظر إلى أن الإسلام حريص على عدم إيقاع الطلاق، وأنه إذا حصل شقاق بين الزوجين فإنه لا يصار إلى الطلاق ابتداءً، وإنما يكون في آخر المراحل، فيعالج نشوز الزوجة بما ذكره الله عز وجل وتقدم بيانه من مراتب، ثم إذا تعذرت الحياة الزوجية فحينئذٍ يصار إلى الطلاق، هذا فيما يتعلق بنشوز الزوجة.

    نشوز الزوج

    وأما نشوز الزوج فبينه الله عز وجل بقوله: وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا [النساء:128] فإذا خافت المرأة من زوجها أن يطلقها، أو وجدت منه الإعراض عن القيام بحقوقها، وخصوصًا إذا كبرت في السن أو مرضت أو نحو ذلك، فالإصلاح هو المطلوب بدلًا من أن تطلق؛ لأن الطلاق كسر للمرأة، وذلك بأن تتنازل عن شيءٍ من حقوقها، فتتنازل عن شيءٍ من النفقة أو شيءٍ من القسم، أو شيءٍ من السكنى، حتى تدوم الحياة الزوجية.

    وكون الزوجة في ظل زوج خير لها من أن تظل بلا زوج، ولا شك أن الزوج وإن قصر في بعض حقوق الزوجة إلا أنه يكفي أن تكون في ظله، وأن لها من يقوم عليها ويكفلها ويحصل لها شيء من الأنس والألفة وحفظ البيت والأولاد ونحو ذلك.

    1.   

    العدل بين النساء في السفر

    وهنا مسألة قبل أن ننتقل إلى باب الخلع، وهي أنه يجب على الزوج أن يعدل بين زوجاته في السفر، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد وهو مذهب الشافعية، ويدل لذلك قول الله عز وجل: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [النساء:19] وليس من المعروف أن يسافر بهذه ويترك هذه، وأيضًا حديث عائشة : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه ) خرجاه في الصحيحين.

    وعند الحنفية والمالكية أنه لا يجب على الزوج أن يعدل بين زوجاته، إلا أن المالكية أخف من الحنفية في هذه المسألة، فالحنفية يقولون: لا يجب عليه، بل إذا أراد أن يسافر فله أن يتخير من شاء من زوجاته؛ لأن هذه الزوجة قد تصلح للسفر وهذه قد لا تصلح، فقد تكون كبيرة وهذه صغيرة، وهذه قد تكون لها أولاد، وهذه ليس لها أولاد، وهذه قد تكون مريضة بخلاف هذه.

    والمالكية وإن كانوا في الجملة يقولون: لا يجب عليه أن يعدل إلا أنهم يقولون: لا يتخير إلا إذا كان هناك مصلحة، ولا يتخير تشهياً فمثلًا: هذه المرأة معذورة وهذه غير معذورة، فيأخذ هذه لكونها غير معذورة، ويستثنون من ذلك سفر الحج وسفر الغزو، فيقولون: بأن سفر الحج وسفر الغزو عبادة، ولا بد أن يقرع بين نسائه.

    والصواب في هذه المسألة: هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه يجب على الزوج أن يعدل بين نسائه، وعلى هذا؛ إذا أراد أن يسافر فإنه يقرع بين نسائه، ولكن إذا أراد أن يكرر السفر مرةً أخرى، فمن سافرت هل تدخل في القرعة مرةً أخرى، أو لا تدخل؟ ظاهر كلام كثير من العلماء أنها تدخل، لكن الشافعية ينصون على أنها لا تدخل، فمثلًا لو كان عنده أربع زوجات وأجرى القرعة، وخرجت القرعة للأولى وسافر بها، ثم أراد أن يسافر مرةً أخرى، فالذي يظهر -والله أعلم- أنها لا تدخل، وهذا هو الأقرب إلى العدل، فيقرع بين الثلاث البواقي، ثم يقرع بين الاثنتين، ثم يسافر بالأخيرة، ثم لا حاجة إلى القرعة مرةً أخرى، فمن سافر بها أولاً تكون النوبة نوبتها.

    وإذا سافر في نوبة المرأة فهل يقضي لها إذا رجع أو لا يقضي لها؟

    هذا لا يخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن يسافر في النهار، فهذا لا يقضي لها؛ لأن الأصل في القسم هو الليل، والنهار إنما هو تابع، ولهذا يرى بعض الشافعية أن له في النهار أن يدخل لحاجة ولغير حاجة؛ وعلى هذا نقول: إذا سافر في النهار فإنه لا يقضي لها إذا رجع.

    الأمر الثاني: إذا سافر في الليل، فإن كان في آخر الليل بعد النصف فهذا لا يقضي لها، لأن نوبتها قد مضت، وإن كان في أول الليل قبل النصف، فيقضي لها؛ لأنه في الحقيقة لم يوفها نوبتها، وهذا الذي يظهر والله أعلم.

    1.   

    الدخول على غير صاحبة النوبة ليلاً أو نهاراً

    وقد تقدم أنه يجب على الزوج أن يعدل بين زوجاته في القسم، وذكرنا أن القسم: هو توزيع الزمان على الزوجات، كثير من الفقهاء وهو المشهور من المذهب، يقولون: لا يجوز له أن يدخل على غير صاحبة النوبة في الليل إلا لضرورة، وأما في النهار فإنه لا يدخل إلا لحاجة، فإذا كانت النوبة للأولى فلا يدخل على الثانية إلا لضرورة ليلًا، كأن يوجد حريق أو أن تمرض وتحتاج إلى علاج أو تستوحش ونحو ذلك، وأما في النهار لا يدخل إلا لحاجة لأن النهار أخف.

    الرأي الثاني: لا يدخل في الليل إلا لضرورة، وأما في النهار فللحاجة.

    الرأي الثالث: يدخل في الليل وفي النهار لضرورة ولحاجة.

    والذي يتأمل سنة النبي صلى الله عليه وسلم يجد أن النبي كان يدخل ليلًا ونهارًا، لكن بشرط أن يعدل، إذا كان عندك أكثر من زوجة فادخل في الليل وادخل في النهار، لكن بشرط أن تعدل، فإذا دخلت عند هذه في الليل ولو كان لغير حاجة فادخل عند هذه في الليل، وإذا دخلت عند هذه في النهار فادخل عند هذه في النهار، وهذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت في الصحيح: ( كان إذا صلى العصر يدور على نسائه ) وأيضًا : دار النبي صلى الله عليه وسلم على نسائه في الليل، واغتسل غسلًا واحدًا في وطئهن وهذا مما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم يدخل ليلًا ونهارًا لحاجة ولغير حاجة، وهذا الذي يظهر والله أعلم.

    والمقصود من ذلك هو تحقيق العدل، فإذا حقق الزوج العدل، فالأمر في ذلك واسع، أما ما ذكره الفقهاء رحمهم الله من أنه لا يدخل في الليل إلا لضرورة وفي النهار لحاجة، فهذا فيه شيء من التضييق والتشتيت، لكنهم يقولون ذلك احتياطًا لحق المرأة.

    إذاً: يجب عليه أن يعدل في اللبث، وكذلك حصول استمتاع ووطء، فإذا وطئ في غير صاحبة النوبة، فيطأ الأخرى في غير نوبتها، وأما إن كان دون الوطء من الاستمتاع، فالفقهاء رحمهم الله يرخصون فيه، ويقولون: لا يجب العدل فيه، والله أعلم.

    1.   

    الخلع

    قال رحمه الله تعالى: (باب الخلع).

    لما تكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن النكاح وأحكامه، وما يتعلق بشروطه وأركانه والصداق إلى آخره، وشرع هنا فيما يتعلق بأسباب الفرقة وكان قد تكلم رحمه الله على النشوز، ولا شك أن النشوز سبب من أسباب الفرقة، ومن أسباب الفرقة أيضاً الخلع، وهذا الترتيب الذي ذكره المؤلف رحمه الله من أحسن الترتيب؛ لأن الفقهاء رحمهم الله يذكرون الباب وما يتعلق بأركانه وشروطه وكيفياته، ثم يذكرون ما يتعلق بمبطلاته، أو ما يتعلق بما يكون سببًا في حله إذا كان عقدًا إلى آخره.

    فهنا المؤلف رحمه الله تكلم عن النشوز وهو من أسباب الفرقة، ثم تكلم عن الخلع وهو من أسباب الفرقة أيضًا.

    تعريف الخلع

    والخلع في اللغة يطلق على معانٍ، منها: الإزالة والنزع والتجريد، وأما في الاصطلاح: فهو فراق المرأة بعوض.

    والأصل فيه القرآن والسنة والإجماع؛ أما القرآن فقول الله عز وجل: فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ [البقرة:229] ، وأما السنة فحديث ابن عباس في صحيح البخاري في قصة امرأة ثابت بن قيس : ( أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ثابت لا أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام ) ومرادها بقولها هذا كفران العشير، كفران الزوج وعدم القيام بحقوقه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( أتردين عليه حديقته؟ وكان قد أصدقها بستانًا، فقالت: نعم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اقبل الحديقة وطلقها تطليقة ) ، والإجماع قائم على ذلك.

    من يصح منه الخلع

    قال رحمه الله تعالى: (من صح تبرعه من زوجة وأجنبيٍ صح بذله لعوضه).

    (من) الثانية بيانية، أي: الذي يصح منه بذل العوض لحصول الخلع هو الزوجة، ويشترط: أن تكون حرةً رشيدة غير محجورٍ عليها، فالزوجة إذا توفرت فيها هذه الصفات صح أن تبذل العوض لكي تفتدي نفسها، وهذا بالإجماع، ويدل لذلك قول الله عز وجل: فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ [البقرة:229].

    وعلى هذا؛ إذا كانت الزوجة أمة، فلا يصح أن تختلع، وكذلك أيضًا إذا كانت سفيهة، أو كانت محجورًا عليها إلى آخره، فلا يصح أن تختلع.

    خلع الأجنبي

    قال رحمه الله: (وأجنبي).

    يختلف هذا المصطلح باختلاف أبواب الفقه، فالمراد بالأجنبي هنا: غير الزوجة؛ لأن الأصل أن الذي يقوم بالخلع ببذل العوض في الخلع هو الزوجة، فالمراد بالأجنبي هنا: غير الزوجة، وعلى هذا؛ لو أن أخاها بذل العوض للزوج لكي يفارقها صح، ولو أن جدها بذل العوض صح ذلك، وهذا ما ذهب إليه جمهور العلماء رحمهم الله تعالى، وهو قول الأئمة؛ لأنه بذل مالٍ في إسقاط حق فصح من الزوجة ومن غيرها.

    الرأي الثاني وهو قول الظاهرية، وأبي ثور : لا يصح الخلع من الأجنبي، واستدلوا على ذلك بظاهر قول الله عز وجل: فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ [البقرة:229] يعني: الزوجة، وقال الله سبحانه وتعالى: وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا [الأنعام:164] فلا يكسب أحد على غيره، وإنما يكسب الإنسان على نفسه.

    والصواب في هذه المسألة ما ذهب إليه جماهير العلماء رحمهم الله وأنه يصح؛ لأن هذا مما يقصد به الإصلاح، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حيث ذكر أنه فك للمرأة كفك الأسير، وكما أن فك الأسير فرض كفاية على المسلمين، فكذلك أيضًا هنا؛ لأن المرأة أسيرة عند الزوج فتحتاج إلى الفكاك.

    لكن خلع الأجنبي ينقسم إلى أقسام:

    القسم الأول: أن يخلع الزوجة لمصلحته هو، كأن يخلعها من زوجها لكي يتزوجها، فهذا محرم ولا يجوز، وهو من عمل السحرة الذين يفرقون بين المرء وزوجه.

    القسم الثاني: أن يخلعها لمصلحة غيره، يعني: لمصلحة زيد من الناس لكي يتزوجها، وهذا أيضًا محرم ولا يجوز ولا يصح.

    القسم الثالث: أن يخلعها لا لمصلحة، وحكم هذا أيضًا كما سلف.

    القسم الرابع: أن يخلعها لمصلحة الزوج، كأن تكون الزوجة مؤذية لزوجها، والزوج لا يتمكن من الطلاق؛ لأنه قد لا يجد مهراً يتزوج به، فيعطيه مهر هذه المرأة لكي يقوم بخلها فهذا صحيح.

    والقسم الخامس: أن يخلعها لمصلحة الزوجة نفسها، وهذا أيضًا صحيح، كما لو كانت الزوجة كارهة للمقام مع الزوج كما سيأتينا، فيعطيها المال لكي تخلع نفسها.

    القسم السادس: أن يخلعها لمصلحتهما جميعًا، هذا أيضًا صحيح.

    1.   

    أسباب الخلع

    قال رحمه الله: (فإذا كرهت خلق زوجها أو خلقه).

    الخُلُق: الصورة الباطنة، والخَلْق: الصورة الظاهرة، أي: إذا كرهت خلق زوجها، يعني: صورته الباطنة، كأن يكون سيء الأخلاق، طعانًا، لعاناً، فاحشًا، بذيئًا ونحو ذلك، أو خلقه يعني: صورته الظاهرة.

    قال رحمه الله: (أو نقص دينه).

    يعني: عنده نقص في الدين كشرب الدخان، أو لا يصلي مع الجماعة أو نحو ذلك.

    قال رحمه الله: (أو خافت إثما بترك حقه أبيح الخلع).

    أي: إذا كان هناك حاجة إلى الخلع بأن يخاف ألا يقيم الزوجان حدود الله، فالخلع هنا مباح، كما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى، ودليله قول الله عز وجل: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ [البقرة:229].

    وقد نص العلماء رحمهم الله على أن الزوجة إذا كرهت زوجها وهو يحبها، فالأفضل لها أن تصبر، يعني: إذا كرهته لا لنقصٍ في دينه ونحو ذلك، فهو قائم بدينه ولا يلحقها ضرر وهو يحبها، فالسنة لها أن تصبر، بل نص بعض العلماء: على أنه يكره في حقها الخلع.

    قال: (وإلا كره ووقع).

    يعني: إذا كان الخلع لغير حاجة، فالحال مستقيمة بين الزوجين، فالخلع مكروه ويقع، وهذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى، وهو رأي جمهور أهل العلم رحمهم الله، واستدلوا بقول الله عز وجل: فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ [البقرة:229]، وقول الله عز وجل أيضاً: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا [النساء:4] لكن يكره لعدم الحاجة.

    والرأي الثاني وهو رأي الظاهرية، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله: أنه لا يجوز، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: الخلع مع استقامة الحال محدث في الإسلام، والذي جاء به الإسلام إنما هو الخلع مع الخوف من عدم إقامة حدود الله.